النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    30 - 3 - 2017
    المشاركات
    715

    إضاءات دعوية من قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه

    قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا*﴾ [مريم: 42].



    إبراهيم عليه السلام دعا أباه آزر إلى الإيمان بالله عز وجل، فاستخدم مع أبيه وسيلة من وسائل الدعوة وهي الإقناع العقلي؛ حيث أنكر عليه عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يملك ولا يغني شيئًا من دفع ضر أو جلب نفع؛ كالأصنام من الحجارة.



    من الإضاءات الدعوية:

    1- على الداعية الرفق واللين في الخطاب مع المدعو، واختيار العبارات اللطيفة التي لا تؤذي الآخرين، وتدخل إلى قلوبهم، فتؤثر فيهم، فإبراهيم عليه السلام مع أنَّ أباه كافر مشرك ناداه بقوله: (يا أبتِ) بعبارة جميلة لطيفة، قال ابن عاشور رحمه الله: "وافتتح إبراهيم خطابه أباه بندائه مع أنَّ الحضرة مغنية عن النِّداء قصدًا لإحضار سمعه وذهنه لتلقي ما سيُلقيه إليه،.. ثم قال: قال الجد الوزير: علِم إبراهيم أنَّ في طبع أهل الجهالة تحقيرهم للصغير كيفما بلغ حاله في الحذق وبخاصة الآباء مع أبنائهم، فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماءً إلى أنه مخلص له النصيحة"[1]،*وإذا كان هذا الخطاب مع الأب الكافر، فلا شك أن الأب المسلم العاصي أولى منه بذلك.



    2- من وسائل الدعوة الإقناع العقلي؛ حيث إنَّ مثل هذه الوسيلة تجعل المدعو يرجع إلى نفسه ويُعمل عقله وفكره، ويُفكِّر تفكيرًا صحيحًا يقتنع من خلاله بصحة ما دُعي إليه.



    3- وسيلة الإقناع العقلي استخدمها إبراهيم عليه السلام في عدة مواقف مع قومه، فاستخدمها مع أبيه كما في هذه الآيات، ومع قومه عند تكسيره للأصنام عندما قال لهم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 63]، كذلك عندما قال لهم: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ [الشعراء: 77 - 81]، وفي قصته مع من يعبدون الكواكب، فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾ [الأنعام: 78]، ومع النمرود في قصته في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ [البقرة: 258].



    ♦*الداعية قد يُثير بعض الشكوك ويطرحها أمام المدعو المعارض؛ حتى يبث الشك فيما يدعو إليه، فيجعله في حيرة من أمره، وتفكر دائم، وتصادم مع عقله السليم، وقد تكون مثل هذه الوسيلة طريقًا لرجوعه وتوبته واتباعه للحق؛ ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴾ [مريم: 43].



    يُخبر الله عز وجل أنَّ إبراهيم عليه السلام وهو يُحاور أباه، أخبره بأنه قد جاءه شيء من العلم لم يصله ولم يعلم به، فلذلك يدعوه لاتباعه، وأن يسلك الطريق المستقيم الصحيح.



    من الإضاءات الدعوية:

    1-إبراهيم عليه السلام تأدَّب مع أبيه وتواضع له، فلم يدَّعِ أنَّ عنده كل العلم، بل قال له: (قد جاءني من العلم ما لم يأتك)؛ أي: عندك علم وعندي شيء من العلم لم يصلك، مع أنه عليه السلام أبو الأنبياء وأعلم الناس بربه؛ قال السعدي رحمه الله: "وفي هذا من لطف الخطاب ولينه، ما لا يخفى، فإنه لم يقل: "يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل"، أو "ليس عندك من العلم شيء"، وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علمًا، وأنَّ الذي وصل إليَّ لم يصل إليك ولم يأتك"[2]، وقال الزمخشري رحمه الله: "فلم يسمِّ أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق"[3].



    2- يجب على الداعية ألا يدَّعي أنه يعلم كل شيء ولو كان عالِمًا حقيقة، بل عليه أن يتواضع ويبيِّن أنَّ عنده شيئًا من العلم مما آتاه الله إياه، فالتواضع يرفع العبد، ويكتب له قبول الآخرين له.



    3- يجب أن يُعلم أنَّ الأب مهما بلغ علم ولده ومكانته، فإنه يراه صغيرًا جاهلًا أمام عينيه، فلذا قد تأخذه العزة بالإثم، فلا يستجيب له، فوجب على الولد أن يتلطف معه بقدر الإمكان، وأن يعامله معاملة حسنة مختلفة عن الآخرين، وأن يكرِّر دعوته له، وأن يتواضع له ويلين جانبه، فحق الوالدين عظيم ولو كانوا مشركين.



    4- فُسوق الوالد أو كفره ليس مبررًا للغلظة والشدة معه في القول والفعل، بل أمر الله الولد أن يصاحبهما بالمعروف ولو بلغوا في الكفر غايته بالدعوة إليه، بل بمجاهدة الولد على ذلك، فقال تعالى: ﴿*وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا*﴾ [لقمان: 15].



    ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ [مريم: 45].



    عند دعوة إبراهيم لأبيه أخبره بخوفه عليه أن يمسَّه عذاب من الرحمن، ثم يكون بعد ذلك للشيطان وليًّا ونصيرًا؛ قال السعدي رحمه الله: "فتدرَّج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه، بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأنَّ ذلك موجب لاتباعك إياي، وأنك إن أطعتني، اهتديت إلى صراط مستقيم، ثم نهاه عن عبادة الشيطان، وأخبره بما فيها من المضار، ثم حذَّره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، وأنه يكون وليًّا للشيطان"[4].



    من الإضاءات الدعوية:

    1- الداعية دعوته للآخرين هي من باب الشفقة والرحمة بهم (إني أخاف)، فهو لا يرجو من دعوته إلا حب الخير للآخرين، وإنقاذَهم من دركات الشقاء ووحلِ المعاصي والآثام، إلى درجات الجنان والطاعات والخيرات.



    2- إبراهيم عليه السلام تلطف مع والده، فحذَّره بلطف ولين، فقال له: ﴿*إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ*﴾ [مريم: 45]، ولم يقل له: يدخلك النار، فعبَّر بقوله: (يمسَّك)، ثم ختمها بقوله: (عذاب من الرحمن) مع أنَّ صفة الرحمن لا تناسب العذاب، ولكن ذكرها هنا من باب تذكير والده بأنَّ الله رحمن رحيم يرحم عباده إذا رجعوا وتابوا وأنابوا إليه، وقد ذكر هذه الصفة قبل ذلك، فقال: ﴿*يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا*﴾ [مريم: 44].



    3- بعض الدعاة قد يكون مجتهدًا في دعوة الآخرين الأبعدين، ومقصرًا في دعوة الأقربين، ومنهم الوالدان، وهما أحق بالدعوة والتوجيه والإرشاد والنصح، فحقهما عظيم، ودعوتهما أعظم وأوجب، فهما من كانا السبب في خروج هذا الداعية إلى الدنيا بعد الله وتربيته.



    4- على الداعية أن يكون رفيقًا مع والديه، مجتنبًا كل قول وفعل يظهر عليه علامات العقوق من رفع صوت، أو حدة بصر، أو رد بجفاء وغلظة، أو عدم استجابة لمطالبهما ما لم تكن إثمًا، فالداعية أولى الناس بذلك كله مع والديه.



    5- أهمية تذكير المدعوين بصفات الله عز وجل، فالظالم والمعتدي والمستكبر يخوَّف ويُذكَّر باسم الله الجبار والمتكبر والكبير، وأما غيره ممن وقع في بعض الذنوب، فيُذكَّر باسم الله الرحيم الرحمن الكريم التواب، وهكذا؛ ﴿*قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا***قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا*﴾ [مريم: 46، 47].



    عندما حاول إبراهيم عليه السلام دعوة أبيه للإيمان بالله، كرر ذلك معه بأساليب مختلفة، فكان رد أبيه عليه قويًّا شديدًا، فهدَّده بالرجم بالحجارة إن لم يؤمن بآلهته وينته عما يدعو إليه، وأمره بالبعد عنه وهجره وعدم مقابلته، فكان رد إبراهيم عليه لطيفًا لينًا؛ قال له: (سلام عليك)؛ أي: لن تسمع مني ما يؤذيك، وأنت في سلام مني ومن قولي وفعلي، ثم وعده بأن يستغفر له ربه لعله يغفر له؛ لأن ربه كان به محتفيًا معتنيًا به.



    من الإضاءات الدعوية:

    1- من صفات الداعية الصبر على التهديدات والأذى، وتحمُّل المشاق التي تناله من قبل المدعوين، وخاصة إذا كان المدعو أحد الوالدين، فالصبر في حقهما آكد وأوجب من غيرهما، فطريق الدعوة محفوف بالمخاطر، والصبر على ذلك واجب محتم.



    2- قد يرفق الداعية بالمدعو، ويخاطبه بأجمل الخطابات والعبارات، ومع ذلك قد لا يجد منه استجابة وردًا حسنًا، بل يجد عنادًا واستكبارًا وردًّا غليظًا شديدًا.



    3- من صفات الداعية عدم مقابلة السيئة بالسيئة، بل يرد بالحسنى، فما أجمل أن يكون الرد على السوء والتهديد برد لطيف جميل، فالداعية مهما تعرض لمثل ذلك، فهو يحتسب الأجر عند ربه، فلا يرد السوء بالسوء، ولا القول القبيح بالقبيح، بل يصبر على ذلك ويرد القبيح بالحسن، فقد قال إبراهيم عليه السلام - ردًّا على قول أبيه -: (سلام عليك)، ليس هذا فقط، بل دعا له فقال: (سأستغفر لك ربي)، فيصبر الداعية ويُحسن لمن آذاه بالدعاء له بالتوبة والمغفرة ولو سمع منه ما سمع؛ لأنه فعل ذلك من أجل ربه والدعوة إليه.



    4- الداعية يتذكر عند دعوته نعم الله عليه التي لا تُعد ولا تُحصى، ومنها نعمة الهداية والاستقامة والتوفيق للخير، وجعلِه داعيًا إلى ربه، فإبراهيم عليه السلام قال: (إنه كان بي حفيًّا)؛ أي: الله عز وجل؛ ﴿*وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا*﴾ [مريم: 48].



    عندما علم إبراهيم عليه السلام برفض والده وقومه له ولدعوته، قام فاعتزلهم وتركهم وما هم عليه من عبادة الأصنام والأوثان، وبيَّن لهم أنه سيدعو ربه متوجهًا إليه عسى أن يسعده ربه بقبول دعائه وعمله.



    من الإضاءات الدعوية:

    1- الداعية قد يعتزل مجتمعه أو قومه في بعض الحالات، ومن ذلك عندما يستنفد جميع الوسائل الدعوية الممكنة، وقد يخشى على نفسه من الإيذاء الشديد الذي لا يُحتمل، أو يخشى التأثر بهم عند مخالطتهم، فالفرار بالدِّين والاعتزال قد يكون هو الحل، خاصة في زمن الفتن التي يخشى منها، وقد ورد في الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم، يتبع بها شَعَف الجبال أو سَعف الجبال[5]*في مواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن)[6]، وذلك في زمن شدة الفتن.



    2- مع الاعتزال والبعد عمن طرَدوه وآذوه، لا يزال قلب الداعية معلقًا بربه بدعائه والتوجه إليه بأن يثبته أولًا، ويطلب من الله الهداية لمن اعتزلهم من قومه وعشيرته.



    3- على الداعية إذا اعتزل قومه أن ينشغل بطاعة ربه وعبادته، وأن يتوجه إليه ويدعوه ويلتجئ إليه، ويوكل أمره إليه؛ قال السعدي رحمه الله: "وهذه وظيفة من أَيس ممن دعاهم، فاتبعوا أهواءهم، فلم تنجع فيهم المواعظ، فأصروا في طغيانهم يعمهون، أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول من ربه، ويعتزل الشر وأهله"[7].


    [1] التحرير والتنوير لابن عاشور: 16 /113.

    [2] تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي: 494.

    [3] محاسن التأويل للقاسمي: 7 /100.

    [4] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي: 495.

    [5] المراد رؤوس الجبال.

    [6] أخرجه البخاري برقم: (3600).

    [7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي: 495.


    موقع الألوكة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    2,664
    بارك الله فيك ...
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/


    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    30 - 3 - 2017
    المشاركات
    715
    وفيكم بارك الله

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •