مجالات التربية الذاتية ووسائل هذه التربية من خلال التوجيه القرآني
ينشأ الإنسان في بيئة الأسرة إلى أن يصبح في سن التمييز ، وخلال وجوده فيها يكوّن موقفاً من أسرته ، وما أن يخرج إلى العالم الأوسع حتى يقرر ما إن كان محظوظأ بأسرته أم لا ، و أن ما فاته فيها يمكن أن يستدركه ، ولا شك أن الله قد زوّد الإنسان بعقل يميّز به الصالح من الطالح ، وجعل بين يدي الإنسان وسائل الارتقاء ، ومنها القراءة الواعية فهي المنظار الذي يقرب ما كان من نتاج العقول سابقاً ، وتوضح ما هو كائن على كافة الأصعدة ، وتمكّن الفرد أن يضيف، ويساهم في تطوير واقعه .
إنّ حب المعرفة والوصول إلى الحقيقة فطرة ، وسبلُها كثيرة منها الآمن ، ومنها غير الآمن ، ومنها المرشد ومنها المضلل ، ولذا جعل الله المسؤولية عن النفس بعد البلوغ ذاتية ، وحمايتها واجبة ، فقال جلّ وعلا في سورة الإسراء :
( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ):36 ، فالمسلم في رحلة المعرفة التي يستخدم فيها سمعه وبصره وعواطفه التي توجهه مسؤول عنها مسؤولية ذاتية من حيث الاهتمام باستخدامها الاستخدام الصحيح وعدم تعطيلها .
ومن كمال المعرفة أن يستخدمها الإنسان فيما يصلح حاله ومن حوله ، ويرفع بها شأن أمته ، ولذا وجب عليه الأخذ بها ، وإعمال الفكر فيها مستخدماً سبلاً عديدة ، وعاقداً المقارنات وواصلاً إلى الاستنتاجات الصحيحة .
ولكي يحث الإسلام على تلك الإيجابية في حياة الفرد نبّهه إلى أنه سيسأل عن شبابه وعمره وماله في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيما فعل ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه
الراوي: أبو برزة الأسلمي المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2417
خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح . ( 1) ووجه الإسلام الإنسان بالسعي إلى حسن الختام بعبارة بليغة بقوله ( قد أفلح من زكاها ) فالتزكية مسؤولية ذاتية تقتضي أن يرقب الإنسان ذاته ، ويكفّها عن كل المسببات التي تحول دون تزكيتها ، وأن يقودها إلى الائتمار بما أمر به الله ورسوله والانتهاء عما نهيا عنه
والمعطيات التي بين يدي كلّ مسلم شهادة التوحيد والعمل بمقتضاها مما يجعله عالماً بعبوديته محققاً معنى الألوهية والربوبية عالماً بالتعامل مع الكون حوله من بشر وشجر ومدر وسماء وأرض وعوارض ونوازل متحرراً من كل قيد يحول بينه وبين الوصول إلى الحقيقة ، ومن المعطيات أيام من العمر يشكلها كرّ الليل والنهار ، وأنفاس معدودة في أماكن محدودة ، تتخللها امتحانات بالخير والشر ينبغي تحصيل النجاح فيها ، وباب للتوبة مفتوح يتيح لمن أخطأ أو زلت قدمه العودة إلى جادة الصواب ومن المعطيات أيضاً علاقات اجتماعية متفاوتة الأهمية مرسومة الملامح متعددة المطامح تعلي قيمتها النية وحسن الاتصال ، وتؤتي ثمراتها الطيبة على الفرد والمجتمع وبعد فإن استغلال هذه المعطيات في بناء الذات يجعل المسلم شخصية متكاملة في جميع جوانبها فيصبح قادراً على المساهمة في تربية غيره وفي بناء الحضارة .