اجتمعوا وعوا !!

عبد اللطيف بن صالح العامر*
21/4/1423
02/07/2002


إن حاجتنا للوعي بثقافة العمل المؤسسي بين الناس على كافة المستويات ، ضرورة إنسانية ملحة ، وقيمة حضارية تتنافس المدنيات في نشرها بين الأفراد ، ليقينهم بمردودها على الفرد والجماعة ، فهي حصانة وصيانة لحقوق الفرد ، ودعامة لنجاح المجتمع والأمة ، ونظرية (المجتمع المدني) هي في مجملها نظرية إسلامية إذا ارتفعت عن الشهوات البهيمية المفلوتة ، وحكمت بشرع الله المطهر.
والفرد مهما كان تفوقه ونجاحه وإبداعه فإنه لن يتعدى ناظريه، إذا لم يكن لديه وعي بأبجديات العمل المشترك ، ولدى الإدارة الجديرة بتبني أمثاله ، ورب أمة ومجتمع يعيش بين ظهرانيهم عشرات أو مئات أو آلاف من الناجحين ولكن الجماعة تتخبط في أنحاء الفشل .
لم يبعد عن الصواب من قال إن أزمتنا أزمة إدارة ، ذلك أن العمل المؤسساتي موضوعٌ له خطورته وتأثيره في واقع الحياة ، فهو سلاح فاعل ، وسبب منتج ، والانحراف فيه يؤدي إلى أضرار مضاعفة ، حتى لو كان الهدف الأول خيريًا فإن المقاصد الطيبة وحدها قد لا تكفي في مثل هذا المقام ، ومن هنا فإن النقد والمراجعة لأعمالنا الجماعية أمر مهم جداً، وسواء في ذلك العمل الرسمي وغير الرسمي ، والمعلن وغير المعلن ، والجماهيري والنخبوي الانتقائي .
إنه ما من أحد إلا وقد انتمى يوماً -أو مازال منتمياً- لجماعة بشرية منظمة ذات هدف معلن مشترك ، فالطفل يلتحق بمؤسسة الأسرة التي احتضنته ، ثم ينتسب للمدرسة التي علمته ، ثم ينتمي الإنسان المسلم الذكر في السابعة من عمره لجماعة المسجد في الصلاة ، ثم يكبر فتكبر معه حاجاته ، ومسؤولياته ... فيعود الولد والداً يقوم على مؤسسة متعددة الأفراد ، تمثل نوعا من العمل الجماعي، وهكذا دواليك .
والمحاضن الجماعية أعظم حافز للتربية الإنسانية والتوجيه بعيد المدى ، ابتداءً من أثر الوالدين اللذين يُدخِلان البيانات النفسية والفكرية لقلب الطفل في مرحلة البرمجة والتأسيس ذات البضع سنوات، وتأملْ وازع الحكومات على سلوكيات وتصورات الشعوب ، ممثلة بوزاراتها ودوائرها الجماهيرية؛ إنها تفعل فيهم ـ أيًا كانت وجهتها ـ مالا يفعله أخطر كتاب في مكتبة ، أو أعظم مفكر وفيلسوف .
والناس - في مدى انتمائهم للعمل الجماعي- متفاوتون ، فمنهم من يبادر ويسارع لأي تنظيم يعرض له ـ ربما لقصد الانتماء فحسب ـ حتى يلبي حاجته الفطرية في الخلطة بمن حوله ، ومنهم من يتردد كثيرًا ، ويستوحش كل اجتماع مع البشر – مهما كانت طبيعته - لطغيان شعور نفسي خاص يمنعه من المشاركة!
إن العزلة مشكلة لها أبعادها لدى الفرد ، وربما كان للأسرة أكبر الأثر في تكوينها ، وهي تحتاج من أهل الاختصاص لمزيد بسط ووضوح وصراحة .
يولد الإنسان في بلد لم يكن له اختيار في تحديده ، ويعيش في زمن قدَّر الله عليه أن يكون من أبنائه ، فهو يشعر -بين هذين الظرفين- بنوع من الغربة الفطرية التي يحاول - بعد إدراكه للحياة- أن يتكيف ويغالب القدر خلال عمره ، ويزيل هذه الوحشة بتحويل ما يؤمن به ويرجوه ويتوافق مع فطرته الآدمية إلى واقع يعيشه هو ومن حوله .
ليكن حديثنا عن أولئك الأخيار صالحي النيات ، مستبعدين كل أناني جشع لا يفكر بغير نفسه ، ولنفترض حسن الظن؛ لأن السعي من أجل تحقيق الأطماع الشخصية على حساب المشاركين داء يطول التفصيل في أعراضه وكيفية علاجه ، فله موضع آخر .
لابد للمرء من أن يفرق في الأعمال بين ما تقتصر نتائجه عليه وبين ما يتعدى لغيره ، وهذا المتعدي هو الذي يهمنا هنا .

بلغ الشرط وضوح الغاية:
لكي تسعد الجماعة بالنجاح فإن عليها أن تمتلك وضوح الغاية أولا ، ويقين المنتمي إليها بأنها أفضل ما يمكن ويتيسر أن يشارك فيه ليحقق أفضل أهدافه ، ولذا لا يجوز أن يكون هناك أيُّ نوع من أنواع الازدواجية في الأهداف ، على الأقل بالنسبة لهدف مشترك أولي واحد يكون أسمى من ذات الاجتماع ،ويرتفع عن الفراغ والحشو، وذا قيمة إنسانية يقتنع به المشارك أكثر من مجرد انتمائه لهذه المجموعة التي لا تعدو أن تكون وسيلة لتحقيقه، فإذا ما انقطع بها الطريق . . عجزاً عن نيل الغاية ، أو كسلا ،أو انحرافًا عن الأهداف الشريفة ؛ فإن هذا الهدف ينتشل روح المنتمي قبل جسده من الانسياق الأعمى ، والإمَّعية الشهوانية ، إلى البحث عن آلة أخرى ووسيلة ماضية نحو ذات الهدف ، ولأجل هذا فلا بد من المشاركة في صنع صياغة الأهداف خارج قيود الاستبداد .

شرعية الهدف شرط:
فلا يحق لمسلم رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً أن يتعاون مع غيره من أجل تحقيق هدف ممنوع؛ لأن التعاون على الإثم والعدوان مما نص الله –تعالى- على النهي عنه ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )
فالانتماء إلى جماعة تعتدي على أرواح محرمة انتماء ممنوع ، والانتساب لقائمة مساهمين في معاملة مالية محرمة لا يجوز، والانضمام لمجموعة تستبيح أعراض المسلمين بغير حق انضمام محرم ...

وشرعية الوسائل شرط:
فالغاية -مهما شرفت- لا تبرر أي وسيلة ، وفي شأن الأعمال الدينية لا بد لها من التفريق بين الاجتماع على إحداث عبادة محضة مقصودة، لها ما يماثلها من جنسها في الشريعة ـ كالتكلف في تحديد صفة معينة، أو عدد، أو مكان، أو زمان، بحيث يعتقد أصحابها أن ذلك قربة مباشرة ـ وبين الاجتماع على إحداث وسيلة لتحقيق بعض تلك العبادات المشروعة في الإسلام .
فأركان الإسلام الخمسة ، والدعوة إلى الله –تعالى- التي تشمل الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهاد وغيرها من شعائر الدين، لا يليق بمسلم أن يحدث في أصولها شيئا من عند نفسه ، فلا يحُرَّم الإمام ما أحلَّ الله ، ولا يُحِلّ ما حرَّم الله ، ولا يلزم أتباعه بأمر لم يلزمهم به الله –تعالى- ، كقيام ليل أو صوم نفل ، وهكذا سائر العبادات المحضة .
أما وسائل تلك العبادات المعينة عليها والتي لم تكن مقصودة لذاتها فإن الأمر فيها واسع ، كتهيئة المساجد وتكييفها وفرشها ، واستخدام الوسائل العصرية في نشر الدعوة إلى الله ، واستخدام الأسلحة المتطورة في جهاد الأعداء ، ونحو ذلك ، إذا كانت الوسيلة مباحة في أصلها .
وما زال اجتماع الناس في مكان واحد بأجسادهم هو الوسيلة الطبعية للعمل الجماعي ، حتى ظهرت ثورة الاتصالات بشكل متلاحق متسارع ، وصورة مختلفة ، انتهت إلى الفضائيات والإنترنت ، فصار بإمكان أي داعية أن يشرك معه جماهير في دعوته وعمله الجماعي شاء من شاء وأبى من أبى .
وإذا كان العمل الجماعي متفقًا على تنظيمه بين إمام مسؤول وأفراد مسؤول عنهم فالأمر يتطلب متابعة وطاعة هذا الإمام؛ لأنه لا جماعة إلاّ بأمير ، ولا أمير إلاّ بطاعة ، كما قال عمر -رضي الله عنه- .
لكن لا بدّ من التفريق بين جماعة المسلمين وإمامهم الأعظم ـ إن وجد ـ الذي له حقّ الطاعة المؤكدة في جميع الأمور ما لم يأمر بمعصية ، وبين جماعة أخرى من جماعات المسلمين لها أمير ، فحقّ طاعته محصور ضمن الموضوع الذي قامت لأجله هذه الجماعة ، -كالركب في السفر- ، فكلّ جماعة لها أهداف محدّدة ، وأميرها يُطاع في حدود هذه الأهداف.
وبين الوسائل والغايات علاقة نسبية دقيقة يجدر التذكير بها بين حين وآخر ، حتى لا يغلو المرء في الاهتمام بالأدنى على حساب الأعلى فيفوته الفلاح .
وكذلك الأمور التي يتفق العقلاء على أنها مجرد وسائل لتنظيم العمل، لا يجوز أن تكون لها القداسة المطلقة في قلوب أصحابها .

ضرورة المراجعة والتقويم:
لقد بايع النبي -صلى الله عليه وسلم - أصحابه كما في حديث جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - ( النصح لكل مسلم )،النصح للجماعة أشد ضرورة من استقطاب الفرد؛ لأن الانحراف الجماعي لا يقتصر على مسؤول أو عضو، بل يتعدى للمحيط كله وقد يتجاوز إلى الجيل اللاحق بسبب التهاون في بيان الانحراف منذ البدايات .
والمؤسسة التي تفتح صناديق الاقتراحات للجمهور، وتستمع لوجهات النظر الأخرى هي –وحدها- المؤهلة للنجاح الحقيقي ، وكلما أحسَّ الإنسان برحابة الأفق بين يديه كلما ترقَّى في مدارج الإبداع والعطاء ، فالحرية أكسير الإبداع .
فلا بد من وقفة مراجعة وتقويم ، ونقد لمدى التناغم والانسجام بين الأهداف والوسائل والإمكانات ، ثم يكون تقريب للأمور ، وسد للفجوات ، وتكميل للعمل ، وعدم التركيز على جانب يكون على حساب جوانب أخرى في دعوة الحق ، فإن رسل الله الذين كانت دعوتهم إلى التوحيد هي قطب رسالتهم كانت لهم أيضا دعواتهم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية ، مثل التطهر من الزنا واللواط ، أو عدم تطفيف الميزان ، أو عدم التكبر في الأرض ومنح الناس حريتهم ، إلى آخر ما قصَّه القرآن الكريم .
ولا بد من أن نصون أعمالنا من خطر الموقف الحاد الذي يرى أن العمل إما أن يحقق كل شيء أو يكون قد فشل ، فبين الأَسْود والأَبْيض من درجات اللون الرمادي سبعون درجة ، وأن نحذر من الشورى الزائفة ، ومن السلوكيات التي تؤدي إلى حكم الشخص الواحد والرأي الواحد ، وأيضا العصبية التنظيمية البغيضة التي تعمي الإنسان عن تبصر ما عند الآخرين من خير ورشد ، في الوقت الذي تلهيه عن إدراك ما في تنظيمه أو حركته من أخطاء وانحرافات ، وكذلك الطاعة العمياء التي تؤذي التكوين الناضج للإنسان .
حقًا.. إن روح العمل الجماعي، والسعي إلى الإبداع في إدارته هو ما نحتاجه لتحقيق ذواتنا ، فإننا وإن كنا متفوقين ومبدعين أفرادا إلا أن الأزمة أزمة إدارة، وغياب لثقافة العمل الجماعي الذي ينظم هذه الإمكانات الهائلة والطاقات الكامنة، ويحولها إلى نهرٍ جارٍ متدفق عذب زلال صافٍ شلال.


--------------------------------------------------------------------------------
*عضو الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية