السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها المسلمون:
اننا نردد كل يوم عبارة عظيم جليلة، تحمل في طياتها معنى كبيراً يحدد سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
هذه العبارة هي قولنا: أشهد أن محمد رسول الله. فهل يا تري نفقه هذه العبارة؟! وإذا كنا نفقهها، فهل نطبقها في حياتنا كلها؟
إن نكبات المسلمين ومصائبهم اليوم، وما هم فيه من ذلٍ، وتخلف، وتناحر، وما يعانونه من مشاكل اجتماعية وأسرية، وما يعانونه من مشاكلَ سياسية مع حكامهم، أو مشاكل عالية مع الكفار،
راجعٌ كله إلى الخلل الكبير في فهم الإسلام، وإبعاده وإقصاءه عن الحياة، وأكبرُ مثالٍ لما نقول تلك النظرة القاصرة، والإدراك المحدود، لشهادة أن محمد رسول الله،
والتي أصبحت في حياة الكثيرين، مجرد عبارة جوفاء، لا وزن لها ولا قيمة،
مفسداتها
وانظر إن شئت في بلادالمسلمين اليوم، تجد التصرفات المتخبطة، والمناهج المضطربة، تمارس على نطاق جماعي وفردي.
فما هو معنى هذه الشهاده وما هى شروطها وما هى
المبحث الأول: معنى هذه الشهادة:
1- معنى هذه الكلمة العظيمة -
وهي شهادة أن محمداً رسول الله - هو: الإقرار باللسان والقلب بأن محمداً مرسل من ربه أرسله الله عز وجل إلى جميع الخلق من أمته.
فالشهادة الأولى – وهي شهادة أن لا إله إلا الله – فيها إقرار بالتوحيد، والثانية فيها إقرار بالرسالة كما قال المباركفوري في"تحفة الأحوذي".
قال القاضي عياض في "الشفا" (2/538):
(والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته ورسالة الله له، وتصديقه في جميع ما جاء به وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك باللسان تم الإيمان به والتصديق له كما ورد في هذا الحديث نفسه من رواية عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وقد زاده وضوحاً في حديث جبريل إذ قال أخبرني عن الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وذكر أركان الإسلام ثم سأله عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله..." الحديث، فقد قرر أن الإيمان به محتاج إلى العقد بالجنان، والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان وهذه الحالة المحمودة التامة.
وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق القلب وهذا هو النفاق، قال الله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) أي: كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم وتصديقهم وهم لا يعتقدونه فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فخرجوا عن اسم الإيمان ولم يكن لهم في الآخرة حكمه إذ لم يكن معهم إيمان ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار، وبقى عليهم حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمين الذين أحكامهم على الظواهر بما أظهروه من علامة الإسلام إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر ولا أمروا بالبحث عنها) أ.هـ
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "شرح ثلاثة الأصول": (معنى شهادة "أن محمداً رسول الله" هو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمداً عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله – عز وجل – إلى جميع الخلق من الجن والإنس) أ.هـ
وقال الشيخ صالح الفوزان في "المنتقى من فتاوى الفوزان": (ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله الاعتراف برسالته ظاهراً وباطناً، وطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، والاعتراف كذلك بعموم رسالته إلى جميع الثقلين، وأنه خاتم النبيين لا نبي بعده إلى أن تقوم الساعة).
2- فلابد في الشهادة من مطابقة ما في اللسان لما في القلب
وإلا كان كذباً كما تقدم من كلام القاضي عياض، ولذلك كذب الله المنافقين في قولهم: (نشهد إنك لرسول الله) لأنهم وإن كانوا قد قالوها بلسانهم لكنهم لم يقولوها عن اعتقاد في قلوبهم، فلذلك وصفهم الله بأنهم كاذبون.
فحقيقة الشهادة هي ما قاله ابن القيم في "مدارج السالكين" (3/451): (فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:
فاول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته.
وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم به مع نفسه، ويذكرها وينطق بها أو يكتبها.
وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له.
ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به) أ.هـ
3- والرسالة عند أهل السنة نعمة ومنة يمن الله بها على من يشاء من عباده
فيختار لها رجلاً حراً آدمياً من بين الناس، لعلمه سبحانه بأن هذا الرسول أهل لهذه الرسالة، فهو أعرف الناس بعظمتها، وأصبرهم على تبليغها، وأشكرهم لله على نعمتها، فيرسله إلى قوم ليدعوهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده ونبذ الشرك به سبحانه وتعالى، فهي لا تنال بالكسب كما يقول الفلاسفة والمتكلمون وغلاة الصوفية وغيرهم.
المبحث الثاني: مقتضى هذه الشهادة
وهذه الكلمة العظيمة لها تفسير من ظاهر اللفظ - وهو تفسير بالمطابقة - وهو ما تقدم، ولها تفسير آخر هو المعنى الذي تقتضيه وهو المعنى الذي عرفناه من هذه الشهادة باللازم، وقد تنوعت عبارات العلماء في بيان ما تقتضيه شهادة أن محمداً رسول الله:
1- فقيل:
تقتضي تصديقه فيما أخبر، وامتثال ما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "ثلاثة الأصول": (ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في "حاشية ثلاثة الأصول": (هذا معنى شهادة أن محمداً رسول الله من طريق اللزوم. ولا ريب أنها تقتضي الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه، ولا يقدم عليه قول أحد).
وذكر الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في "شرح ثلاثة الأصول" نحو هذا.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح ثلاثة الأصول": (ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله صلى الله فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع).
وسنشرح هذه المعاني بشرح مختصر يبين للقراء معانيها.
الأول تصديقه فيما أخبر:
أي يجب تصديقه في كل شيء أخبر به صلى الله عليه وسلم، سواء كان في الأمور الماضية أو التي تقدم حصولها كأخبار أول الخلق ثم أخبار آدم ومن بعده من الرسل، أو الأمور المستقبلة كأخبار يوم القيامة وأشراطها وعلاماتها، أو ما يتعلق بالبرزخ والأخبار المتعلقة به وبغيره.
مع العلم أننا لا نفرق بين متواتر أو آحاد، فكل ما صح عن رسول الله فهو حق كما قال الطحاوي في "عقيدته".
الثاني امتثال ما أمر:
أي: امتثال أوامره صلى الله عليه وسلم طاعة لله وتعظيماً وإجلالاً وطلباً للقربة منه سبحانه باتباع نبيه وامتثال أمره.
الثالث ترك ما نهى عنه وزجر:
أي: ترك ما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، دون التفريق بين أمر وأمر.
الرابع أن لا يعبد الله إلا بما شرع:
أي: لا يعبد الله سبحانه وتعالى إلا بما علمنا الله في كتابه وبما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم في أقواله أو أفعاله أو إقراره، فما جاء عنه صلى الله عليه وسلم فهو شرح لما جاء في الكتاب وتبيين لمجمله وتفسير لمبهمه.
2- وهناك من له تعبير آخر في بيان ما تقتضيه هذه الشهادة وهو ما قاله شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي في "القول المفيد": حيث قال: (ومعنى محمداً رسول الله أي:
لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير رسول الله إن اتبع فيما لا دليل عليه فقد اتبع بباطل).
ويريد شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي أننا لا نتبع أحداً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المرسل من ربه سبحانه وتعالى، ونحن مكلفون باتباعه وحده دون سائر الناس لأنه لا ينطق عن الهوى، وغيره من الناس لا يُتبع لأن الناس جميعاً مأمورون بأن يكونوا تابعين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
يتبع ان شاء الله تعالى المبحث الثالث
المبحث الثالث: أصول عظيمة تتعلق بهذه الشهادة: