الرئيسية  I  المنتديات  I  الفتاوى  I  المكتبة  I  المقالات  I  الدروس العلمية  I  البحوث العلمية  I  سجل الزوار  I  اتصل بنا

العودة   مُنْتَدَيَاتُ مِشْكَاة الأَقْسَامُ الرَّئِيسَـةُ مِشْكَاةُ الْكُتُبِ وَالْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25رجب1430هـ, 11:37 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
أحمد بن طراد الحسيني
مشكاتي فعّال أحمد بن طراد الحسيني غير متواجد حالياً
100
10-03-2009
حمل : تاريخ الأستاذ الإمام للسيد محمد رشيد رضا

يقول عنه الشيخ محمد رشيد رضا :
إن التربية بناء يوضع على أساس القدوة ، ويرفع على قواعد الأسوة ، فسِير
عظماء الرجال ، أنفع ما يذخر للأجيال ، وإن العبرة بسِير المعاصرين أقوى من
العبرة بسِير الغابرين ؛ لأن عامة الناس عندنا تعتقد أن الأولين من عنصر أزكى ،
واستعداد أقوى ، فلا يضرب معهم المتأخر بسهم ، ولا يدانيهم في فضل أو علم
لذلك رأينا أن من أنفع ما نخدم به الأمة وضع تاريخ مطول للأستاذ الإمام -
رحمه الله تعالى- وقد نوهنا بذلك فيما نشرناه من سيرته . ونريد أن نقول هنا : إن
ورثة الفقيد وأصدقاءه ومريديه الذين نعرفهم هنا عون لنا على هذه الخدمة ، ونرجو
من إخوانهم في الصداقة والوفاء من سائر الأقطار أن يتفضلوا علينا بما يرون من
النصائح ، وما يعرفون عن الفقيد من الأعمال والمآثر مما يخفى مثله علينا ، ويُظن أن
لا يكون وصل إلينا ، كبعض الكتب والرسائل ، وما رأوا من الأعمال أو سمعوا من
المسائل . ومن أرسل إلينا شيئًا من خط الفقيد فإننا نعيده إليه على عهد الله ورسوله.
ثم إن ما يرسل إلينا منه إن كان أثارة من علم أو أدب ؛ فإننا ننشرها حتمًا
ونكافئ مرسلها بنسخة من التاريخ نهديها إليه ، وإن كان كتابًا خاصًّا بمن كان أرسل
إليه فإننا لا ننشره إلا إذا كان فيه فائدة عامة من حكمة تُؤثَر ، أو بلاغة تؤثِّر ، على
أنه قلما يخلو كلام له من كلتا المزيتين مهما كان الموضوع الذي كتب فيه . ولا شك
أن الذين توجد عندهم هذه الآثار والأخبار ، يحرصون مثلنا على تدوينها واستفادة
الناس منها في الأغلب فلا يبخلون علينا بما ينفع الأمة ويحفظ أثر الإمام ، فهذا
الاستجداء سيصادف بذلاً وسماحًا إن شاء الله تعالى .
وإننا نقدر أن التاريخ لا يقل عن ألف صفحة وقد يزيد عليها ، وأن تجزئته
إلى جزئين أو ثلاثة أولى ، وربما نجعل له اشتراكًا .
وليعلم الشعراء الذين نظموا المراثي ونشروها في بعض الجرائد أننا لا ننشر
منها إلا ما نختار مما أرسلوه إلينا أو إلى الشيخ عبد الكريم سلمان أو حمودة بك
عبده ؛ لأننا لم نتتبع الجرائد ونحفظ ما فيها من القصائد ، وليس المانع من إثبات
المرثية في التاريخ هو سبق نشرها في بعض الجرائد وإنما هو ما ذكرنا من عدم
التتبع والحفظ ، فمن شاء أن يرسل إلينا شيئًا مما نشر فليفعل .
وكنا نود لو بين لنا كل من أرسل أو يرسل إلينا شيئًا من كاتب وشاعر لقبه
الذي يخاطب به ووظيفته التي يذكر بها ؛ لنذكره بما هو معروف به ؛ إن لم يكن
متنكرًا ؛ فذلك خير من نشر القصيدة أو المقالة بالتوقيع الذي يذكر فيه الاسم غفلاً لا
يعرف مسماه إلا المتصلون به ، وقد يشتبه بغيره لكثرة المشاركة في الأسماء والألقاب
هنا ( أي في البلاد المصرية ) .
( المنار 434/ج8)
وقال أيضاً فيه : " يوزع هذا الجزء من المنار ونحن شارعون في طبع قسم التأبين والمراثي
والتعازي من تاريخ الأستاذ الإمام ، وهو وحده يدخل في مجلد ضخم ، وفيه مما لم
يطلع عليه القراء في هذه البلاد ، أقوال بعض الجرائد المعتبرة في الأقطار الغربية
والشرقية ومراثي وتعازي بعض العلماء والأدباء التي لم تنشر في الجرائد المصرية
ويتلوه طبع جزء منشآت الفقيد من المقالات العلمية والاجتماعية ، والرسائل الدينية
والأدبية وغير ذلك مما هو غير منشور ولا متداول ، ومنه مقالات ( العروة الوثقى )
برمتها ، ونؤخر طبع جزء سيرته وترجمة حياته المطولة إلى ما بعد تمام طبع هذين
الجزئين لزيادة التروي والإتقان لأنها تكتب بحرية كاملة ، وتفصل فيها ما لقيه في
سبيل الإصلاح من العناء وما قيل وما كيد له .
ومتى تم طبع هذا الجزء الذي شرعنا فيه نعلن عنه في الجرائد ، ونجعل لكل
مشترك في المنار الحق في أخذ نسخة منه مجانًا ؛ إذا كان قد أدى قيمة الاشتراك
تامة . وإننا في هذا المقام نعيد استجداء أصدقاء الإمام ومريديه بأن يتفضلوا علينا
بل على التاريخ بما عساه يوجد عندهم من آثاره القلمية ، وما يعرفون من مناقبه
الشخصية لنضع كل شيء في موضعه من التاريخ ؛ فإن الطبع فيه سيكون متصلاً
إن شاء الله تعالى .
هذا وان للفقيد تغمده الله برحمته صورة شمسية قد أخذت عنه وهو يصلي في
معهد عام في لندره عند زيارته الأولى لها ، وذلك أنه أدركه وقت الصلاة في ذلك
المكان الذي هو كحديقة الأزبكية بمصر ، ورأى أنه إذا عاد إلى المكان الذي يقيم فيه
فإن الصلاة تخرج عن وقتها فصلى على الأرض حيث كان فأسرع حاملو الآلات
الفوتوغرافية إلى أخذ صورة عالم شرقي في هيئة عبادة لم يسبق لهم رؤية مثلها ، ثم
وصلت تلك الصورة إلى هذه البلاد وإلى سوريا وتونس ، فمن كان عنده صورة منها
فليتكرم علينا بها لنأخذ مثلها ونعيدها له وله الفضل والشكر ".
( المنار 639/ج8)
وقال أيضاٌ :"( أقوال الجرائد في تاريخ الأستاذ الإمام )
أصدرنا جزء المنشآت وجزء التأبين والرثاء من هذا التاريخ معًا ، وإن كان
قد تم طبع أحدهما قبل الآخر بعدة أشهر ، وأهديناهما إلى الجرائد اليومية بالقاهرة
في يوم واحد ، وإننا نذكر بعض ما كتب عنه في جرائد المسلمين والقبط والسوريين
ثم نذكر ما كتبته جريدة روسية عن الجزء الثالث ؛ ليعتبر القارئ العاقل بما يرى
من الاختلاف فيها .
قالت الجريدة في ع 88 الصادر في 11ج 1 سنة 1325 و22 يونيو سنة
1907 :
( تاريخ الأستاذ الإمام )
تم الآن طبع جزأين من هذا التاريخ الذي كان يترقب ظهوره كل مصري
يعترف بفضل المرحوم الشيخ محمد عبده ، وليس المعترفون به قليلين .
هذان الجزءان هما الثاني والثالث . أما الأول فسيتم طبعه في هذا الصيف .
والثاني يحتوي على بعض رسائله ومقالاته التي نشرت في الجرائد ، ولوائحه في
إصلاح التربية والتعليم الديني ، ومدافعته عن الدين ، ورحلته إلى صقلية ، وعلى
كتبه ورسائله إلى العلماء والفضلاء في الموضوعات المختلفة ، وعلى بعض حكمه
المنثورة . والثالث يحتوي على تآبين الجرائد والفضلاء ، ومراثي المحبين من
الأدباء ، جمعهما الفاضل الشهير الأستاذ محمد رشيد رضا أحد كبار تلاميذ المرحوم
الأستاذ الإمام . وهو يكتب الآن الجزء الأول الذي يحتوي على سيرة المرحوم
وترجمة حياته .
إن الإمام - رحمه الله - شغلته الشواغل الكثيرة المتعلقة بالخدمة العمومية عن
التأليف . ولكن هذا الجزء الثاني المحتوي على مكتوباته المتنوعة ، يهدينا مؤلفًا
كبيرًا من ذلك القلم الذي بعث روح حياة جديدة في الأفكار في هذا القطر ؛ ولذا
يقابل جمع السيد رشيد لأشتات هذه المكتوبات بالثناء العاطر من قبل الذين شغف
فؤادهم حب المرحوم .
أما الجزء الثالث فلنا منه سفر جامع لنخب الشعر والنثر جدير أن ينتفع
بمطالعته المتأدبون . وهذا الجزء الثالث مصدَّر برسم المرحوم . وأما الثاني فغير
مصدر به ، وهذا ما نأخذه على جامع الكتاب . فعسى أن لا يحرم قراء الأول من
مشاهدة مثل تلك الطلعة الكريمة .
وقد وضع له الجامع الطابع قيمة رخيصة ، كأنه رأى أن كل قيمة مادية لا
تعادل قيمته المعنوية ، فأحب أن يعم فائدته بترخيص قيمته المادية ، فيباع الجزءان
بخمسة وعشرين قرشا وفيهما نحو من ألف صحيفة ، ويباع الثالث وحده بعشرة
قروش والثاني وحده بخمسة عشر قرشًا . ومحل بيعهما مكتبة المنار بشارع درب
الجماميز .
وقالت جريدة الجوائب في ع 1322 الصادر في 11ج1 :
( تاريخ الأستاذ الإمام )
رحم الله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، كم نفع الناس في حياته وبعد مماته
مات الأستاذ فشعر العالم كله بفداحة الخطب ، وحزن عليه الشرق والغرب ، وكيف
لا يعرف الأستاذ أحد وهو ذلك الرجل الذي وطد دعائم العلم ، وفك الأفكار من
قيودها الثقيلة ، وأحيا الفلسفة الشرعية بعد موتها ، وملأ مصر نورًا .
وقد اعتنى حضرة الأستاذ العلامة الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار
الغراء بجمع ما وصلت إليه يده من فلسفة الأستاذ الإمام وكتاباته التي في الفنون
الأخرى ، ومراثي الأدباء والشعراء ، والصحف العربية والتركية والفارسية
والأجنبية على اختلاف لغاتها ومنازعها .
وقد جاءنا الجزآن الثاني والثالث من هذا التاريخ المجيد .
وفى الجزء الثاني بعض رسائل الأستاذ الإمام ومقالاته التي نشرت في
الصحف ، ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم الديني ، ومدافعته عن الدين ورحلته
إلي صقلية ، وكتبه ورسائله إلى العلماء والفضلاء في الموضوعات المختلفة ،
وعلى بعض حكمه المنثورة ، وثمنه 15 قرشًا صاغًا وأجرة البريد 3 قروش .
وفي الجزء الثالث تأبين الصحف والكبراء والفضلاء ، ونموذج من تعازي
أهل الأقطار والأمصار ومراثي الشعراء . وثمنه 10 قروش وأجرة البريد 3 قروش.
أما الجزء الأول فلم يتم طبعه إلى الآن ، وسيتم إن شاء الله في القريب من
الوقت ، وفيه تاريخ حياة الأستاذ الإمام وفلسفته وحكمه العالية . وهو أهم الأجزاء
الثلاثة على ما نظن .
والجزآن الثاني والثالث يباعان في مكتبة المنار بشارع درب الجماميز .
وقالت جريدة المقطم في ع 5545 الصادر في 14 ج 1 ، 12 يونيو :
أهدى إلينا حضرة العالم الفاضل السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار
الغراء الجزأين الثاني والثالث من تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده . أما
الثاني فيحتوي على شيء من رسائل الإمام ومقالاته التي نشرت في الجرائد ، ولوائحه
في إصلاح التربية والتعليم الديني ، وعلى كتبه ورسائله إلى العلماء ، ورحلته إلى
صقلية وبعض حكمه المنثورة . وهو يقع في 560 صفحة ذات حرف جلي وورق
صقيل ، وكله غرر ودرر ، قد خلعت الفصاحة عليه زخرفها ، وجللته البلاغة
بمطرفها ، ولا غرو فإن الإمام رحمه الله كان إمام عصره غير مدافع .
وأما الثالث فمصدر برسم الإمام ، ويشتمل على تآبين الجرائد وبعض الكبراء
والفضلاء ، ونموذج من تعازي أهل الأقطار والأمصار ومراثي الشعراء ، وما قيل
في حفله الأربعين على القبر . وهو يقع في 428 صفحة ، كلا الجزأين يباع
بمكتبة المنار بشارع درب الجماميز . فنثني على حضرة الفاضل منشئ المنار ؛
لاهتمامه بنشر أَنْفَس الآثار .
وقالت جريدة مصر في ع 3411 الصادر في 10 ج1 سنة 1325 و21
يونيه سنة 1907 :
أهدانا حضرة الكاتب العالم ، والأستاذ الفاضل الشيخ رشيد رضا صاحب
مجلة المنار الغراء الجزء الثاني والثالث من تاريخ الأستاذ الإمام المرحوم الشيخ
محمد عبده وهما يتضمنان تأبين الجرائد وبعض الكبراء والفضلاء له رحمة الله
عليه ، وأنموذجًا من تعازي أهل الأقطار والأمصار ومراثي الشعراء ، وشيئًا كثيرًا
من رسائل صاحب الترجمة في إصلاح التربية والتعليم الديني ، ورحلته إلى صقلية ،
ورسائله إلى العلماء في مواضيع شتى ، فنثني على همة وغيرة حضرة الأستاذ
رشيد على وضع هذا الكتاب المفيد في تخليد ذكر ذلك الإمام ، وَنَحُثّ جمهور
الأدباء والفضلاء على اقتنائه .

وقال المؤيد في العدد 5200 الصادر في 15 ج1 سنة 1325 و26
يونيو سنة 1907 :
( تقريظ المفتي )
الجزء الثاني والثالث من تاريخ حياة المرحوم الأستاذ الشيخ محمد عبده ،
الثاني في المنشآت ، والثالث في التآبين والمراثي . أصدر هذين الجزأين جامعهما
الأستاذ الفاضل الشهير الشيخ محمد رشيد رضا منشئ المنار ، وهو مباشر في إعداد
الجزء الأول الذي يتضمن ترجمة المرحوم المشار إليه ، وربما أصدره عن قريب .
أما موضوع الجزء الثالث المصدر برسم المرحوم فمعلوم كنهه لدى القراء .
وأحسن ما يقال فيه أنه معرض لقرائح الشعراء والكتاب : منه تتجلى مقدرتهم ،
ويوازن بينهم في موضوع قد تواردوا عليه ، ومعنى واحد كتبوا ونظموا فيه .
وأما موضوع الجزء الثاني : فربما كانت مضامينه خفية على معظم القراء ،
فنحن نشير إلى نموذجات منها عن كتب : الواردات في علم الكلام وهي على نمط
بديع غير مألوف . ومقالات ملخصة من دروس الشيخ جمال الدين الأفغاني في
التربية والصناعة ، ومنها مقالات كان ينشرها المرحوم المفتي في جريدة الأهرام
منذ ثلاثين سنة في مطالب ومواضيع مختلفة ، ثم مقالات له في الوقائع الرسمية
تتضمن كثيرًا من الأبحاث الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية ، ثم مقالات
العروة الوثقى وهي أشهر من نار على علم . ثم لوائح في إصلاح بلاد الدولة العلية
ورده على هانوتو ، ورأيه في محمد علي باشا هل أصلح مصر أو أفسدها ، ثم
كتبه ورسائله إلى العلماء والفضلاء في سائر الأقطار .
وفي نسبة هذه المنشآت إلى الأستاذ المفتي رحمه الله ما يغني عن الإسهاب
في رفعة منزلتها وبيان فائدتها . وإنا لنلفت عشاق البلاغة ومحبي البحث في
الاجتماع الإسلامي إلى هذا الكنز الثمين الآن . وربما نقلنا فصولاً منه في الأعداد
التالية من المؤيد فيما بعد الآن .
وقالت جريدة اللواء في :
( تاريخ الشيخ عبده )
أهدانا الشيخ رشيد رضا تاريخ المرحوم الشيخ محمد عبده وهو في ثلاثة
أجزاء ، جمع فيها كل ما قيل عن المرحوم من نثر وشعر ؛ تأبينًا له بعد مماته ،
ومفصل تاريخه وأعماله في حياته . والأجزاء مبوبة تبويبًا يسهل على القارئ
تلاوتها .
وثمن كل جزء عشرة قروش ، ويباع بمكتبة المنار بشارع درب الجماميز.
( المنار )
فليتأمل القارئ البصير في أقوال هذه الجرائد في الكتاب ، وفي من وضع
الكتاب ؛ لإحياء آثاره وذكره وليقابل بينها مستدلاًّ بها على أذواق أصحابها
ومحرريها وشعورهم يجد أجدر هذه الجرائد بالثناء والإطراء على إمام المسلمين
ومفخر المصريين ، هي ( وحاشا الجريدة ) أشدها تقصيرًا وأبعدها عن الذوق ،
وأوغلها في غمط الحق .
فإذا كانت جريدة المؤيد استكبرت عن تسمية التاريخ باسمه ( تاريخ الأستاذ
الإمام ) ، وجعلت عنوان الكلام عنه ( تقريظ المفتي ) وهو عنوان لا وجه له ، فإن
التقريظ هو مدح الحي بالحق أو الباطل ، وإذا كانت لم تعبر عن الفقيد عند ذكره بلقبه
المعروف عند أهل الخافقين ( الأستاذ الإمام ) ، كما يعلم من الجزء الثالث من تاريخه
على أن المؤيد كان قد سبق الجرائد إلى التعبير عنه في حال حياته بالإمام يوم رده
على هانوتو ، وإذا لم تذكر شيئًا من مكانته وفضله واستحسان إحياء ذكره ، فإنها
تعد مشمرة بالنسبة إلى تقصير جريدة اللواء التي جاءت بسخف ، لا يمكن أن
يوجد مثله في غيرها حتى الجرائد التي توصف بالساقطة . وقد يعذر محررو المؤيد
إذا اكتفوا من تقريظ التاريخ بمجمل ما فيه ، ولم يلقبوا صاحبه بلقبه ؛ لعلمهم بأن
سياسة صاحب الجريدة قد تقتضي ذلك ، والكتاب قد أهدي إلى الجريدة يوم سفره ،
( وإن لم يعذروا بذلك العنوان الذي نعتقد أنه ما كان ليرضاه لو كان هنا ؛ لأنه
يوصف بحسن الذوق في وضع العناوين ) ولكن الكتاب أُهدِي إلى جريدة اللواء
وصاحبها موجود ، ومرت أيام كثيرة وهو بين يديه ، ولم يكتب عنه شيئًا ، وبعد سفره
كتب خلفاؤه ما رأيت ، وهم أعلم الناس بما يوافق سياسة ذلك الذي ينحني خاضعًا أمام
غاريبالدي ؛ لأنه نبغ في وطنه إيطاليا وينكر فضل أعظم النابغين في وطن نفسه
كالأستاذ الإمام .
أليس هذا مما يعد مصداقًا لقول الأستاذ الإمام في اللواء : ( إنه مجموع نوبات
عصبية بعضها شديد ، وبعضها ضعيف ) ( أو خفيف ) .
فإن قيل : إن جريدة اللواء لم تقصر في تأبين الأستاذ الإمام عند موته ، بل
اعترفت بأنه نال أعلى مقام بين علماء الإسلام ( راجع ص 33 من ج 3 من
التاريخ ) ، وبأن الأجنبي كان يخرج من حضرته وهو يحسد الإسلام عليه ( ص
34 ) ، وأنه مات بموته العلم العصري ، وأنه فقيد البلاد فقيد العلم فقيد اليتامى فقيد
البؤساء فقيد الإسلام والمسلمين ... إلخ ( ص35 ) . فما باله اليوم لا يزيد في
التعبير عنه على كلمة ( الشيخ عبده ) ، والجواب عن هذا أن اللواء الآن في نوبة
شديد ة ، هاجها ترقي أشهر مريدي الأستاذ الإمام في الحكومة : ترقي سعد باشا
زغلول إلى منصب الوزارة ، وأحمد فتحي باشا زغلول إلى وكالة الوزارة .
وهنالك ميثاق مأخوذ على اللواء وعلى جرائد أخرى بإسقاط حزب الشيخ
محمد عبده ومقاومة رفعة ذكره ، ( والله متم نوره ) وهو هو السبب في جعل
حسنات ناظر المعارف الجديد سيئات في تلك الجرائد ، والطعن فيه بعد ذلك
الإطراء .
وانظر بعد هذا إلى قول عالم كبير روسي في جريدة روسية ؛ لتكمل لك
العبرة ، وهو ما جاء في جريدة ( وقت ) التي تصدر في مدينة أورنبورغ بروسيا
وهذه ترجمته :
( الشيخ محمد عبده )
كان الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية مات سنة 1323 في جمادى
الأولى في الإسكندرية .
كان الشيخ محمد عبده من أشهر مشاهير الرجال في هذا العصر ، ولا شك أن
شهرته تزيد ، ومكانته في النفوس تسمو على ممر الأيام ؛ بما ترك من الآثار
الحسنة ، وأتم من الأعمال الجليلة .
لم يكتسب الشيخ محمد عبده هذه الشهرة الفائقة بكونه كان مفتي الديار
المصرية . وإنما نالها بكمالاته العلمية . وإلا فقد سبق قبله بمصر مفتون كثيرون ،
وتنقلت وظيفة الإفتاء بعده أيضًا إلى عدة أشخاص ، ولم ينل أحد من هؤلاء
وأولئك من الشهرة عشر معشار ما ناله الشيخ محمد عبده .
والسبب الرئيسي في تبريز الشيخ محمد عبده على أقرانه ؛ هو استفادته من
علم حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني ، وكان بعد وفاته خليفته في العلم
والإصلاح ، غير أنه خالف أستاذه في خطته السياسية ، ولا يخفى على البصير أن
الرجل الحر المستقل في آرائه وأفكاره لا يعمل إلا بما يعتقده صوابًا ، وإن كان فيه
مخالفة أساتذته ومشايخه .
قضى السيد جمال الدين الأفغاني حياته بالتفكير في إصلاح الدين الإسلامي .
والكلام بهذا الشأن أينما كان . غير أنه لم يتيسر له الشروع فيه عملاً ؛ لقضاء جل
أوقاته بالسياسة والسياحة . إلا أن ما لم يتيسر للأفغاني تيسر للشيخ محمد عبده
تيسرًا كاملا . وذلك أنه بعدما رجع إلى مصر من منفاه في سورية بذل قصارى
جهده في المسلك ( مسلك الإصلاح الديني ) بالكتابة والتدريس في الأزهر .
كانت مجلة ( المنار ) التي يصدرها حضرة محمد رشيد أفندي رضا ، أنشئت
بقصد نشر آراء الشيخ محمد عبده وترويج مقصده الديني[*] ، ولا تبرح بعد موته
أيضًا على هذه الخطة المستحسنة - وينشر التفسير المقتبس من دروسه - في
(المنار) .
لم يكن الشيخ المرحوم يلتزم في تفسيره القرآن اتباع أحد من المفسرين
ولا غيرهم وإنما كان يعول فيه على بصيرته النيرة وفهمه الثاقب .
ثبت الشيخ محمد عبده في خطته ثبات الأطواد ، ولم يأل جهدًا في نشر
مقصده في أرجاء البلاد الإسلامية ، حتى إنه كان مشغولاً بالتفكير في مقصده في
مرضه الذي مات فيه ، وجادت قريحته قبيل موته بأبيات يتحسر فيها لحلول الأجل
قبل تمام العمل .
كان الشيخ محمد عبده معاصرًا لنا أيضًا ، وقد استفدنا كثيرًا من علمه ، وكنت
عاشق علمه وفضله ، ولا أزال غير أني لسوء الحظ لم يتح لي التعرف به
ومراسلته بسؤاله ، عما كنت أستشكله من المسائل من بين علمية ودينية . وكان هذا
الأمر يجول في خاطري من زمن بعيد ، بيد أننا أضعنا الفرص يا للأسف بالتمني
والتسويف .
كان أصدقائي في مصر يكتبون إليَّ من حين إلى آخر خبر عزم الأستاذ
المرحوم على السياحة في البلاد الروسية . ولهذا كنت أمني نفسي برؤيته حين يجيء
هذه البلاد . ولكن :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وقد وافانا نعيه حينما كنا ننتظر قدومه .
وقد ألَّف مريده وتلميذه وخليفته في مذهبه ومسلكه الشيخ محمد رشيد أفندي
رضا تاريخًا في ثلاثة أجزاء للأستاذ المشار إليه . وقد ازدانت مكتبتنا بورود الجزء
الثالث المحتوي على 428 صفحة من ذلك التاريخ .
وفي هذا الجزء كثير من التعازي والمراثي التي بُعثت من مسلمي الأقطار
المختلفة . وليس فيه شيء بُعِث بقصد التعزية من مسلمي روسيا سوى ما كان كتب
كاتب هذه السطور إلى حضرة صاحب المنار من كتاب وجيز ؛ بقصد تعريف حامل
ذلك الرقيم لحضرته .
ولما لم أظفر في الكتاب بغير تلك السطور القليلة من تعازي مسلمي روسيا ،
وقفت خجلاً في أول الأمر ، ثم لم ألبث أن سررت لوجود تعزية منا أيضًا بين
التعازي الكثيرة الواردة من مسلمي تونس والجزائر والهند وإيران .
لو تنبهت لهذا الأمر في حينه ؛ لكتبت ألبتة بعناية واهتمام ما يطلق عليه اسم
التعزية . والآن أقرع سن الندم ولات حين مندم .
إذا كنت أنا قصرت في كتابة هذه التعزية ؛ لاشتغالي بالنظر في ( الخصومات
العائلية ) ( كان الكاتب حينئذ قاضيًا في المحكمة الشرعية ) ، فما بال الشيخ نجيب
التونتاري الذي حصر كل حياته على المطالعة والعلم - لم يكتب شيئًا بهذا الصدد ،
بل وما عذر الشيخ عالمجان البارودي الذي لديه جم غفير من تلاميذه المجيدين
للكتابة بالعربية في تفريطه في هذا الواجب الإنساني !"
( مجلة المنار ج 10،382)
تاريخ الأستاذ الإمام
تقريظه ونقده
لأمير البيان ، وبديع هذا الزمان الأمير شكيب أرسلان

تلقيت الجزء الأول الذي ظهر أخيرًا من تاريخ أستاذنا الإمام الحجة ، آية الله
الباهرة الشيخ محمد عبده قدَّس الله روحه ، تلقيته والأشغال إلى ما فوق رأسي ،
والأفكار مشتتة ، والخواطر مقسمة ، والوقت أضيق من حلقة الميم ، فلم أتمكن من
مطالعته كله ، ولا من إحالة قداح النظر في جميع نواحيه ، فاكتفيت بقراءة بعض
فصوله ، وبالتأمل في فهرس موضوعاته ، والمكتوب كما يقال يُعرف من عنوانه ،
فلا شك عندي مما رأيت منه في أن هذا التاريخ هو واسطة عقد التواريخ في هذا
العصر .
قيل : إن الأستاذ ابن العميد سأل الصاحب بن عباد قائلاً له : كيف رأيت
بغداد ؟ فأجابه الصاحب : بغداد في البلاد ، كالأستاذ في العباد . وأنا أقول : تاريخ
الأستاذ الإمام في الكتب كالأستاذ الإمام في الرجال ، كيف لا ومحرره حجة الإسلام
البالغة في هذا العصر ، وإحدى حججه الباقية على الدهر ، الذي كان أعظم من
أظهر فضل الأستاذ الإمام ونشر تصانيفه ، وكان منه بمنزلة أبي يوسف من أبي
حنيفة ، السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار ، وخالد الآثار ، فسح الله في أجله ،
وكافأه أحسن ما يكافئ عبدًا على عمله ، فمن بعد أن نعرف أن هذا السفر الجليل هو
من قلم هذا الحبر الحلاحل ، ومن فيض هذا البحر الذي ليس له ساحل ، أصبح
التفنن في وصفه من قبيل تحصيل الحاصل ، والبديهيات التي لا تحتاج إلى الدلائل .
دعنا من متانة عبارة هذا الكتاب وعلو إنشائه ، وانتشار المنطق السديد على
جميع قضاياه وامتزاج الذوق السليم بجميع أنحائه ؛ فإن فيه من الفوائد التاريخية ما
لا يوجد في كتاب آخر ، وما لا يتم التاريخ العام إلا به ، بل وما كتب السير
والحوادث تبقى في مستقبل الأيام عيالاً عليه .
نعم إن ترجمة السيد جمال الدين الأفغاني قد سبق إليها الكثيرون ، وذهب كل
كاتب فيها مذهبًا ، وكان محرر هذه الأسطر ممن طرز بها كتاب ( حاضر العالم
الإسلامي ) وأتى فيها بمعلومات لم تسبق لغيره ، إلا أنه لا يوجد كتاب حوى من
أخبار جمال الدين رحمه الله ما حواه هذا الكتاب ، ولا وفى بما وفى به ، بحيث لا
تطلب فيه مطلبًا ذا شأن عن حياة حكيم الشرق وموقظه الأعظم - رحمه الله - إلا
رأيته بين دفتيه ، ففي تاريخ الشيخ محمد عبده أوفى تاريخ لجمال الدين أيضًا .
وأما تاريخ الشيخ محمد عبده فمن البديهي أنه سيكون هذا الكتاب هو الأول ،
والآخر في الإحاطة بهذا الموضوع لأن السيد رشيدًا - وهو الذي أشعة نظره في
العلوم ، كأشعة رونتجن في الجسوم - قد وقف جانبًا من حياته على تصنيف هذا
الكتاب ، وكان أعرف الناس بأحوال الإمام وألزمهم له ، وأحفظهم لأقواله ، وأدراهم
بمقاصده ، ومن قال إنه خليفته في الأرض ، ونسخة عنه طبق الأصل ، لا يخطئ ،
فمن العبث أن ننشد للشيخ محمد عبده تاريخًا من بعد هذا التاريخ .
والأستاذ صاحب المنار - كما يعلم كل من عرفه - سالك طريق المحدِّثين في
التدقيق والتمحيص ، فلا يبلغ أحد من التحري والتثبت ما يبلغه ، بما غلب عليه من
خُلُق علماء الأثر ؛ فلذلك لا يمكن أن ينطوي هذا الكتاب من الأخبار إلا على ما قتله
صاحب المنار علمًا ، ولم يدع فيه للشك سهمًا ، فالذي يطالع ما فيه من الروايات
ويكون ممن يعلم مذهب صاحب المنار في التحري ، لا يقدح في خاطره عارض من
شك في أن الحادث المروي إنما حدث على ذلك الوجه ، يُستثنَى من ذلك هنات هينات
لا يَعبأ بها .
لحظت منها ظنه أن مدير المدرسة السلطانية في بيروت يوم كان الأستاذ الإمام
يدرس فيها هو المرحوم الأستاذ الشيخ أحمد عباس ، والحال أن المدير الذي كان يومئذ
هو المرحوم خلقي أفندي الدمشقي وهو الذي أشار إلى صرفه بغيره السيد عبد الباسط
فتح الله رحمه الله في الفصل الممتع الذي كتبه عن مقام شيخنا في بيروت . وما عدا
ملاحظة أو اثنتين مما ليس بذي طائل لم أجد فيما طالعته من هذا التاريخ رواية لم أقل
فيها : هذه أصح الروايات وسندها أوثق الأسانيد ، ولقد يوردها المؤلف بطرق مختلفة
ويمحصها من جملة وجوه ، ويعرضها على محك القياس ، ولا يزال ينخلها إلى أن
تبلغ برد اليقين ، وأقصى درجات التحقيق المستطاعة للمؤرخين ، وإنه ليبلغ به حب
التدقيق أنه يروي عن أستاذه ما قد ينتقده ، وما يورد فيه أقوالاً أقوى من أقوال الأستاذ
الإمام ، فالسيد رشيد في جميع كتاباته ليس عنده أحد فوق الغربال كما يقال ، وكأنه
ينظر أبدًا إلى قول مالك رضي الله عنه : ( ليس منكم إلا مَن رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب
هذا القبر ) يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا وإنك لن تجد تاريخ الثورة العرابية في كتاب بالبيان الوافي الواضح
المستوفي لشروط النقل والعقل ، وتعليل الحوادث بأسبابها ، وردَّها إلى أصولها ،
كما تجده في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام .
وفي هذا التاريخ أيضًا تواريخ أخرى لا توجد إلا فيه ، ولن تكتب بقسط
التحقيق الذي كتبت به ، هذا وذلك لمكان صاحب المنار من القرب في الزمان
والمكان ، إلى الحوادث المؤرخة وإلى الأستاذ الإمام ، الذي كان يومئذ قطب الرحى ،
وهي مثل تاريخ نهضة مصر ، وتاريخ الأزهر ، وتاريخ نهضة الإسلام الحديثة ،
ويقظة الشرق الحاضر ، وكله مرتبط بعضه ببعض ، ومتسلسل تسلسلاً مطردًا
بطبيعة الأشياء ، وكيفما جُلتَ في نواحيه وجدتَ عاملين كبيرين هما ، جمال الدين
ومحمد عبده رحمهما الله ، وأنا أقول : إن الله عززهما بثالث هو صاحب المنار !
حفظه الله .
ولا تنس تاريخ سمو الخديو السابق وما فيه من الغرائب والعجائب ، وما
يتخلل حوادثه من النوادر ، التي مع صحتها ونخلها بمنخل التدقيق لم تخسر شيئًا
من فكاهتها ، فلم يزدها التحري إلا رونقًا . مثال ذك سرور المشار إليه بوفاة
الأستاذ الإمام رحمه الله واستياؤه من حزن الأمة عليه ، وعدَّه ذلك تقريبًا من ذنوب
الأستاذ ، ولم يغفل صاحب المنار في جانب هذه الأخبار ، التنويه ببعض حسنات
وأشباه حسنات أذنت بها الأقدار الإلهية على يد سمو الأمير ، فكان مذهبه هنا أيضًا
مذهب علماء الحديث ، فما تحامل ولا دلَّس ، ولا زاد ولا نقص ، ولو علم أمراء
الإسلام أن جميع مؤرخيهم هم كالسيد رشيد رضا يحصون عليهم ما حسن وما قبح
لاعتدلوا ، وعلموا أن قبل حساب الآخرة حسابًا في الدنيا ؛ ولكن أضر بأمراء
الإسلام وبالإسلام تدليس المؤرخين ، وتزيين المتزلفين ، وأكبر الإثم على أولئك
الفقهاء الذين انتظر منهم الشارع أن يقوِّموا الأمراء وينهوهم عن المنكر ، وبحثوا
في وجوه شهواتهم ما كثف من تراب الزجر ، فكانوا المعاوين على أهوائهم ،
المفتين لهم بما يزيد في إغوائهم . وليس مرادي هنا تخصيص الخديو السابق الذي
قد يكون أحسن من غيره ؛ وإنما أريد أمراء المسلمين جميعًا إلى من رحم ربك .
والله يعلم أني جادلت الخديو السابق في أمر الشيخ محمد عبده ولم أحابه ولم
أكتم عنه أنه كان متحاملاً عليه ، ودافعت عن الشيخ عبد العزيز جاويش أمام الخديو
وهو في قصره برأس التين ، وذلك عندما كانوا آتين بالشيخ جاويش من الآستانة
إلى الإسكندرية بتهمة المؤامرة على الخديو ، ولم أكن لذلك العهد أعرف الشيخ
جاويش ؛ ولكني كنت أعرف أن هناك نية للانتقام منه رحمه الله ، فانتدبت نفسي
للدفاع عنه ، ثم دافعت عنه مرارًا بعد ذلك أمام الخديو السابق ولم أقبل في حقه كلمة
واحدة من سموه .
ثم إن في هذا الكتاب من الأخبار السياسية والروايات المأثورة عن أعاظم
الرجال ما يجتمع منه مؤلَّف مستقل برأسه ، كما أن فيه من الفوائد الشرعية ، ومن
الحلول الوجيهة للإشكالات الحديثة والمسائل العصرية ، ما لا يتأتى في مجموع
آخر ، وكيف لا يكون ذلك وصاحب المنار هو فارس هذه الحلبة الذي لا يجاريه
مجار ، وإمام هذا المحراب الذي يصلي وراءه الكبار والصغار .
ولم يختلف نظري عن نظره في هذا الكتاب إلا في أمر الأستاذ المرحوم الشيخ
عبد الكريم سلمان ، فإن السيد رشيدًا - فيما يظهر - لا يراه في الرجال المعدودين ،
أو كما قال له شيخنا : إنه ناقم منك أنك لا تعتقد بعلمه ، هكذا رواها لي السيد رشيد
نفسه ، وكيف كان الحال فمكان الشيخ عبد الكريم لم يكن في هذا الكتاب بالمكان الذي
ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير ، ولست أحمل هذا من صاحب المنار على
ضغن مع علمي منه ومن الشيخ عبد الكريم نفسه بأن المودة لم تكن بينهما في صفاء
البلور ؛ ولكني أحمله على ما قاله الأستاذ الإمام من أن السيد رشيدًا لم يكن يعتقد بسعة
علم الأستاذ الشيخ عبد الكريم ، ولولا هذا لوفر له حقه غير منقوص ؛ لأن صاحب
المنار - مع ما فيه من الحفيظة - منصف مقسط لا يبخس الناس أشياءهم ، وأما أنا
فكنت أعتقد بكثير من علم الشيخ عبد الكريم وأدبه وسلاسة طبعه وحسن إنشائه ،
والأستاذ السيد رشيد يقول : إن الشيخ عبد الكريم كان لا يحب السوريين إجمالاً ؛
وإنما كان يستثنيني أنا من بينهم لفكاهتي ، وعبارة السيد هي هذه :
( ثم سبب آخر هو كراهته للسوريين ، ولا أستثني منهم إلا الأمير شكيب
أرسلان فإنه حل من نفسه محلاًّ كريمًا عندما زار مصر ؛ لفكاهته الأدبية ونوادره
اللطيفة ، على مكانته من حب الأستاذ الإمام وتكريمه إياه ، وللدعابة موقع من نفسه
معروف ، يعلو بها عنده صاحب المفاكهة وحاضر النادرة ... إلخ ) فإذا قرأ الإنسان
هذه الفقرة ورأى ما تكرر فيها من وصفي بالفكاهة والمفاكهة وسرعة البادرة عند
النادرة ، تخيل أني أبو نواس عصري ، وأني لم أنل من الشيخ موقعًا كريمًا إلا
بمحبة الأستاذ الإمام لي ومحبتي أنا للفكاهة ، وحاشا للشيخ عبد الكريم الذي كان
للجد عنده نصيب وافر ، والذي ما كان يميل أحيانًا للدعابة إلا لتكون له أعون على
الصواب إذا أخذ في معالي الأمور ، على نمط من قال : إني لأجم نفسي بشيء من
الباطل ليكون أعون لي على الحق . أقول : حاشا للشيخ عبد الكريم أن يكون كرم
مقامي عنده ناشئًا عن حرارة نكاتي مهما كانت رغبته في هذا الشأن ؛ وإنما أقول :
إن سر المحبة كامن في أعماق الصدور وأحناء القلوب ، وإن الأعمال تزيد منها
وتنقص ، وقد تذهب بها بتاتًا ، كما قد تزيدها أضعافًا ، ثم إني أشهد للشيخ عبد
الكريم أنه لم يكن على شيء من الشنآن للسيد رشيد ، وأنه كان يشهد بفضله ، وأنه
قال لي مرة : قد أصفيت له المودة بعد وفاة الشيخ .
وفي هذا التاريخ فصل من قلمي عن أيام الشيخ في بيروت ، وليس ذلك بكل
ما كتبته عنه ؛ وإنما أخر السيد بقية كلامي إلى الجزء القادم لتعلقها بما ارتسم في
خاطري من أيامه بمصر ، وقد روى لي السيد في هذا الجزء أشعارًا كنت نسيتها
فنشرها لي بعد الخفاء ، وأبرزها بعد العفاء ، ووعد بنشر الأكثر من مثلها في
الجزء القادم ، فأنا لا أحصي عليه ثناء من أجل هذا اللطف ، وإلحاقه بعض
أشعاري بهذا الكتاب عملاً بواو العطف ، لا سيما أنه لم يبق عندي ولا نسخة واحدة
من ذلك الديوان الذي أسميته ( الباكورة ) والذي أخرجته إذ كنت لم أتجاوز السابعة
عشرة من العمر .
وأما عدد صفحات هذا الجزء فتربي على ألف ومائة صفحة يمتلئ دماغ القارئ
مما تضمنته من معالي الأمور ، وسياسة الجمهور ، وتراجم الصدور ، ونخب
الفوائد التي تمخضت بها العصور ، وليس هذا بالجزء الوحيد في موضوع حياة
الأستاذ الإمام فقد تقدمه غيره وسيتلوه سواه ، وكله بذلك القلم الذي دانت له أقاليم
الأقلام ، وخضعت ممالك الكلام ، أي قلم صاحب المنار الشهير ناشر علم الأستاذ
الإمام ، ومخلد مآثره على الأيام ، فمن يقدر أن ينشر من مآثره ألوفًا من الصحائف
غير صاحب المنار ؟ لا جرم أنه كان أبرنا به ، وأقدرنا على القيام بالواجب نحوه ،
وأحرى تلاميذه بنشر آرائه في العوالم ، وبأن يكون بعده مرشدًا يضيء النهج والليل
قائم .
( جنيف - سويسرة ) ... ... ... ... ... شكيب أرسلان ... ... ... ... ... ...

=============
ج1:http://www.4shared.com/file/117717806/90515f7f/__1.html
ج2:http://www.4shared.com/file/117720388/691255f8/__2.html
ج3:http://www.4shared.com/file/117722928/3463f02f/__3.html
============================== ===========


التوقيع
رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
طلب عاجل!! ملف وروود للشيخ الأسمري عن الإمام محمد بن عبدالوهاب المنهج مِشْكَاةُ الْكُتُبِ وَالْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ 5 16رمضان1429هـ 11:50 صباحاً
نحو منهج رشيد للتعامل مع المخالف للشيخ عبد الرحمن اللويحق/ الرياض أم اليمان مِشْكَاةُ الْمَنَاشِطِ الدَّعَويَّةِ 1 18جمادى الأولى1428هـ 02:44 مساء
محنة الإمام أحمد للشيخ سالم العجمي ـ حفظه الله ـ عيسى محمد مِشْكَاةُ الْعُلومِ الشَّرْعِيَّةِ 0 29ربيع الثاني1428هـ 09:01 صباحاً
تحميل خطبة(الإمام أحمد بن حنبل) للشيخ محمد حسان: سيد يوسف عصر مِشْكَاةُ الشَّرِيطِ الإسْلامِيّ 3 14ربيع الثاني1428هـ 11:06 صباحاً
حكم صلاة الإمام بغير وضوء ناسياً / للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ عيسى محمد مِشْكَاةُ الْعُلومِ الشَّرْعِيَّةِ 0 20ربيع الأول1428هـ 09:34 صباحاً




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.


الرئيسية  I  المنتديات  I  الفتاوى  I  المكتبة  I  المقالات  I  الدروس العلمية  I  البحوث العلمية  I  سجل الزوار  I  اتصل بنا