صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 46
  1. #16
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس السادس عشر: في بيان النوع الرابع والخامس من مفسدات الصوم

    الحمد لله ذي الفضل والإنعام، جعل الصيام جنة من الآثام، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه خير الأنام وسلم تسليما، أما بعد:

    فالنوع الرابع من المفطرات:

    استخراج الدم من الصائم بحجامة أو فصد أو سحب للتبرع به أو لإسعاف مريض ونحو ذلك،
    والأصل في هذا قوله صلى الله عليه في الحجامة: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه أحمد والترمذي [أخرجه أبوداد رقم 2367، والنسائي في سننه الكبرى رقم 3134، وابن ماجة رقم 1679 ـ 1681، وابن حبان في صحيحه رقم 3532، والحاكم في المستدرك 1/ 427، وقال صحيح على شرط الشيخين، وأحمد في المسند 5/ 276]، وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة، قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر، وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وفق الأصول والقياس، والذين لم يروه احتجوا بما في صحيح البخاري: إنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم محرم [أخرجه البخاري رقم 1938، 1939، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم]، وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله "وهو صائم"، وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم، قال أحمد: "وهو صائم" ليس بصحيح إلى أن قال الشيخ: وهذا الذي ذكره أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان، ولهذا أعرض مسلم عنه ولم يثبت إلا حجامة المحرم. انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

    وأما خروج الدم بغير قصد من الصائم كالرعاف ودم الجراحة وخلع الضرس ونحوه فإنه لا يؤثر على الصيام، لأنه معذور في خروجه منه في هذه الحالات [لكن يجب عليه الحذر من ابتلاع الدم الخارج من الضرس ونحوه].

    النوع الخامس: التقيؤ:

    وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم متعمدا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من استقاء عمدا فليقض" حسنه الترمذي [ أخرجه الترمذي رقم 720، وأبو داود رقم 2380، وابن ماجة رقم 1676، وقال أبو عيسى: حديث حسن غريب] وقال: العمل عليه عند أهل العلم.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فنهى عن إخراج ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب الذي به يتغذى، لما يوجب إخراجه من نقصان بدنه وضعفه، فإنه إذا مكن منه ضره وكان متعديا في عبادته لا عادلا فيها.

    أما إذا غلبه القيء وخرج منه بغير اختياره فإنه لا يؤثر على صيامه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء" رواه الترمذي [انظر تخريج الحديث السابق]، ومعنى ذرعه القيء: غلبه.

    ومما ينهى عنه الصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق، قال صلى الله عليه وسلم: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" [أخرجه أبو داود رقم 142، 143، وابن ماجة رقم 407، وابن خزيمة في صحيحه رقم 150، وابن حبان في صحيحه رقم 159 والحاكم 1/ 147 ـ 148، وأحمد 4/ 33، وصححه الذهبي وابن حجر].

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وذلك لأن نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه فيحصل له ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك ويزول العطش بشرب الماء.

    ويباح للصائم التبرد بالماء بالاستحمام به على جميع بدنه، ويحترز من دخول الماء إلى حلقه، ومن أكل أو شرب ناسيا فلا شيء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" [أخرجه البخاري رقم 1933، ومسلم رقم 1155] وهذا من لطف الله بعباده وتيسيره عليهم، وقوله: "فليتم صومه" دليل على أن صومه صحيح وكذا لو طار إلى حلقه غبارٌ أو ذباب لم يؤثر على صيامه لعدم إمكان التحرز من ذلك.

    واعلموا رحمكم الله أنه يجب على المسلم التحفظ على صيامه عما يخل به من المفطرات والمنقصات، فإذا حصل شيء من ذلك عن طريق النسيان فلا حرج عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"


    [أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 6/ 84 عن ابن عمر بلفظ " وضع عن أمتي " وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير 2/97 رقم 1430 بلفظ "إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة" عن ثوبان].

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس السابع عشر: في بيان الأحكام المتعلقة بقضاء الصوم

    الحمد لله رب العالمين شرع فيسر {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج 78] والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاعلموا أنه يجب عليكم معرفة أحكام القضاء في حق من أفطر في نهار رمضان لعذر من الأعذار الشرعية، قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} [البقرة 185].

    ففي آخر هذه الآية الكريمة رخص الله بالإفطار في رمضان للمريض والمسافر، وأوجب عليهما القضاء إذا أخذا بالرخصة فأفطرا بأن يصوما عدد الأيام التي أفطراها من شهر آخر، وإن صاما رمضان ولم يأخذا بالرخصة فصومهما صحيح ومجزي عند جمهور أهل العلم وهو الحق، وبين سبحانه الحكمة في هذه الرخصة، وهي أنه أراد التيسير على عباده ولم يرد لهم العسر والمشقة بتكليفهم بالصوم في حالة السفر والمرض، وأن الحكمة في إيجاب القضاء هي إكمال عدد الأيام التي أوجب الله صومها، ففي هذه الرخصة جمع بين التيسير واستكمال العدد المطلوب صومه، وهناك صنف ثالث ممن يرخص لهم بالإفطار، وهم الكبير الهرم والمريض المزمن، إذا لم يطيقا الصيام، قال تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة 184]، ومعنى يطيقونه: يكلفونه ويشق عليهم، فعليهم بدل الصيام إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا على ما ذهب إليه طائفة من العلماء في تفسير الآية وأنها لم تنسخ، وألحق بهؤلاء الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما من الصيام، كما روى عن ابن عباس أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضعة: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصيام، وعن ابن عمر أن إحدى بناته أرسلت تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينا، هؤلاء جميعا يباح لهم الإفطار في نهار رمضان نظرا لأعذارهم الشرعية ثم هم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

    1ـ قسم يجب عليهم القضاء فقط ولا فدية عليهم، وهم المريض والمسافر والحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما.

    2 ـ وقسم يجب عليهم الفدية فقط ولا قضاء عليهم وهم العاجزون لهرم أو مرض لا يرجى برؤه.

    3 ـ قسم يجب عليه القضاء والفدية وهم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فقط، والفدية هنا: إطعام مسكين نصف صاع من طعام البلد عن كل يوم.

    وهكذا ديننا يسر وسماحة يتمشى مع ظروف الإنسان ولا يكلفه ما لا يطيقه أو يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة، يشرع للحضر أحكاما مناسبة وللسفر أحكاما مناسبة، ويشرع للصحيح ما يناسبه وللمريض ما يناسبه.

    ومعنى هذا أن المسلم لا ينفك عن عبادة الله في جميع أحواله وأن الواجبات لا تسقط عنه سقوطا نهائيا، ولكنها تتكيف مع ظروفه.

    قال الله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر 99] وقال عيسى عليه السلام فيما ذكره الله عنه: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} [مريم 31].

    ومن الناس من يريد أن يستغل سماحة الإسلام استغلالا سيئا فيبيح لنفسه فعل المحرمات وترك الواجبات، ويقول الدين يسر، نعم إن الدين يسر ولكن ليس معنى ذلك أن ينفلت الإنسان من أحكامه ويتبع هوى نفسه، وإنما معنى سماحة الإسلام أنه ينتقل بالعبد من العبادة الشاقة إلى العبادة السهلة التي يستطيع أداءها في حالة العذر، ومن ذلك الانتقال بأصحاب الأعذار الشرعية من الصيام أداء في رمضان إلى الصيام قضاء في شهر آخر عندما تزول أعذارهم أو الانتقال بهم من الصيام إلى الإطعام إذا كانوا لا يقدرون على القضاء، فجمع لهم بين أداء الواجب وانتفاء المشقة والحرج، فلله الحمد والمنة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الثامن عشر: في بيان أحكام القضاء

    الحمد لله القائل: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أُخر} [البقرة 185]، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وأصحابه السادة الغرر، أما بعد:

    فاعلموا أن من أفطر في رمضان بسبب مباح، كالأعذار الشرعية التي تبيح الفطر، أو بسبب محرم كمن أبطل صومه بجماع أو غيره وجب عليه القضاء لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة 184] ويستحب له المبادرة بالقضاء لإبراء ذمته، ويستحب أن يكون القضاء متتابعا، لأن القضاء يحكي الأداء، وإن لم يقض على الفور وجب العزم عليه، ويجوز له التأخير لأن وقته موسع، وكل واجب موسع يجوز تأخيره مع العزم عليه، كما يجوز تفرقته بأن يصومه متفرقا، لكن إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه فإنه يجب عليه التتابع إجماعا لضيق الوقت ولا يجوز تأخيره إلى ما بعد رمضان الآخر لغير عذر، لقول عائشة رضي الله عنها: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم" متفق عليه. [أخرجه البخاري رقم 1950 ومسلم رقم 1146].

    فدل هذا على أن وقت القضاء موسع إلى أن لا يبقى من شعبان إلا قدر الأيام التي عليه فيجب عليه صيامها قبل دخول رمضان الجديد، فإن أخر القضاء حتى أتى عليه رمضان الجديد فإنه يصوم رمضان الحاضر ويقضي ما عليه بعده، ثم إن كان تأخيره لعذر لم يتمكن معه من القضاء في تلك الفترة، فإنه ليس عليه إلا القضاء، وإن كان لغير عذر وجب عليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد.

    وإذا مات من عليه القضاء قبل دخول رمضان الجديد فلا شيء عليه، لأن له تأخيره في تلك الفترة التي مات فيها، وإن مات بعد رمضان الجديد فإن كان تأخيره القضاء لعذر كالمرض والسفر حتى أدركه رمضان الجديد فلا شيء عليه أيضا، وإن كان تأخيره لغير عذر وجبت الكفارة في تركته بأن يخرج عنه إطعام مسكين عن كل يوم، وإن مات من عليه صوم كفارة، كصوم كفارة الظهار والصوم الواجب عن دم المتعة في الحج، فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينا ولا يصام عنه، ويكون الإطعام من تركته، لأنه صيام لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، وهذا هو قول أكثر أهل العلم.

    وإن مات من عليه صوم نذر استحب لوليه أن يصوم عنه لما ثبت في الصحيحين: "أن امرأة جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صيام نذر أفأصوم عنها؟، قال: "نعم"" [أخرجه البخاري رقم 1953 ومسلم 1148].

    والولي هو الوارث، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس وعائشة وهو مقتضى والقياس، لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين.

    وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام فلا تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خُلق لها وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره ولا يصلي عنه غيره.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يطعم عنه كل يوم مسكين، وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما، وهو مقتضى النظر كما هو موجب الأثر، فإن النذر كان ثابتا في الذمة فيفعل بعد الموت، وأما صوم رمضان فإن الله لم يوجبه على العاجز عنه، بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين، والقضاء إنما من قدر عليه لا على من عجز عنه، فلا يحتاج إلى أن يقضي أحد عن أحد، وأما صوم النذر وغيره من المنذورات فيفعل عنه بلا خلاف للأحاديث الصحيحة.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس التاسع عشر: في صلاة التراويح وأحكامها

    الحمد لله رب العالمين شرع لعباده في شهر رمضان أنواع الطاعات وحثهم على اغتنام الأوقات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، أول سابق إلى الخيرات، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

    اعلموا وفقني الله وإياكم أن مما شرعه لكم نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك صلاة التراويح وهي سنة مؤكدة، سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحون فيها بين كل أربع ركعات


    [أي بين كل تسليمتين، لأن التراويح مثنى مثنى، وصلاة التهجد كذلك، وقد يغلط بعض أئمة المساجد الذين لا فقه لديهم فلا يسلم بين كل ركعتين في التراويح أو التهجد وهذا خلاف السنة، وقد نص العلماء على أن من قام إلى ثالثة في التراويح أو في التهجد فهو كمن قام إلى ثالثة في فجر أي تبطل صلاته، وسنذكر في آخر الكتاب إن شاء الله جوابا للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرد على هؤلاء ويبين خطأهم]

    لأنهم كانوا يطيلون الصلاة وفِعلها جماعة في المسجد أفضل، فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ليالي ثم تأخر عن الصلاة بهم خوفا من أن تفرض عليهم، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" [أخرجه البخاري رقم 1129 ومسلم رقم 761]


    وذلك في رمضان وفعلها صحابته من بعده، وتلقتها أمته بالقبول، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" [أخرجه أبو داود رقم 1375 وابن ماجة رقم 1327 والنسائي رقم 1365، 1606 والترمذي رقم 806، وقال: هذا حديث حسن صحيح] وقال عليه الصلاة والسلام: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه [أخرجه البخاري رقم 2009 ومسلم رقم 759]، فهي سنة ثابتة لا ينبغي للمسلم تركها.

    أما عدد ركعاتها فلم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر في ذلك واسع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: له أن يصلي عشرين ركعة كما هو المشهور من من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشر ركعة وكل حسن، فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره.

    وعمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة، والصحابة رضي الله عنهم منهم من يقل ومنهم من يكثر، والحد المحدود لا نص عليه من الشارع صحيح، وكثير من الأئمة ـ أي أئمة المساجد ـ في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن، والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى واتعاظه بكلام الله إذا يتلى، وهذا لا يحصل في العجلة المكروهة، وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة، لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله عز وجل ورب قليل خير من كثير،


    وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة، والسرعة المباحة هي التي لا يحصل فيها إسقاط شيء من الحروف، فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة لم يجز ذلك وينهى عنه، واما إذا قرأ قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه فحسن،


    وقد ذم الله الذين يقرؤون القرآن بلا فهم معناه، فقال تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني}


    [البقرة 78] أي تلاوة بلا فهم، والمراد من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به لا مجرد التلاوة. انتهى كلامه رحمه الله.

    وبعض أئمة المساجد لا يصلون التراويح على الوجه المشروع لأنهم يسرعون في القراءة سرعة تخل بأداء القرآن على الوجه الصحيح، ولا يطمئنون في القيام والركوع والسجود، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ويأخذون بالعدد الأقل في الركعات، فيجمعون بين تقليل الركعات وتخفيف الصلاة وإساءة القراءة، وهذا تلاعب بالعبادة،


    [وبعضهم يخرج صوته خارج المسجد بواسطة الميكرفون فيشوش على من حوله من المساجد، وهذا لا يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان يقرأ القرآن والناس يصلون تطوعا فليس له أن يجهر جهرا يشغلهم به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون في المسجد فقال: "يا أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة" انتهى. [مجموع الفتاوى (23، 61، 62، 63، 64 )]


    فيجب عليهم أن يتقوا الله ويحسنوا صلاتهم، ولا يحرموا أنفسهم ومن خلفهم من أداء التراويح على الوجه المشروع.

    [وبعض أئمة المساجد يسرع في القراءة ويطيلها من أجل أن يختم القرآن في أول العشر الأواخر أو وسطها فإذا ختمه ترك مسجده وسافر للعمرة وخلف مكانه من قد لا يصلح للإمامة، وهذا خطأ عظيم ونقص كبير، وتضييع لما وكل إليه من القيام بإمامة المصلين إلى آخر الشهر، فقيامه بذلك واجب عليه والعمرة مستحبة، فكيف يترك واجبا عليه لفعل مستحب؟ وإن بقاءه في مسجده وإكماله لعمله أفضل له من العمرة، وبعضهم إذا ختم القرآن خفف الصلاة وقلل القراءة في بقية ليالي الشهر التي هي ليالي الإعتاق من النار وكأن هؤلاء يرون أن المقصود من التراويح والتهجد هو ختم القرآن لا إحياء هذه الليالي المباركة بالقيام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطلبا لفضائلها وهذا جهل منهم وتلاعب بالعبادة، ونرجو الله أن يردهم إلى الصواب].

    وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس العشرون: في الحث على تعلم القرآن وتلاوته لا سيما في هذا الشهر المبارك

    الحمد لله ذي الفضل والإحسان، أنعم علينا بنعم لا تحصى وأجلها نعمة القرآن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على طريق الإيمان وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

    عباد الله ـ اتقوا الله تعالى ـ واشكروه على ما من به عليكم من نعمة الايمان، وخصكم به من إنزال القرآن، فهو القرآن العظيم، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، هو كلام الله الذي لا يشبهه كلام، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، تكفل الله بحفظه فلا يتطرق إليه نقص ولا زيادة، مكتوب في اللوح المحفوظ وفي المصاحف، محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، ميسر للتعلم والتدبر {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر 17] يستطيع حفظه واستظهاره الصغار والأعاجم، لا تكل الألسن من تلاوته ولا تمل الأسماع من حلاوته ولذته، لا تشبع العلماء من تدبره والتفقه في معانيه، ولا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، لأنه المعجزة الخالدة، والحجة الباقية، أمر الله بتلاوته وتدبره وجعله مباركا، فقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} [ص 29].

    وقال صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح [أخرجه الترمذي رقم 2910، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه]، وقد جعل الله ميزة وفضيلة لحملة القرآن العاملين به على غيرهم من الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري [أخرجه البخاري رقم 5027]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لاريح لها وطعمها طيب حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" رواه البخاري ومسلم [أخرجه البخاري رقم 5427 ومسلم رقم 797].

    ففي هذه النصوص حث على تعلم القرآن أولا، ثم تلاوته وتدبره ثانيا، ثم العمل به ثالثا،


    وقد انقسم الناس مع القرآن إلى أقسام: فمنهم من يتلوه حق تلاوته ويهتم بدراسته علما وعملا، وهؤلاء هم السعداء، الذين هم أهل القرآن حقيقة،


    ومنهم من أعرض عنه فلم يتعلمه ولم يلتفت إليه، وهؤلاء قد توعدهم الله بأشد الوعيد، فقال تعالى: {ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف 36]، وقال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه 124 ـ 126]،


    ومن الناس من تعلم القرآن ولكنه أهمل تلاوته، وهذا هجران للقرآن حرمان للنفس من الأجر العظيم في تلاوته وسبب لنسيانه وقد يدخل في قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري} [طه 124] فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان خسارة كبيرة، وسبب لتسلط الشيطان على العبد، وسبب لقسوة القلب،



    ومن الناس من يتلو القرآن مجرد تلاوة من غير تدبر ولا اعتبار، وهذا لا يستفيد من تلاوته فائدة كبيرة، وقد ذم الله من اقتصر على التلاوة من غير تفهم فقال سبحانه في اليهود: {ومنهم أميون لا يعلون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} [البقرة 78]


    أي يتلونه تلاوة مجردة عن الفهم، فيجب على المسلم عند تلاوته للقرآن أن يحضر قلبه لتفهمه على قدر استطاعته، ولا يكتفي بمجرد سرده وختمه من غير تفهم وتأثر، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الحادي والعشرون: في الزكاة وأحكامها

    [وذلك بمناسبة أن كثيرا من الناس اعتادوا إخراج زكاة أموالهم في شهر رمضان لفضيلة الزمان، نسأل الله لنا ولهم القبول، وهذا إذا كان تمام حول المال يوافق شهر رمضان، أما إذا كان يتم الحول عليه قبل شهر رمضان فإنه يجب إخراج زكاته عند تمام الحول، ولا يجوز تأخيرها إلى رمضان].

    الحمد لله رب العالمين، جعل في أموال الأغنياء حقاً للفقراء والمساكين والمصارف التي بها صلاح الدنيا والدين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

    اعلموا أن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي الموالية للصلاة من بين تلك الأركان، وقرينتها في الذكر في كثير من آيات القرآن حيث قرنها الله سبحانه بالصلاة في نيّف وثلاثين آية مما يدل على أهميتها، وعظيم مكانتها،


    وفيها مصالح عظيمة أعظمها شكر الله تعالى وامتثال أمره بالإنفاق مما رزق، والحصول على وعده الكريم للمنفقين بالأجر،


    ومنها مواساة الأغنياء لإخوانهم الفقراء في سد حاجتهم ودفع الفاقة عنهم.

    ومنها تطهير المزكي من البخل والشح والأخلاق الذميمة وجعله في صفوف المحسنين الذين يحبهم الله ويحبهم الناس، قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة 103] وقال تعالى {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة 195] ومنها أنها تسبب نماء المال وحلول البركة فيه، قال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ 39].

    وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "يا ابن آدم أنفق ينفق عليك".

    ومنع الزكاة يسبب أضرارا عظيمة،


    منها الحرمان من هذه المصالح المترتبة على إخراجها، ومنها تعريض المال للتلف والهلاك،


    ففي الحديث الذي رواه البزار عن عائشة رضي الله عنها: "ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أفسدته" [أخرجه الحميدي في مسنده رقم 237 وابن عدي في الكامل 6/208، والبيهقي في سننه الكبرى 4 / 159 ]،


    وأنتم ترون وتسمعون اليوم ما يصيب الأموال من الكوارث التي تتلفها من حريق وغرق ونهب وسلب وخسارة وإفلاس وما يصيب الثمار من الآفات التي تقضي عليها أو تنقصها نقصا ظاهرا، وهذا من عقوبات منع الزكاة.

    ومنها منع القطر من السماء الذي به حياة الناس والبهائم ونمو الأشجار والثمار،


    وفي الحديث: "وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء" [أخرجه ابن ماجة رقم 4019، والحاكم 4 / 540 وأبو نعيم في الحلية 3 / 320، 8 / 333ـ 334، وقال البوصيري في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في لبن أبي مالك وأبيه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي]،


    كما تشاهدون انحباس الأمطار عن كثير من البلاد وما نتج عن ذلك من الأضرار العظيمة ـ وهذه عقوبات عاجلة ـ وأما العقوبات الآجلة فهي أشد من ذلك، قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة 34، 35].

    وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة: ويوضح ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" [أخرجه مسلم رقم 987].

    وقال تعالى: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}.

    يوضح ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثل له شجاع أقرع [أي ثعبانا عظيما كريه المنظر] له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه [يعني شدقيه] ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك" [أخرجه البخاري رقم 1403]


    هذه عقوبة مانع الزكاة في الآخرة قد بينها الله ورسوله، وهي أن المال غير المزكى يجعل صفائح تحمى في نار جهنم يكوى بها جبهته وجنبه وظهره،


    وجعل أيضا ثعبانا عظيما يطوق به عنقه ويمسك بشدقيه ويلدغه ويفرغ فيه السم الكثير الذي يتألم منه جسمه.

    وليس هذا العذاب يحصل في ساعة وينقطع، بل يستمر خمسين ألف سنة، نعوذ بالله من ذلك.

    ومانع الزكاة إذا عُرف عنه ذلك فإنه لا يجوز تركه بل يجب الإنكار عليه ونُصحه، فإن أصر على منعها وجب على ولي الأمر أن ينظر في شأنه، فإن كان جاحدا لوجوبها وجب أن يستتاب، فإن تاب وأدى الزكاة لله، وإلا وجب قتله مرتدا عن دين الإسلام، وإن كان مقرا بوجوبها ولكنه منعها بخلا، وجب تعزيره وأخذها منه قهرا، وإن لم يمكن أخذها منه إلا بقتال فإنه يقاتل، كما قاتل الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خضعوا لدفعها والتزموا بحكمها،


    والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الثاني والعشرون: في بيان ما تجب فيه الزكاة وحد القدر الواجب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    اعلموا عباد الله أن الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أنواع: نتكلم على نوعين منها:

    النوع الأول: النقدان:

    الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم، سواء سميت دراهم أو ريالات أو دنانير أو دولارات أو غير ذلك من الأسماء فمن كان عنده نصاب من الذهب أو الفضة [والنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالا بالريال الفضي العربي السعودي والنصاب من الذهب أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع الجنيه السعودي أو ما يعادل هذين المقدارين من الورق النقدي مما يبلغ صرفه قيمتها] أو ما يعادل النصاب من تلك الأوراق النقدية أو أكثر من النصاب، وحال عليه الحول فإنه يجب فيه الزكاة، ومقدارها ربع العشر أي ريالان ونصف من كل مائة، سواء ادخرها للتجارة أو للنفقة أو للزواج أو لشراء بيت أو سيارة أو غير ذلك من حوائجه، وسواء كانت هذه النقود لكبير أو لصغير أو لمجنون فتجب الزكاة في أموال الأيتام والقصّار ويخرجها عنهم وليّهم.

    وربح الدراهم حولُهُ حُولها، فيزكي الربح مع رأس المال ولو لم يمض على الربح إلا مدة يسيرة أو لم يمض عليه شيء.

    والموظف الذي يدخر من مرتّبه كل شهر مبلغا، الأحوط له والأسهل عليه أن يجعل شهرا من السنة كشهر رمضان وقتا لإخراج زكاة ما اجتمع لديه من النقود إلى مثل هذا الشهر من السنة القادمة ما تم حوله وما لم يتم حوله.

    ومن كان له ديون في ذمم الناس سواء كانت فروضا أو أثمان مبيعات مؤجلة أو أجورات، فإن كانت هذه الديون على أناس موسرين باذلين يستطيع الحصول عليها عندما يطلبها منهم، فإنه يزكيها إذا تم لها حول من حين العقد، سواء قبضها منهم أو لم يقبضها كما يزكي المال الذي بيده، وإن كانت هذه الديون على معسرين أو على مماطلين ولا يدري هل يحصل عليها أم تذهب فإنه يزكيها إذا قبضها عن سنة واحدة على الأصح، وإذا كان على الإنسان ديون للناس وعنده نقود فالأصح من قولي العلماء أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة فيما عنده فيزكي ما عنده من النقود.

    النوع الثاني من الأموال التي تجب فيها الزكاة: عروض التجارة:


    وهي السلع المعروضة للبيع طلباً للربح كالأقمشة والسيارات والآليات وقطع الغيار والأراضي والعمارات المعدة للبيع ومحتويات البقالات من أنواع الأطعمة والأشربة والمعلبات ومحتويات الصيدليات من الأدوية الطبية وأدوات البناء بأنواعها، وما تحويه المكتبات التجارية من الكتب وغيرها، فإنه عند تمام الحول عليها أو على ثمنها الذي اشتريت به يقوّمها بأن يقدر قيمتها التي تساويها عند تمام الحول سواء كانت قدر قيمتها التي اشتراها بها أو أقل أو أكثر، ولا ينظر إلى ما اشتراها به، ثم يخرج ربع العشر من القيمة المقدرة، ولا يترك شيئا مما أعد للبيع كبيرا كان أو صغيرا إلا ويقدر قيمته، بأن يجرد كل ما عنده ويقومه لإخراج زكاته، ولا زكاة فيما أعد للتأجير من العمارات، والسيارات والدكاكين والآليات وغيرها، فلا زكاة في نفس هذه الأشياء وإنما الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول من حين عقد الإجارة.

    ولا زكاة على الإنسان فيما أعده للاستعمال كالمسكن والمتجر أي: المحل الذي يجلس فيه للبيع والشراء، والسيارات التي يركبها وغير ذلك من مستعملاته، والذي عنده مصنع أو ورشة للحدادة أو لإصلاح السيارات، أو عنده مطبعة، لا زكاة عليه في الآليات التي يستخدمها للعمل، وإنما الزكاة في الغلة التي يحصل عليها من ذلك المصنع أو الورشة أو المطبعة بأن يخرج ربع العشر مما حال عليه الحول من الدراهم التي يحصل عليها من هذه الأشياء.

    والأسهم التي للإنسان في الشركات، إن كانت شركات استثمار كشركات المصانع أو شركات النقل وشركات الكهرباء والأسمنت، فهذه تجب الزكاة في غلتها إذا حصل المساهم على شيء من غلة أسهمه في الشركة فإنه يزكيه، وأما الأسهم التي له في الأراضي التجارية، فتجب عليه زكاة أسهمه منها بأن يقوّم تلك الأراضي عند تمام حولها ويخرج ربع عشر قيمة نصيبه منها.

    واعلموا رحمكم الله أنه لا بد من النية عند دفع الزكاة لأنها عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [أخرجه البخاري رقم 1، ومسلم رقم 1907] فينوي عند دفعها أنها زكاة.

    ولو دفع دراهم وهو لم ينوها زكاة ثم نوى بعد ذلك لم تجزه، وعلى المسلم أن يحصي ما لديه من المال الذي تجب فيه الزكاة إحصاء دقيقا لئلا يبقى من ماله شيء لم تخرج زكاته فيوجب ذلك محقه وتلفه.

    ويجوز للإنسان أن يوكل من يحصي ماله ويخرج زكاته نيابة عنه، ويجب على المزكي أن يخرج الزكاة طيبة بها نفسه غير ممتن بها ولا مستكثر لها ولا كاره لإخراجها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة 264].

    وقال تعالى في المنافقين: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا يُنفقون إلا وهم كارهون} [التوبة 54] ويستحب أن يدعو عند إخراجها فيقول: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما، ويقول آخذها: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا.

    فاتقوا الله عباد الله في أمور دينكم عامة وفي زكاة أموالكم خاصة.

    عباد الله: وينبغي للإنسان الاستكثار من صدقة التطوع أيضا في هذا الشهر الكريم، والموسم العظيم، لحديث أنس "سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ فقال: "صدقة في رمضان"" رواه الترمذي [أخرجه الترمذي رقم 663 وقال: هذا حديث غريب وصدقه بن موسى ليس عندهم بذاك القوي] وقال صلى الله عليه وسلم: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل العظيم" متفق عليه [أخرجه البخاري رقم 1410، ومسلم رقم 1014].

    عن أنس مرفوعا: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" [أخرجه الترمذي رقم 664، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه]، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة معروفة.

    والصدقة في هذا الشهر فيها اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتضاعف جوده فيه أكثر من غيره.

    نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يشملنا بعفوه ومغفرته ورحمته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الثالث والعشرون: في أحكام الزكاة أيضاً

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد في الآخرة والأولى أغنى وأقنى ووعد من أعطى واتقى وصدق بالحسنى أن ييسره لليسرى، وتوعد من بخل واستعنى وكذب بالحسنى أن ييسره للعسرى، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

    اتقوا الله تعالى واعلموا أن ما تخرجونه من الزكاة وغيرها من الصدقات بنية خالصة ومن كسب حلال أنه يكون قرضا حسنا تُقرضونه ربكم وتجدونه مدخرا لكم ومضاعفا أضعافا كثيرة، فهو الرصيد الباقي والتوفير النافع والاستثمار المفيد، مع ما يخلف الله لكم في الدنيا من نمو أموالكم وحلول البركة فيها، فلا تستكثروا مبالغ الزكاة التي تدفعونها، فإن بعض الناس الذين يملكون الملايين الكثيرة قد يستكثرون زكاتها، ولا ينظرون إلى فضل الله عليهم حيث ملكهم هذه الملايين وأنه قادر على أن يسلبها منهم ويحولهم إلى فقراء معوزين في أسرع لحظة أو يأخذهم على غرة فيتركونها لغيرهم، فيكون عليهم مسؤوليتها ولغيرهم منفعتها.

    ثم اعلموا ان الله سبحانه عين مصارف للزكاة لا يجوز ولا يجزئ دفعها في غيرها، قال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60].

    فمن كان يملك ما يكفيه ويكفي من يمونهم لمدة سنة أو له إيراد من رواتب أو غيره يكفيه فهو غني لا يجوز ولا يجزئ صرف الزكاة إليه ولا يجوز له هو أن يأخذها، وكذلك من كان عنده القدرة على الكسب الذي يكفيه [وهناك فرص للكسب موجودة] فإنه لا يجوز ولا يجزئ دفع الزكاة إليه ولا يجوز له هو أخذها، فلا يجوز للمزكي أن يدفع زكاته إلا لمن يغلب على الظن أنه من أهل الزكاة، فقد جاء في الحديث أن الزكاة لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب. رواه أبو داود والنسائي.

    وكذا لا يجوز صرف الزكاة في المشاريع الخيرية كبناء المساجد والمدارس وغيرها، وإنما تمول هذه المشاريع من بيت المال أو من التبرعات فالزكاة حق الله شرعه لهذه المصارف المعينة لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها ولا أن يجلب بها لنفسه نفعا دنيويا أو يدفع بها عنه ضررا ولا أن يقي بها ماله بأن يجعلها بدلا من حق يجب عليه لأحد، ولا يجوز أن يدفع بالزكاة عنه مذمة، ولا يجوز دفعها إلى أصوله ولا إلى فروعه ولا إلى زوجته أو إلى أحد ممن تلزمه نفقته.

    فاتقوا الله عباد الله وليكن إخراج الزكاة وصرفها وسائر عباداتكم على مقتضى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    واعلموا عباد الله أن من لا يصرف الزكاة في مصارفها الشرعية التي حددها الله في كتابه فإنها لا تجزئه ولا تبرأ ذمته منها، لأن الله سبحانه هو الذي حدد هذه المصارف بنفسه فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة 60] وهذا تعبير يفيد الحصر، وهو قصر الحكم فيما ذكر ونفيه عما عداه، ولو صرفها في مصرف واحد من هذه المصارف الثمانية أجزأه ذلك ولا يتعين عليه استكمالها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أعنيائهم فتُرد إلى فقرائهم" الحديث [أخرجه البخاري رقم 1458 ومسلم رقم 19] حيث اقتصر على ذكر الفقراء فيه، فدل على جواز الاقتصار عليهم وإجزائه.

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الرابع والعشرون: في الحث على زيادة الاجتهاد في الأعمال الصالحة في العشر الأخير من رمضان

    الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وخص العشر الأواخر بعظيم الأجور، حث على تخصيص العشر الأواخر بمزيد اجتهاد في العبادة، لأنها ختام الشهر والأعمال بالخواتيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وكل من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    أيها المسلمون.. إنكم في عشر مباركة هي العشر الأواخر من شهر رمضان، جعلها الله موسما للإعتاق من النار، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر بالاجتهاد في العمل أكثر من غيرها كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لم يجتهد في غيرها [فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر" أخرجه مسلم رقم 1174، وقالت أيضا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها" أخرجه مسلم رقم 1175]، وفي الصحيحين عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" [أخرجه البخاري رقم 2024 ومسلم رقم 1174 ]، وهذا شامل للاجتهاد في القراءة والصلاة والذكر والصدقة وغير ذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يتفرغ في هذه العشر لتلك الأعمال، فينبغي لك أيها المسلم الاقتداء بنبيك فتتفرغ من أعمال الدنيا أو تخفف منها لتوفر وقتا للاشتغال بالطاعة في هذه العشر المباركة.

    ومن خصائص هذه العشر الاجتهاد في قيام الليل وتطويل الصلاة بتمديد القيام والركوع والسجود وتطويل القراءة وإيقاظ الأهل والأولاد ليشاركوا المسلمين في إظهار هذه الشعيرة ويشتركوا في الأجر ويتربوا على العبادة، وقد غفل كثير من الناس عن أولادهم، فتركهم يهيمون في الشوارع، ويسهرون للعب والسفه، ولا يحترمون هذه الليالي ولا تكون لها منزلة في نفوسهم، وهذا من سوء التربية،


    وإنه لمن الحرمان الواضح والخسران المبين أن تأتي هذه الليالي وتنتهي وكثير من الناس في غفلة معرضون، لا يهتمون لها ولا يستفيدون منها، يسهرون الليل كله أو معظمه فيما لا فائدة فيه أو فيه فائدة محدودة يمكن حصولهم عليها في وقت آخر، ويعطلون هذه الليالي عما خُصصت له، فإذا جاء وقت القيام ناموا وفوتوا على أنفسهم خيرا كثيرا، لعلهم لا يدركونه في عام آخر، وقد حملوا أنفسهم وأهليهم وأولادهم أوزارا ثقيلة لم يفكروا في سوء عاقبتها، وقد يقول بعضهم: إن هذا القيام نافلة، وأنا يكفيني المحافظة على الفرائض،


    وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لأمثال هؤلاء: بلغني عن قوم يقولون: إن أدينا الفرائض لم نبال أن نزداد، ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم، ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار، وما أنتم إلا من نبيكم وما نبيكم إلا منكم، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل.

    ومن خصائص هذه العشر المباركة أنها يرجى فيها مصادفة ليلة القدر التي قال الله فيها: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر 3] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه" [أخرجه البخاري رقم 1901 ومسلم رقم 760]، ولا يظفر المسلم بهذه الليلة العظيمة إلا إذا قام ليالي الشهر كلها لأنها لم تحدد في ليلة معينة منها، وهذا من حكمة الله سبحانه لأجل أن يكثر اجتهاد العباد في تحريها ويقوموا ليالي الشهر كلها لطلبها فتحصل لهم كثرة العمل وكثرة الأجر، فاجتهدوا رحمكم الله في هذه العشر التي هي ختام الشهر، وهي ليالي العتق من النار،


    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن شهر رمضان: "شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار" فالمسلم الذي تمر عليه مواسم الرحمة والمغفرة والعتق من النار في هذا الشهر وقد بذل مجهوده وحفظ وقته والتمس رضا ربه، إن هذا المسلم حري أن يحوز كل خيرات هذا الشهر وبركاته ويفوز بنفحاته،


    فينال الدرجات العالية بما أسلفه في الأيام الخالية، هذا ويجب التنبيه على أن بعض أئمة المساجد هداهم الله يخالفون السنة وهدي السلف حيث إن السنة هي زيادة الاجتهاد في هذه العشر بجعل صلاة التراويح قسمين، فيصلي عشر ركعات في أول الليل وعشر ركعات تهجدا في آخر الليل، وتختم بالوتر،
    لكن بعض الأئمة في هذا الزمان يلغي صلاة أول الليل ويقتصر على صلاة التهجد عشر ركعات أو ثمان ركعات أو يلغي صلاة التهجد ويقتصر على صلاة التراويح في أول الليل ومعنى هذا أنهم لا يزيد اجتهادهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد اجنهاده في هذه العشر ويحيي لياليها بزيادة الصلاة وتطويلها وما ذكرناه هو في حق من يصلي عشرين ركعة في كل الشهر أما من يصلي في أول الشهر عشر ركعات فإنه يضيف إليها عشرا أخرى في العشر الأواخر يتهجد فيها آخر الليل.

    وللشيخ العلامة أبي بطين رسالة في الرد على مثل هؤلاء تجدها في الدرر السنية (
    3/ 181 ـ 185 ) وسننقلها في آخر الكتاب.

    نسأل الله التوفيق والقبول والعفو عن التقصير والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الخامس والعشرون: في بيان أحكام الاعتكاف

    الحمد لله وحده، والصلاة على نبينا محمد الذي لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    اعلموا أن هناك عبادة عظيمة تتعلق بالصيام وبالعشر الأواخر وهي: عبادة الاعتكاف، وقد ختم الله به آيات الصيام حيث قال سبحانه: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة 187] والاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمكث عنده.

    واصطلاحا: لزوم المسجد لطاعة الله، ويسمى جوارا، وهو سنة وقربة بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الشرائع القديمة، وفيه تقرب إلى الله تعالى بالمكث في بيت من بيوته وحبس للنفس على عبادة الله، وقطع للعلائق عن الخلائق للاتصال بالخالق، وإخلاء للقلب من الشواغل عن ذكر الله، والتفرغ لعبادة الله بالتفكر والذكر وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار،


    والاعتكاف مسنون كل وقت ولكنه في رمضان آكد لفعله عليه الصلاة والسلام ومداومته عليه، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله" [أخرجه البخاري رقم 2026 ومسلم رقم 1172]، وقد اعتكف أزواجه رضي الله عنهن معه وبعده واعتكفن معه واستترن بالأخبية،


    وأفضل الاعتكاف في رمضان الاعتكاف في العشر الأواخر، لأنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه إلى وفاته لقول عائشة رضي الله عنها: "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله" ولأن العشر الأواخر أرجى لتحري ليلة القدر.

    والاعتكاف عمل وعبادة لا يصح إلا بشروط:

    الأول: النية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمل بالنيات" [أخرجه البخاري رقم 1 ومسلم رقم 1907].

    الثاني: أن يكون في مسجد، لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة 187] فوصف المعتكف بكونه في المسجد، فلو صح في غيره لم يختص تحريم المباشرة فيه، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقا، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في مسجده، وفعله خرج بيانا للمشروع.

    الثالث: أن يكون المسجد الذي اعتكف فيه تقام فيه صلاة الجماعة لما روى أبو داود عن عائشة: "ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة" [أخرجه أبو داود رقم 2473، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 315] ولأن الاعتكاف في غير المسجد الذي تقام فيه الجماعة يؤدي إما إلى ترك الجماعة وإما إلى تكرار خروج المعتكف كثيرا مع إمكان التحرز من ذلك وهو مناف للاعتكاف،


    ولا يجوز للمعتكف الخروج من معتكفه إلا لما لابد منه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا إن كان قد اشترط ذلك في ابتداء اعتكافه.

    ويحرم على المعتكف مباشرة زوجته لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة 187].

    أي ما دمتم عاكفين، ويستحب اشتغاله بذكر الله من صلاة وقراءة وذكر واجتناب مالا يعنيه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" [أخرجه الترمذي رقم 2317، وابن ماجة رقم 3976 وأحمد في المسند 1 / 201، والحاكم في التاريخ 2 / 237، والطبراني في الأوسط رقم 2902، وفي الكبير 3/ 138 رقم 2886]،


    وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر، ولا بأس أن يتنظف ويتطيب، وله الخروج لما لابد منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ـ متفق عليه


    ـ فله أن يخرج لقضاء الحاجة والطهارة الواجبة وإحضار الطعام والشراب إذا لم يكن له من يأتي بهما، هذا هو الاعتكاف المشروع وهذه بعض أحكامه، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح (إنه قريب مجيب).

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس السادس والعشرون: في بيان فضل ليلة القدر والحث على الاجتهاد فيها

    الحمد لله فضّل شهر رمضان على غيره من الشهور، وخصه بليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد:

    قال الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان 3، 4]، وقال تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر 1ـ5].

    وهي في شهر رمضان المبارك لقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة 185] وترجى في العشر الأواخر منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه [أخرجه البخاري رقم 2020، ومسلم رقم 1169]، فينبغي الاجتهاد في كل ليالي العشر طلبا لهذه الليلة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، وأخبر تعالى أنها خير من ألف شهر وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة لقوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان 4] وهو التقدير السنوي، وهو التقدير الخاص، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صحت بذلك الأحاديث، وقيل سميت ليلة القدر لعظم قدرها وشرفها ومعنى قوله تعالى: {خير من ألف شهر} [القدر3] أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها،


    وطلبها في أوتار العشر آكد،

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث يبقين أو سبع يبقين أو تسع يبقين" [أخرجه البخاري رقم 2021، 2022 بلفظ قريب]، وليلة سبع وعشرين أرجاها لقول كثير من الصحابة: إنها ليلة سبع وعشرين، منهم ابن عباس وأبي بن كعب وغيرهما، وحكمة إخفائها ليجتهد المسلمون في العبادة في جميع ليالي العشر، كما أخفيت ساعة الجمعة من يوم الجمعة ليجتهد المسلم في جميع اليوم،


    ويستحب للمسلم أن أن يكثر فيها من الدعاء، لأن الدعاء فيها مستجاب،

    ويدعو بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" رواه أحمد وابن ماجة [أخرجه الترمذي رقم 3513، وابن ماجة رقم 3850، والحاكم 1 / 530 وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي].

    فيا أيها المسلمون: اجتهدوا في هذه الليلة المباركة بالصلاة والدعاء والاستغفار والأعمال الصالحة فإنها فرصة العمر، والفرص لا تدوم فإن الله سبحانه أخبر أنها خير من ألف شهر، وألف شهر تزيد على ثمانين عاما، وهي عمر طويل لو قضاه الإنسان كله في طاعة الله، فليلة واحدة وهي ليلة القدر خير منه، وهذا فضل عظيم،


    وهذه الليلة في رمضان قطعا وفي العشر الأخير منه آكد، وإذا اجتهد المسلم في كل ليالي رمضان فقد صادف ليلة القدر قطعا ورُجي له الحصول على خيرها.

    فأي فضل أعظم من هذا الفضل لمن وفقه الله، فاحرصوا رحمكم الله على طلب هذه الليلة، واجتهدوا بالأعمال الصالحة لتفوزوا بثوابها، فإن المحروم من حُرم الثواب،


    ومن تمر عليه مواسم المغفرة ويبقى محملا بذنوبه بسبب غفلته وإعراضه وعدم مبالاته فإنه محروم.

    أيها العاصي تب إلى ربك واسأله المغفرة فقد فتح لك باب التوبة، ودعاك إليها وجعل لك مواسم للخير تُضاعف فيها الحسنات وتُمحى فيها السيئات فخُذ لنفسك بأسباب النجاة.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس السابع والعشرون: في بيان ما يُشرع في ختام الشهر

    الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، جعل لكل موجود في هذه الدنيا زوالا ولكل مقيم انتقالا، ليعتبر بذلك أهل الايمان، فيبادروا بالأعمال ماداموا في زمن الإمهال، ولا يغتروا بطول الآمال، وصلى الله على نبينا محمد وأصحابه خير صحب وآل، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

    عباد الله تفكروا في سرعة مرور الليالي والأيام، واعلموا أنها تنقص بمرورها أعماركم، وتطوى بها صحائف أعمالكم، فبادروا بالتوبة والأعمال الصالحة قبل انقضاء الفرصة السانحة.

    عباد الله: كنتم بالأمس القريب تستقبلون شهر رمضان المبارك، واليوم تودعونه مرتحلا عنكم بما أودعتموه، شاهدا عليكم بما عملتموه، فهنيئا لمن كان شاهدا له عند الله بالخير، شافعا له بدخول الجنة والعتق من النار وويل لمن كان شاهدا عليه بسوء صنيعه، شاكيا إلى ربه من تفريطه فيه وتضييعه، فودعوا شهر رمضان والقيام بخير ختام، فإن الأعمال بالخواتيم، فمن كان مُحسنا في شهره فعليه الإتمام، ومن كان مسيئا فعليه بالتوبة والعمل الصالح فيما بقي له من الأيام فربما لا يعود عليه رمضان بعد هذا العام، فاختموه بخير واستمروا على مواصلة الأعمال الصالحة التي كنتم تؤدونها فيه في بقية الشهور، فإن رب الشهور واحد، وهو مطلع عليكم وشاهد، وقد أمركم بطاعته مدى الحياة، ومن كان يعبد شهر رمضان فإن شهر رمضان قد انقضى وفات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت فليستمر على عبادته في جميع الأوقات، فإن بعض الناس يتعبدون في شهر رمضان خاصة، فيحافظون فيه على الصلوات في المساجد ويُكثرون من تلاوة القرآن ويتصدقون من أموالهم، فإذا انتهى رمضان تكاسلوا عن الطاعة، وربما تركوا الجمعة والجماعة فهدّموا ما بنوه، ونقضوا ما أبرموه وكأنهم يظنون أن اجتهادهم في رمضان يكفر عنهم ما يجري منهم في السنة من القبائح و الموبقات، وترك الواجبات وفعل المحرمات، ولم يعلموا أن تكفير رمضان وغيره للسيئات مقيد باجتناب الكبائر والموبقات، قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء 31].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" [أخرجه مسلم 233/ 16].

    وأي كبيرة عدا الشرك أعظم من إضاعة الصلاة، وقد صارت إضاعتها عادة مألوفة عند بعض الناس.

    إن اجتهاد هؤلاء في رمضان لا ينفعهم شيئا عند الله إذا هم أتبعوه بالمعاصي من ترك الواجبات وفعل المحرمات.

    قد سئل بعض السلف عن قوم يجتهدون في شهر رمضان، فإذا انقضى ضيعوا وأساءوا، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، نعم لأن من عرف الله خافه في كل الزمان.

    وبعض الناس قد يصوم رمضان ويصلي فيه ويُظهر الخير ويترك المعاصي لا إيمانا واحتسابا، وإنما يفعل ذلك من باب المجاملة والمجاراة للمجتمع، لأنه يعتبر هذا من التقاليد الاجتماعية، وهذا هو النفاق الأكبر فإن المنافقين كانوا يراءون الناس فيما يتظاهرون به من العبادة.

    وهذا يعتبر شهر رمضان سجنا زمنيا ينتظر انقضاءه لينقض على المعاصي والمحرمات، يفرح بانقضاء رمضان لأجل الإفراج عنه من سجنه.

    روى ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يُعد فيه القوت والنفقة لعبادة الله، ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم فغنم يغنمه المؤمن" الحديث [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم 1884، وأحمد في المسند 2 / 524، والبيهقي في سننه الكبرى 4 / 304 وشعب الايمان 7 / 214 ـ 215 رقم 3335].

    والمؤمن يفرح بانتهاء الشهر لأنه استعمله في العبادة والطاعة فهو يرجو أجره وفضائله، والمنافق يفرح بانتهاء الشهر لينطلق إلى المعاصي والشهوات التي كان مسجونا عنها في رمضان، ولذلك فإن المؤمن يتبع شهر رمضان بالاستغفار والتكبير والعبادة.

    والمنافق يتبعه بالمعاصي واللهو وحفلات الغناء والمعازف والطبول فرحا بفراقه، فاتقوا الله عباد الله وودعوا شهركم بالتوبة والاستغفار.
    وصلى الله على نبينا محمد.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    1,952
    الدرس الثامن والعشرون: في بيان ما يشرع في ختام الشهر

    الحمد لله الذي من علينا بإكمال شهر الصيام، ووفق من شاء فيه لاغتنام ما فيه من الخيرات العظام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه البررة الكرام وسلم تسليما كثيرا.

    عباد الله.. اتقوا الله في سائر الليالي والأيام، فإنه رقيب لا يغفل قيوم لا ينام.

    عباد الله.. مما شرعه الله لكم في ختام هذا الشهر المبارك صلاة العيد شُكرا لله تعالى على أداء فريضة الصيام، كما شرع الله صلاة عيد الأضحى شكرا له على أداء فريضة الحج، فهما عيدا أهل الإسلام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم المدينة كان لأهلها يومان يلعبون فيهما قال صلى الله عليه وسلم: "قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم النحر ويوم الفطر" [أخرجه أبو داود رقم 1134 وأبو يعلى في مسنده 6 / 452 رقم 3841 والبغوي في شرح السنة 4 /292 رقم 1098، وأحمد 3 / 178، 250، والحاكم في المستدرك 1 / 294 والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 277]،


    فلا يجوز الزيادة على هذين العيدين بإحداث أعياد أخرى كأعياد الموالد والأعياد الوطنية والقومية، لأنها أعياد جاهلية سواء سميت أعيادأ أو ذكرياتٍ أو أياماً أو أسابيع أو أعواماً، وسمي العيد في الاسلام عيدا لأنه يعود ويتكرر كل عام بالفرح والسرور بما يسر الله من عبادة الصيام والحج الذين هما ركنان من أركان الإسلام.

    ولأن الله سبحانه يعود فيهما على عباده بالإحسان والعتق من النيران، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج العام لصلاة العيد حتى النساء، فيُسن للنساء حضورها غير متطيبات ولا لابسات لثياب زينة وشهرة، ولا يختلطن بالرجال، والحائض تخرج لحضور دعوة المسلمين وتعتزل المصلى، قالت أم عطية رضي الله عنها "كنا نُؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها وحتى تخرج الحُيض، فيكُنّ خلف النساء فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون خير ذلك اليوم وطهرته".

    والخروج لصلاة العيد إظهار لشعائر الإسلام وعلم من أعلامه الظاهرة فاحرصوا على حضورها رحمكم الله فإن من مكملات أحكام هذا الشهر المبارك،


    واحرصوا على الخشوع وغض البصر وعدم إسبال الثياب، على حفظ اللسان من اللغو والرفث وقول الزور، وحفظ السمع من استماع القيل والقال والأغاني والمعازف والمزامير وحضور حفلات السمر واللهو واللعب التي يقيمها بعض الجهال، فإن الطاعة تتبع بالطاعة لا بضدها،


    ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع صوم شهر رمضان بصوم ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" [أخرجه مسلم رقم 1164، وأبو داود رقم 2433، والترمذي رقم 759، وابن ماجة رقم 1716]،


    يعني في الأجر والثواب والمضاعفة لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان عن عشرة أشهر وستة الأيام من شوال عن شهرين، وهذه أشهر السنة كأنما صامها المسلم كلها إذا صام رمضان وأتبعه ستا من شوال، فاحرصوا رحمكم الله على صيام هذه الأيام الستة لتحظوا بهذا الثواب العظيم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    مدونة لبعض الموضوعات في المنتديات الشرعية

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    16 - 5 - 2008
    المشاركات
    4
    جزيتم خيرا
    وسلاطينهم سل الطين عنهم
    والرؤوس العظام صارت عظاما

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    16 - 9 - 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    26
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك
    وأحسن إليك

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •