الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين
العبد المكلف يسعى الى معرفة ربه وعبادته والاكثار من ذكره ومعرفة محيطه وأدواته ومواهبه المثلى
مدركا الانسجام الكامل بين أجزاء الصورة المتجلية في صفحة هذا الكون العامر ببديع الآيات مع مكنوناته التي أودعها فيه الخالق العليم الحكيم
والمواهب المودعة بحكمة متناهية في مكنونات الفرد تجعله يتطلع الى آفاق معرفية كبرى تزدان
بجمالية رحبة ومكتملة بصفاءها ونورها فتتبدل النظرة الى الحياة
مع الاستغراق والتأمل في الجوهر بدل العرض
وبذلك لا نفصمها عن حقيقتها المكتملة برونقها البديع
ففي جولة عابرة قد ترى ترنم الطير في حبور وهو يصدح فوق الأشجار الباسقات
وينقلك هذا التأمل المستغرق الى أبعاد أخرى أكثر حضورا ولا تفسر الا بالعلم فكيانك يستجيب
بحكمة مودعة برؤيتك لكل شيء بديع وجميل ويقربك الى حقيقة الحقائق وأنت تسبحه وتذكره ذكرا خفيا
وقد يبدو لك منظرا عاديا غير ذي شأن لأن ملكاتك لا تستجيب لهذا العلم الوافر الموطن في مكنوناتك
والنظرة السليمة في الحياة لا تستقيم الا باستقامة الفكر
بعد أن تتهذب الجوارح والملكات فتستجيب لما يحيي
بذرتها في أعماقك ، فكل ذرة في الفرد موطنة
أن تستجيب بكل تلقائية ودون تكلف لهذا الصفاء المغمور
فتنكشف لك المعاني تلو المعاني وهي معنى فوق كل معنى فيصبح لرؤيتك معنى وهي الرؤية بالحق
فيصبح ما هو ظاهر لك له حقيقة أعمق وأشمل تسعد
كيانك وأنت تتأمل هذه القدرة العجيبة وهذا الجمال المودع بحكمة جلية وتدرك أن لهذا الجمال جمال فوق كل جمال وتقول بكل أعماقك سبحان الله
ترى حبور الطيربوداعة الرؤية المنسجمة بعبراتها
في حنوها ورقتها بصدقها ، وترى هذا الحب الغامر الذي تهتز منه الجبال فتصدق رؤيتك بالحق
لأنك أوفيت حقها فتتهذب ملكاتك بيقين المعاني ، وبصرك ممتد في حبور وأنت ترى تماوج الأشجار
العاليات في شموخ وتباث وترى ذلك التناغم العجيب بين
تصفيق الرياح وتمايل الأشجار وكأنها تعزف سمفونية الحياة
في وداعتها وعذوبتها المبتهجة لحقيقتها الحقة
فتغترف معاني في أعماق أسماعك وتخشع
فتنهمر على كيانك حقائق من هذه المعاني
وأنت تشم أريج الزهور المعطرة بعبقها
فتدرك عمق هذه المعاني التي ينشرح لها كيانك
ويهتز به ويتفاعل بصدق مع هذه الآيات ومثيلاتها
فوطن نفسك على هذه الرؤية بالحق وما تحمله من
معاني مشرقات فيغمر كيانك فتفرح وتسعد كحبور الطير
فهذا الفرح وهذا الشعور هو في حد ذاته تجاوب وتفاعل أسمى مما تعرف لأنك اذا تعمقت في هذه المعاني المشرقات فهي تجسد الطهر والقدسية والجمال وهي لا تترائى للعيان لكن أعماقك تشعر بجماليتها وقدسيتها ونورها وطهارتها فيلزمك علما أسمى من علمك
وبصرا أسمى وأنفذ من بصرك وسمعا أكثر استغراقا
من سمعك لتصل الى مناهل حقيقتها ونورها المشرق
وأعماقك هي التي ترى ببصيرة نافذة وأنت تنهل من هذه المعارف الحقة مهذبا كل عضو فيك لهذه الرؤية الجليلة
بعذوبتها وصفاءها وطهارتها وهي معرفة ليست مفقودة بل موجودة في ذواتنا ومواهبنا
وفيها من المعاني الظاهرة والباطنة برونقها الآسر
فتعلم أن القرب ليس قرب مسافات بل معناه يتعدى الحدود الزمانية والمكانية فينقلك ذلك الى أعماق وأعماق وأسمى الغايات فكن مع الله
يقول الجليل العليم الحكيم في محكم كتابه العزيز ( اذكروني أذكركم ) الآية