النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    22 - 4 - 2003
    المشاركات
    4,994

    يقال : لماذا تقاطعون المراكز التجارية المختلطة ولا تقاطعون المستشفيات ؟


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وكتب الله لك مِن الأجر ما تعلو به منزلتك مع النبيين والصديقين والشهداء ، وأحسن الله إليك أحسانًا جزيلاً وقرّت عينك ووفقك الله وأدام فضلك وأعلا شأنك .
    تعلمُ - وفقك الله - ما حصلَ مِن بعض المراكِز التجارية مِن توظيف المحاسِبات مِن النساء ، فتمّت مقاطعة هذه المراكِز وحثثت مَن أعرِف على مقاطعتها طاعةً لله واحتسابًا للأجر مِن عنده .
    ثمّ طُرحِت عليّ شبهة قيل فيها : لماذا لا تقاطعون المستشفيات والمستوصفات طالما أنّ حُجّتكم في مقاطعة المراكِز التجارية هو وجود الاختلاط ؟
    فكيف يُردُّ على مثل هذه الشبهة - وفقك الله وزادك مِن بركاته ونعمائه - ؟



    الجواب :
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

    هذا كالذي قيل له في بيتك حريق ، فيقول : لا أُبالي ، لأن بيتي كان قد احترق قبل عشْر سَنوات !
    أو كالذي قيل له : لِمَ لا تُصلِّي ؟ فيقول : كيف أُصلّي وأنا أدخِّن أو أتعاطى المخدرات ؟!

    ورَحِم الله ابن حزم إذ يقول : لم أرَ لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق مِن كَلمتين ، ألقاهما على ألْسِنَة دُعَاته :
    إحداهما : اعتذار مَن أساء بأن فُلانًا أساء قَبْله .
    والثانية : استسهال الإنسان أن يُسيء اليوم لأنه قد أساء أمس ، أو أن يُسِيء في وَجه مَا لأنه قد أساء في غيره . فقد صارت هاتان الكلمتان عُذْرًا مُسَهِّلَتَين للشَّرّ ، ومُدْخِلَتين له في حَدّ ما يُعْرَف ويُحْمَل ولا يُنْكَر . اهـ .

    فهل يُسوَّغ الشَّرَّ بِشَرٍّ قد سبَقَه ؟!
    وهل الشرّ الموجود مثل الشرّ الْمُسْتَحْدَث ؟!
    وهل ما يُضْطَرّ إليه الإنسان مثل ما لا يُضْطَرّ إليه ؟

    فالمستشفيات لا يدخلها الإنسان للشِّراء ولا ِقَضاء أوقاته ، وإنما يدخلها في الغالب مُضْطَرًّا .
    ومع ذلك فالعقلاء يَتنادون بضرورة التغيير ، ونَبْذ ما يُخالِف الشرع .

    ولو وُجِدت مُستشفيات ومُستوصفات لا اختلاط فيها ، لَكَان النداء بِمقاطعتها مسموعا .
    وفي المراكز الصِّحيّة في الأحياء (المستوصفات الصغيرة في الأحياء) تُوجَد أقسام خاصة بالنساء ، وأخرى خاصة بالرِّجال .
    والمستطيع مادِّيًّا لا يلجأ إلى المستشفيات المختلَطة ، خاصة إذا تعلّق الأمر بِمَحَارِمه ، ولِسان حاله :
    أصُون عِرضي بِمَالي لا أُدَنِّسُه *** لا بارك الله بعد العِرْض بِالمالِ

    كما أن تلك الأسواق التي تُسهِّل الشرّ في عَمَل المرأة كَمُحَاسِبة ، هي شرّ وبلاء ، وهي تُنادي بِمزيد مِن الفساد الْمُؤذِن بالعقوبة ، كما قال تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .

    قال ابن القيم رحمه الله :
    اقْشَعرّت الأرض وأظلمت السماء , وظَهر الفساد في البر والبحر مِن ظُلم الفَجَرة , وذهبت البركات , وقَلَّت الخيرات , وهَزُلت الوُحوش , وتكدّرت الحياة مِن فِسْق الظَّلَمة .
    بَكَى ضوء النهار وظُلمة الليل مِن الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة , وشَكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح . وهذا والله مُنْذِر بِسَيْل عَذاب قد انعقد غَمَامه , ومُؤذِن بِلَيل بلاء قد ادْلَهَمّ ظلامه . فاعْزِلُوا عن طَريق هذا السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح . وكأنكم بالباب وقد أُغْلِق , وبالرهن وقد غَلِق ، وبالجناح وقد عَلِق ، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) . اهـ .

    وبَدَلاً مِن أن يُسْعَى إلى تقليص الشرّ يستجيب بعض الناس أو يقِف مواقِف سلبية إزاء ازدياد الشرّ ، وهو بذلك مُعِين للمُفْسِدين في الأرض الذين ينشرون الفساد ، الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى : (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) .
    ويُخْشَى على أولئك أن يدخلوا تحت قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) ، وتحت قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ؛ لأن ما يفعلونه مِن كُفران الـنِّعَم ، وليس مِن شُكْرِها ، وكُفران النِّعَم مُؤذِن بِزوالها ؛ لأن النِّعَم إنما تدوم بالشُّكْر ، وتزول بِكُفْرَانها .

    وكُفران النِّعَم مِن كُفران الْمُنْعِم .
    وكُفران النِّعَم مُؤذِن بِزوالها ، بل والعقوبة بِضِدِّها ، كما قال تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) .

    قال ابن عادل الحنبلي في تفسيره : قوله تعالى : (بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً) فيه أوجه :
    أحدها : أن الأصل : بَدَّلُوا شُكْر نِعمة الله كُفرا , كقوله تعالى : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) ، أي : شُكْر رِزقكم ؛ وَجَب عليهم الشُّكْر ؛ فَوَضَعُوا مَوْضِعه الكُفر.
    والثاني : أنَّهم بَدَّلُوا نَفْس النِّعْمَة كُفْرا على أنَّهم لَمَّا كَفَروها سُلِبُوها , فَبَقُوا مَسْلُوبي النعمة ، موصوفين بالكفر ، حاصلاً لهم . اهـ .

    فلا أقلّ مِن إنكار ذلك بالقَلْب وبِاللسان ، ومِن لوازِم ذلك مُقاطعة تلك الأسواق التي تَسْعَى إلى الفساد والإفساد ، وإلاّ كان السَّاكِت الْمُدَاهِن مُوافِقًا ومُشَارِكًا لهم .
    قال عليه الصلاة والسلام : إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - وَقَالَ مَرَّةً : " أَنْكَرَهَا " - كَمَنْ غَابَ عَنْهَا ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا . رواه أبو داود ، وحسّنه الألباني .
    وقال عليه الصلاة والسلام : ستكون أمراء فتعرفون وتُنْكِرُون ، فمن عَرف بَرئ ، ومَن أنْكَر سَلِم ، ولكن مَن رَضِي وتَابَع . رواه مسلم .

    ويجب أن يُسْعَى في تقليل الشرّ ما أمكن ، وقد ضَرَب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للساكت الْمُداهِن ، والقائم بالحق ، فقال عليه الصلاة والسلام : مثل الْمُدهِنِ في حدود الله والواقع فيها ، مثل قَوم اسْتَهَمُوا سَفينة ، فصار بعضهم في أسفلها ، وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يَمُرُّون بالماء على الذين في أعلاها ، فتأذّوا به ، فأخذ فأسًا فَجَعَل يَنْقُر أسفل السفينة ، فأتَوه ، فقالوا : ما لك ؟ قال : تأذّيتم بي ، ولا بُدّ لي مِن الماء ! فإن أَخَذُوا على يديه أنْجَوه ونَجَّوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم . رواه البخاري .

    وسبق :
    (الرد الكافي لمَن سأل عن الجواب الشافي) في شبهة عَمَل المرأة في المحاسَبة
    http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=92788

    وسبق أيضا :
    الإفساد في الأرض..
    http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/50.htm

    وهنا :
    زميلات زوجي في العمل يتمازحن أمام الأجانب ، فما حكم عمل زوجي ؟
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=3290

    هل يجوز الاختلاط في الأعمال الخيرية ؟
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=4132

    نظرة تحليلية : هل لِمَنع الاختلاط أصل في الإسلام ؟!
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=4130

    أقام علاقة مع امرأة متزوجة ووعدها بالزواج
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=6802

    هل يجوز أن أعمل أنا وبنت في مكتب واحد ؟
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=3020

    والله تعالى أعلم .

    المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
    الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض
    التعديل الأخير تم بواسطة مشكاة الفتاوى ; 07-16-16 الساعة 11:09 PM
    حساب مشكاة الفتاوى في تويتر:
    https://twitter.com/al_ftawa

    :::::::::::::::::::::

    هل يجوز للإنسان أن يسأل عمّا بدا له ؟ أم يدخل ذلك في كثرة السؤال المَنهي عنها ؟
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=98060


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •