الرئيسية  I  المنتديات  I  الفتاوى  I  المكتبة  I  المقالات  I  الدروس العلمية  I  البحوث العلمية  I  سجل الزوار  I  اتصل بنا

العودة   مُنْتَدَيَاتُ مِشْكَاة الأَقْسَامُ الرَّئِيسَـةُ مِشْكَاةُ الْعُلومِ الشَّرْعِيَّةِ
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 16صفر1429هـ, 04:29 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
تطور القانون الدولي الإسلامي في القرون الوسطى
على الرغم من دعوة القرآن إلى التعارف وإقامة علاقات مع غير المسلمين من شعوب وقبائل ، وأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قد بدأ بسلسلة من الإتصالات الدبلوماسية وأرسل سفراءه إلى الدول المجاورة مثل بيزنطة وفارس ومصر والحبشة ، إلا أن خلفاءه لم يواصلوا مبادرته وسياسته . لقد حققوا فتوحات كبيرة وسعت رقعة الدولة الإسلامية بشكل متسارع خلال فترة زمنية قصيرة . لقد أدت هذه الفتوحات المفاجئة إلى زوال إحدى القوى العظمى آنذاك ، الإمبراطورية الساسانية ، وانسحاب القوة العظمى الأخرى ، الامبراطورية البيزنطية ، من تواجدها التأريخي في الشام (سوريا وفلسطين والأردن) . لقد غيرت هذه الفتوحات مكانة ووضعية العرب ، من محاربين بدو إلى حكام متحضرين . كما غرست الشعور لديهم بالقوة والسيادة على غيرهم من الأمم ، وخاصة غير المسلمين . فقد نما الشعور القومي في العصر الأموي مما أدى إلى الإزدراء بغير العرب ، وحرمانهم من حقوق المواطنة والمساواة التي يكفلها الإسلام لهم .
لقد وضعت الظروف والتغيرات الجديدة الدولة الإسلامية في تحديات جديدة ، حيث أصبحت تتعامل بشكل مباشر مع الدول غير المسلمة ، وخاصة الواقعة على حدود دار الإسلام . وجد المسلمون أن هناك حاجة لصيغة جديدة في التعامل مع الدول غير المسلمة ، بالإضافة إلى سياستها المتسامحة تجاه الأقليات غير الإسلامية داخل الدولة الإسلامية . قام الفقهاء بتطوير فرع من الفقه الإسلامي ، له علاقة بالعلاقات الخارجية ، هو السّيَر ، لتلبية متطلبات الظروف المستجدة والقضايا الطارئة . فهذا يعتبر أساس القانون الدولي الإسلامي [76][1].
لعبت العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية دوراً هاماً في تطوير مفاهيم وآراء جديدة في الفقه الإسلامي . فالواقع وقضاياه ومشاكله تطرح أسئلة وتطلب حلولاً ، لا بد للفقه أن يبدي رأيه فيها ، سواء كانت القضايا نابعة من داخل المجتمع الإسلامي أو بسبب علاقته واتصاله بالأمم الأخرى . قد يكون من الصحيح القول بأن القانون الدولي الإسلامي أو السير ، نشأ أولاً لتنظيم قضايا الحرب والقتال وشؤون الأسرى وعقد الهدنة أو غيرها ، لكن هناك دوافع وأسباباً أخرى جعلت القانون الدولي الإسلامي يتوسع ليشمل أمراً غير الحرب مع الكفار . فقد كانت التجارة وانتقال الأفراد والتجار إلى دار الحرب ، والتعاون السياسي مع دار الكفر وغيرها أموراً تدفع الفقهاء إلى المزيد من البحث والإجتهاد لمواجهة الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية المتغيرة . ففي العصر العباسي عقد الخليفة هارون الرشيد حلفاً مع فرنسا المسيحية ، وكلاهما كان ضد بيزنطة . وصلت العلاقات العباسية ـ الفرنسية ذروتها عندما قبل هارون بمبادرة أسقف القدس الذي أرسل بعثة إلى شارلمان ملك فرنسا تحمل معها هدية عبارة عن مفاتيح الضريح المقدس والمدينة مع الراية [77][2]. يعتبر البروفسور بوكلر Bucklerهذه الخطوة بمثابة منصب رمزي لشارلمان باعتباره والياً للقدس تحت سلطة الخليفة العباسي . ويحتج بأن مثل هذا المنصب ، وحسب الماوردي ، يكون بتوكيل من الخليفة ، الذي يمكن أن يمنحه لغير مسلم . ويرفض مجيد خدوري ذلك التفسير قائلاً أن العلاقات الدبلوماسية بين شارلمان والرشيد كانت سياسية . ولم يتم التعامل أبداً مع القدس باعتبارها جزءاً من صفقة سياسية ، حتى يقال أنه يمكن تعيين وال غير مسلم عليها . وينفي وجود أي شيء في كتابات الماوردي تسمح بمثل ذلك ، كما يدعي بوكلر ، وإعطاء مثل ذلك المنصب إلى غير مسلم [78][3].
لقد فرضت متطلبات الدولة الإسلامية وحقائق الحياة وواقعها على المسلمين أن يتولى الفقهاء التعامل مع المستجدات ، ومنها كيفية التعامل مع الدول غير الإسلامية ، وإعطاء وجهة نظر الشريعة بالمسائل المطروحة عليهم . ويلاحظ أن ليس كل فقهاء الإسلام تعرضوا لذلك الواقع ، فقد كان فقهاء الحجاز بعيدين عن الإحتكاك بالأمم الأخرى ، ولذلك لم يتعرضوا لمسائل التعامل مع الدول غير الإسلامية . فالفقيه مالك بن أنس فقيه الحجاز (93 ـ 179هـ/712 ـ 796م) لم يخصص إلا فصلاً صغيراً عن الجهاد . كما أن شيوخه من قبل كابن شهاب الزهري (ت 124هـ/742م) وربيعة الرأي (ت 136هـ/ 754م) إهتموا بالموضوع أقل منه . ذلك أن فقهاء الحجاز كانوا بعيدين عن المناطق التي حصل فيها الإتصال المباشر بين الاسلام وبين شعوب أخرى، فلم يبالوا كثيراً بالمشكلات التي كانت تنشأ نتيجة لهذا الإحتكاك بين المسلمين وبين الشعوب الأخرى [79][4].
ومن تلاميذه الذين اهتموا بالجهاد سحنون الذي كتب (المدونة) خارج الحجاز ، في القيروان . من جانب آخر نجد أن فقهاء العراق أولوا إهتماماً كبيراً بقضايا الحرب والجهاد ، بل أن القانون الدولي الإسلامي يمكن إعتباره من إجتهاد فقهاء العراق . فالفقيه أبو حنيفة (80 ـ150هـ/699 ـ 802م) الذي نشأ ودرس في الكوفة وتوفي في بغداد ، وتلامذته أمثال محمد بن الحسن الشيباني (132 ـ 189 هـ/750 ـ 805م) وأبي يوسف القاضي (113 ـ 182هـ/ 731 ـ 798م) وأبي اسحاق الفزاري (ت 186هـ/802م) قد كتبوا وفصلوا في باب السير وقضايا جهاد الكفار والتعامل مع الدول غير المسلمة أكثر من معاصريهم من الفقهاء . ويعد عبد الرحمن الأوزاعي (ت 157 هـ/774 م) أحد الفقهاء القدامى الذين عالجوا السير كموضوع مستقل من مواضيع الشريعة . وكانت آراء الأوزاعي في هذا الموضوع ـ وهي آراء توصل إليها في سوريا في العهد الأموي ، إذ أنه عاش معظم حياته في ذلك العهد ـ تمثل التفكير الشرعي لتلك الحقبة [80][5].
بصورة عامة ، كان فقهاء المغرب وشمال أفريقيا قد تعاملوا بشكل مباشر مع قضية العلاقات مع غير المسلمين أكثـر من فقهاء المشرق (العراق ، سوريا ، الحجاز وفارس) . فالفقيه المالكي سحنون ، أبو سعيد عبدالسلام التنوخي (ت 240 هـ / 855 م) كتب مفصلاً في مسائل الحرب ، لأن الإسلام في شمال أفريقيا وإسبانيا كان على اتصال يومي ومباشر مع الدول الأوربية وغير الإسلامية ، ولكن معالجته تعكس تأثره بالفقهاء الحنفية ليس بأقل من تأثره بالمالكية فيما يتعلق بهذا الموضوع . وتعتبر (المدونة) لسحنون من عمدة المؤلفات في المذهب المالكي ، إضافة إلى (الواضحة) لعبد الملك بن حبيب ، و(العتيبية) لمحمد ابن أحمد العتبي القرطبي (ت 255هـ /869م) ، و(الموازية) لمحمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندري المعروف بالمواز (ت 269هـ/882م) [81][6]. وأصل المدونة كتبها أسد بن الفرات (ت 213هـ/828م) الذي توفي أثناء حصار سرقوسة في جزيرة صقلية . وتعرف بالمدونة الأسدية ، وقام سحنون بشرحها فنسبت إليه .
وأصدر الفقيه الأندلسي إبن ربيع (ت 719هـ/1320م) فتوى تتعلق بوضعية الأقلية الإسلامية تحت الحكم المسيحي . كما عالج الفقيه الأندلسي إبن رشد مسائل ذات علاقة بالتعامل مع غير المسلمين .
وفي القرن الخامس عشر ، كتب الفقيه المغربي ، الأندلسي الأصل ، عبد العباس الونشريسي مقالة بعنوان (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر) . ناقش الونشريسي مسائل تتعلق بشرعية البقاء تحت الحكم المسيحي . فقد سئل من قبل جماعة من المهاجرين المسلمين الذين غادروا الأندلس بعد سقوط غرناطة وعودة الحكم المسيحي بقيادة الملك فرناندو والملكة إيزابيلا إلى إسبانيا . وكان هؤلاء المهاجرون قد رغبوا بالعودة إلى الأندلس حيث عاشوا ، عندما واجهوا ضيق العيش وقلة الرزق في المهجر . وسنناقش هذه القضية لاحقاً .
وفي القـرن الحادي عشـر تعرض الفقيـه المازري ، في شمال أفريقيا ، لسؤال مـن قبل جماعة من المسلمين في صقلية حول شرعية الأحكام التي تصدرها المحاكم المسيحية وقضاتها ، وصحة شهادة الشهود غير المسلمين ، هل يجوز قبولها أم لا [82][7].


يتبع0000
الإسلام والإستعمار


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 16صفر1429هـ, 04:30 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
الإسلام والإستعمار
بدأ التوسع الأوربي مصاحباً لحركة الإستكشافات الجغرافية والتجارة الدولية . فقد أسس الإسبان والبرتغاليون والهولنديون إمبراطوريات تجارية في آسيا ، ثم خلفهم البريطانيون والفرنسيون فشيدوا إمبراطوريات إستيطانية ، إستعمارية . وكانت الإكتشافات العلمية وبناء البواخر الضخمة والحاجة إلى المواد الخام وإنشاء الأسواق التجارية من العوامل الهامة في توسع نطاق الإستعمار وسيطرته وعمله في القضاء على مقومات الأمم المستعبدة لإدامة الإستعمار [83][1]. ورافق صعود الرأسمالية الصناعية في أوربا ، وتسارع إيقاع التوسع الأوربي الذي اتخذ نمطاً مختلفاً . فحتى ذلك الحين كان الحافز الرئيس وراء التوسع الأوربي هو التجارة في سلع الترف والرفاهية ، وكانت السيطرة على البحار أهم من السيطرة على الأرض لأن امتلاك مواقع تجارية صغيرة كان كافياً لضمان المصالح التجارية التي يحرص عليها ذلك النوع من التوسع الأوربي . إلا أنه نتيجة لصعود الرأسمالية الصناعية في أوربا خلال القرن التاسع عشر ، أخذت الدول الأوربية توسع في نطاق سيطرتها على الأرض إما توسلاً الى إحتكار أسواق تصدير المواد الخام والمنتجات الزراعية وأسواق إستيراد المنتجات المصنعة ، وإما لحماية مصالحها الإستراتيجية . وفي بعض المناطق ، كانت السيطرة الإستعمارية تهدف إلى إنشاء مستعمرات للمستوطنين البيض [84][2]. فقد قامت فرنسا بجهود حثيثة لتوطين الفرنسيين في الجزائر وتونس ، ونجحت بريطانيا وهولندا في إقامة دولة اعتمدت على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا . وهذا تقويم تاريخي لحركة الإستعمار في العالم الإسلامي :
1 ـ الإستعمار الهولندي :
1621 جزيرة جاوة
1874 جزيرة سومطرة (أندونيسيا)
2 ـ الإستعمار البريطاني :
1757 البنغال (بنغلاديش)
1849 البنجاب (باكستان)
1815 نيجيريا
1882 مصر
1870 تنزانيا
1898 السودان
1917 العراق
1920 الأردن وفلسطين
3 ـ الإستعمار الفرنسي :
1830 الجزائر
1881 تونس
1882 السنغال
1882 مدغشقر
1912 المغرب
1918 سوريا ولبنان
4 ـ الإستعمار الإيطالي :
1887 الصومال وأرتيريا
1911 ليبيا
5 ـ الإستعمار الإسباني :
1914 الريف (شمال المغرب)
لم تعانِ بقية البلدان الإسلامية من الإحتلال العسكري المباشر ، ولكنها لم تكن بمنأى عن النفوذ الغربي ، السياسي والإقتصادي . فالنفوذ البريطاني كان لديه حضور قوي في إيران والجزيرة العربية . ونتيجة للإستعمار ، شهد العالم الإسلامي تغييرات جذرية في شتى النواحي الإقتصادية والإجتماعية والفكرية


يتبع0000
الجهاد والإستعمار


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 16صفر1429هـ, 04:31 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
الجهاد والإستعمار
في المراحل الأولى من التوغل الأوربي في العالم الإسلامي قاوم المسلمون في مواقع كثيرة الوضع الجديد بالقوة . وكانت عقيدة الجهاد هي الطريقة الوحيدة القادرة على تعبئة الجماهير ضد الغزو الإستعماري ، وأرضية دينية للكفاح المسلح ، ومعياراً دقيقاً لتحديد العدو [85][1].
لقد كانت المجتمعات الإسلامية في ذلك الوقت تفتقد للتنظيم عدا المؤسسات الدينية ، التي كان بوسعها تعبئة الجماهير في حركة منظمة ضد القوى الإستعمارية . ففي أفريقيا تزعمت الحركات الصوفية والطرق الدينية حركة الجهاد ضد الإستعمار ، على الرغم من الصبغة السلمية ومبدأ اللاعنف الذي تتسم به الحركات الصوفية عموماً ، والإنكفاء عن شؤون المجتمع والدولة . فكان أتباع الطريقة السنوسية في ليبيا ، والتيجانية في الجزائر ، والإدريسية في المغرب ، والختمية في السودان ، على رأس المقاتلين والمجاهدين الذين قاتلوا القوات الأوربية .
في هذا الفصل ، لن أتطرق لهذه الحركات ، لأن ذلك خارج موضوع هذه الدراسة . وقد اخترت بعض الحركات والثورات الإسلامية والتي لها صلة مباشرة بالغرب والنفوذ الغربي ، والعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية . وسأركز البحث على حركة المرجعية الشيعية في إيران والعراق ، بهدف توضيح مدى تأثير المؤسسة الدينية الشيعية في الأحداث السياسية ، ودور المجتهدين الشيعة في التاريخ المعاصر ، وتعاملهم مع المنظمات الدولية والشؤون الخارجية . كما سألقي الضوء على حركة الجهاد الإسلامي في بلدين إسلاميين سنيين ، هما مصر ، ودور الأزهر أثناء الإستعمار الفرنسي والبريطاني; ودور الحركة الدينية في الهند . وسيتناول البحث حركة مقاومة الإستعمار التي قادتها المؤسسات الدينية دون غيرها من الحركات العلمانية ، لأننا نبحث في عقيدة الجهاد ، وهي عقيدة دينية خالصة .


يتبع000000
العراق : من حركة الجهاد إلى ثورة الإستقلال


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 16صفر1429هـ, 04:32 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
العراق : من حركة الجهاد إلى ثورة الإستقلال
لعبت المرجعة الدينية الشيعية دورأ أساسياً في حركة الجهاد التي انطلقت لمواجهة الغزو البريطاني للعراق . في 6 تشرين الثاني 1914 نزلت القوات البريطانية ـ الهندية إلى ميناء الفاو . في 9 تشرين الثاني 1914 وصلت إلى علماء الدين في العتبات المقدسة وسائر المدن العراقية برقية جاء فيها :
(ثغر البصرة الكفار محيطون به ، الجميع تحت السلاح ، نخشى على باقي بلاد الإسلام ، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع) [86][1]. وسرعان ما اتخذت المرجعية الدينية الموقف اللازم في مثل هذه الأمور ، فعقد اجتماع حافل في النجف الأشرف ، في مسجد الهندي ، حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر ، وخطب فيه السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ جواد الجواهري ، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة (تركيا) في دفع الكفار عن بلاد الإسلام [87][2] . وصدرت فتاوى الجهاد لتعبئة الناس وتشجيعهم على المشاركة في الجهاد . فقد أصدرت فتاوى الجهاد ضد القوات البريطانية . وفي مرقد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)في النجف ، ارتقى المنبر المرجع الديني السيد محمد كاظم اليزدي وخطب في الناس يحثهم على الدفاع عن البلاد الإسلامية ، وأفتى بالجهاد ، وأوجب على الغني العاجز جسدياً أن يجهز من ماله الفقير القوي [88][3]. وفي الكاظمية كان الشيخ مهدي الخالصي أشد الناس حماساً للجهاد ، وكتب رسالة بعنوان (الحسام البتار في جهاد الكفار) . ولم يكتف الخالصي بهذا بل أصدر حكماً أوجب فيه على المسلمين صرف أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفار ، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرهاً . وردت فتوى السيد اليزدي في برقياته ورسائله [89][4]التي أرسلها إلى أبناء العشائر والمدن ، نذكر منها :
(إلى إخواننا المؤمنين الموحدين من أهالي عفك، لا يخفى عليكم تحقق هجوم الكفرة على ثغور المسلمين ، فانفروا كما قال الله خفافاً وثقالاً . ولألفينكم كما يقول عز من قائل (أشداء على الكفار رحماء بينهم) ، فانهضوا بتوفيق الله إلى جهاد عدوكم وعدو نبيكم . وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . فقد أعلنا بوجوب الدفاع عن حوزة المسلمين وبيضة الدين . وقد فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً . محمد كاظم الطباطبائي) [90][5]
ولم يكتف المجتهدون الشيعة بالفتاوى وحث الناس على الجهاد ، بل شاركوا هم شخصياً في كتائب المجاهدين التي انطلقت لمواجهة القوات البريطانية ، ففي 15 تشرين الثاني 1914 ، أي بعد أسبوع من الغزو ، خرج السيد محمد سعيد الحبوبي من النجف يصحبه جماعة من أصحابه ، وقد تقلد سيفه ، فتوجه إلى الجبهة عن طريق السماوة والناصرية . وفي 17 تشرين الثاني 1914 تحرك موكب السيد عبد الرزاق الحلو . وفي 19 تشرين الثاني 1914 ، وصادف اليوم الأول من محرم 1333 ، غادر السيد مهدي الحيدري الكاظمية متوجهاً إلى جبهة القتال . وفي 22 كانون الأول 1914 غادر النجف الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسين والشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ حسين الحلي والشيخ حسين الواسطي والشيخ منصور المحتصر وكثير من علماء وطلبة الحوزة العلمية . وفي 28 تشرين الثاني 1914 ، تحرك المجاهدون عن طريق بغداد بقيادة كل من شيخ الشريعة الأصفهاني والسيد علي الداماد والسيد مصطفى الكاشاني ، وموفدي السيد كاظم اليزدي وهم ابنه السيد محمد والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء [91][6].
وكانت أول مواجهة عسكرية مع القوات البريطانية في معركة الروطة في 20 كانون الأول 1915 خسر فيها الإنجليز ، فاضطروا إلى الإنسحاب . وكانت المعركة الثانية في الشعيبة في 12 نيسان 1915 وقد خسر فيها المجاهدون ، فتقدمت القوات البريطانية نحو الشمال . لقد كان لفتاوى الفقهاء دور في تعبئة الجماهير ضد الإستعمار البريطاني . وأدت حركة الجهاد إلى تأخير التقدم البريطاني في العراق ثلاث سنوات ، أي حتى آذار 1917 . وقد اعترفت المصادر البريطانية بالخسائر الجسيمة التي تكبدتها في حرب العراق . فقد خسرت بريطانيا 1297 جندياً ، بينما خسر المجاهدون 3000 مسلم [92][7].

ثورة العشرين 1920
بعد دخول القوات البريطانية بغداد ، بدأ التفكير بتأسيس إدارة حكومية جديدة ، وكان هناك تياران داخل الحكومة البريطانية :
الأول : يدعو إلى وضع العراق تحت الإدارة البريطانية المباشرة ، ويتزعمه الكولونيل أرنولد ولسن نائب الحاكم المدني العام في العراق ، ويؤيده بعض الوجهاء والتجار والعلماء من أهل البلاد .
الثاني : يرى أن أفضل طريقة لحكم العراق هي الإدارة غير المباشرة من قبل بريطانيا .
في 30 تشرين الثاني 1918 أعلنت الإدارة العسكرية البريطانية عن عزمها القيام باستفتاء للتعرف على وجهة نظر السكان المحليين في مختلف المناطق . وأن يتضمن الإستفتاء الأسئلة التالية :
1 ـ هل يرغبون في دولة عربية واحدة ، تحت الوصاية البريطانية ، تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج الفارسي ؟
2 ـ هل يرغبون ، في هذه الحالة ، في رئيس عربي بالإسم يرأس هذه الدولة الجديدة ؟
3 ـ من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة ؟ [93][1].
وحاول ولسن أن ينفذ وجهة نظره ، فأقنع بعض العوام بتأييد موقفه . وأصدر تعليماته إلى ضباط الإرتباط في المدن العراقية ، وأبلغهم بعدم قبول غير الأجوبة المرضية والملائمة للإنجليز . وقد وقع بعض أهالي كربلاء مضبطة يقولون فيها:
(وقد إجتمعت أفكارنا عموماً ، وصار نظرنا على ما فيه صلاح العموم ، بأن نكون تحت ظل حكومتنا العطوفة الرؤوفة البريطانية العظمى مدة من الزمان لترقي العراق خصوصاً ممالكنا وتعمير بلادنا ويكون بذلك مصلحة العموم) [94][2].
وفي الموصل إجتمع بعض العلماء والأشراف ، ووقعوا على مضبطة كتبها بخطه القاضي أحمد أفندي الفخري هذا نصها :
(نعرض الشكر لدولة بريطانيا العظمى على إنقاذنا من الأتراك ، وتخليصنا من الهلاك ، وإعطائنا الحرية والعدالة ، والسعي في ترقي ولايتنا بالتجارة والزراعة والمعارف ، ونشر الأمن في جميع الأطراف . ونؤمل من الدولة المشار إليها أن تحسن علينا بحمايتنا ، وإدارة شؤون ولايتنا إلى زمن يمكن فيه أن نفوز بالنجاح ، ويحصل لنا الترقي والصلاح ، ونسترحم إبلاغ معروضاتنا هذه من سعادتكم إلى عرش الملك جورج الأعظم ، والأمر لمن له الأمر .
حرر في 10 كانون الثاني 1919) [95][3].
يقول فيليب إيرلاند : بذل الإنجليز سعيهم من أجل جمع تواقيع شيوخ العشائر لصالح الحكم البريطاني ، وخاصة في المدن الكبرى كالبصرة ، حيث كان ملاك الأرض مستفيدين من الإحتلال البريطاني ، وأغلبهم أعلن عن تأييده الحكم البريطاني المباشر . وفي الموصل صدرت عشرة إعلانات (مضابط) موقعة من ممثلي المؤسسات الدينية ، سبعة منها تعود لغير المسلمين الذين طالبوا بالحكم البريطاني المباشر او الحماية البريطانية . وبيانان للمسلمين وآخر للأكراد الذين أصروا على أنهم لن يعيشوا تحت حكم عربي أبداً ، وطالب اليزيدية بذلك أيضاً . وأعلن بقية المسلمين في الموصل عن رغبتهم في الحماية البريطانية [96][4].
أما أغلبية الشعب العراقي فقد رفضت صيغة الإحتلال والحكم البريطاني المباشر . فقد أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى بصدد الإستفتاء جاء فيها :
ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين .
20 ربيع الأول 1337 (23 كانون الثاني 1919) [97][5].
وقد تم استنساخ الفتوى وتوزيعها في المدن والمساجد والمراكز العامة . فكانت هذه الفتوى قد حسمت الموقف ، وأوضحت الموقف الشرعي تجاه الإستفتاء واختيار غير المسلم حاكماً على المسلم بإرادته ورغبته . فكان رفض المقترح البريطاني قد تصاعد في أنحاء المدن العراقية بتأثير من المدن المقدسة ، النجف وكربلاء والكاظمية ، وبتأثير المجتهدين الذين أيدوا فتوى الشيرازي الذي اعتبر من يرغب بحكومة غير مسلمة كافراً [98][6].
إن موقف الفقهاء والمجتهدين يتضمن بعدين :
الأول : ديني فقهي ، إذ توجب الشريعة الإسلامية طاعة أولي الأمر من المسلمين لا أن يطيعوا السلطة الحاكمة إذا كانت من الكفار . يقول تعالى (اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء : 59).
الثاني : سياسي ، إذ كانت بريطانيا وفرنسا قد وعدتا بإنشاء دولة عربية بعد انسحاب النفوذ العثماني من المنطقة العربية . فقد جاء في البلاغ البريطاني ـ الفرنسي الصادر في 7 تشرين الثاني 1918 �أن الغرض الذي ترمي اليه كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق ، هو تأسيس حكومات وإدارات وطنية ، تستمد سلطانها من تأييد رغبة السكان الوطنيين أنفسهم ، ومحض اختيارهم ، واعترافهما بهذه الحكومات� عندما يتم تأسيسها تأسيساً فعلياً [99][7].
وجاءت الفتوى ترجمة لموقف سياسي ومطالب وطنية أجمع عليها الفقهاء والعلماء وبقية أبناء الشعب العراقي . ففي �الكاظمية إجتمع العلماء والوجهاء والأشراف في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني 1337، الثامن من شهر كانون الثاني 1919 ووقعوا هذه المضبطة : [100][8]
بسم الله الرحمن الرحيم
بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدول العظمى ، وفي مقدمتهن الدولتان الفخيمتان انجلترا وفرنسا ، وحيث أننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة ، فإننا نطلب أن يكون العراق ، الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج فارس ، حكومة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال جلالة الملك حسين ، على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني والله ولي التوفيق .
حرر يوم الأربعاء في 5 ربيع الثاني سنة 1337
وكانت أبرز التواقيع في هذه المضبطة للذوات :
محمد مهدي صدرالدين ، السيد أحمد السيد ، الحاج عبدالحسين الجلبي ، الشيخ عبدالحسين آل الشيخ ياسين ، السيد إبراهيم السلماسي ، السيد حسن الصدر والسيد محسن السيد حيدر .
وفي النجف الأشرف عقدت عدة اجتماعات لبحث الموضوع . وأخيراً تمت الموافقة وبإشارة من السيد كاظم اليزدي على مضبطة طلبوا فيها حكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مسلم مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب [101][9].
وفي بغداد ، إجتمع وجهاؤها وأشرافها بدعوة من قاضي بغداد ، وأصدروا بياناً يتضمن المطالب المذكورة آنفاً . �على أن موقف النقيب كان يختلف عن موقف المرشحين الآخرين . فإنه كان يصرح جازماً في أحاديثه الخاصة مع الحكام السياسيين (الإنجليز) بأنه ضد تعيين أمير على رأس الحكومة في العراق على أساس أن البلاد لم تكن على درجة من النضوج تؤهلها لأي نوع من أنواع الحكم العربي . ولذا كان يدعو إلى استمرار الإدارة البريطانية التي يتحتم عليها أن تتعاون مع سكان البلاد ، وتكثر من إستخدامهم بصورة تدريجية . وكان يؤكد على الحاجة إلى وجود الحاميات البريطانية في البلاد من أجل المحافظة على السلم . كما أنه أولاً وآخراً يعرب عن تعجبه وأسفه لإستفتاء الرأي العام عن مستقبل البلاد� [102][10] .
لقد كان موقف عبد الرحمن النقيب غريباً ولا يتناسب مع كونه نقيب الأشراف ومتولي الحضرة القادرية وزعيماً دينياً ، إضافة إلى أنه قبل برئاسة الحكومة فيما بعد مع أنها لم تنضج بعد على حد زعمه . ولم يكن ذلك موقف بقية العلماء السنة ، بل حدث تآلف وتعاون بين العلماء السنة والشيعة ، وصل إلى توقيع مضابط مشتركة كالتي وقعها الوفد الشيعي ـ السني المشترك والتي جاء فيها :
لما علم أن الغاية التي ترمي اليها كل من دولتي بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق هي تحرير الشعوب وإنشاء حكومات وإدارات وطنية وتأسيسها تأسيساً فعلياً بكل من سوريا والعراق حسبما يختاره السكان الوطنيون ، فإننا ممثلو الإسلام من الشيعة والسنة من سكان مدينة بغداد وضواحيها ، بما أننا أمة عربية وإسلامية قد اخترنا أن تكون لبلاد العراق الممتدة من شمالي الموصل إلى خليج العجم دولة عربية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال سيدنا الشريف حسين مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقره عاصمة العراق بغداد .
حرر يوم الأربعاء 19 ربيع الآخر سنة 1337 الموافق 22 كانون الثاني 1919م [103][11].
فشلت الإدارة البريطانية في إقناع العراقيين بالحكم المباشر ، رغم أن الخيار الآخر ليس بعيداً عن نفوذها ، فالملك فيصل بن الشريف حسين كان من رجالها وعلى علاقة وثيقة بها قبل سنوات عبر الجاسوس البريطاني لورنس الذي رتب الثورة العربية على تركيا .
في 2 آب 1919 إعتقلت السلطات البريطانية ستة من العاملين النشطين في مدينة كربلاء ، مما أغضب المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فهدد بالهجرة إلى إيران وإعلان الجهاد هناك ضد الإنجليز ، فتفاعلت الأمة مع هذا الموقف ،وشعر الإنجليز بخطورة الموقف فقرروا إطلاق سراحهم . فبريطانيا كانت قبل خمسة أعوام قد جربت وعرفت ماذا يعني إعلان الجهاد ، لذلك آثرت عدم تصعيد الموقف ، وذلك لأن موقف الشيرازي سيكون إلهاماً في تحرك الجمعيات والأحزاب السياسية في تصعيد المعارضة السياسية ضد الإحتلال البريطاني . وفي الأول من آذار 1920 أصدر الشيرازي فتوى حرم فيها العمل في الوظائف الحكومية تحت الإدارة البريطانية ، فأدت إلى موجة إستقالات بين الموظفين الشيعة . لقد أراد الشيرازي عزل سلطات الإحتلال عن أبناء البلاد .
ولما رأت المرجعية الدينية أن بريطانيا تماطل في منح العراق الإستقلال ، كما ترفض تأسيس حكومة وطنية في العراق ، بادرت إلى مخاطبة المجتمع الدولي ، والإتصال بالقوى الأخرى ومنها أميركا . فقد بعث الشيخ محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني معاً برسالتين إلى كل من السفير الأميركي في طهران والرئيس الأميركي وودرو ولسن Wilson Woodrowمن أجل مساعدة الشعب العراقي . فكان نص الرسالة الموجهة إلى السفير الأميركي في طهران كالتالي : [104][12]
تحظى بخدمة جناب الأجلّ سفير دولة أميركا المتحدة في طهران المحترم
بعد الإحترام اللائق :
لزمنا أن نحرر لكم في هذه الآونة على سبيل الإيجاز ، وذلك نظراً إلى ما أملته حكومة الولايات المتحدة من الشروط المعروفة التي قدمها رئيس جمهوريتها لإحقاق الحقوق ، وتقرير المصائر ، قد رأينا أن نراجع حكومة الولايات المتحدة بتوسطكم ونستعين بها في تأييد حقوقنا بتشكيل دولة عربية .
ولا يخفاكم أن كل أمة مطوقة بالقوات العسكرية المحتلة من كل الجوانب لا تجد أمامها مجالاً حراً للتعبير عن آرائها في الحرية والإستقلال .
أما حرية الرأي المزعومة في هذا العهد فلا يطمئن إليها الناس ، لهذا خشي أكثر الأهالي أن يعلنوا رغائبهم ، ويكشفوا عما في ضمائرهم ، وإذا بان خلاف ذلك فإنه لا شك منبعث عن الظروف القاسية المحيطة بهذه البلاد ، لذلك رأى الشعب العراقي أن يستعين بحكومة الولايات المتحدة على المطالبة بحقوقه وإنجازها .
(التوقيع) شيخ الشريعة محمد تقي الحائري
5 جمادى الأولى 1337هـ (6 شباط 1919).
أما الرسالة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي ولسن فكانت كالتالي : [105][13]
لحضرة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية المحترم
إبتهجت الشعوب جميعها بالغاية المقصودة من الإشتراك في هذه الحروب الأوربية من منح الأمم المظلومة حقوقها ، وإفساح المجال لإستمتاعها بالإستقلال حسب الشروط المذاعة عنكم ، وبما أنكم كنتم المبدأ في هذا المشروع ، مشروع السعادة والسلام العام ، فلابد وأن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه . وحيث قد يوجد مانع قوي يمنع من إظهار رغائب كثير من العراقيين على حقيقتها بالرغم مما أظهرته الدولة البريطانية من رغبتها في إبداء آرائهم . فرغبة العراقيين جميعهم والرأي السائد ـ بما أنهم أمة مسلمة ـ أن تكون حرية قانونية وإختيار دولة جديدة عربية مستقلة إسلامية ، وملك مسلم مقيد بمجلس وطني . وأما الكلام في أمر الحماية فإن رفضها أو الموافقة عليها يعود إلى رأي المجلس الوطني بعد الإنتهاء من مؤتمر الصلح .
فالأمل منا حيث إنا مسؤولون عن العراقيين في بث آمالهم وإزالة الموانع عن إظهار رغائبهم بما يكون كافياً ليطلع الرأي العام على حقيقة الغاية التي طلبتموها في الحرية التامة ، ويكون لكم الذكر الخالد في التاريخ بحرية العراق ومدنيته الحديثة .
(التوقيع)
شيخ الشريعة الأصفهاني محمد تقي الحائري الشيرازي
في 12 جمادى الأولى 1337هـ (13 شباط 1919).
ولنا بضع ملاحظات ومناقشات حول هاتين الرسالتين الهامتين :
1 ـ انهما لمحتا إلى مبادئ الرئيس ولسن الأربعة عشر فيما يتعلق بحق تقرير المصير والإستقلال وتأسيس كل شعب حكومة ودولة خاصة به .
2 ـ قبول الوساطة الأميركية في تأييد حقوق المسلمين والدفاع عنها ، أي جواز الإستعانة بالكافرين لخدمة أهداف إسلامية أو الدفاع عن دولة إسلامية .
3 ـ أعلنتا عن إرتياح المرجعية ورضاها عن �مشروع السعادة والسلام العام� أي تأييد السلام الدولي والمحافظة عليه ، وهو أحد مبادئ القانون الدولي .
4 ـ التأكيد على أسس الدولة الديمقراطية وهي الحاكم المسلم ، الدستور والمجلس التشريعي أو الوطني .
ويشير ذلك إلى وعي مبكر لطبيعة الدولة الإسلامية التي كان يطالب بها الفقهاء والعلماء .
5 ـ أن المرجعية الدينية تمثل الشعب وتدافع عن آماله وطموحاته وتدافع عن مصالحه ، ومسؤولة عن المطالبة بما يريده . فالشعب أولاها ثقته ومنحها قياده .
6 ـ إنتقاد موجه لبريطانيا التي قبلت الإستفتاء لكنها ترفض نتائجه .
7 ـ تنم عن دبلوماسية رصينة في عدم البت بقضية الإنتداب أو الحماية بل ترك ذلك إلى رأي الشعب عبر المجلس الوطني . كذلك عدم إستباق الأحداث وانتظار نتائج مؤتمر الصلح في باريس 1920 .
في 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو ، والتي تضمنت إعلان الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية . وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الإستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً . وكانت المرجعية تشرف على الإتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتبت رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الملك حسين في الحجاز ، فأجابها الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين [106][14] . في 16 نيسان 1920 عقد إجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الإجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الإتفاق فيه على تصعيد المواجهة [107][15] .
لم يكن الشيخ الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبدالكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر ، إستطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته . �إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأجابوه بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم� [108][16].
وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، فأصدر الشيخ الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن ، ثم يطلب منهم إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد ، جاء فيه :
إلى إخواننا العراقيين [109][17]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق ، قد اتفقوا فيما بينهم على الإجتماع والقيام بمظاهرات سلمية . وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات ، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لإستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد .
فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الإتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف . وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم . وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم ، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً .
وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي
9 ـ 10 رمضان 1338 (28 ـ 29 نيسان 1920)
وزع البيان في المساجد والمدن وسارت التظاهرات ، وكتبت البيانات ، وذهبت الوفود لكن كل ذلك لم يغير شيئاً من الموقف البريطاني . يقول فيليب إيرلاند وهو إنجليزي : �لقد فشلت المحاولة لجعل الإنتداب مقبولاً وأنه إلتزام فرض على بريطانيا من قبل عصبة الأمم ، حيث واجه رفض العراقيين سواء الإعتراف بسلطة عصبة الأمم التي منحت الإنتداب ، أو ما يتعلق بالإدعاء البريطاني بمسؤوليتها عن العراق وأنه رد فعل ودي تجاه عصبة الأمم . إن نظرة العرب العامة تجاه إعلان الإنتداب تشابه ما ذكره اللورد كورزنCurzon Lord وزير الخارجية إذ قال : إنه من الخطأ الإفتراض أن عصبة الأمم أو أية هيئة أخرى هي التي تمنح الإنتداب . ليس ذلك بصحيح ، إنه يستند إلى أن القوى المنتصرة ، والتي فشلت في تقسيم الأراضي ، وجرى فرض الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والإنتداب الفرنسي على سوريا� [110][18].
لقد فشلت الجهود السلمية في إقناع الإدارة البريطانية بالإستجابة إلى مطالب الشعب العراقي ، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها ضد المعارضين والناشطين . ففي 21 نيسان 1920 ألقى الميجر بولي القبض على إبن الشيرازي ، محمد رضا الشيرازي ، ثم نفي إلى جزيرة هنجام في الخليج [111][19] . لم يكن أمام الشيخ الشيرازي إلا تأييد الإتجاه الآخر ، أي الثورة ، فأصدر فتواه التي منحت الشرعية لحركة جهاد جديدة ضد الإحتلال البريطاني جاء فيها : [112][20]
بسم الله الرحمن الرحيم
مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين . ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن . ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم .
محمد تقي الحائري الشيرازي
أحدثت الفتوى هيجاناً عاماً في العراق ، وبات توقيت إعلان الثورة مجرد أيام ، فعقد علماء الدين والشخصيات ورؤساء العشائر إجتماعات للتداول واتخاذ الخطوات وتوزيع المهام ، حتى أعلنت الثورة يوم 30 حزيران 1920 . إستمرت الثورة لمدة خمسة أشهر ، تضمنت عمليات عسكرية ، ومواجهات مسلحة وقصف مدن بالطائرات وإحراق قرى ومزارع ، قتلى وجرحى وأسرى ، بشكل أربك الإدارة البريطانية . ولكن الثورة أصيبت بنكبة إثر وفاة قائدها الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فتولى القيادة الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة . �وقد فقدت بريطانيا 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 أسيراً ومفقوداً ، إضافة إلى 8450 إصابة بين (المتمردين)� [113][21].
لم تحقق الثورة كل أهدافها إلا أنها أسهمت في تغيير موقف الحكومة البريطانية والتخلي عن فكرة الحكم المباشر ، والإعتراف بتأسيس حكومة وطنية ، والإستقلال . وهذا ما سيؤثر على مستقبل الحركة السياسية في العراق عموماً الذي استفاد من الثورة ، إلا أن المرجعية الدينية دفعت الثمن . إذ لم تغفر لها بريطانيا ما سببته لها من مشاكل وصعوبات خلال خمس سنوات ، فبادرت إلى نفي الفقهاء والعلماء الشيعة عن العراق . ولم تسمح لهم بالعودة إلا بعد تقديم تعهد بعدم التدخل بالأمور السياسية

يتبع0000
إيران : ثورات ضد الإمتيازات الأجنبية


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 16صفر1429هـ, 04:34 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
إيران : ثورات ضد الإمتيازات الأجنبية
لزمن طويل ، كانت إيران ميداناً للتنافس بين القوى الكبرى ، بريطانيا ، فرنسا ، روسيا وألمانيا . ولعب السفراء والقناصل الأجانب في طهران دوراً هاماً في السياسة والحكومات الإيرانية . وحتى القرن العشرين كانت الإمتيازات الأجنبية محور الصراع بين الدول الأوربية . وأصبح النفط فيما بعد العامل الرئيس الذي هيمن على علاقات إيران بالغرب .
لقد استغلت الدول الغربية الإمتيازات للهيمنة على النشاط الإقتصادي والتجاري والمالي في إيران ، فغدت التجارة والزراعة والصناعة والنقل والبريد والإتصالات الإيرانية بيد الشركات الأجنبية .في عام 1899 هيمنت بريطانيا على السكك الحديدية ، وكانت منذ عام 1852 هي المالكة الوحيدة لخطوط ومحطات التلغراف . في عام 1872 كان البارون يوليوس رويتر [114][1] Baron deReuter هو صاحب الإمتياز الوحيد لسكة الحديد التي تصل بحر قزوين بالخليج ، وشبكة الترام في المدن الإيرانية ، ودوائر البريد ، الطرق ، مناجم الفحم والحديد والنفط وبقية المعادن لمدة 70 عاماً [115][2]. ولم يبق لشاه إيران شيئاً سوى الهواء ، على حد تعليق سياسي فرنسي [116][3] .

ثورة التنباك عام 1891
في 20 آذار 1890 منح ناصر الدين شاه إمتيازاً لإحتكار التبغ وبيعه في إيران لمدة خمسين عاماً لشركة إنجليزية تدعى ريجي RegiTobacco لصاحبها الميجر تالبوت . وكانت الإتفاقية مجحفة بالنسبة للشعب الإيراني ، حيث تضمنت بنوداً وقرارات ضارة بالمزارعين والتجار وعامة الناس منها :
1 ـ يجب على حكام الأقاليم في أنحاء إيران إجبار المزارعين على إعطاء تعهدات للشركة البريطانية بأن كل ما يزرعونه من التبغ لا يجوز لهم بيعه وشراؤه إلا بإذن صاحب الإمتياز . وليس لأحد إصدار الإجازة بذلك ، إلا من صاحب الإمتياز . وليس للبائع والمشتري أن يتعامل بغير دفتر الإجازة ، ومن فعل ذلك فعليه عقوبة.
2 ـ عدم جواز حمل ونقل التبغ مطلقاً إلا بإجازة صاحب الإمتياز .
3 ـ يجب على صاحب الإمتياز شراء جميع التبغ الموجود في إيران ، وليس للبائع الإمتناع عن ذلك .
4 ـ كل من باع أو اشترى خفية ، أو وجد عنده شيء من التبغ دون إجازة ، فيجب على المسؤولين في الحكومة الإيرانية معاقبته بشدة [117][1] .
5 ـ توافق الدولة على عدم فرض رسوم ومكوس إضافية على التبغ [118][2] .
واضح أن الإمتياز يهيمن على كل عمليات زراعة وصناعة ونقل وتوزيع وبيع وشراء التبغ في إيران . وإذا علمنا أن إيران بلد واسع ذو سوق كبير وإمكانات واسعة ، مما يعني تأثير الإمتياز على أرزاق وأعمال عشرات الآلاف من المزارعين وتجار الجملة والمفرد وصغار البائعين ، وشركات النقل والتوزيع ، لأتضحت صورة الإستغلال البشع لشعب مسلم . ولم يسكت أبناء الشعب أمام الأضرار الفادحة التي يتكبدونها يومياً ، فكثرت الشكاوى والتذمر ضد السلطة ، واعترض علماء الدين في إيران ، لكن الشاه كان مصراً على موقفه في منحه الإمتياز للإنجليز . أخذت الأنظار تتجه إلى المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي المقيم في سامراء بالعراق . فأرسلوا إليه الوفود والبرقيات تشرح له الحالة . تبنى الشيرازي موقف الشعب الإيراني ، �فأرسل رسالة إلى ناصر الدين شاه يطلب منه إلغاء الإمتياز ، فاعتذر الشاه عن إلغاء الإتفاقية محتجاً بعدم قدرته ، وما يترتب على ذلك من مخاطر . وحذره الشيرازي برسالة ثانية ، لكن الشاه ظل على موقفه� [119][3].
بعد أن يئس الشيخ الشيرازي من تغيير موقف الشاه تجاه الإمتياز ، وتدهور الأوضاع الإقتصادية للمزارعين والتجار الإيرانيين ، قرر أن يسلك سبيلاً آخر ، السياسة السلبية أو اللاعنف ، فقرر أن يمتنع الناس عن شراء وإستخدام التبغ ، فأصدر فتواه الشهيرة : [120][4]
بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم إستعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان . ومن استعمله كان كمن حارب الإمام عجل الله فرجه .
محمد تقي الحائري الشيرازي
أحدثت الفتوى صدىً هائلاً في أوساط الشعب الإيراني ، فاستجابت لها كل الطبقات الإجتماعية ، فأصبح الإمتناع عن التدخين عملاً وطنياً وممارسة ثورية وطاعة دينية واستجابة لأمر قائدها . فأقلع الجميع عن التدخين بشكل كامل ، واُغلقت محلات بيع التبغ ، بل سرى الإلتزام بالفتوى حتى داخل قصر الشاه ، فاضطر في النهاية إلى إلغاء الإتفاقية بعد دفع نصف مليون باوند تعويضاً للشركة
الإسلام وتأميم النفط
في 21 مايس 1901 منحت الحكومة الإيرانية إمتياز نفط الجنوب إلى ثري إنجليزي يدعى وليم دارسي . William Knox D' Arcy وبموجب ذلك الإمتياز يشرف دارسي على عمليات إستخراج ونقل النفط في جميع أنحاء إيران ، عدا خمس مقاطعات هي آذربايجان وگيلان ومازندران وگرگان وخراسان ، ولمدة 60 عاماً . ومقابل ذلك تعهد دارسي بدفع مبلغ000ر20 ليرة نقداً ، وما يعادل نفس المبلغ على شكل أسهم ، إضافة إلى 16% من خالص أرباح الشركة ، إلى الحكومة الإيرانية .وبتاريخ 26 مايس 1908 تم حفر أول بئر نفطي في منطقة مسجد سليمان ، في الجنوب الإيراني [121][1] .
ومنذ ذلك التاريخ دخلت إيران في عداد الدول الغنية بالنفط ، حيث أصبح النفط يلعب دوراً رئيساً في السياسة والإقتصاد الإيراني .وكانت علاقاتها الخارجية متأثرة بحجم إنتاجها ، واكتشاف المزيد من إحتياطي النفط . وكان التنافس الدولي على أشده في الشرق الأوسط وخاصة في إيران ، باعتبار أنها أول دولة تم اكتشاف النفط فيها في المنطقة . وكان الغرب يقدر أهمية النفط الإيراني ، إذ لعب النفط دوراً أساسياً في تجهيز الأساطيل البحرية البريطانية والآلة العسكرية في الحرب العالمية الأولى . لذلك حرصت على حمايته ، بل أن حماية النفط كان أحد الأسباب القوية التي دعت بريطانيا لدخول العراق منذ بداية الحرب ، في تشرين الثاني 1914 . وكان أحد العوامل الرئيسة في احتلال إيران عند بدء الحرب العالمية الثانية [122][2] . وكان مصفى عبادان أكبر مصفى في العالم آنذاك ، وصاحب الفضل في انتصار الحلفاء .
وكانت بريطانيا وأميركا يعتبران النفط الإيراني إحتياطياً ستراتيجياً للصناعة الغربية واستمرار تقدمها ونموها . لذلك كانتا تحرصان على تجنيب إيران أية عوامل تؤثر على إنتاج النفط ، وضرورة ترسيخ الإستقرار فيها .
في نهاية عام 1947 قررت الحكومة الإيرانية تجديد إتفاقية النفط الموقعة عام 1933 ، فأضيف إليه ملحق وقعه بتاريخ 17 حزيران 1949 وزير المالية الإيراني كلشائيان مع السيد جس Giss ممثل الحكومة البريطانية . وحتى تكون الإتفاقية سارية المفعول يجب أن تحظى بموافقة مجلس الشورى (البرلمان الإيراني) . واجهت الإتفاقية صعوبات في المجلس في الدورة 15 بسبب معارضة بعض النواب أمثال أبو الحسن حائري زادة والدكتور مظفر بقائي كرماني وحسين مكي . وكانت إنتخابات العاصمة طهران قد ألغيت بسبب التزوير . كان الشاه وحكومته يرغبون بموافقة المجلس بأية وسيلة ، فأخذت السلطات تمارس سياسة ضغط وإرهاب للمعارضين لإتفاقية النفط . وكان الشاه قد تعرض لمحاولة إغتيال في 4 شباط 1949 ، فاتخذها ذريعة لاتهام خصومه ، فصدر قرار يعتبر حزب تودة غير قانوني ، وجرى اعتقال أعضائه . من جانب آخر جرى اعتقال السيد أبو القاسم الكاشاني ، ووضع في سجن قلعة الأفلاك في خرم آباد ، ثم تم نفيه إلى لبنان . ولما جرت إنتخابات الدورة 16 للمجلس كان الدكتور محمد مصدق والسيد أبو القاسم الكاشاني والنواب الثلاثة المذكورون آنفاً على رأس الفائزين بمقاعد مدينة طهران ، إذ شكلوا أقلية وطنية مقابل أكثرية أنصار السلطة . كان الكاشاني في المنفى حين تم انتخابه ، فعاد إلى إيران في 11 حزيران 1950 ليقود المعارضة .
كانت إتفاقية النفط أهم القضايا التي على مجلس الشورى البت فيها ، وإعطاء رأي نهائي بها . في أول جلسة ألقى الكاشاني ، بعد أن انتخب رئيساً للبرلمان الإيراني ، كلمة رفض فيها قرارات المجلس السابق لعدم شرعيته ، ومنها الموافقة على اتفاقية النفط مع بريطانيا. وكان رأي محمد مصدق زعيم الجبهة الوطنية مؤيداً لموقف الكاشاني . فشكلا بذلك جبهة سياسية تضم القوميين والإسلاميين . كانت الأحداث تسير بإتجاه تأميم النفط وجعل الصناعة النفطية تحت إشراف وإدارة الحكومة الإيرانية . فقد أصدر السيد الكاشاني بياناً جاء فيه :
(إن تأميم النفط هو السبيل الوحيد أمامنا ، أولاً : لإسترجاع الثروة ، التي أعطاها الله للشعب الإيراني ، من أيدي الأعداء الذين لا يهمهم سوى الإستغلال ومص دماء الشعوب الضعيفة ، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين والمستحقين . وثانياً : تطبيق السيادة الوطنية عملياً ، بحيث لا تتمكن الشركة (البريطانية) الغاصبة من تسليط عملائها على أرواح وأموال وأعراض الناس . إنها ما زالت تهدف إلى استمرار نهجها ولكن الأوضاع الدولية اليوم لا تسمح بذلك بسهولة . فالشعوب اليقظة وتقاطع السياسات الدولية لا تساعد على تكرار هذه الجرائم .
أما أولئك الذين ما زالوا مترددين وشاكين بهذا الأمر ، فلينظروا للشعوب الأخرى أمثال أيرلندا والهند والباكستان وبورما ومصر ، وكيف أجبروا الحكومة البريطانية الظالمة على الكف عن مظالمها ، وأن سياستها تلك ستعود نتائجها الوخيمة عليها (بريطانيا) ... وبهدف توضيح التكليف الشرعي والوطني للشعب الإيراني المسلم ، أقول أن الأمل المشترك ، ومن أجل سعادة الشعب الإيراني ، وبهدف المحافظة على السلام العالمي ، فإن جميع أفراد الشعب يريدون تأميم الصناعة النفطية في كل إيران دون استثناء; أي أن جميع عمليات اكتشاف واستخراج وتسويق النفط يصبح بيد الحكومة) [123][3]
يتبع0000فتاوى تأميم النفط


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #21  
قديم 16صفر1429هـ, 04:35 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
فتاوى تأميم النفط
ما أن أعلن الكاشاني موقفه بصدد تأميم النفط حتى بادر الفقهاء والمراجع الشيعة إلى تأييده وأصدروا فتاوى بتأميم النفط . فقد أصدر آية الله العظمى محمد تقي الخوانساري فتوى جاء فيها :
(إن تسلط الأجنبي على النفط الذي يمثل روح حياة الأمة ، لا يعني سوى السذاجة ، والإنفصام عن المجتمع ، وعدم رعاية المقررات والواجبات الدينية ، وضعف الإدراك ، وعدم رعاية مصالح المجتمع . وفي حين يقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمؤمن ولا مسلم . فهل الإهتمام بأمور المسلمين يعني ترك ملايين المسلمين في الفقر المدقع ؟ ولو قال أحد أن هذه ليست من شؤون الإهتمام بأمور المسلمين ، فقوله خلاف الوجدان . وإذا لم يكن حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يشمـل هـذه الامور ، فماذا يشمل إذن ؟ فإذا لم يقبلوا ذلك فهم يردون على حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) . إن حضرة آية الله الكاشاني (دامت بركاته) مجتهد عادل ، شهم ، ومضحي من أجل مصالح الناس في دينهم ودنياهم ، ويبذل جهده في توعية الناس ، فلا يبقى عذر لأحد) [124][1].
وأصدر آية الله بهاء الدين محلاتي فتوى أيضاً هذا نصها [125][2] :
بسم الله الرحمن الرحيم
من البديهي أن الدين الإسلامي يفرض واجبات فردية وجماعية على أتباعه، وإذا لم يقم المسلمون بها فإنهم إضافة إلى ضعفهم وعجزهم وتسلط الأجانب عليهم، فإنهم لن يتفوقوا على الأجانب أبداً . ففي صدر الإسلام كان تطبيق أحكام الدين هو الذي جعل السيادة للمسلمين، ورفعوا راية التوحيد على القصور الفخمة للسلاطين والملوك. إن واحداً من المبادئ الإسلامية التي تمنع تسلط الأجانب، والتي يؤكد عليها القرآن مراراً هو ترك محبة الكفار، إذ يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتّم ، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)
(آل عمران : 118).
من مظاهر مخالفة مضمون الآية الشريفة هو ما نشاهده من إنحطاط وذلة الشعوب المسلمة بسبب وضع النفط ، الذي يعتبر من الثروات الهامة ، وسيادتها بأيدي الأجانب . من الواضح أن وضع نفط الجنوب تحت تصرف الإنجليز ، لا يؤدي إلى إضعاف الدولة الإسلامية فحسب ، بل تدمير قواها السياسية والإقتصادية والدينية . إن فرض الإتفاقية السابقة بين الدولة الإيرانية وشركة النفط (الإنجليزية) ، إضافة إلى أنها وقعت من قبل الحكومة المتجبرة والتي لا ولاية لها شرعاً وواقعاً على المسلمين والشعب المظلوم ذات ضرر بليغ وضد مصلحة المسلمين ، فإنها باطلة ولا أثر لها . إن قطع النفوذ الأجنبي عن التدخل في أمور المسلمين وإعادة العظمة والإستقلال للدولة الإسلامية الإيرانية من أهم الواجبات على المسلمين . وبناءً على ذلك الواجب ، يجب على المسلمين السعي من أجل انتخاب وتشكيل حكومة وطنية تستمد قراراتها من الأحكام الإسلامية ، من أجل تخليص الصناعة النفطية من أيدي الشركة الغاصبة والحكومة الأجنبية ، والإشراف على استخراجه والإستفادة منه بموجب المقررات الدينية ، وتجديد حياة هذه الدولة .
بالطبع ، فإن آية الله الكاشاني (دامت بركاته) ، وحسب ما ذكرنا آنفاً ، يعارض بقاء النفط بأيدي الشركة الأجنبية ، وعلى هذا الأساس يعتبر أن تأميم النفط أمر لابد منه . إن التعاون معه ، ومساعدة حضرته (الكاشاني) من أجل بلوغ هذا الهدف الشريف والحيوي ، واجب على كل مسلم .
بهاء الدين محلاتي
وأصدر السيد محمود الروحاني القمي فتوى يؤيد فيها تأميم النفط ، ويساند موقف أبو القاسم الكاشاني ، هذا نصها: [126][3]
بسم الله تعالى شأنه العزيز
اللهم اهدنا سبيل الرشاد وأعذنا من شرور الكفار
من المعلوم أن قضية تأميم النفط ليست من العناوين الأولية ، لأن النفط والمعادن ملك للمسلمين وثروة الإيرانيين ، ولكن الأجانب هم المستفيدون منه ، بينما ملايين الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين يعانون التعاسة والبؤس . ولو أعيدت موارد البلاد بيد الشعب لزالت مظاهر التعاسة والحزن ، وهذا ما لا ينكره أحد .وهذا الحكم ينطلق من الموازين الشرعية ، وهوأحد ضروريات الدين ، ومطابق لنص الآية المباركة (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(النساء : 144) . ويلغي ذلك بعض الشبهات بالعنوان الثانوي ، لأن هذا الأمر بديهي فلا يشتبه على أحد .
إن آية الله الكاشاني (دام ظله) يعمل ، منذ أول حياته ، في إصلاح أمور المسلمين ، ومن أجل فائدة وخير الناس ، ومناضل ضد أعداء دين ودنيا المسلمين ، ومن المدافعين عن حقوق الإيرانيين ، ولا يمتنع عن تقديم أية تضحية ونضال ، ولديه اطلاع كامل في السياسة ، ويتربع على قمة هذه النهضة المقدسة ، واليوم يقول ، بكل إصرار من أجل تأميم النفط في انحاء البلاد ، ولم تعد هناك شبهة باقية . وبناءً على ذلك ، يجب على مواطنينا الأعزاء بذل أقصى جهودهم من أجل التخلص من مخالب الأجانب ، وتحقيق الخلاص والسعادة . والسلام على الإخوان المؤمنين ورحمة الله وبركاته .
الأحقر محمود الحسيني الروحاني القمي
كما أصدر آية الله عباس علي الشاهرودي فتوى هذا نصها : [127][4]
بسم الله الرحمن الرحيم
سألني بعضهم عن حكم الشرع والدين بصدد قطع أيدي الأجانب وخائني البلاد ، وتأميم صناعة النفط في أنحاء البلاد . من المعلوم أن لا مكان للشك في أن قطع يد الأجانب عن البلاد والمسلمين وتأميم النفط في أرجاء البلاد من الأمور الواجبة التي يجب أن تحظى بالجدية اللازمة ، خاصة وأن آية الله العظمى الكاشاني (دامت بركاته) يقف على رأس هذه الحركة المقدسة ، ويصرف كل أوقاته الشريفة لرفع الظلم والجور ، وتأمين رفاه المسلمين ، وكل وقته يصرفه في أعمال الخير والشريعة ، ومحاربة قوى الظلام ، ويقف في الصفوف الأولى للمضحين عن الإسلام . ولديه خبرة لسنوات متمادية في الشؤون الحكومية ، وعلى اطلاع واسع بدقائق الأمور الإجتماعية . فعلى المسلمين إتباعه وتقديره ، ولا يترددوا أبداً في تطبيق أحكام الشرع والدين المقدسة من أجل تأميم صناعة النفط في أنحاء البلاد .
الأحقر عباس علي الشاهرودي

قرار التأميم
تطورت الأوضاع السياسية داخل إيران ، حيث بات الصراع أكثر حدة وسعة بين المجلس ونوابه الإسلاميين والوطنيين وجماهير الأمة ، وبين الشاه والجيش والوزارة وبريطانيا وأميركا من جهة أخرى . وزاد التوتر والتصعيد إغتيال رئيس الوزراء الإيراني الفريق رزم آرا الذي عينه الشاه بهذا المنصب كمحاولة لضبط الأوضاع والسيطرة على الشارع الإيراني ، وبعد استقالة رئيس الوزراء علي منصور . وجرى تعيين رزم آرا بتاريخ 27 حزيران 1950 ، فلم يبق سوى أقل من ثمانية أشهر حيث اغتيل يوم 7 آذار 1951 من قبل خليل طهماسبي ، أحد أعضاء حركة فدائيان إسلام التي يتزعمها نواب صفوي (1924 ـ 1955) [128][1].
بعد إغتيال رزم آرا قام الشاه بتعيين حسين علاء [129][2] مكانه . ساد شعور بالإرتياح لمصرع رزم آرا . وقد صرح السيد الكاشاني بأنه �يجب إطلاق سراح قاتل رزم آرا لأن عمله كان في سبيل الشعب الإيراني وإخوته المسلمين� [130][3]. وأصدر الكاشاني بياناً قال فيه : �إن الرصاصات التي أردت رزم آرا قتيلاً قد أكسبتنا معركة النفط ، وسيؤمم النفط رغم أنف الخائن المضرج بدمه� [131][4]. لقد أصبحت الحكومة ضعيفة ، مما جعل طرح قرار تأميم النفط في مجلس الشورى أمراً لصالح السيد أبو القاسم الكاشاني والوطنيين . فجرى التصويت والموافقة على تأميم صناعة النفط بتاريخ 20 آذار 1951. واعتبر ذلك إنتصاراً للشعب وتحريراً لثرواته من أيدي الغرب .
بعد ذلك الإنتصار أصبحت قضية رئاسة محمد مصدق مسألة وقت ، فقد تم ترشيحه في المجلس وحصل على رأي الأكثرية ، فأصبح رئيساً للوزراء بتاريخ 5 مايس 1951 ، أي بعد شهر ونصف من قرار التأميم . كان رد فعل بريطانيا وأميركا قوياً تجاه تأميم النفط . فقد هددت بريطانيا بالتدخل العسكري ، فصرح السيد الكاشاني بأنه سيعلن الجهاد ، كي يؤدي المسلمون الإيرانيون واجبهم الديني . أحدث الإعلان تأثيراً في الأوساط الإيرانية ، كما زاد القلق في الأوساط الدولية والإقتصادية ، لأن حدوث حرب في المنطقة سيكون له تأثير على إنتاج وأسعار النفط في العالم . من جانب آخر أخذت الدول المنافسة لبريطانيا وأميركا ، مثل روسيا وفرنسا تقف ، إعلامياً ، إلى جانب موقف السيد الكاشاني . فقد وصفت صحيفة �اللوموند� الكاشاني بأنه �بابا الشيعة� ، وأن أوامره مطاعة من قبل ملايين الشيعة في الشرق الأوسط [132][5]. وأعلن راديو باكو أنه إذا قام آية الله الكاشاني بإعلان الجهاد ، فلن تستطيع أي قوة منع 30 مليون مسلم في الإتحاد السوفياتي من أداء واجبهم الديني [133][6] .
في 19 آب 1953 قام وزير الداخلية (في حكومة مصدق) الجنرال حسين زاهدي ، وبتنسيق وإشراف وكالة المخابرات المركزية الأميركية ، بتدبير إنقلاب ضد حكومة مصدق ، الذي تم اعتقاله مع وزرائه وبقية أعضاء الجبهة الوطنية . أصبح زاهدي رئيساً للوزراء ، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا


يتبع000000
الكاشاني ومحكمة العدل الدولية


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16صفر1429هـ, 04:36 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
الكاشاني ومحكمة العدل الدولية
بعد تأميم النفط الإيراني قامت شركة النفط الإنجليزية بالشكوى عبر حكومتها إلى محكمة العدل الدولية ، لأن إيران لم تحترم الإتفاقية الموقعة ، وطالبت بتعويضات بعد مصادرة ممتلكاتها وآلاتها وأجهزتها . وأجرى مراسل صحيفة (ديلي أكسبريس) البريطانية مقابلة مع السيد الكاشاني أوضح فيها موقفه من قضية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية . ويظهر أن الكاشاني كان يشك بنزاهة المحكمة ويرفض عرض الموضوع عليها . فعندما سئل فيما إذا كان يوافق على وصول القضية إلى المحكمة الدولية أجاب :
لقد ألغي نظام الإمتيازات (الكابتولاسيون) في إيران منذ مدة ، وإذا حدث نزاع ، داخل إيران ، بين إيرانيين وأجانب ، فيجب أن ترفع القضية إلى المحاكم الإيرانية ، وهي التي تصدر القرار بها [134][1] .
بالطبع قد يكون رأي الكاشاني صحيحاً إذا لم تتضمن الإتفاقية شرطاً أو بنداً يوضح طريقة حل الخلافات التي قد تنشب بين الطرفين . علماً بأن اتفاقية النفط كانت تنص على اللجوء إلى محكمة العدل الدولية عند نشوب خلافات بين إيران وشركة نفط الجنوب الإنجليزية ، لكن السيد الكاشاني رفض الإلتزام بذلك البند قائلاً :
إن اتفاقية عام 1933 قد جرى فرضها بالقوة ، ولا تعتبر قانونية لأن الذين وقعوا عليها إعترفوا صراحة ورسمياً في مجلس الشورى الوطني الإيراني بأن اتفاقية 1933 قد جرى فرضها على الأمة بالقوة . والشخص الذي اعترف بذلك هو الآن رئيس مجلس الشيوخ . كما أن الإذاعات والصحف ووكالات الأنباء والمسؤولين البريطانيين أعلنوا مراراً أن حكومة الشاه السابق حكومة دكتاتورية ، وأن الشاه السابق هو دكتاتور . فماذا تتوقعون من الشعب الإيراني الذي شكل حكومة وطنية بيده [135][2] ؟
إن حديث السيد الكاشاني لا يتفق مع مبادئ القانون الدولي لأن الحكومة القائمة تمثل البلاد وتحظى بشرعية القانون الدولي ، الذي لا يهمه نوع الحكومة أو كيف وصلت إلى السلطة . وإذ ما جرى التخلي عن إلتزامات حكومة سابقة ، فإن ذلك يعني عدم الثقة بأية حكومة ، لأنها قد تترك السلطة في وقت من الأوقات ، ولسبب من الأسباب . كما أن ذلك قد ينطبق على الحكومة التي كان الكاشاني يؤيدها . وتثير مسألة التحلل من الإلتزامات السابقة مشكلة كبيرة في القانون الدولي ، إذ يتحمل من يتولى السلطة في البلد تنفيذ جميع الإتفاقيات والإلتزامات التي قدمتها حكومات بلده من قبل .
أما بالنسبة لقضية التعويضات عن مصادرة تأسيسات ومصانع شركة النفط الإنجليزية ، فإن السيد الكاشاني قد طرح اقتراحاً جديداً إذ صرح أنه :
حسب إتفاقية دارسي التي مدتها 60 عاماً (إعتباراً من عام 1901) فإنه بعد إنقضاء المدة تنتقل ملكية جميع التأسيسات النفطية إلى الحكومة الإيرانية . ولما بقي عشر سنوات من المدة ، فيجب تعويض الشركة بما قيمته سدس قيمة ممتلكات شركة نفط الجنوب (الإنجليزية) . ويجب أن يقوم بهذه المهمة محاسبون كفوؤون ومحايدون [136][3] .
الكاشاني والأمم المتحدة
من النادر ان يقوم العلماء المسلمون بإتصالات دولية سواء مع الشخصيات او المنظمات والوكالات . ويتأكد ذلك عندما يكون العلماء بعيدين عن السلطة أو لا يتسنمون مناصب حكومية تتطلب منهم ذلك . ويعد السيد الكاشاني من القلائل الذين سعوا لمخاطبة الرأي العام العالمي عبر منبر الأمم المتحدة ، في وقت مبكر من تأسيسها عام 1946 .
لم يدخر السيد الكاشاني وسعاً في سبيل الدفاع عن الشعب الإيراني المسلم وثرواته القومية . وبعد إنقلاب زاهدي ، وخروجه من مجلس الشورى الوطني ، لم يكن بإستطاعته سوى إصدار البيانات من أجل توضيح الحقائق وما يجري في البلاد ، ومتابعة قضية تأميم النفط التي اعتبرها قضية في الصميم الإسلامي ، فحشد لها كل إمكاناته وطاقاته . فسعى من أجل إخراج القضية من الدائرة الإيرانية إلى المستوى الدولي ، فأرسل ، بتاريخ 19 شباط 1954، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة همرشولد ، يطلعه فيها على ممارسات حكومة زاهدي ، وأنها تمثل إنتهاكات لميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان ، ورفض الشعب الإيراني للدكتاتورية وعدم إحترام إرادته . وهذا نص الرسالة التاريخية :
السيد همرشولد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة
أود إطلاع منظمة الأمم المتحدة ، التي نظمت وأصدرت لائحة حقوق الإنسان ، وليعلم العالم الحر بأنه لم يمر وقت بإيران بمثل هذا الحد من الأسى والألم ، وأن الحرية ليست إلا من نصيب الخونة وعملاء الأجانب ، الذين يسعون لحماية مصالحهم الإستعمارية . في هذه الأيام التي تجري فيها إنتخابات المجلسين (مجلس الشورى ومجلس الشيوخ) في إيران ، فإن الحكومة أوقفت صدور جميع الصحف الوطنية ، وتم احتلال المطابع من قبل القوات المسلحة . وبذلك سلبت من الأمة أي إمكانية للنقد ونشر الحقائق . وأصبحت الجرائد الصادرة خاضعة للرقابة الشديدة ، وتمنع نشر أخبار القتلى الذين يسقطون يومياً في الشوارع بأيدي رجال السلطة . ووصل الكبت إلى درجة أن المراسلين الأجانب لا يستطيعون إرسال تقارير عن الحوادث الواقعية ، ويتعرضون إلى مختلف أنواع التضييق والتهديد بالطرد خارج البلاد ، بشكل لا يتمكنون من أداء عملهم الصحفي . لقد اعتقل حوالي مليون شخص من المتدينين والأحرار ، ممن يحبهم الناس ، سواء الذين يقبعون في السجون أو تحت الإقامة الجبرية في منازلهم ، خاضعين لمراقبة الشرطة والمخابرات . وفي هذه الظروف يجري تعيين اللصوص والمجرمين وأصحاب السوابق وخدمة الإستعمار الأجنبي ، بكل وقاحة وبقوة الحراب ، نواباً للشعب ...
وقد تتساءل دول العالم الحرة ، لماذا ترتكب هذه الحكومة الأعمال اللاإنسانية ، وقتل الأحرار والطلاب الأبرياء وعمال النفط في عبادان ، وحبس وإبعاد المعارضين ، وضرب المعترضين على الإنتخابات ؟
إن الهدف الفعلي للحكومة هو الحصول على الأموال بأية وسيلة ، وذلك لإيصال من ترتئيهم إلى المجلسين كي يقوموا بالموافقة على اتفاقيات بيع النفط ، والحصول على عائداته ، وتشريع قوانين تناقض إستقلال وحرية البلاد .
إن الحكومة الحالية تسلك وسائل غير قانونية من أجل إستمرار بقائها . وأن أي اتفاق يوقع أو تشريع يصوت عليه لا يحظى بتأييد الشعب الإيراني وليس له أثر . وأن أية دولة أو مؤسسة أجنبية تعطي أموالاً لهذه الحكومة فعليها فيما بعد ، إذا أرادت تصفية الحساب واستعادة أموالها ، أن تطالب بها أولئك الأشخاص الذين سلمتهم إياها . إن الشعب الإيراني يعطي لنفسه الحق في معاقبة ، في أقرب فرصة ممكنة ، أولئك الذين ارتكبوا أعمالاً ضد الإنسانية ، والذين كانوا السبب في قتل الكثيرين .
إن الهدف من هذه الرسالة أولاً : أنه بواسطة الأمم المتحدة ، يصل صوت معارضة الشعب الإيراني إلى أسماع العالم . ثانياً : لتعلم حكومة زاهدي أنها انتهكت مبادئ الدستور الإيراني ومواد ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، ولا يمكنها أن تدعي أنها تمثل إرادة الشعب . وبناءً على ذلك فإنه لا قيمة لجميع الإلتزامات والقرارات الصادرة من المجلسين ، وليست نافذة قانونياً . وأن الشعب الإيراني لا يرى نفسه ملزماً بها ولن ينفذها . وتعد هذه الرسالة بمثابة بيان يوزع على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها . ولتعلم الدول أنه ليس لها الحق في مراجعة الشعب الإيراني إذا لم يتم تنفيذ ما تقدمه الحكومة الحالية من إلتزامات . إن الشعب الإيراني ينتظر من هذه المنظمة وأعضائها الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان إحترام المبادئ التي ضحى من أجلها ملايين البشر ، وأن يطلعوا على الأوضاع المؤسفة في إيران ، وأن لا يتغافلوا عن حقوق الشعب الإيراني مقابل مصالح مادية جزئية بشراء النفط الإيراني . وأن لا يسمحوا ببقاء الشعب الإيراني تحت ضغط القوى الإستعمارية ، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة للسلام في هذه المنطقة من العالم .
وفي الختام ، أود إطلاعكم بأنه بسبب منع الحكومة الإيرانية لإرسال البرقيات والرسائل ، فإن هذه الرسالة تم إرسالها من قبل رسول خاص إلى لبنان ، ثم من هناك ترسل إلى منظمة الأمم المتحدة . وهذا دليل يوضح طبيعة الأوضاع في إيران .
السيد أبوالقاسم الكاشاني
يتبع0000ثورة الكابيتولاسيون عام 1963


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 16صفر1429هـ, 04:38 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
السيد أبوالقاسم الكاشاني
ثورة الكابيتولاسيون عام 1963
الكابيتولاسين هو اللفظ الفرنسي لكلمة الإمتياز Capitulation، وهو المصطلح المستخدم في اللغة الفارسية ، ويقصد به إمتياز الحصانة القضائية . بدأت فكرة إعادة إمتياز الحصانة القضائية للرعايا الأميركيين المقيمين في إيرا ن ، بإقتراح قدمته السفارة الأميركية في طهران في آذار 1962 ، طلبت فيه إعفاء المستشارين العسكريين والفنيين الأميركيين وعوائلهم وخَدَمهم من الخضوع للقضاء والقانون الإيراني . كما يقضي بمعاملتهم معاملة الدبلوماسيين والعاملين في السفارات المشمولين بمعاهدة فيينا 1961 التي تمنحهم الحصانة القضائية [137][1] .
في 5 تشرين الأول 1963 أصدرت حكومة رئيس الوزراء أسدالله علم قانوناً يقضي بإضافة ملحق إلى معاهدة فيينا خلال تقديمها إلى مجلس النواب . وتضمن الملحق منح موظفي الهيئات الإستشارية الأميركية في ايران جميع الإمتيازات والحصانات المتعلقة بالموظفين الإداريين والفنيين الوارد ذكرهم في معاهدة فيينا . فالملحق يمثل تقنين منح الحصانة القضائية للأميركيين ، الأمر الذي كانت تخشى الحكومة الإعلان عنه بصراحة [138][2] .
وكان مجلس الشيوخ الإيراني قد وافق على معاهدة فيينا بتاريخ 15 حزيران 1964 دون التطرق إلى موضوع الملحق الخاص بها . ولغرض الحصول على موافقة مجلس الشيوخ وتمرير الملحق دون اعتراض ، جرى طرحه للتصويت في منتصف الليل في نهاية الجلسة ، واعتبر من المواضيع المستعجلة ، وأنه (أمر عادي ولا يحتاج إلى مناقشة) ، فصادقت الأكثرية عليه ، وأنيطت تفاصيله بالرجوع إلى معاهدة فيينا .
يوسع ملحق الإتفاقية من الفئة التي تشملها الحصانة الدبلوماسية ، والتي تقتصر عادة على الذين يحملون صفة دبلوماسية والعاملين في السفارات كالقناصل والفنيين والموظفين . أما الملحق فيعتبر جميع أعضاء الهيئات العسكرية الأميركية والموظفين غير العسكريين المستخدمين في وزارة الدفاع الأميركية وعوائلهم الساكنين في إيران من ضمن الدبلوماسيين . وكان عدد المستشارين الأميركيين لا يقل عن 000ر50 أميركي . وهذا ما لم تقدم عليه أية دولة حتى الدول المستعمَرة [139][3]. إضافة إلى أن القانون لا يتضمن مبدأ المعاملة بالمثل ، أي لا يمنح جميع الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة صفة الدبلوماسيين .
وتضمن الكابيتولاسين أنواعاً من الحصانات الممنوحة لهذا الجيش الكبير من الرعايا الأميركيين مثل :
1 ـ أنهم مصانون من التوقيف والإحتجاز ، فلا يحق لأحد إعتقالهم مهما كانت الأسباب .
2 ـ تجب معاملتهم بلطف ولا تمس حرياتهم وكرامتهم . وقد خصصت الحكومة الإيرانية عدداً كبيراً من قوات الشرطة لحراسة منازلهم وممتلكاتهم كما تحرس السفارات الأجنبية .
3 ـ أنهم مصانون من إجراءات الدعاوى المدنية ، كما يتم إيقاف جميع الدعاوى والأحكام الصادرة بحقهم.
4 ـ الإعفاء من دفع الضرائب ، خاصة في عمليات التصدير والإستيراد ، فلا يدفعون رسوم الجمارك [140][4] .
ساد الإعتراض والرفض الأوساط الشعبية والدينية التي رأت فيه إذلالاً للمسلمين وإهانة لعلمائهم . فقد ألقى الإمام روح الله الخميني خطاباً ، في 26 تشرين الأول 1964 ، ندد فيه بالقانون ، كاشفاً عن الثغرات التي تضمنها فجاء فيه :
( ... لقد باعونا ، باعوا استقلالنا وراحوا يحتفلون وينشرون معالم الزينة والفرح . لقد سحقونا بأقدامهم ... لقد داسوا على كراماتنا وعزتنا ، لقد قضي على عظمة إيران ..
لقد قدموا قانوناً إلى المجلس ، ألحقونا بموجبه ، أولاً ، بمعاهدة فيينا ، ومنحوا الحصانة القضائية ، ثانياً ، لجميع المستشارين العسكريين الأميركيين ومعهم عوائلهم وموظفيهم الفنيين والإداريين وخدمهم وكل من يتعلق بهم ، فهم مصانون من العقاب مهما ارتكبوا من جرائم في إيران . فلو أراد خادم أو طباخ أميركي قتل مرجع تقليدكم أو سحقه في وسط السوق ، فلا يحق للشرطة الإيرانية منعه ، ولا يحق للمحاكم الإيرانية محاكمته عند قيامه بجريمته . فملف القضية يجب أن يُرسل إلى أميركا وهناك يتخذ أسيادهم القرار بهذا الشأن .
لقد صادقت الحكومة السابقة على هذا المشروع دون أن يعلم أحد بالأمر ، والحكومة الحالية قدمته إلى مجلس الشيوخ ، وتمت المصادقة عليه بعملية (قيام وقعود) دون أن يعلم أحد بالأمر أيضاً . وقبل أيام أرسلوا اللائحة إلى مجلس الشورى ، وجرت المناقشات بشأنها وتحدث بعض المعارضين ، إلا أنهم مرروا الموضوع بكل وقاحة ، فالحكومة دافعت عن هذا العار . لقد اعتبروا الشعب الإيراني أقذر من الكلب الأميركي . فلو دهس مواطن إيراني كلباً أميركياً بسيارته ، فسيحال إلى المحكمة ، حتى لو كان هذا الشخص هو الشاه نفسه . أما لو قام طباخ أميركي بدهس الشاه أو أكبر مسؤول في البلاد فلا يحق لأحد التعرض له ، لماذا ؟ لأنهم أرادوا قرضاً من أميركا ، فطلبت منهم منح هذه الحصانة لأتباعها مقابل ذلك .
وبعد أيام من المصادقة على القانون ، طلبت الحكومة (الإيرانية) قرضاً من أميركا مقداره 200 مليون دولار ، تحصل عليه إيران على مدى خمس سنوات ، من أجل تأمين النفقات العسكرية للبلاد ، على أن يتم تسديده لأميركا خلال عشر سنوات بزيادة ربوية على القرض قدرها 100مليون دولار . ومع ذلك فقد باعت حكومة إيران البلادَ من أجل هذا المبلغ ... باعت إستقلالها ، وجعلت إيران مستعمرة لأميركا ، وأظهرت الشعب الإيراني المسلم بأنه أكثر تخلفاً من الوحوش !
لقد أدرك هؤلاء جيداً أنه إذا كان لعلماء الدين نفوذ في البلاد ، فلن يدعوا البلد يخضع للإنجليز يوماً وللأميركان يوماً آخر ، ولن يدعوا إسرائيل تهيمن على اقتصاد إيران أو تباع البضاعة الإسرائيلية في إيران بكل حرية ، وحتى دون أن تفرض عليها ضريبة جمركية .
إذا كان للعلماء نفوذ في البلاد فلن يدعوا هؤلاء يفرضون هذا القرض الكبير على الشعب الإيراني . وإذا كان لهم نفوذ فلن يدعوا هذه الفوضى تعم بيت المال ، ولن يدعوا الحكومة تعمل ما يحلو لها حتى لو كان ضد مصالح الشعب تماماً . وإذا كان للعلماء نفوذ فلن يدعوا المجلس (البرلمان) يصبح منحطاً إلى هذا الحد ، ولن يدعوا النواب يُعيَّنون بالحراب ، لتحدث ـ فيما بعد ـ هذه الفضائح المخزية ....
إحذروا أيها السادة! إحذر يا جيش إيران ! إحذروا أيها السياسيون ! إحذروا أيها التجار ! إحذروا يا علماء الإسلام ويا أيها المراجع ! إحذروا أيها الفضلاء ، أيها الطلاب ، أيتها الحوزات العلمية في النجف وقم ومشهد وطهران وشيراز ... هل هناك أسوأ من الذل والتبعية ؟ ماذا ينفع الشعب هذا الدَّيْن ؟ وماذا سيجر عليه من المصائب ؟ لماذا يدفع الشعب 100 مليون دولار كفائدة للقرض إلى أميركا ؟ بماذا ينفعكم المستشارون والعسكريون الأميركيون ؟ إذا كانت إيران مستعمرة أميركية ، فلماذا كل هذه العربدة والضجيج ؟ ولماذا كل هذه الإدعاءات عن التقدم والتطور ؟ إذا كان هؤلاء المستشارون خدماً لكم ، فلماذا يُرفعون أعلى من الأسياد ؟ ولماذا يُرفعون إلى درجة أعلى من الشاه ؟ فإن كانوا خدماً عاملوهم كباقي الخدم ، وإن كانوا موظفين فليُعاملوا مثلما تعامل بقية الشعوب موظفيها . وإن كانت بلادنا محتلة من قبل أميركا فأعلنوا ذلك ، وأخرجونا منها ...
أيها السادة الذين تطالبون بالسكوت وعدم التحرك ، هل علينا أن نسكت حيال هذا الأمر ؟ هل نلتزم الصمت هنا أيضاً ولا نتحرك ؟ إنهم يبيعوننا ونظل ساكتين ؟ يبيعون إستقلالنا ونظل ساكتين ؟
والله إن الساكت سيكون آثماً ، من لا يصرخ سيرتكب ذنباً كبيراً .
يا زعماء الإسلام أنقذوا الإسلام .
يا علماء النجف أنقذواالإسلام) .
يا علماء قم أنقذوا الإسلام [141][5] .
أحدث الخطاب هياجاً واسعاً وتنديداً قوياً ضد قانون الحصانة القضائية على الرغم من محاولة التعتيم عليه، إذ أن الصحف ووسائل الإعلام بيد حكومة الشاه . فقد تم توزيع منشورات تضمنت نص الخطاب ، فامتلأت المساجد والأسواق والشوارع به [142][6] . أخذ الإعلام الحكومي بالرد على الخطاب واتهام الإمام وأنصاره بأنهم (عناصر من الطابور الخامس) ، وأخذ رئيس الوزراء حسن علي منصور يهدد باستخدام الجيش (للتصدي لأعداء البلاد المحليين والأجانب) [143][7] . وبدأت بالتضييق على المعارضين الذين أصبحوا يشكلون جبهة قوية ، فكان الحل بعزل قائد التحرك أي الإمام الخميني عن الأمة . في مساء 3 تشرين الثاني 1964 حاصرت قوات المغاوير والمظليين منزل الإمام الخميني في قم ، حيث اقتحموا الدار من السطح ، ثم دخلوا البيت ، ثم اقتادوا الإمام إلى مطار طهران ، حيث وضع في طائرة متوجهة إلى تركيا .
أحدث نفي الإمام الخميني إستياءً في الشارع الإيراني والأوساط العلمائية الذين أصدروا بيانات يعلنون فيها تضامنهم معه ، وتأسفهم لإبعاده عن بلاده [144][8] . كما تعاطفت المنظمات الدولية مع قضية نفي الإمام ، فقد بعثت منظمة حقوق الإنسان رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تطالب فيها بمتابعة الموضوع ، وأن نفيه يمثل إنتهاكاً للدستور الإيراني الذي تنص المادة 14 منه على (عدم إمكانية نفي أي إيراني أو إجباره على ترك محل إقامته أو إجباره على الإقامة في مكان معين إلا في الحالات التي نص عليها القانون) [145][9].

حركة الجهاد في بقية الدول الإسلامية
قادت المؤسسات الدينية حركة الجهاد ضد الإستعمار الغربي في الدول الإسلامية . ففي الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا ووسطها [146][1] شهدت البلدان الإسلامية حركات دينية مناوئة للإستعمار . وحملت المؤسسات الدينية والعلماء والمشايخ راية الجهاد في البلدان العربية كلها ، إلا سوريا والعربية السعودية . ففي سوريا كان للحركة الوطنية العلمانية تأثير كبير ، بشكل تضاءل أمامه تأثير الزعماء الدينيين ، إضافة إلى أن الشعور الديني فيها أقل من بقية الدول الإسلامية . أما السعودية فلم تشهد إحتلالاً أجنبياً مباشراً; كما أن عملاء بريطانيا (أمثال لورنس Lawrence وفيلبي Phlibyوالجنرال كلوب باشا Glubb) لعبوا دوراً رئيساً في مجرى الأحداث ، ورتبت الأمور بالتنسيق مع بريطانيا ، ثم أميركا فيما بعد; يضاف إلى ذلك أن تركيبتها القبلية لا تسمح بالتفكير أو السير خارج الإطار الذي يرسمه زعيم القبيلة .

الجهاد في الهند (والباكستان)
في عام 1498 وصل البرتغاليون إلى الهند عندما رست سفينة الملاح فاسكو ديكاما GamadaVasco قرب ميناء كلكتا ، جنوب الهند . وكان العرب يحتكرون الملاحة بين موانئ الهند وموانئ الخليج الفارسي . وقد استعان دي كاما بالهندوس في محاولة للتنكيل بالبحارة المسلمين من ناحية ، ومنافسة التجار المسلمين من ناحية أخرى . وكان بعض الأمراء الهندوس قد أرسل الى ملك البرتغال رسالة يغريه فيها بإحتلال الهند . مكث دي كاما ستة أشهر ثم عاد إلى بلاده ، فاستقبل إستقبال الفاتحين ، ولم يلبث أن كر عائداً إلى الهند في ثلاثة عشر مركباً محملة بالجنود فاحتلوا كلكوتا . وتتابعت البعثات البرتغالية حتى عام 1509 ، فوصل البوكرك Albuquerqueواحتل ميناء (جوا) بإسم البرتغال عام 1510 ، وفي عام 1511 إحتل البرتغاليون (ملقا) في جزر الهند الشرقية (أندونيسيا) [147][1] . وفي عام 1765 حصلت شركة الهند الشرقية ، بالتعاقد ، على الحق في جمع إيرادات ضرائب البنغال ، من الإمبراطور المغولي شاه عالم الثاني . ومن هنا مد البريطانيون حكمهم عن طريق معاهدات الحماية وعن طريق الإلحاق والفتح على السواء . وفي عام 1820 كانت السيطرة البريطانية قد استقرت على الرغم من أن البلاط المغولي قد ظل باقياً حتى عام 1857 ، إلا أن أباطرته كانوا قد فقدوا قوتهم بالتدريج ، وتحولوا إلى مجرد دمى في أيدي البريطانيين [148][2].
في عام 1857 ثارت الهند على البريطانيين . بدأت الثورة بتمرد للجنود الهنود في الجيش البريطاني ، وما لبثت أن انتشرت إلى السكان المدنيين في شمال ووسط الهند طولاً وعرضاً . ويبدو أن أتباع (الطريقة المحمدية) لعبوا دوراً في ذلك على المستوى المحلي ، إذ قاد الحرب التحريرية الأمراء والفقهاء المسلمون ، كما صدرت فتاوى في عدة جهات ، واشترك فيها المسلمون والهندوس على السواء . لذلك فإن بعض الباحثين لا يعتبرها حركة جهاد ، يقول المستشرق الهولندي رودلف بيترز (ولكن هذه الثورة لا يمكن إعتبارها حركة من حركات الجهاد ، إذ أن الهندوس والمسلمين قاتلوا جنباً إلى جنب في مواقع كثيرة ، ورأوا أن هذا النضال نضال مشترك) [149][3] . ويُرَدُّ عليه بأن مشاركة الهندوس في الثورة لا يلغي إسلاميتها ولا أهدافها ودوافعها . إضافة إلى ذلك أن المسلمين قادوا معظم معاركها ، وتم إعلان الثورة بإسم إمبراطور دلهي المسلم . كما أن الإنجليز حمّلوا المسلمين مسؤولية الثورة ، وصبوا حقدهم وانتقامهم على المسلمين . وكان إنتقاماً مريعاً ، أعلنوا أنه لن يتوقف حتى يباد المسلمون عن آخرهم ، وأهدرت دماؤهم ، وأصبح من حق كل بريطاني أو مدني أن يقتل من يشاء من المسلمين الهنود ، وأعدمت النساء والأطفال ، وأبيدت أسر وعائلات بكاملها في مذابح جماعية لكي (يباد جنين الثورة في أي مكان في الهند) كما قال قائد بريطاني . ولم يسبق أن عرفت الهند أو عرف المسلمون رعباً ولا هولاً كالذي عرفوه يومئذ ، وسميت هذه بالمحنة الكبرى ولم ينسوها أبداً [150][4] .
وقد أحدث الإحتلال البريطاني للهند إنقساماً بين علماء الهند حول شرعية الجهاد ، وطبيعة الهند فيما إذا كانت دار حرب أم دار إسلام ، وغيرها من المسائل التي سنناقشها فيما بعد .
مصر : ثورات ضد الإستعمار
نابليون والإسلام
كان احتلال مصر يشكل هدفاً ستراتيجياً لدى الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ، ورغم حصول الإنجليز على تسهيلات وإمتيازات في مصر ، إلا أن نابليون أربك الخطط البريطانية ، فتحالفت مع العثمانيين من أجل التخلص من النفوذ الفرنسي في مصر .
في 19 مايس 1798 م تحرك أسطول فرنسي ضخم من ميناء طولون بقيادة نابليون بونابرت ، الذي كان يومذاك في التاسعة والعشرين من عمره . في الأول من تموز وصلت أربعمائة سفينة ـ بين بارجة وفرقاطة وناقلة ـ فأثار منظرها رعباً في أهل الإسكندرية . إحتل نابليون المدينة دون مقاومة تذكر ، فقد ركب الغرور المماليك الحاكمين ، إذ كان النظام متهرئاً وفاسداً . أصدر نابليون بياناً موجهاً إلى الشعب المصري باللغات العربية والتركية والفرنسية . ويلاحظ أن النص العربي مكتوب بلهجة عامية واطئة جاء فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله ، لا ولد له ولا شريك في ملكه .
من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية . السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته ، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مد يد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية ، يتعاملون بالذل والإحتقار في حق الملة الفرنساوية ، ويظلمون تجارها بأنواع البلص والتعدي ، فحضر الآن ساعة عقوبتهم ، وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها .فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم .
يا أيها المصريون قد قيل لكم أنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم ، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه ، وقولوا للمفترين أنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين ، وانني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم . وقولوا أيضاً لهم أن جميع الناس متساوون عند الله . وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب ، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة . فإن كانت الأرض المصرية إلتزاماً للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم ، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم ، ولكن بعونه تعالى ، من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية ، وعن إكتساب المراتب العالية . فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور ، وبذلك يصلح حال الأمة كلها . وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر . وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك .
أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجرجية وأعيان البلد قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون . وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام ، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين . ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه أدام الله ملكه . ومع ذلك أن المماليك امتنعوا عن طاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم . طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم ومراتبهم . طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين ، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب ، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا فلا يجدون بعد ذلك طريقاً إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر [151][1] .
واضحة طبيعة النفاق السياسي والتزلف العقيدي ، والطمع الغربي ، والتهديد الفج ، في هذا المنشور .
تقدم نابليون جنوباً لإحتلال القاهرة ، فاستعد له جيش المماليك وهم فرسان أشداء ، لكن ينقصهم التخطيط والتنظيم ، في حين كان نابليون ذا عقلية عسكرية شهيرة . إلتقى الجيشان في منطقة إمبابة في 21 تموز 1798م . وقد سميت بمعركة الأهرام لأنها كانت على بعد عشرة أميال منها . وقد خطب نابليون في جنوده قائلاً لهم : أيها الجنود إن أربعين قرناً تنظر إليكم من قمة هذه الأهرام [152][2] . وفي 23 تموز دخل القاهرة بعد مفاوضات تسليم المدينة .
إتبع نابليون سياسة براغماتية تميل إلى كثير من النفاق ، فحاول التقرب من المسلمين والتحبب إليهم . فقد أعلن أنه مسلم في قلبه وأنه سيعتنق الإسلام ، ولبس العمامة والقفطان في أحد الأيام ، وصلى مع المصلين . وذهب إلى أكثر من ذلك في نفاقه ، إذ قال لأحد مشايخ الدين أنه ينوي إقامة حكومة موحدة تقوم على مبادئ القرآن التي هي وحدها المبادئ الحقة القادرة على إسعاد الناس [153][3] . ونسي نابليون الفكر الأوربي ومبادئ الثورة الفرنسية ، وأخذ يتصرف تصرف المشايخ الصوفية فأشاع أنه شاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه وأنه قال له : إجهر بإيمانك ، بأركان ديني لأنه دين الله . إن العرب في انتظار هذه العلامة ، وسأخضع آسيا كلها لسلطانك . وأخذ يساهم في المواليد النبوية وينفق عليها .
وكان المسلمون يشكون في ادعاءاته وتصرفاته فهو (نصراني إبن نصراني) على حد تعبيرهم [154][4] . وقد حاول إقناع الناس بسلوكه ، وذكر يوماً لشيخ الأزهر أنه يرغب بإعتناق الإسلام ، ولكن الذي يمنعه من ذلك عقبتان ، الختان وتحريم الخمر ! وبينما كان نابليون سادراً في ألاعيبه وأكاذيبه ، كان هناك قائد فرنسي قد أعلن إسلامه فأصبح إسمه عبدالله مينو . فكان يتلو القرآن ويؤدي الصلاة . فأرسل اليه نابليون يهنئه على �تضحيته� في سبيل القضية �الوطنية�.
يتبع0000الأزهر يقود الثورة


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 16صفر1429هـ, 04:40 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
الأزهر يقود الثورة
واجه الإحتلال الفرنسي عدة ثورات وإنتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث التي هيمن فيها على مصر . ففي 21 تشرين الأول 1798 ، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من دخول الفرنسيين ، نشبت ثورة �بدأها شيخ أزهري خرج إلى الأسواق ينادي : أن كل مؤمن موحد بالله عليه بجامع الأزهر ، لأن اليوم ينبغي لنا أن نغازي الكفار [155][1]. وصارت الأصوات ترتفع من فوق المآذن والسطوح العالية تدعو المسلمين للجهاد ، فتجمعت الجماهير حاملة البنادق والأسلحة . وبدأ الناس بمهاجمة الجنود الفرنسيين ، كما هوجمت دار العلوم والمستشفى العسكري . أمر نابليون بتوجيه المدافع المصوبة في القلعة صوب الجامع الأزهر وما حوله من الدور والأسواق ، وبدأت بدك المباني بالقنابل ، فأثارت الرعب فهرب الناس من المكان . وفي المساء أحاط الجنود الفرنسيون يصحبهم ثلاثمائة خيال بالجامع ، ثم دخلوا فيه ، وأخذوا يأسرون من كان فيه من الثوار ، ويعبثون به وبمحتوياته عبثاً شديداً .
وذهب شيوخ الأزهر لمقابلة نابليون يرجونه الكف عن انتهاك الجامع وقتل الناس ، فأخذ يلومهم ثم أعلن العفو عنهم . ولكن إعلانه للعفو كان ظاهرياً ، إذ أنه أصدر أوامره خفية بقتل كل من قاد الثورة أو شارك فيها . وكان من أوامره لأحد قواده : تفضل أيها المواطن القائد بأن تأمر قومندان القاهرة بقطع رؤوس جميع المسجونين الذين أمسكوا وبيدهم سلاح ، فليؤخذوا إلى شاطئ النيل ، بعد هبوط الظلام ، ولتلق جثثهم المقطوعة الرؤوس في النهر . ثم أمر نابليون بإعدام ثمانين رجلاً من الذين كانوا أعضاء في (ديوان الدفاع) وهو الديوان الذي كان بمثابة مركز القيادة للثورة [156][2] .
هكذا تصرف القائد المتنور بمبادئ الثورة الفرنسية ، إذ حمل معه المقصلة (الجيلوتين) التي أصبحت من أبرز معالم الثورة الفرنسية . وأعدم عشرات من شيوخ الأزهر وطلابه دون محاكمة أو تحقيق . إن سلوك نابليون لا يختلف عن أي دكتاتور متجبر . وبعد أن تمت عمليات الإعدام والتصفيات الجسدية ، أذاع نابليون منشوراً أشار فيه إلى عفوه ، إذ بدأه بالتهديد والوعيد ، وتحدث فيه بلغة القدرية والدراويش ، وأنه فعل ما فعل بتقدير الله وإرادته ، وأنه لا ينجو أحد من عقابه ، وأن لديه قدرة عجيبة على أن يعرف ما في داخل المرء بمجرد أن يراه ! ، وهذا نص المنشور :
أيها العلماء والأشراف ، أعلموا أمتكم ومعاشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامه من ضلال عقله وفساد فكره ، فلا يجد ملجأً ولا مخلصاً ينجيه مني في هذا العالم ، ولا ينجو من بين يدي الله لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى . والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله وإرادته وقضائه ، ومن يشك في ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة . وأعلموا أمتكم أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي ، وقُدِّرَ في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها وإجراء الأمر الذي أُمِرْتُ به . ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضائه . وأعلموا أيضاً أمتكم أن القرآن العظيم صرح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل ، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل ، وكلام الله في كتابه صدق وحق . إذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم ، فلترجع أمتكم جميعاً إلى صفاء النية وإخلاص الطوية ، فإن منهم من يمتنع عن الغي وإظهار عداوتي خوفاً من سلاحي وشدة سطوتي ، ولم يعلموا أن الله مطلع على السرائر ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . والذي يفعل ذلك يكون معارضاً لأحكام الله ومنافقاً ، وعليه اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب . واعلموا أيضاً أني أقدر على إظهار ما في نفس كل أحد منكم ، لأنني أعرف أحوال الشخص وما انطوى عليه بمجرد ما أراه ، وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عنده . ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم بالمعايشة ، أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم إلهي لا يُرَد ، وإن اجتهاد الإنسان غاية جهده ما يمنعه عن قضاء الله الذي قدره وأجراه على يدي . فطوبى للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية وإخلاص السريرة ، والسلام [157][3] .
فهذا الخطاب ليس لدرويش شرقي بل لضابط أوروبي !
إنسحاب القوات الفرنسية من مصر
واجه نابليون ثورات محلية وإمتعاضاً في صفوف جنوده جعل بقاءه في المنطقة صعباً للغاية . ففي أواخر كانون الثاني 1799 أراد نابليون أن يكمل فتوحاته وانتصاراته ، فتوجه بقسم من جيشه إلى الشام مستهدفاً إحياء الأمجاد الصليبية وفتح القدس . وتمكن من فتح العديد من المدن الفلسطينية بسهولة ، لكنه وقف عاجزاً أمام أسوار عكا ، فعاد خائباً . وأثناء وجود نابليون في الشام تعرضت الحامية الفرنسية في 24 نيسان 1799 ، في مدينة دمنهور المصرية إلى مذبحة رهيبة نفذها درويش ليبي اسمه أحمد ، إدعى أنه المهدي . غير أن حملة تأديبية فرنسية قضت على حركته [158][1] .
عاد نابليون إلى مصر ، ولم يبق من جنوده إلا ثلثهم ، أما الباقون فقد ماتوا أو أصابهم العجز . ومع ذلك فقد أصر على اقامة إستقبال المنتصر ، فدخل موكبه القاهرة ، وجرى توزيع الجرحى والمرضى على عدد من المدن في الطريق إخفاءً لأمرهم . لم يمض على نابليون سوى شهر واحد حتى بلغه وصول جيش عثماني بالسفن بالقرب من الإسكندرية . نزل الجيش العثماني ، الذي قدر عدده بعشرة آلاف جندي ، بالقرب من قرية أبي قير ، فاقتحم معسكراً فرنسياً يضم ثلاثمائة جندي وذبحهم جميعاً . توجه نابليون بجيشه إلى أبي قير حيث جرت معركة يوم 25 تموز 1799 ، خرج منها نابليون منتصراً . لم يهنأ نابليون بانتصاره ، إذ سرعان ما بلغه تدهور الأوضاع في فرنسا وقيام إتحاد دولي ضده ، فقرر العودة إليها . غادر نابليون الإسكندرية في 23 آب 1799 ، واستخلف مكانه الجنرال كليبر Cleber في مصر .
قامت في عهد كليبر ثورة القاهرة الثانية ، وكانت أشد من الأولى ، لكن الجنرال كليبر تمكن من إخمادها . ولم تخمد جذوتها ، ففي 14 حزيران 1800 قام شاب سوري يدعى سليمان الحلبي باغتيال كليبر . تم إلقاء القبض عليه وحكم عليه بعقوبة لا تتفق مع مبادئ الثورة الفرنسية . إذ تم شوي يده على النار ، ثم أُجلِس على خازوق . وأعدم معه ثلاثة شيوخ أزهريين ، لأنهم علموا بنيته ولم يخبروا قوات الإحتلال الفرنسي [159][2] .
خلف كليبر في قيادة الجيش الفرنسي عبدالله مينو الذي اعتنق الإسلام . أخذ مينو ينفذ خطته التي تبناها بحماس ، وهي جعل مصر قطعة من فرنسا ، فراح يغير ملامح البلاد ، فأمر بهدم أحياء كاملة في القاهرة لتتسع لإنشاء شوارع فسيحة ، وانتزع جباية الضرائب من أيدي الأقباط ، وفرض ضريبة واحدة على الأرض ، وألغى الرسوم الإقطاعية ، وأنشأ محاكم جنائية تحت إدارة الفرنسيين ، وأمر بتسجيل المواليد والوفيات إجبارياً ، وأصدر أول جريدة تطبع باللغة العربية . وكان مينو يتظاهر بأنه حريص على الإسلام ، ويريد تطهيره من البدع . فشلت خطة مينو رغم ادعائه بصحة إسلامه ، إذ كان المصريون ينظرون إليه كنظرتهم إلى نابليون ، إذ اعتبروه دجالاً يريد اقتلاع تقاليدهم [160][3] .
كانت خطة مينو في البقاء في مصر وجعلها مستعمرة فرنسية السبب في انقسام الجيش الفرنسي بين أقلية مؤيدة للبقاء ، وأكثرية تريد العودة إلى فرنسا . وساهم في تطور الأوضاع وترجيح كفة الأكثرية ، نزول جيش بريطاني في الأول من آذار 1801 في الاسكندرية ، كما وصل منطقة الجيزة القريبة من القاهرة جيش آخر نزل على سواحل البحر الأحمر . وزحف جيش عثماني من الشرق بقيادة الصدر الأعظم يوسف ضياء باشا . بعد مفاوضات ، تم الإتفاق على إجلاء الجيش الفرنسي ، حيت تم إجلاء آخر جندي في 18 تشرين الثاني 1801 . ولتنتهي بذلك صفحة دامية من تاريخ الإستعمار الفرنسي في مصر
ثورة عرابي 1882
في عام 1805 أصبح محمد علي باشا حاكماً لمصر ، وبقيت عائلته تحكم مصر قرناً ونصف ، أي حتى سقوط النظام الملكي عقب ثورة 23 تموز 1952 بقيادة جمال عبد الناصر . وكانت علاقات محمد علي بفرنسا قوية ، واعتمد عليها في تحديث جيشه وإنشاء صناعة متطورة . كانت بريطانيا قلقة خشية عودة الهيمنة الفرنسية ، وبذلت جهودها لإحباط مشروع حفر قناة السويس [161][1] ، الذي أشرف عليه مهندس فرنسي ، فرديناند دي لسبس LessepsdeFerdinand، وتم إنجازه في عام 1869 .
واجهت الحكومة المصرية صعوبات مالية فأخذت تقترض من المصارف الأجنبية ، وتراكمت الديون والفوائد حتى أدت في النهاية إلى إفلاس الدولة عام 1876 . قررت بريطانيا وفرنسا ، وهما أكبر الدائنين ، إلى إنشاء (صندوق الدَّيْن العام) بهدف الإشراف على استرجاع ديونها . وقد استغلت الدولتان ذلك ، واستطاعتا من خلاله التحكم في إيرادات الدولة المصرية وشؤونها . وقد بلغ الدين العام حجماً إبتلع الميزانية ، ففي عام 1877 إضطرت مصر إلى دفع مبلغ 7ر5 مليون جنيه لتسديد الدين ، في حين لم تزد ميزانية الدولة عن 9ر5 مليون جنيه [162][2] . وللوفاء بمطالب الدائنين خفضت النفقات الحكومية ـ باستثناء الرواتب الكبيرة التي يتقاضاها الموظفون الأجانب ـ وزادت الضرائب ، فتجاوزت كل حدود الإحتمال .
وكان مما قضت به السياسة المالية التي فرضتها الدول الأجنبية هي خطة تقليص الجيش المصري ، بشكل يحد من قوة الخديوي ، على نحو يناسب مصالح الدول الأجنبية . فلما ظهر أن ضباط الجيش المصريين سوف يكونون هم الضحية ـ وليس الضباط الجراكسة الذين كانوا ما زالوا يحتفظون بمراكز القيادة في الجيش ، وكانت لهم إمتيازات كبيرة ـ ثارت أغلبية الجيش . وأصبح أحمد عرابي (1841 ـ 1911) لسان حال هؤلاء الضباط الساخطين .
وعندما نجح ضباط الجيش المصريون في أول الأمر بعض النجاح ، وجد كثير من ملاك الأراضي وأعيان الريف المصري أن الفرصة متاحة لتحقيق أهدافهم بالإنضمام إلى حركة الضباط . وكان الحزب الوطني هو المعبر عن هاتين الجماعتين بدءاً من عام 1881 . وكان الحزب يطالب بعقد مجلس النواب ، وإعداد دستور يخول النواب سلطة أكبر . وكان الضباط يأملون في تأييد المجلس ، وأنه سيكون قادراً على حمايتهم من تسلط الخديوي توفيق (حكم1879 ـ 1897) وحاشيته الشركسية . وفي أيلول 1881 ثار الجيش مرة أخرى تأييداً للحزب الوطني ، وكان يطالب بإقالة رياض باشا رئيس الوزراء الذي كان يمثل مصالح الأتراك الشراكسة ، ودعوة مجلس النواب للإنعقاد ، وزيادة عدد الجيش إلى 18 ألف رجل . واضطر الخديوي توفيق لقبول هذه المطالب [163][3] .
لم يكن الحزب الوطني ثورياً أو راديكالياً ، ولم يكن يسعى للإطاحة بالنظام الإجتماعي والسياسي ، بل كان يطمح إلى إدخال إصلاحات فيه . وكان أعضاء الحزب يعترضون على توظيف عدد متزايد من الموظفين الأجانب برواتب عالية ، وعلى الإمتيازات المالية والقانونية التي يتمتع بها الأجانب في مصر . وكان المصريون يرون تدفق ثروات البلاد إلى جيوب الدائنين الأجانب ولا يستفاد منها لمصلحة البلاد . وكانوا ساخطين على نفوذ الموظفين الأجانب في الحكومة المصرية ، وما يتمتعون به من مراكز ممتازة ورواتب عالية . وكانوا يتوجسون من أن بريطانيا سوف تحتل مصر ، وكان احتلال فرنسا لتونس عام 1881 يدعم هذه المخاوف [164][4] .
بعد التغيير الوزاري أصبح أحمد عرابي وزيراً للحربية فكسر بذلك إحتكار المؤسسة التركية الشركسية للمناصب العليا . وتم وضع دستور جديد يمنح سلطات محدودة للنواب دون أن يمس إمتيازات الخديوي . وأتاح المجلس الجديد دخول أعيان الريف إليه والتعبير عن آرائهم ، وممارسة قدر من النفوذ على الحكومة المركزية . فزاد انتقاد الحكومة ، وخاصة الإدارات التي يرأسها الأجانب . وشعر هؤلاء بالخطر يهدد وظائفهم المربحة ونفوذهم الواسع ، فردوا بشن حملة على مجلس النواب ، وزعموا أنه يخضع تماماً لنفوذ عرابي وضباطه . شعر الخديوي بالخطر من فقدانه السيطرة على الأمور ، فقرر أن التدخل الأجنبي يساعده على الخروج من هذا المأزق . فجاءت الفرصة عندما فشلت محاولة لإغتيال عرابي ، نفذها عدد من الضباط الشراكسة ، وقدموا إلى المحاكمة . ولما كان تنفيذ الحكم بحاجة إلى مصادقة الخديوي عليه ، رفض ذلك ، وأبلغ القناصل الأجانب بأن الوزارة هددت بمذبحة عامة للأجانب إذا لم يصادق على حكم المحكمة العسكرية . إثر ذلك أرسلت فرنسا وبريطانيا أساطيلها إلى الإسكندرية لتخويف الضباط والحزب الوطني . أدى وجود الأساطيل الأجنبية إلى التفاف المصريين جميعاً حول عرابي ، فقد أصبحت المسألة قضية وطنية ، وتهديداً أجنبياً لسيادة البلاد . بدأت الإضطرابات ضد الخديوي والأجانب، فوضع الخديوي نفسه تحت حماية الأسطول البريطاني آملاً بذلك المحافظة على حكمه .
بعد شهر واحد ، قصف الاسطول البريطاني الإسكندرية ونزلت قواته الى البر المصري . لقد كانت بريطانيا تنتظر هذه الفرصة لإحكام سيطرتها العسكرية على مصر واقتصادها وقناة السويس . أخذ عرابي يقود العمليات ضد الغزو البريطاني ، ولكنه اضطر للتسليم بعد شهرين . وأثناء المواجهة لم تكن سوى عقيدة الجهاد قادرة على تعبئة الشعب المصري والمؤسسة الدينية لتقوية جبهة عرابي . فعندما قصف الأسطول البريطاني الإسكندرية نشرت (الوقائع المصرية) وهي الجريدة الرسمية إعلاناً يدعو للجهاد ، حيث دعا العلماء الشعب المصري إلى تأييد الجيش ضد الكفار ، فقد ألقى الشيخ حميدة الدمنهوري خطاباً جاء فيه :
(إن كل إنسان بما هو من تحمل النصب لنصرة الدين خبير . فعلى الأغنياء إعانة هذا الجيش (جيش عرابي) بما يقدرون عليه من المؤونة ، ويحفظونه من غوائل الجوع ، ويقوونه فإنه الحصن الحصين ، لردع العدو والخائن الحقير (الخديوي) . فمن جاد بنفسه لنصرة دينه قد نال الفوز والقبول . ومن سارع لحفظ شرفه وعرضه أدرك المقصود والمأمول . فالهمة الهمة يا أهل الغيرة الإسلامية . والسرعة السرعة يا أهل الحمية الإيمانية . والنجدة النجدة يا أمة الهادي البشير النذير . (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظة ، واعلموا أن الله مع المؤمنين� لا تظنوا غير النصر الذي وعدنا الله ، واصبروا فالصبر يهون كل عسير) [165][5].
وألقى الشيخ محمد أبو الوصل خطبة يحث فيها على جهاد الكفار ، جاء فيها:
(فيا عباد الله استبان أن الإنجليز جاؤونا محاربين يريدون ، لا مكنهم الله ، سلب الأموال وهتك الحريم . وقد جاؤوا بمكر وخداع يصطادون بشبكة حيلهم الأوطان من غير قتال ودفاع ، كما هو ديدنهم القبيح في كل إقليم . فتيقظ لذلك العقلاء والشجعان ، فذبّوا عن الأعراض والأوطان وسقوهم كأس الحميم . وأيد الله المسلمين بالعساكر المصرية ، وأمدهم بالعناية الربانية ، ومن عليهم المولى الكريم . واغتر لخداعهم بعض الجهال فأذاعوا سيئ الأقوال وحادوا عن الطريق المستقيم فتنبهوا من الغفلة يا بني الديار ، وارفعوا عنكم الذل والعار ، وأذيقوا الإنجليز العذاب الأليم . �وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل� .. ومن جاهد فالله ناصره ومولاه ، �وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم�) [166][6] .
ويؤكد الشيخ علي مليحي على ضرورة تأييد عرابي ووصفه برئيس المجاهدين بقوله :
( ..إذ قد شرع رئيس المجاهدين المؤيد بنصر ربه في مدافعة من كانوا في تشويش الأمة أول سبب ، وباع نفسه هو وجيشه للجهاد في سبيل الله . ولم يبال بمشقة ولا تعب ، كل ذلك لحفظ الوطن وإعلاء كلمة الدين) [167][7].
وكتب المفتي الشافعي مصطفى عز رسالة بعنوان (طريق الرشاد في الحث على الجهاد) ، كتبها أثناء المقاومة الإسلامية لإحتلال البريطانيين للسويس . ويشير فيها إلى أن أحد أسباب نفوذ البريطانيين هو الإنفتاح النفسي والإجتماعي تجاه الكفار ، حتى تغلغلوا في المجتمع وأذلوه ، فجاء فيها :
(فإنه لا يخفى منذ سنين صولة الكفرة على المسلمين ، لا سيما في مصر القاهرة ، وذلك بسبب اتحاد الإسلاميين وتداخلهم معهم ، وتحببهم إليهم حتى تخلقوا بأخلاقهم في الأقوال والأفعال ، حتى اشرب في قلوبهم حبها ، وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من قبلكم شبراً شبراً ، وذراعاً ذراعاً ، حتى لو سلك أحدهم جحر ضب لسلكتموه ..الخ . واستمر الأمر على ذلك ، وكثرت فيهم المعاصي وفشت ، وتجاهروا بها ، وعم الربا واستعمله الخاص والعام ، ولم يسلم منه إلا القليل من الناس .
فاشتد غضب الله عليهم ، فسلط عليهم أعداءهم ، فاستذلوهم واستعملوهم في كل ما فيه إذلال لهم وتحقير ، حتى أن الكافر يركب دابته أو عربته ، والمسلم يجري أمامه بغاية السرعة ، ويمد اللعين رجله للمسلم بالجزمة السوداء فيمسحها له وهو ذليل في غاية التحقير . فصاروا عندهم أذل من اليهود الذين قال الله في شأنهم �ضربت عليهم الذلة والمسكنة� .
ثم انهم بتداخلهم مع حكامنا ، وتزيينهم لهم أحوالهم ، أشاروا عليهم أن يضعوا قوانين مخالفة لشريعتنا وأحكامنا ، ليضعوها في الدواوين ، ويجري عليها عمل الناس ، فقبلوها منهم ، وأمروا رؤساء الدواوين بالعمل ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون . وصار الدين غريباً كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ثم في عام 1299هـ (1881 ـ 1882) منّ الله بفضله وجوده علينا ، وأتحفنا بنعمة عظيمة لإعزاز دين الإسلام بأن قيض لنا شخصاً (عرابي) قوي الإيمان عظيم البأس والشأن ، فقام بجد وتشمير لإعزاز كلمة الحق والدين) [168][8].
ولم ينس خصوم عرابي ان يرفعوا راية الدين ، والشرعية الواجبة الطاعة التي يتمتع بها الخديوي بإعتباره ولي الأمر ونائب أمير المؤمنين . كما أن الإعتداء على الأجانب يخالف أحكام الشريعة . وأن مواجهة الأسطول والجيش البريطاني المتطور يعني إلقاء النفس إلى التهلكة . وأن عرابي لا صلة له بالدين والجهاد ، بل هو خائن للحاكم الشرعي . وأن الخديوي لا يرتكب إثماً بإستعانته بالكفار . ذكر أحد المشايخ :
(ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا . عباد الله لستم تجهلون أنني طالما ناديت في البرهان بأن لا سبيل لنجاح الأمة الإسلامية سوى إقامة الدين المبني على مكارم الأخلاق ، والذي من مقتضاه حسن المعاملة والرفق بالذميين والمستأمنين والمعاهدين والصلحيين . وهم الأقسام التي قدمنا أن جميع الأجانب في البلاد الإسلامية لم تخرج عنها .
ومن مقتضاه أيضاً إعداد ما يستطاع من القوة ورباط الخيل . وأنه لا ريب في أنه يدخل في القوة المدافع ونحوها من أنواع العدد الحربية الجديدة المناسبة لكل زمان ومكان وكذا جميع ما يتصور العقل انه فيه نكاية الخصم .
غير أنه لسوء الحظ كأن تلك الآية الكريمة الآمرة بإعداد ما ذكر إنما نزلت على خصوص الأجانب فعملوا بها دوننا ورفضناها نحن كغيرها من شعائر ديننا وحدود ربنا تبارك وتعالى ، حتى بلغ من تضلع البغاة الجهال من الفنون الحربية وخبرتهم بطرق النكاية للعدو أن يقابلوا الآلات الإنجليزية الحربية الحديثة العهد المصنوعة منذ شهور وأسابيع ، بآلات عتيقة مضى عليها من الأجيال ما أكلها به الصدأ . فأواه ثم أواه ، ولكن هو الجهل حتى ينبح الكلب مولاه . ويرمي بالحصبا الشهاب إذا انقضى .
فلو فرضنا المستحيل من كون هذه الحرب دينية الحالة هذه ، وأنها بأمر الخليفة الأعظم أو نائبه الخديوي الأكرم ، لوجب شرعاً مخالفة أمرهما بها ، لأنها حينئذ عبارة عن المخاطرة بالبلاد والعباد .وقد نهانا الله تعالى عن أن نلقي بأيدينا إلى التهلكة . فكيف وهذه الحرب كما قدمنا شيطانية ناشئة عن حب الذات والمصلحة الشخصية كما سيأتي بيانه ، وعن الجنون الذي تظاهر به الآن عرابي تخلصاً من سوء العاقبة، وإن كانت افعالها كلها جنوناً محضاً من البداية للنهاية .
ولا أزال أقول لكم أن الإنجليز لا قصد لهم سوى إعادة الراحة ، وإخضاع الجند للحاكم الشرعي نائب أمير المؤمنين ، وأن الجناب الخديوي هو على الجانب العظيم من التقوى والدين . ولستم تجهلون أن ديننا المحمدي قد يكون تأييده على يد غير ذويه ، ولا تجهلون أيضاً أن الجناب الخديوي ليس أول من نصر بغير ذوي دينه ، بل لذلك سوابق كثيرة وقعت لبعض خيار الأمة الإسلامية) [169][9].
من الواضح أن العلماء المصريين لم يلعبوا دوراً رئيساً في الثورة ، بل اقتصر دورهم على تعبئة الشعب وتحشيد إمكاناته لمساعدة الضباط وقائدهم عرابي . ولم يكن موقف الضباط ناشئاً من شعور ديني أو وطني بل لأن مصالحهم وامتيازاتهم قد ضربت ، فأرادوا الدفاع عنها . ولما كان عدوهم الخديوي والإنجليز ، فقد استغلوا مشاعر السخط والإستياء ضد الأجانب والاسرة الخديوية والطبقة الشركسية الحاكمة . فقام عرابي بإضفاء مسحة الدين على حركته ضد الإنجليز ، وتناغم ذلك مع موقف العلماء الغاضبين ، فجرى استدعاء عقيدة الجهاد إلى المعركة . وهذا ما فعله خصوم عرابي أيضاً ، إذ عرفوا أن سلاح الدين والعقيدة قادر على قلب ميزان القوى وكسب المعركة لصالحهم ، فاتهموا عرابي بالخيانة وأنه باغي وخارج على إرادة الخليفة العثماني أمير المؤمنين ونائبه الخديوي .
فيما يتعلق بالقانون الدولي الإسلامي الخاص ، نجد أن فقهاء الخديوي شددوا على حماية الأجانب وغير المسلمين المقيمين في مصر . إن وجود غير المسلمين في دولة إسلامية يتخذ واحدة من الوضعيات التالية ، فهم على أربع فئات :
1 ـ الذميين من اهل البلاد ويشمل أهل الكتاب من مسيحيين ويهود ومجوس وصابئة.
2 ـ المستأمنين ، أي الأجانب من رعايا دار الحرب والذين دخلوا بعهد أمان .
3 ـ المعاهدين ، من أهل العهد ، أي الذين لديهم عهد مع الدولة الإسلامية يسمح لهم بالإقامة . وتعتبر المواطنة أو الجنسية عهداً يتمتع فيه غير المسلم بالحقوق السياسية والمدنية ، وعليه واجبات يؤديها ومنها أداء الخدمة العسكرية ، فتسقط بذلك عنه الجزية . ويعتبر غير المسلمين حالياً في إيران من المعاهدين .
4 ـ الصلحيين ، من أهل الصلح ، أي رعايا الدولة التي لها عهد صلح مع الدولة المسلمة يسمح لهم بدخولها والإقامة فيها ، واحترام قوانينها .
فهذه الفئات من غير المسلمين هي التي يسمح لها بالإقامة في الدولة الإسلامية . وقد شدد الفقهاء على احترامهم وحماية أنفسهم وأرواحهم وممتلكاتهم . ولم يظهر واضحاً في الصراع بين عرابي وخصومه فيما إذا كانت هناك معاهدات شرعية منحت أولئك الأجانب حق الإقامة أم أن موافقة الخديوي أو حكومته كانت كافية . ولو كان دخولهم عبر عهد أمان أو معاهدة صلح أو غيرها ، فلماذا رفض الأزهريون وجودهم وإقامتهم ؟ لعل وجود الأجانب كان شرعياً ، لكن ازدياد نفوذهم وتدخلهم بشؤون البلاد ، وهيمنتهم على ثروات البلاد ومواردها جعل الفقهاء ينبذون العهد الممنوح لهم ، لأن بقاءهم أصبح يضر بمصلحة الإسلام والمسلمين . فقد ذكر أحد الفقهاء أنهم سببوا الذل والإهانة للمواطنين المسلمين . ولما كانت بريطانيا تدعم وتؤيد وجود ونفوذ أتباعها ورعاياها ، وشاركت عسكرياً بالصراع ، وضربت المدن المصرية بالمدافع ، فقد أصبحت على رأس المدفع في المعركة ، فصدرت الفتوى ضد الإحتلال البريطاني وغزو أرض إسلامية هي مصر
مسائل شرعية في ظل الإستعمار
خلق الإحتلال الغربي للبلدان الإسلامية العديد من المسائل والقضايا الفقهية والشرعية ، فيما يتعلق بالقانون الدولي الإسلامي . وقد إختلف الفقهاء المسلمون في آرائهم ومواقفهم وفتاواهم تجاه هذه المسائل. ولا زالت بعض هذه القضايا مطروحة بين الأوساط الإسلامية والعلمائية حتى في وقتنا الحاضر . وسأتناول بعض هذه الأمور ذات العلاقة بهذه الدراسة ، وما يخص القانون الدولي الإسلامي .

يتبع00000وضعية الأجانب غير المسلمين في البلاد الإسلامية


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 16صفر1429هـ, 04:41 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
وضعية الأجانب غير المسلمين في البلاد الإسلامية
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، إزداد عدد الغربيين المقيمين في البلدان الإسلامية . وكان هناك أسباب كثيرة لإقامتهم وتواجدهم ، ففيهم الدبلوماسيون والسفراء والقناصل ، والمبعوثون السياسيون كالوفود وغيرهم ، والمدربون والضباط والمستشارون العسكريون . وكان فيهم التجار وأصحاب الشركات والمؤسسات والمصارف الأجنبية والعاملون فيها ، المسافرون والحجاج والسياح ، وعلماء الآثار والجيولوجيون ، والمكتشفون والمستشرقون وعلماء الإجتماع ، والمبشرون والقساوسة وآخرون .
وقد شجع نظام الإمتيازات ، الذي منح الأجانب بموجبه تسهيلات في الإقامة والإعفاء من الضرائب والجمارك والحصانة القضائية ، على تدفق الغربيين للحصول على ثروات هائلة وهيمنتهم على مجمل النشاطات الإقتصادية والتجارية والصناعية بل والسياسية أيضاً [170][1] . فقد أخذ السفراء والقناصل والتجار يتدخلون بشكل سافر بشؤون الدولة والحكومة وسياسة البلاد ، ومارسوا ضغوطاً شتى من أجل تنفيذ رغباتهم وسياسات دولهم ومصالح رعاياهم . وكان الشعور بالإستياء والسخط يعم الأوساط الإسلامية والشعبية تجاه تزايد نفوذ الأجانب . فقد حدثت عدة ثورات وإنتفاضات كان الأجانب ونفوذهم وإمتيازاتهم السبب فيها ، مثل ثورة عرابي 1882 في مصر ، وثورة التنباك عام 1891 في إيران .
وفي عهد الإحتلال والإستعمار الغربي للأراضي الإسلامية ، إرتفعت أعداد الغربيين بشكل كبير ، إذ أضيف إليهم الجنود والضباط والعاملون في المؤسسات العسكرية ، وإدارات وموظفون وعمال وغيرهم . يضاف إليهم عوائلهم والمؤسسات الخاصة بهم كالمدارس والنوادي والمستشفيات ..الخ . ولم يقتصر الأمر على المرتبطين بصورة مباشرة بإدارة الإحتلال من عسكريين ومدنيين ، بل شهدت بعض البلدان الإسلامية مخططات للإستيطان كالهند والجزائر وتونس والمغرب وسوريا ومصر . فقد هاجرت مجموعات كبيرة من الغربيين للعيش والإقامة في البلدان الإسلامية ، والعمل في شتى الأعمال كالزراعة والصناعة والتجارة والمصارف والبنوك ، وشركات الخدمات كالسكك الحديدية والتلغراف والبريد والنقل والموانئ .
لقد لعب الأجانب دوراً هاماً في التاريخ الحديث للعالم الإسلامي ، فالسفارات الأجنبية كان لها تأثير فعال ونفوذ قوي على السلطة ومؤسساتها كالوزارات والمجالس البرلمانية والقصور السلطانية . فالكثير من الأحداث والتحولات السياسية كان للقوى الأجنبية دور فيها .
إن إقامة غير المسلمين الأجانب في البلدان الإسلامية يستند إلى مفهوم الأمان ، ولكن إختلف الفقهاء في تطبيق هذه القاعدة على الموضوع . فبعضهم يرى ضرورة إحترام وجودهم وأموالهم وحقوقهم ، والبعض الآخر يرى أن التوسع في هذا المفهوم هو الذي جلب الويلات على العالم الإسلامي وفتح باب النفوذ الأجنبي على مصراعيه أمامهم .
في عام 1912 سئل الشيخ محمد رشيد رضا (1865 ـ 1935) عن (الشركات الأجنبية وأرباب الإمتيازات المعطاة لهم من الخليفة الأعظم ، هل هم معاهدون مستأمنون مصونو الحقوق ؟ أم يجوز هضم حقوقهم بدعوى أنهم دخلوا بلادنا وأخذوا الإمتيازات من حكومتنا قهراً ؟) ، فأجاب فضيلته :
(إن احترام الأجانب المعاهدين أو المستأمنين واحترام أموالهم وحرمة التعدي عليهم أو عليها من المسائل المجمع عليها بين المسلمين ، المعلومة من الدين بالضرورة ، فليست مما يُسأل عنه أو يُستفتى فيه لولا تأويل المضلين . وقد كتب إلينا هذا السائل الفاضل كتاباً خاصاً يعتذر فيه عن سؤاله هذا ويبين سببه ، وهو أن شيخاً من شيوخ الدجل ، معروفاً بمخادعة العامة ، واستمالتهم إليه بذم النصارى والتنفير منهم وتلفيق كتب الأوراد والصلوات والكرامات ، قد أفتى من يظنون أنه من أهل العلم والتقوى ، بأن أموال الأجانب الذين في بلادنا مباحة للمسلمين ، فيجوز لمن قدر على أكل مال شركة الترام أو سكة الحديد أو غيرهما من الشركات الأجنبية أو الأفراد أن يأكل ما استطاع أكله ، سواء كان مستخدماً فيها أو غير مستخدم . ويتأول الحكم الشرعي المجمع عليه بأن هؤلاء الأجانب معاهدون أو مستأمنون في الظاهر ، ولكنهم حربيون في الواقع لأنهم أخذوا الإمتيازات بهذه الشركات من حكومتنا بالجبر والإكراه ، لا بالرضا والإختيار . وهذا باطل التأويل ، ومحض الكذب وقول الزور . فالإمتيازات اخذت باختيار الدولة والسلطان الذي كان يقدسه مفتي الإباحة ويضلّل مطالبيه بالإصلاح أو يكفرهم ، والمعاهدات بين دولتنا ودول أصحاب هذه الشركات لا شك فيها ، وإلا كانوا محاربين ، ولا حرب بيننا وبين أحد منهم (إلا الإيطاليين الآن) ، والمصلحة في هذه المعاهدات لنا ظاهرة . وإذا نقض بعضهم شيئاً من شروط العهد فليس لأحد من أفراد الرعية أن يعده محارباً ويستحل ماله ودمه . وإنما ذلك حق السلطان وأولي الأمر ، ولولا ذلك لم يستقم نظام ، ولم تثبت مصلحة ، ولو كان شرعنا العادل يبيح مثل هذا لما وثقت دولة من دول الأرض بعهودنا وأماننا ، ولكانت معذورة في الإتحاد على استئصالنا) [171][2].
وينتقد عبد القادر عودة نظرية أبي حنيفة في سريان الشريعة الإسلامية على المكان [172][3] وعدم معاقبة الأجانب لأنهم مستأمنون فيقول :
(كان لرأيه في عدم سريان الشريعة على المستأمن أثر سيئ على البلاد الإسلامية ، لأن رأيه اتخذ أساساً وسنداً في منح الإمتيازات الأجنبية للمستأمنين ، أي من نسميهم اليوم بالأجانب . وكلنا يعلم مدى ما قاسته البلاد الإسلامية ، وما تزال تقاسيه من آثار هذه الإمتيازات التي منحت للأجانب وقت ضعفهم وقوة المسلمين ، لتشجعهم على دخول دار الإسلام ، وتؤمنهم على أنفسهم وأموالهم ، فأصبحت بعد ضعف المسلمين سبباً لإستغلال المسلمين ، وتضييع حقوقهم ، واستعلاء الأجانب عليهم) [173][4].
وفي عام 1996 أصدرت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية فتوى إثر الإنفجار الذي حدث في مدينة الخبر وذهب ضحيته عشرات من العسكريين الأميركيين في نهاية حزيران 1996 جاء فيها :
إن النفس المعصومة في حكم شريعة الإسلام ، هي كل مسلم ، وكل من بينه وبين المسلمين أمان كما قال تعالى (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيـماً).
وقال سبحانه في حق الذمي الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ (وإن يكن من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة). فإذا كان الذمي الذي له أمان ، إذا قُتل خطأً فيه الدية والكفارة ، فكيف إذا قتل عمداً ، فإن الجريمة تكون أعظم والإثم يكون أكبر . وقد صح عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : من قتل معاهداً لم ير رائحة الجنة .
فلا يجوز التعرض لمستأمن بأذى فضلاً عن قتله في مثل هذه الجريمة النكراء.وهذا وعيد شديد لمن قتل معاهداً ، وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة ، نعوذ بالله من الخذلان [174][5] .


ـ الولاء للحاكم غير المسلم
بعد احتلال القوات الأجنبية للبلدان الإسلامية ، أسست الدول الإستعمارية حكومات لإدارة البلاد ، وغالباً ما كان يرأس تلك الإدارات ، على الأقل في البداية ، عسكريون أو مدنيون غربيون ، لحكم البلاد المفتوحة . وكان أولئك الحكام يتولون جميع شؤون البلاد ، الداخلية والخارجية . وقد اختلفت مواقف الفقهاء والعلماء ،الخاضعين للإحتلال الأجنبي ، تجاه الحاكم غير المسلم ، وشرعية الولاء له وطاعته .
في العراق ، وخلال الحكم البريطاني المباشر (1914 ـ 1921) أبدى نقيب الأشراف ، الفقيه السني ، عبد الرحمن النقيب الكيلاني (1845 ـ 1927) ولاءه التام وطاعته الكاملة للحاكم البريطاني ، وسكرتيرته المسز بيل . Gertrude Bellفقد اعترف صراحة في أحد الأيام قائلاً للمسز بيل : �أنا لم أعمل شيئاً يخالف نصيحة أو رغبة السير برسي كوكس Percy Cox، الحاكم السياسي العام في العراق ، منذ مجيئه إلى العراق� [175][1]. وخاطبها مرة قائلاً : �خاتون ، إن أمتكم عظيمة وغنية وجبارة ، أما نحن فأين قوتنا ؟ إني أعترف بإنتصاركم ، أنتم الحاكمون وأنا المحكوم . وإذا سألت عن رأيي في استمرار الحكم البريطاني ، فإن جوابي هو أني خاضع للمنتصر� [176][2].
وبعد اضطرار الحكومة البريطانية إلى إجراء إستفتاء حول طبيعة الحكم الذي يرغب به العراقيون ، كان رأي عبد الرحمن الكيلاني متفقاً مع الضباط الإنجليز تماماً . فقد عارض الإستفتاء واصفاً إياه بأنه حماقة ومنع أفراد عائلته من المشاركة فيه . ورفض كلياً قيام حكومة عربية برئاسة شخص مسلم ، وفضل الحاكم الإنجليزي المسيحي عليه ، فقد قال :
(إن برسي كوكس لو كان موجوداً في العراق ، لما كانت هناك حاجة إلى استفتاء الناس عن رأيهم في مستقبل البلاد). ويخاطب مسز بيل مطالباً بعودة كوكس إلى العراق قائلاً : خاتون ، هناك ألف ومائة رجل في إنجلترا بوسعهم أن يشغلوا منصب السفارة البريطانية في إيران ، لكنه ليس يليق للعراق سوى السير برسي كوكس . فهو معروف ومحبوب وموضع ثقة أهالي العراق ، كما أنه رجل حنكته السنون . أضف إلى ذلك أنه رجل ذو اعتبار كبير في لندن ، وسيكون محامينا المتكلم بإسمنا . فإذا أرادت الحكومة هناك أن تعرف أفكارنا ، سيكون بوسعه تزويدها بالمعلومات الضرورية وستكون كلمته مقبولة) [177][3].
فالشيخ الكيلاني متمسك بالحاكم غير المسلم ، راغباً بحكمه ، مبيناً فضائله ، وكأن بلداً إسلامياً مثل العراق يعجز أن يجد من بين أبنائه المسلمين شخصاً يصلح لتولي الحكم فيه . كما أنه ـ أي الكيلاني ـ نفسه قد رأس أول وزارة عراقية ، فكيف إعتقد بعدم وجود شخص مسلم مناسب لهذا المنصب . أما أن كوكس محبوب وموضع ثقة أهالي العراق ، فهذا ما يعبر به الكيلاني عن نفسه ، وعن مشاعره ، وموقفه الشخصي .
لقد أصر على بقاء الحكم الأجنبي المباشر للعراق ، في وقت كان الشعب العراقي وعلماؤه وسياسيوه يرفضون تعيين غير المسلم . فقد أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى يرفض فيها الحاكم غير المسلم ، إذ جاء فيها :
(ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين) [178][4].
وقد قدم الكيلاني خدمات كبيرة للبريطانيين في العراق فهو الذي (فتح الطريق أمام الخنوع) [179][5] (وكان السيد الأول الذي أعار نفسه لتكتيك التوازن الذي أراده الإنجليز ، والذي وظف نفوذه بقوة إلى جانبهم منذ فتحهم للبلاد) [180][6] ، وقدمت وزارته خدمة في المصادقة على المعاهدة الأنجلو ـ عراقية التي ترسخ النفوذ البريطاني في العراق بشكل قانوني .
إنه من الغريب أن يجرؤ أحد المشايخ المسلمين في التعبير عن ولائه وطاعته للحاكم الأجنبي مثلما فعل الكيلاني . وقد حاول تبرير هذا الموقف الشاذ من عالم دين قضى ثمانين عاماً كواحد من أكبر مشايخ بغداد. ولم يكن تبريره مستنداً على قاعدة فقهية أو أصولية أو آية قرآنية أو حديث شريف من السنة ، بل أن تبريره سياسي بحت لا علاقة له بالشريعة الإسلامية التي يفترض أنه تابع ومطيع لها . فقد طلب بعضهم منه أن يعدل عن رأيه ويتخذ موقفاً منسجماً مع رأي العراقيين ، لكنه قال :
(الكثيرون من الناس جاؤوا إلي طالبين مشورتي ، وملحين علي بقبول وجهة نظرهم . فأجبتهم ، أن الإنجليز فتحوا هذه البلاد وبذلوا ثروتهم من أجلها كما أراقوا دماءهم في تربتها ، حيث أن دماء الإنجليز والاستراليين والكنديين ومسلمي الهند وعبدة الأصنام قد خضبت تراب العراق . ولذلك فلا بد لهم من التمتع بما فازوا به . إن الفاتحين الآخرين فتحوا البلاد وتنعموا بها . وكما وقعت البلاد (العراق) بيدهم ، كذلك وقعت بأيدي الإنجليز ، وسوف يوطدون حكمهم فيها) [181][7].
ويقصد الكيلاني بالفاتحين الآخرين الدولة العثمانية ، فهو لا يجد فرقاً بين العثمانيين المسلمين وبين الإنجليز المسيحيين . فالكل برأيه فاتح للبلاد ومن حقه التمتع بما فاز به ، هكذا .
ولم يقتصر هذا الوضع على العراق فقط ، بل أن هناك دولاً إسلامية أخرى أعلن فيها علماؤها ولاءهم للحاكم غير المسلم . ففي بداية الحرب العالمية الأولى ، وفي 7 تشرين الثاني 1914 أصدر خيري أفندي شيخ الإسلام فتوى ذكر فيها أن الجهاد فرض عين على جميع المسلمين سواء منهم الذين يعيشون في البلاد العثمانية أو البلاد التي تحكمها بريطانيا وفرنسا وروسيا وصربيا . وأن عليهم جميعاً أن يتحدوا لمقاومة هذه الدول عدوة الإسلام ، وأن يحاربوها ، ويمتنعوا عن مساعدتها في هجومها على الدولة العثمانية أو على الدول المتحالفة معها وهي ألمانيا والنمسا والمجر [182][8] . وكانت الدولة العثمانية تتوقع إستجابة قوية بين المسلمين ، وأن ينهضوا ضد أعدائها ، ولكن كان الفشل حليف الفتوى رغم الجهود التي بذلت في ذلك ، وترجمتها إلى مختلف اللغات [183][9] . ففي الحجاز كان الشريف الحسين بن علي (1853 ـ 1931) على خلاف مع إسطنبول ، وبدأ أولاده بالإتصال بالإنجليز قبل بدء الحرب . وقد أرسل الأتراك إليه يطلبون منه تأييد الدعوة ، فأجابهم قائلاً : إنه يؤيد الدعوة من صميم قلبه ، وهو يضرع إلى الله أن يكللها بالنجاح ، ولكنه يخشى أن يشارك في الجهاد فينتقم الإنجليز منه ، بقصف موانئه وقطع المواد الغذائية عن الحجاز فتنشأ مجاعة فيه فتثور القبائل [184][10].
وردت الدول الإستعمارية على الفتوى العثمانية والدعاية الألمانية بأن دفعت العلماء إلى تأييد موقف هذه الدول تأييداً علنياً . ففي الجزائر أصدر شيوخ الطرق والمفتون بيانات تدين حماقة الأتراك في إعلان الجهاد ، وتحث المسلمين الجزائريين على البقاء موالين للسلطات الشرعية التي تحكمهم . وصدرت في مصر والهند فتاوى مؤداها أن طاعة الإنجليز فريضة شرعية [185][11] .
وأجمع علماء شمال الهند بأنه ، إستناداً على الإفتراض الضمني بأن الهند تحت حكم البريطانيين هي دار حرب ، فالجهاد ضد البريطانيين غير شرعي ، فقد ورد في إحدى الفتاوى أنه :
(يتمتع المسلمون بحماية المسيحيين ، فلا جهاد في بلد تتوفر فيه الحماية ، إذ أن فقدان الحماية والحرية بين المسلمين والكفار أمر ضروري للحرب التي يقرها الدين ، ولا يتحقق هذا الشرط هنا . ثم انه من الضروري أن يقوم إحتمال بتحقق النصر للمسلمين ، وتحقق المجد للهنود . فإذا لم يقم مثل هذا الإحتمال كان الجهاد غير شرعي) [186][12].
ولم يكن جميع علماء الإسلام موالين للسلطات الأجنبية والحكام غير المسلمين ، فقد شهدت ثورات وحركات جهاد متواصل . ففي ليبيا أصدر السيد أحمد الشريف (1973 ـ 1933) وهو حفيد مؤسس الطريقة السنوسية ، بياناً بالجهاد نشر في صحيفة مصرية في كانون الثاني 1912 ، وهو موجه إلى (كل المسلمين وبخاصة في البلاد التي احتلها أعداء الدين) . وقد جاء فيه :
إن ترك الجهاد خروج عن الدين ، إذ لا يرجع إلى الشيء إلا من خرج عنه، هذا في الجهاد الكفائي ، فكيف بالجهاد الذي تعين بمفاجأة العدو . وإذا كان القاعد عنه خارجاً عن الدين ، فكيف بمن يبايع الكفار بحطام على قتال المسلمين وكتابة نفسه في جندهم [187][13] . وفي عام 1914 نشر السيد أحمد الشريف مؤلفاً عن الجهاد ، أنحى باللائمة فيه على المتعاونين مع قوات الإحتلال الإيطالي واعتبرهم مرتدين عن الدين . فقال عنهم بأنهم (خضعوا للعدو وباعوا دينهم من أجل عرض الدنيا الزائل . وأصبحوا يداً للعدو يعينونه عليكم ، ويظهرون له الطريق التي تمكنه من الإستيلاء على أرض إخوتهم في الدين ... وما من ريب في كفر أولئك الذين يكونون عوناً للكفار على المؤمنين والذين يقاتلون المؤمنين ، ولا في ردتهم عن الدين . فأي كفر أسوأ من هذا الكفر وأضل سبيلاً ؟ وإذا لم يكن هؤلاء مرتدين فمن يكون المرتدون) [188][14].
وفي الجزائر رفع الأمير عبد القادر الجزائري (1808 ـ 1883) راية الجهاد ضد الإحتلال الفرنسي ، رافضاً الإعتراف بوجودهم وشرعية حكمهم للبلاد . وراسل الفقهاء في مصر والمغرب طالباً منهم تحديد وضع المتعاونين مع قوات الإحتلال ، إذ يقول في سؤال وجهه إلى قاضي قضاة فاس الشيخ عبدالهادي العلوي الحسني جاء فيه : (فما حكم الله في الذين دخلوا في طاعة العدو الكافر بإختيارهم ، وتولوه ونصروه . يقاتلون المسلمين معه ، ويأخذون مرتبه ، كأفراد جنوده ؟ ومن ظهرت شجاعته في قتالهم المسلمين ، يجعلون له علامة في صدره ، يسمونها (لنور) عليها صورة ملكهم . هل هم مرتدون ؟ أم لا ؟ وإن قلت بردتهم فهل يُستتابون أم لا ؟) [189][15].
وفي السودان ، كان المهدي السوداني ، محمد أحمد (1844 ـ 1885) يعتبر منكر مهديته كافراً ، إذ يقول في رسالة رداً على رسالة القائد المصري يوسف حسن الشلالي يطلب منه فيها أن يستسلم ، ويتهمه بأنه قتل إخوانه المسلمين على غير ما يقضي به الشرع ، جاء فيها :
(وقولكم أنا قتلنا جملة من المسلمين المتوطنين بهذا المكان ظلماً وعدواناً باطل أيضاً ، لأنا ما قتلنا إلا أهل الردة بعد أن كذبونا وحاربونا . وقد أخبَرَنا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخبر جميع أهل الكشف بأن من شك في مهديتنا ، وأنكر وخالف فهو كافر ، ودمه هدر ، وماله غنيمة ... على أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا صريحاً بقتال الترك وأخبرنا بأنهم كفار لمخالفتهم لأمر الرسول بإتباعنا ، وإرادتهم لإطفاء نور الله الذي أراد به إظهار عدله ..) [190][16].
وكان المهدي السوداني يقول بأنه يشاهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويتلقى منه تعليماته ، ففي رسائله التي بعثها إلى زعماء القبائل يقول (هذا وقد أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأن من شك في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله . كررها صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على المهدية الخ... فقد أخبرني به سيد الوجود(صلى الله عليه وآله وسلم) يقظة في حال الصحة ، وأنا خال من الموانع الشرعية ، لا بنوم ولا جذام ولا سكر ولا جنون ، بل متصف بصفات العقل أقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر فيما أمر به والنهي عما نهى عنه) [191][17]. وكان المهدي السوداني ينتقد أولئك الذين يوالون الكفار ويعينوهم ، فقد كتب إلى خديوي مصر يقول له : وما كان يحسن منك أن تتخذ الكافرين أولياء من دون الله ، وتستعين بهم على سفك دماء امة محمد صلى الله عليه وسلم ... وإياك والركون إلى أقوال علماء السوء الذين أسكرهم حب الجاه والمال حتى اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فيهلكوك كما أهلكوا من قبلك) [192][18] .
يجب أن لا ننسى أنه في كل بلد إسلامي وفي كل عصر ، هناك من العلماء من يبدي استعداده للتعاون مع الحكومات الإستعمارية وإدارات الإحتلال . وقد قدموا خدمات كثيرة ، من دعم مواقف الحاكم الأجنبي أثناء الأزمات إلى التبرير الشرعي لوجودهم واحتلالهم . ولا ننسى أيضاً بأن الفقهاء والعلماء هم الذين قادوا حركة الجهاد ضد الإستعمار .


يتبع0000 الوضع الشرعي للأراضي الإسلامية


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 16صفر1429هـ, 04:42 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
الوضع الشرعي للأراضي الإسلامية
أثار الإحتلال الغربي للأراضي الإسلامية مناقشات حول وضعية البلد المسلم من الناحية الشرعية ، أي هل يبقى دار إسلام أم يتحول إلى دار حرب ؟ إن تحديد ذلك يعتمد على المذهب الإسلامي ، ونظرة الفقيه أو المفتي للأحداث ، وعلاقته بسلطات الإحتلال ، وكذلك بشعبه ، وبطبيعة الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية للبلاد . ولذلك اختلفت آراؤهم ومواقفهم تجاه هذه المسألة [193][1].
تاريخياً ، هناك بعض الأمثلة على تحول أرض إسلامية من دار الإسلام إلى دار الحرب أو دار الكفر .فالمسلمون في صقلية أصبحوا تحت حكم الكفار عام 1071 وفي إسبانيا تحت الحكم المسيحي عام 1492م . ووقعت بلدان إسلامية عريقة تحت الحكم المغولي بعد هجوم هولاكو على بغداد عام 1258م ، حتى أن الفقهاء في بغداد أصدروا فتوى جاء فيها (أن الكافر العادل خير من المسلم الظالم) .
وتحولت البوسنة في نهاية القرن التاسع عشر إلى دار حرب بعد وقوعها تحت حكم إمبراطورية النمسا والمجر . ولكن المفتي البوسني أزاباجك Azapagic كان يقول : أن دار الحرب تصبح دار إسلام إذا كانت تقام فيها الشعائر الإسلامية كصلاة الجمعة وصلاة العيد [194][2] . وفي عام 1905 سئل الشيخ محمد رشيد رضا حول روسيا ، وهل تعتبر دار حرب فأجاب :
(قد اختلفت عبارات الفقهاء والمحدثين في تعريف دار الحرب ودار الإسلام ، فلا جرم أن الذين يأخذون العلم من الألفاظ يختلفون في تطبيق تلك الأقوال على كل دار وكل مملكة ، فيمكن أن يقال أن بعض البلاد التي لا يوجد فيها مسلم أصلي ، ولا حكم فيها للإسلام أنها دار إسلام بناء على قول بعضهم أن دار الإسلام هي ما يمكن للمسلم إظهار دينه فيها ، ولا يخاف فتنة في دينه ، فأكثر بلاد أوربا وأمريكا كذلك ، ولكنها ليست دار إسلام . وأن كثيراً من البلاد التي حكامها مسلمون يفتن المرء فيها عن دينه فلا يقدر على إظهار جميع ما يعتقد ، ولا أن يعمل بكل ما يجب عليه ، لاسيما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتقاد الأحكام المخالفة للشرع ، فهي على قول بعضهم دار حرب .
والذي يؤخذ من مجموع الأقوال التي يعتد بها أن العبرة هنا بظهور الكلمة ونفوذ الحكم ، فإذا كانت الأحكام لأهل الإسلام لا معارض لهم في تنفيذ شريعتهم وإظهار دينهم ، وكان غيرهم آمناً في سربه بتأمينهم ، حراً في دينه بسلطتهم وحمايتهم ، فالدار التي هذا شأنها دار إسلام ، وإلا فهي دار كفر وحرب . وأما الروسيون فهم أهل كتاب ، وإن شابت عقائدهم الوثنية وأعمال الشرك لأنهم يؤمنون بالله وبالوحي والأنبياء واليوم الآخر) [195][3].
هذا قبل الثورة البلشفية عام 1917 وهيمنة الحكم الشيوعي على الإتحاد السوفياتي الذي ضم بضعة جمهوريات إسلامية ، فيمكن إعتبارها دار كفر للفترة 1917 ـ 1990 . والأمر ينطبق على فلسطين المغتصبة من قبل اليهود منذ عام 1948.
وفي الهند إزداد الجدل بين العلماء حول وضعيتها الشرعية ، فبعضهم إعتبرها دار حرب ، والبعض الآخر عدها دار إسلام رغم وقوعها تحت الحكم البريطاني المباشر . وأصدر شاه عبدالعزيز (1746 ـ 1824) ، وهو ابن شاه ولي الله المصلح والفقيه الذائع الصيت ، فتوى عام 1803 أعلن فيها أن الهند دار حرب ، وجاء في الفتوى ما يلي :
(السؤال : هل تعتبر الهند دار إسلام أم دار حرب؟
الجواب : في الكتب المعول عليها ، يؤثر الرأي القائل بأن دار الإسلام تصبح دار حرب في حالات ثلاث . فقد جاء في (الدر المختار) أن دار الإسلام لا تصبح دار حرب إلا بثلاثة أمور : 1) إجراء أحكام المشركين 2) مجاورة دار الحرب 3) أن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمناً بالأمان الأول .
وتصبح دار الحرب دار إسلام بإجراء أحكام المسلمين . وقد جاء في (الكافي) أن دار الإسلام هي الإقليم الذي يحكم فيه إمام المسلمين ، ويخضع له هذا الإقليم . وأن دار الحرب هي الإقليم الذي تنفذ فيه أحكام حاكمه ، ويخضع له .
وفي هذه البلاد (دلهي) لا يحكم إمام المسلمين إطلاقاً ، بينما تسود فيها سلطة الحكام النصارى دون حرج . ونعني بإجراء أحكام الكفر أن الكفار في وسعهم أن يعملوا بسلطانهم في الحكم ، وفي التعامل مع الرعية ، وفي جمع ضرائب الأرض والرسوم والمكوس والعشور الدموغ ، وفي عقاب قطاع الطرق واللصوصية ، وفي تسوية النزاعات وعقاب المجرمين . ومع ذلك فإن بعض أحكام الإسلام التي تتعلق بصلاة الجمعة والأعياد ، والأذان ، وذبح البقر ما زالت نافذة . إلا أن ذلك يرجع إلى أن جوهر هذه الأمور لا قيمة له عندهم ، إذ أنهم يهدمون المساجد دون تورع ، ولا يستطيع المسلمون والذميون أن يدخلوا هذه البلد أو ضواحيها إلا أن يطلبوا منهم الأمان . وإنما لمصلحتهم هم ، أنهم لا يعرقلون مرور المسافرين والتجار . ولكن الأعيان أمثال (شجاع الملك) و(ولايتي بيجام) لا يستطيعون دخول هذه المناطق دون إذن منهم . ويمتد حكم النصارى من هذه البلد إلى كلكتا . ومن المسلم به أنهم لم يمدوا سلطانهم إلى اليسار أو إلى اليمين ، في حيدرآباد ، لكنهو ورامبور ، ولكن ذلك يرجع إلى عقد معاهدات سلام مع حكام هذه الأراضي الذين يدينون بالطاعة لهم . ونحن ننتهي إلى هذه الفتوى بمقتضى المأثورات ودرس سير الصحابة والخلفاء العظام) [196][4].
وبقي الجدل قائماً حول هذا الأمر قرناً كاملاً ، تجري إثارته في الأزمات وتفجر الأوضاع الداخلية بين خصوم البريطانيين وأنصارهم . إذ أن كل فريق يحاول دعم موقفه من خلال توظيف الجانب الديني في المعركة . ففي نهاية القرن التاسع عشر وجه فريق من الهنود المسلمين سؤالاً إلى المفتي الحنفي في مكة جاء فيه : هل الهند دار إسلام ؟ فأجابهم بالفتوى التالية :
(الحمد لله رب العالمين ، بارئ الخلق أجمعين . ربي زدني علماً . طالما أن بعض الشعائر الإسلامية تقام فيها ، فهي دار إسلام ، والله العالم . هذه الفتوى صدرت ممن يأمل رحمة الله . والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله . (التوقيع) جمال بن عبدالله شيخ عمر الحنفي
المفتي الحالي في مكة المكرمة رحمة الله عليه وعلى والده) [197][5].
وكانت هذه الفتوى تؤيد مواقف بعض الحركات والشخصيات الإسلامية التي آثرت التقاعس والرضا بالإستعمار الأجنبي ، فأخذت تدعم مواقفها بحجج شرعية . فالجمعية الأدبية في كلكتا أعلنت على لسان مولاي كرامت علي أن الهند دار إسلام ورأت بمقتضى هذه الحجة أن الجهاد ضد الدولة الإستعمارية غير مباح . إذ يقول :
(والمسألة الثانية هي هل من الشرعي أن يقوم الجهاد في هذه البلاد أو لا يقوم ، وقد أجيب على هذه المسألة مع إجابة المسألة الأولى ، ذلك أن الجهاد لا يمكن ان يقوم شرعاً بأي حال من الاحوال في دار إسلام . وذلك من الوضوح بما لا يحتاج معه الأمر إلى بيان أو إلى إسناد من المراجع . فإذا خاض أي امرئ حرباً ضد الحكام في هذه البلاد ، الهند البريطانية ، فإن هذه الحرب يجب أن تعتبر عن حق فتنة ، والفتنة محظورة حظراً صارماً بمقتضى الشريعة المحمدية . وعلى ذلك فإن مثل هذه الحرب غير مشروعة . وإذا خاضها أي امرئ فعلى الرعايا المحمديين أن يمدوا يد العون إلى حكامهم ، وأن يقاتلوا مع حكامهم أصحاب هذه الفتنة) [198][6].
وفيما كان أصحاب هذا الرأي يدعون إلى الوقوف إلى جانب قوى الإحتلال وقتال إخوانهم المسلمين لأنهم (أصحاب فتنة) ، كانت الحركات الإسلامية التي تخوض الجهاد ضد البريطانيين تؤكد على أن الهند دار حرب . وكانت أهم هذه الحركات المعارضة هي (الطريقة المحمدية) بقيادة سيد أحمد ريلوي (1786 ـ 1831) تؤيدها تأييداً كبيراً شخصيتان من الفقهاء من أبناء عائلة شاه ولي الله هما : شاه إسماعيل (1779 ـ 1831) وشاه عبد الحي (ت 1828) . وكانت الحركة تمتاز بالتنظيم المحكم سياسياً وإجتماعياً ، وتسعى إلى تحرير البلاد من الكفار . وقد إعتبر شاه إسماعيل الأراضي الواقعة تحت الإحتلال البريطاني دار حرب ، بينما الأراضي التي تحت سيطرة الحركة فهي دار إسلام . وكانت الحركة تسيطر على المناطق البعيدة عن المركز ، في منطقة الحدود الشمالية الغربية قرب الحدود الأفغانية .
وكانت هناك حركة أخرى هي (حركة الفرائضية) التي أسسها عام 1804 حاجي شريعت الله (1781 ـ 1840) ، تعتقد أيضاً بأن الهند تحت الحكم البريطاني هي دار حرب . ولذلك كانت الحركة تمنع إقامة صلاة الجمعة وصلاة العيد ، ومع ذلك لم يعلنوا الجهاد ضد البريطانيين [199][7] .
إن أغلبية المسلمين في الهند هم على المذهب الحنفي . والمذهب الحنفي يقول بأن دار الإسلام تصبح دار حرب إذا فتحت من قبل الكفار ، وفرضت فيها قوانين الكفار ، وكانت مجاورة لدار الحرب ، ولا يؤمن فيها على حياة وأموال المسلمين والذميين . إذن فحسب المذهب الحنفي ، فالبلد الإسلامي المحتل من قبل الكفار يمكن أن يبقى دار إسلام طالما سمح الحكام بإجراء الأحكام الإسلامية وعينوا قاضياً مسلماً ، وطالما شعر المسلمون والذميون بالأمن كما لو أنهم تحت الحكم الإسلامي . إن العوامل المؤثرة في تحديد طبيعة البلد الشرعية ، أي أنه دار إسلام أم دار حرب ، هما سيادة المسلمين وتطبيق الشريعة الإسلامية . فإذا لم يكونا موجودين ، فالبلد المسلم المحتل من قبل الكفار هو دار حرب [200][8] .
وظهر رأي ثالث في الهند يرى أن كلا الوصفين يمكن أن يطلقا على وضعها الشرعي . فقد كان سيد أحمد خان (1817 ـ 1898) المصلح الشهير يرى أن الجهاد غير مباح إلا في حالة القهر الصريح أو الحيلولة دون المسلمين وممارسة شعائر دينهم ، مما يضر بأسس بعض أركان الإسلام . ولما كان البريطانيون يكفلون الحرية الدينية فليس هناك من الشروط ما يبرر الجهاد ضدهم . أما فيما يتعلق بمسألة ما إذا كانت الهند داراً للإسلام أم داراً للحرب فيرى أن من الأوفق أن تسمى بدار الأمان ، إذ يقول :
(وعلى ذلك فإنه من الواضح أن حكومة الكفار التي يتمتع فيها المحمديون بكل صنوف السلم والأمن ويمارسون فرائضهم الدينية بكامل الحرية ، وترتبط بحكومة محمدية (إسلامية) بمقتضى معاهدة ، ليست بدار للإسلام ، لأنها حكومة غير محمدية (إسلامية) ولكننا مع ذلك نستطيع أن نسميها دار إسلام فيما يتعلق بالمسلم والحرية الدينية التي يتمتع بها المسلمون في حمايتها . ولا هي دار حرب لأن المعاهدة القائمة بينها وبين الحكومة الإسلامية تجعل الجهاد ضدها غير شرعي . ويمكن أن تدعى دار حرب لأنها ليست حكومة محمدية . إن وضع الهند هو على وجه الدقة على ما وصفناه في هاتين العبارتين .
فدار الحرب لا يمكن أن تعني بلداً لا يمكن أن تقوم فيه الحرب شرعاً دفاعاً عن الدين ... التسمية الصحيحة إذن تحت هذه الشروط هي (دار الأمان) حيث يستطيع المسلم أن يقيم شرعاً بإعتباره مستأمناً أو طالباً للأمان) [201][9].
إن سيد أحمد خان يفترض وجود معاهدة بين الحكومة البريطانية والمسلمين الهنود ، في حين دخلت الجيوش البريطانية الهند واحتلتها عسكرياً . كما أن بريطانيا كانت تحكم الهند حكماً مباشراً حتى إعلان إستقلال الهند عام 1949 ، حيث غادرها اللورد مونتباتن آخر حاكم بريطاني .
وتعرضت أقاليم إسلامية أخرى إلى نفس الجدل حول بقائها دار إسلام أم تحولها إلى دار حرب . فقد ذكرنا من قبل فتوى الشيخ محمد رشيد رضا بصدد الإمبراطورية الروسية التي هيمنت على أقاليم إسلامية واسعة ضمت عشرات الملايين من المسلمين . وفي الجزائر أعلن فقهاء المذهب المالكي بأنه لا خلاف في أن الجزائر أصبحت دار حرب بعد الإحتلال الفرنسي عام 1831 .
4 ـ الهجرة من دار الحرب
نتيجة للفكرة القائلة بتحول دار الإسلام إلى دار حرب إثر احتلالها من قبل الكفار ، نشأت قضية أخرى هي هل يجب البقاء في دار الحرب أم الهجرة إلى دار الإسلام ؟ تضمنت هذه المسألة خلافاً فقهياً بين العلماء المسلمين ، على مر العصور . يرى بعض الفقهاء أمثال مالك (93 ـ 179هـ/712 ـ 795م) والشافعي (150 ـ 198هـ/ 767 ـ 814م) وأحمد والشيعة أن المسلم الذي يسكن دار الحرب ، ولم يهاجر إلى دار الإسلام يعصم بإسلامه دمه وماله ، أي لا أحد يعتدي على نفسه أو ماله ، حتى لو بقي في دار الحرب ، ومهما طالت إقامته . أما أبو حنيفة فيرى أن المسلم المقيم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام غير معصوم بمجرد إسلامه ، لأن العصمة عند أبي حنيفة ليست بالإسلام وحده ، وإنما يعصم المسلم عنده بعصمة الدار ومنعة الإسلام المستمدة من قوة المسلمين وجماعتهم . والمسلم في دار الحرب لا منعة له ولا قوة فلا عصمة له [202][1] . إن الشافعي يقول بأن دار الإسلام توجد حيث يوجد المسلم القادر على أداء شعائره الدينية .
هناك حالات كثيرة كان فيها المسلمون يقيمون في دار الحرب ، فالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه الأوائل كانوا ، قبل الهجرة إلى المدينة ، يقيمون في مكة وهي دار حرب لأن الكفار يحكمونها ، وكان المسلمون يتعرضون للأذى بسبب إيمانهم ، ولا يستطيعون ممارسة عباداتهم . وكانت الأقلية المسلمة ، حوالي 80 فرداً ، التي هاجرت إلى الحبشة ، هي أول أقلية إسلامية تعيش في ظل حكم مسيحي . وهي تجربة بحاجة إلى دراسة عميقة بهدف التوصل إلى حلول واقعية فيما يتعلق بالإقامة في البلدان غير الإسلامية .
وكان مسلمو الأندلس قد تعرضوا لوضعية تحول أرضهم من دار الإسلام إلى دار الحرب . فقد بدأت القوات المسيحية بحملات متواصلة من الشمال ، وأخذت تتقدم تدريجياً ولكن ببطء . وكانت المدن الإسلامية تسقط واحدة تلو الأخرى ، حيث تمت السيطرة على أقاليم إسلامية واسعة ، تضم أعداداً غفيرة من المسلمين . واستغرقت إستعادة الأندلس من المسلمين أكثر من قرن ، حتى انتهت بسقوط غرناطة عام 1492 م آخر القلاع الإسلامية ، وإضطرار أهلها إلى الهجرة . وخلال هذه الفترة تعرض المسلمون إلى ضغوط قوية حتى ارتد بعضهم عن الإسلام وسمي القسم الآخر بالمدجنين ، وهم مسلمون بقوا تحت حكم الإسبان ، محافظين على إسلامهم مع أنهم محكومون بأحكام غير إسلامية . وقد أجبر الاسبان هؤلاء المسلمين على المشاركة في حروبهم ومعاركهم ضد المسلمين وضم أراضيهم تحت الحكم الاسباني .
في تلك الفترة ، أي قبل سقوط غرناطة ، أصدر الفقيه الأندلسي إبن ربيع (ت 719هـ/ 1320م) فتوى بشأن الإقامة في الأراضي التي وقعت تحت سيطرة الحكم الاسباني المسيحي ، جاء فيها :
(لا يجوز الإقامة مع الكفار . في الواقع لا يمكن للمسلم أداء الفرائض الإسلامية بصورة شرعية تحت حكم مسيحي) [203][2].
وفي نهاية القرن الخامس عشر حدث جدل بين المسلمين المهاجرين من إسبانيا بعد سقوط غرناطة عام 1492م ، حول شرعية مغادرة دار هجرتهم أي المغرب والعودة إلى الأندلس تحت ظل الحكم المسيحي . وكانت ظروفهم الصعبة في المغرب قد دعتهم للتفكير في العودة ، وفور وصولهم المغرب . ولم يكن الإسبان آنذاك قد نكثوا بالمعاهدة التي عقدها معهم المسلمون قبل تسليم غرناطة إليهم . وتضمنت المعاهدة 67 شرطاً تمنح المسلمين حقوقاً كثيرة منها ممارسة حريتهم الدينية والمحافظة على أموالهم وممتلكاتهم ومساجدهم وأوقافهم . وقد انتهكوا المعاهدة بعد سبع سنوات على توقيعها أي عام 1501م . وسئل الفقيه المغربي الونشريسي الذي كتب رسالة بعنوان (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر) ، منع فيها منعاً باتاً الإقامة في دار الكفر بسبب الحرب القائمة بين المسلمين وأعدائهم الإسبان . بدأ الونشريسي فتواه :
(الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة . ومثل الهجرة من أرض الكفر الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة ... ولا تسقط الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إلا في صورة العجز المطلق . ولا يعوق المال والوطن عن الهجرة ، لأن الشارع قد ألغى ذلك . والدليل على ذلك قوله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) . فالإستضعاف المقبول هو المصور في هذه الآية . أما غيره فلا يقبل بدليل وصف المعتذرين الذين لهم مندوحة بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ، وهم الذين قالوا إنا كنا مستضعفين كما قال تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً) (النساء: 97) ... فاتضح مما نطق به القرآن أن الإقامة بدار الكفر محرمة والهجرة واجبة إذا كان هناك وجه للفرار بالدين ) [204][3].
وأصبحت قضية الهجرة واحدة من القضايا الهامة في القرن التاسع عشر ، إذ يتقرر بموجبها بقاء المسلمين في بلدانهم أو مغادرتها بعد احتلال القوات الغربية لها . ففي الهند كانت (الطريقة المحمدية) تخوض جهاداً ضد الإحتلال البريطاني منذ عام 1824م ، فكانت تدعو الناس للهجرة إلى المناطق المحررة الواقعة تحت سيطرتها . فأصبح مفهوم الهجرة الإسلامية يحتل أهمية خاصة في نشاطها الديني والسياسي والعسكري ، إذ كانت ترغب بالمزيد من الأنصار القادرين على حمل السلاح ومواصلة الجهاد .
وفي الجزائر كانت مسألة الهجرة مثار جدل وخلاف بين العلماء الجزائريين . فقد كان الأمير عبد القادر الجزائري (1808 ـ 1883) يخوض حروباً مستمرة منذ عام 1837 ضد الإحتلال الفرنسي . وكان عبد القادر الجزائري قد تمكن من بسط سيطرته على المناطق الشرقية من الجزائر . وكان بحاجة مستمرة إلى الأنصار ، كما كان يرغب بتفريغ المناطق الواقعة تحت السيطرة الفرنسية من سكانها ، مما يدعم وضعه السياسي والعسكري . وكان العلماء الذين ظلوا تحت السيطرة الفرنسية يعارضون الهجرة والقائلين بها . إذ كانوا ينتمون إلى المذهب الحنفي الذي كانت تدين به الطبقة التركية الحاكمة ، وهو المذهب الذي لا يرى الهجرة ضرورية إلا في حالات القهر الديني البالغ القسوة [205][4] . فأراد عبد القادر الجزائري تدعيم موقفه ، فلجأ إلى الفقيه المصري الشيخ محمد عليش (1802 ـ 1882) يسأله عن وضعية المسلمين إذا هاجم الكفار إقليمهم ، فبقي بعضهم تحت سلطة الكفار يدفعون ما يشبه الجزية ، وهناك من العلماء من هاجر ويقول أن الهجرة واجبة ، وأفتى بأن من بقي تحت الكافر مع قدرته على الهجرة يباح دمه وماله وتسبى ذراريه . فأجابه الشيخ عليش بفتوى طويلة أورد فيها نصوصاً ضافية من الفتاوى القديمة بشأن تقهقر المسلمين من صقلية وإسبانيا ، وأثبت فيها أن الهجرة ملزمة [206][5] . أحدثت فتوى الشيخ عليش تأثيراً كبيراً في تدفق المهاجرين على معسكر الجزائري ، ساعدها الممارسات الوحشية للإدارة الفرنسية في المدن المحتلة ، وتدفق المستوطنين الفرنسيين ، والسعي إلى طمس الهوية العربية الإسلامية للسكان . وقد حدثت عدة ثورات جرى قمعها بوحشية . ودفعت الأزمات الإقتصادية ومناخ القهر السياسي والثقافي كثيراً من المسلمين إلى الإستجابة لأمر الإسلام بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، حتى بعد فشل ثورة عبدالقادر ورحيله إلى منفاه في سوريا . فقد غادرت أعداد كثيرة من الجزائريين بلدهم إلى بلدان إسلامية أخرى مثل سوريا ومصر وتونس والمغرب .
وعندما حلت المجاعة في 1893 بالمنطقة المحيطة بقسطنطينة كان عدد المهاجرين مدعاة لقلق الحكام المستعمرين في الجزائر، وحدوث نقص في الأيدي العاملة في المصانع والمزارع . وكانوا يرون أن هذه الهجرة مجرد نتيجة للدعاية العثمانية التي تدعو للجامعة الإسلامية ، ومن ثم فقد ردوا على ذلك بمحاولة الحصول على فتاوى في صالحهم للرد على المعارضة الدينية ضدهم ، والرد عليهم بنفس سلاحهم ، الفتوى . ولذلك بادر �جول كامبو Cambonالحاكم الفرنسي العام في الجزائر إلى مخاطبة الفقهاء في مكة ، وطلب منهم إصدار فتوى بشأن موقف المسلمين المقيمين في الأراضي التي يفتحها الكفار ، والذين يحكمونهم مع ذلك دون أن يحولوا دونهم وممارسة شعائرهم الدينية ، ويعينوا منهم قضاة ينفذون أحكام الشريعة فيهم ، ويدفعون لهم راتباً منتظماً . ويمضي السؤال بعد ذلك إلى ما هو واجب هؤلاء المسلمين في الأحوال التالية :
1 ـ أتفرض عليهم الهجرة أم لا ؟
2 ـ أيفرض عليهم قتال الكفار لإستعادة الحكم ، حتى لو لم يكونوا على اقتناع بأن لديهم من القوة ما يكفل لهم ذلك ؟
3 ـ وهل المنطقة التي يعيش فيها هؤلاء المسلمون دار حرب أم دار إسلام ؟
رد المفتي الحنفي على السؤال الأول والثالث فقط ، وسكت عن الرد عن مسألة فرض الجهاد على المسلمين . أما عن الهجرة فقد أورد شيئاً من النصوص التقليدية ، فحواه أن الهجرة ليست فريضة إلا إذا عجز المسلمون عن أداء واجباتهم الدينية علناً ، وكان عندهم من المال ما يسمح لهم بالرحلة . وكان رده على السؤال الثالث أن مثل هذه المنطقة تعتبر دار إسلام ما دامت الشريعة مطبقة فيها . وأجاب المفتي الشافعي على سؤال الهجرة بنفس الطريقة ، ولكنه فيما يتعلق بوضع المنطقة أكد أنها قد أصبحت دار حرب لأن الكفار فتحوها ، ولكن الجهاد برأيه لم يكن ملزماً لأن هؤلاء المسلمين غير قادرين على البلوغ به إلى غايته من النجاح . وزع الحكام الفرنسيون هذه الفتاوى بين السكان ، وسرعان ما تناقص عدد المهاجرين ، وإن كان ذلك قد يعود إلى تحسن الوضع الإقتصادي� [207][6].
ولما أخمدت الثورات بقيت الجزائر تحت الحكم الفرنسي مما أدى إلى الإستفتاء عن حال الحكام الجزائريين الذين تعينهم السلطة الفرنسية . وأصدر الفقيه التونسي محمد الطاهر ابن الشيخ محمد النيفر (1830 ـ 1893) فتوى بصدد البقاء في الجزائر أو الهجرة منها فقال :
(إذا لم نجد إلا غير العدول لتولية الأمور ، أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة ، ويلزم ذلك القضاء وغيره لئلا تضيع المصالح . وما أظن أحداً يخالف في هذا لأن التكليف شرطه الإمكان ، وبه عمل المتأخرين . ونحن لا نشك في أن أهل الجزائر وولايتها على ثلاثة أقسام :
1 ـ قسم احتسى حماية دينية حتى يخلص بذلك من أحكام قضاة المسلمين هناك . وهذا لاشك في كفره مع كونه متزيياً بزي المسلمين .
2 ـ وقسم باق على حاله من التمسك بدين الإسلام والعمل بأصوله وفروعه ، إلا أنه قادر على الهجرة ولم يهاجر . وهذا مؤمن فاسق بتركه الواجب عليه ، وهذا لا تقبل شهادته لفسقه ، وعدم قبول شهادة القسم الأول واضح .
3 ـ وقسم هو كالذي قبله في التمسك بدينه إلا أنه عاجز عن الهجرة . وهذا لا يفسق من هذه الجهة ، فإذا توفرت فيه شروط العدالة قبلت شهادته ولا تمييز بين الأقسام الثلاثة عندنا) [208][7] .
وفي السودان ، إستخدم المهدي السوداني (1844 ـ 1885) نفس التكتيك ، الهجرة ، للحصول على المزيد من الأنصار لتقوية جبهته ، إذ كان يواجه المصريين والإنجليز معاً . فكان يخاطب السودانيين وزعماء القبائل يدعوهم إلى الهجرة إليه ، إذ يقول :
(والهجرة المذكورة بالدين واجبة كتاباً وسنة . قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . وقال صلى الله عليه وسلم : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام، وإلى غير ذلك من الآيات والأحاديث ، وإجابة داعي الله واجبة . قال تعالى : واتبع سبيل من أناب إلي . فإذا فهمتم ذلك فقد أمرنا جميع المكلفين بالهجرة إلينا ، لأن الجهاد في سبيل الله أو إلى أقرب بلاد منكم لقوله تعالى : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، فمن تخلف عن ذلك دخل في وعيد قوله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ...) [209][8].

ملاحظات حول قضية الهجرة من دار الحرب
إحتلت قضية الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام إهتماماً ملحوظاً بين العلماء السنة ، كما مر آنفاً ، أكثر من فقهاء الشيعة . فقد تعرضت بعض البلدان الشيعية كالعراق وإيران والبحرين وجنوب لبنان للإحتلال الأجنبي [210][1] ، لكن ذلك لم يدع مراجع الدين الشيعة إلى مناقشة موضوع الهجرة أو مغادرة أراضيهم . فلم تصدر فتوى أو دعوة إلى الهجرة ، بل كانت الدعوة للجهاد هي أحد معالم التاريخ الشيعي المعاصر .
إن الهجرة من الأراضي المحتلة تبدو حلاً طوباوياً تجاه الإستعمار الأجنبي . وكما ناقشنا من قبل ، تبدو الهجرة وسيلة لخدمة أغراض معينة للزعماء المسلمين ، كما لاحظنا في الهند والجزائر والسودان .
سياسياً ، تعتبر هجرة المواطنين المحليين عاملاً مساعداً لخدمة سياسة السلطات المحتلة . إذ أن تفريغ البلاد من السكان يقلل من حجم المعارضة ضد الإدارة الأجنبية ، كما يفسح المجال للمستوطنين في الإقامة والإستيلاء على أراضي المهاجرين ، كما حدث في الجزائر . لا يمكن تصور الأوضاع في البلدان الإسلامية التي رزحت طويلاً تحت نير الإستعمار الغربي ، لو أن سكانها هجروها لمجرد دخول القوات الأجنبية إليها. إن ذلك يشجع على استيطانها من قبل الغربيين كما حدث في الأندلس ، إذ غادرها ثلاثة ملايين مسلم ، فأفسحوا المجال للإسبان ، حتى أنه لم يبق إسباني مسلم رغم بقاء المسلمين هناك ثمانية قرون متواصلة. وماذا ستكون الوضعية في فلسطين ؟ صحيح أن أكثر من أربعة ملايين فلسطيني قد اُجبروا على السكن خارج فلسطين ، إلا أن المتبقين من المسلمين حافظوا على قسم من الأرض الفلسطينية . إنه من غير المفهوم أن يدعو أحد العلماء المعاصرين ، ناصر الدين الألباني ، عام 1993 ، الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل إلى الهجرة من بلادهم ، بإعتبارها دار حرب ، إلى دار الإسلام .ويبرر دعوته بأنه يمكنهم تعبئة وتنظيم قواهم والعودة منتصرين إلى أرض آبائهم ! [211][2] إنها دعوة غير منطقية ، وتخدم التوجهات الإسرائيلية الراغبة بتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها ، واستقدام مهاجرين يهود مكانهم .
ولا أحد بإمكانه تصور الحالة في الجمهوريات المسلمة في آسيا الوسطى ، التي بقيت سبعين عاماً (1917 ـ 1990) تحت الحكم الشيوعي الملحد في الإتحاد السوفياتي ، لو أن أولئك المسلمين أطاعوا تلك الفتاوى وغادروا أراضيهم . هناك أكثر من 57 مليون مسلم يعيشون في هذه الجمهوريات . وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الأقليات الإسلامية في الصين (30 مليون) ، وفي الهند (82 مليون) [212][3] . وهناك ملايين آخرون يعيشون في بلدان غير إسلامية ، في آسيا وأفريقيا وأوربا وأميركا . أين تذهب هذه الملايين من البشر ، إذا رغبت في ترك دار الحرب ؟ وأي دار إسلام مستعدة لاستضافتهم والسماح بإقامتهم فيها [213][4] ؟



يتبع0000نظرية الحرب والسلم في الإسلام


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 16صفر1429هـ, 04:44 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
نظرية الحرب والسلم في الإسلام
يمكن تقسيم الدراسات حول القانون الدولي الإسلامي إلى ثلاث فئات :
الأولى : المؤلفون الذين لديهم معرفة جيدة بالقانون الدولي وإطلاع مناسب على الشريعة الإسلامية ، و يسعون لمقارنة المفاهيم الإسلامية بالمبادئ العامة للقانون الدولي . �وإذا لم يستطيعوا أن يجدوا أحكاماً تتساوق مع الموضوع ، وهو ما يحدث كثيراً ، فإنهم يستخلصون هذه الأحكام بأنفسهم إستناداً إلى تفسيرهم للكتاب والسنة . ومن ثم فإنهم يعنون عناية كبيرة بالموضوعات النظرية ، من قبيل مصادر القانون الدولي الإسلامي ، وطبيعة قواعده ، والشخصية القانونية الدولية ، والسيادة ، والمعاهدات ونحوها� [214][1]. ويبذلون جهوداً لإيجاد حلول مناسبة لتلك المشاكل ، وإثبات أن القانون الدولي الإسلامي قابل للتطبيق في العصر الراهن ، وأنه لا يوجد تناقض حقيقي بينه وبين القانون الدولي الغربي .
الثانية : أولئك المؤلفون الذين لا يملكون معرفة بالقانون الدولي ، وأغلبهم ذو خلفية علمية دينية ، �فلا يخوضون في نظريات وأفكار القانون الدولي الوضعي بشكل متعمق . وينطلقون من النظرية التقليدية في الشريعة ، ويعيدون تفسيرها وترتيبها لكي يصوغوها في قالب يستلهم نسق الغرب إلى حد يقل أو يزيد� [215][2].
وغالباً ما يتحدثون بلغة تراثية تدعمها نصوص ومعايير فقهية وأصولية بما يلائم توجههم .
الثالثة : هم الفقهاء المعاصرون الذين يشعرون بالحاجة إلى طرح رأي الإسلام بالقضايا التي تعنى بالشؤون الدولية . ويسعون لتطوير نظريات جديدة لهذه المسائل تعتمد على الأحكام الإسلامية من خلال الإجتهاد الذي يمكن بواسطته التعامل مع القضايا الدولية وإعطاء رأي الإسلام بها . فهناك العديد من القضايا الدولية التي يمكن إدراجها بسهولة في القانون الدولي الإسلامي ، إعتماداً على أحكام معينة أو تطبيق لقواعد معروفة على قضايا جديدة .
ولست بصدد تقويم كتاباتهم ، ولكن فيما يتعلق بهذه الدراسة ، سأحاول مناقشة رأي كل فئة بصدد سؤال هام هو : أيهما هو الأصل في علاقة الإسلام بغير المسلمين ؟ السلم أم الحرب؟ هناك ثلاث نظريات تتعلق بهذا الموضوع :
1 ـ نظرية السلم هو الأصل :
يميل معظم الباحثين والفقهاء المسلمين إلى أن السلم هو القاعدة في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين [216][1]. يذكر بعض الفقهاء أن كلمة (الإسلام) مشتقة من السلم [217][2] ، وأن �السلام هو من أبرز المبادئ الإسلامية ، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق ، بل من الممكن أن يرقى ليكون مرادفاً لإسم الإسلام نفسه بإعتبار أصل المادة اللغوية� [218][3] .
ويرى شيخ الأزهر السابق جاد الحق أنه �أصبح واجباً على المسلمين أن يقيموا علاقات المودة والمحبة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ، والشعوب غير المسلمة نزولاً عند هذه الأخوة الإنسانية � [219][4] ، منطلقاً من الآية الكريمة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(الحجرات :13) ، معتبراً هذه العلاقات هي التي تجسد معنى �التعارف الوارد في الآية . فتعدد هذه الشعوب ليس للخصومة والهدم ، وإنما هو مدعاة للتعارف والتواد والتحاب� [220][5].
وبعد أن يورد الشيخ محمد أبو زهرة الآيات التي تتحدث عن السلم يستنتج أن �هذه النصوص كلها تدعو إلى السلام دعوة مطلقة غير مقيدة� [221][6]. ويرى الشيخ محمود شلتوت أن �السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامة . وإذا احتفظ غير المسلمين بحالة السلم ، فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية� [222][7].
ولا يتفق المرجع الديني الشيعي السيد محمد حسين فضل الله مع أولئك الذين يقولون بأن الحرب هي الأصل محتجاً بأن �أهم فترة انتشر فيها الإسلام ، هي فترة السلم الذي تلا صلح الحديبية بين قريش وبين المسلمين ، وكانت فترة السلم سنتين [223][8] . ويقول المؤرخون أن من دخل الإسلام في هاتين السنتين أكثر ممن دخلوه في المدة التي تقرب من عشرين عاماً ، منذ بدء الإسلام حتى ذلك الصلح�. ويلاحظ فضل الله �وجود أكثريات إسلامية في المناطق التي لم يدخلها الفتح الإسلامي ، ووجود كثير من غير المسلمين في البلاد الإسلامية من دون أن يتعرضوا لأي اضطهاد في عقيدتهم من قبل الحكم الإسلامي� [224][9]. ويقول الشيخ محمد علي التسخيري �بالنسبة للسلام والأمن ، نجد الإسلام بمقتضى انسجامه مع الفطرة يعتبر (الأمن) من نعم الله الكبرى على الإنسان (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)(الإيلاف : 4) . فالأمان هبة الله للبشرية ، يجب أن يتوفر لها دائماً� [225][10].
هؤلاء العلماء يرفضون أن تكون حروب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شنت من أجل إكراه الناس على الإسلام . ويعتقدون أن تلك الحروب كانت حروباً دفاعية ، من خلال تحليل ظروف ودوافع كل معركة ، يتبين أن الإسلام كان يدافع عن نفسه ، وكان من اللازم أن يصد القوى الكافرة التي تريد القضاء عليه وعلى الدولة الوليدة . �ولو ترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وشأنه ولم يعرض له المشركون ويقفوا أمام دعوته ويضطهدوا أتباعه ويصدوهم عن سبيل الله ويخرجوهم من أوطانهم لما كانت هناك حرب� [226][11]. لقد كان المشركون العرب يسعون للقضاء على الإسلام بشتى الطرق ، وحتى بالعنف ، فقد شنوا حملات عسكرية كانت نتيجتها معارك ضارية في اُحد والأحزاب وحنين ، حين حاولوا تدمير المدينة ، عاصمة الدولة الإسلامية الجديدة . أما بقية الحروب فهي حروب وقائية ، من قبيل حرب الدفاع ، لأنها حرب التجمعات قبل أن تتحرك للعمل العسكري ، مثل غزوة غطفان وبني سليم وغزوة ذي أمر بنجد ، وغزوة ذات الرقاع ، وغزوة بني المصطلق وغزوة خيبر ، وغزوة ذات السلاسل ثم غزوة تبوك [227][12] .
لقد سعى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل إقامة علاقات سلمية مع الدول والإمبراطوريات المجاورة للجزيرة العربية ، فقد أرسل سفراءه يحملون رسائله لدعوة ملوك مصر وبيزنطة والحبشة وفارس وغيرها من الإمارات حوله . ولم تكن ردود بعضهم إيجابية ، فكسرى فارس مزق رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأصدر أوامره إلى حاكم اليمن الفارسي ، يأمره بإلقاء القبض على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بشن الحرب عليه . وقد اعتبر ذلك الرد موقفاً عدائياً وإعلاناً للحرب يبرر أن يقابله المسلمون بالحرب [228][13]. أما بالنسبة للروم البيزنطيين فقد كانوا من أهل الكتاب ، وهذا ما دعا المسلمين للتعاطف معهم . فخلال صراع الروم والفرس ، كان موقف المسلمين هو التضامن والتأييد والتعاطف مع الروم . وقد أوضح القرآن الكريم هذا الموقف في سورة الروم ، في قوله تعالى (الم ، غُلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون)(الروم: 1 ـ 5) .
ولم يكن موقف الروم تجاه المسلمين إلا الجفاء والعداء ، فقد أرسل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في صيف 627 م ، مبعوثاً إلى حاكم بصرى ، بإعتباره ممثلاً لقيصر الروم ، يدعوه للإسلام ، ولكن المبعوث تعرض للسلب أثناء عودته [229][14] . كما أن المسيحيين السريانيين قتلوا بعض رجال القبائل الذين اعتنقوا الإسلام . هذه الحوادث كانت بداية العدوان على الإسلام [230][15].
ويعتبر بعض الباحثين أن العلاقة بين الدولة الإسلامية والحبشة �هي مثال عملي على العلاقات الودية ، فالسياسة الخارجية للدولة الإسلامية تجاه الحبشة ، خلال القرون الأولى من العصر الإسلامي ، تمثل سابقة لا مثيل لها . فقد إعتبر المسلمون الحبشة ، ولقرون طويلة ، أنها مصونة من الجهاد ، وامتنعوا عن مهاجمتها ، ولم يفكروا في ذلك . ولعل السبب وراء هذه السياسة ، هو ان الحبشة قد اعترفت ، ومنذ البداية ، بالدولة الإسلامية الناشئة بطريقة ودية ، ولم تتخذ أية سياسة هجومية ضدها� [231][16].
وفي هذا السياق يمكن مناقشة وضعية مصر التي اتخذت سياسة مشابهة ، ولم تهاجم الدولة الإسلامية . وتجمع الروايات الإسلامية على أن حاكمها ، المقوقس ، قد عبر عن احترامه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأرسل إليه بهدايا ، من ضمنها جاريتين ، تزوج إحداهما النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واسمها مارية ، وتزوج الأخرى شاعره حسان بن ثابت وتدعى سيرين .
ويستند أنصار هذه النظرية على أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد معاهدات سلمية مع زعماء القبائل والحكام غير المسلمين ، مثل الإتفاقيات السلمية التي وقعها مع نصارى نجران وآيلة ويهود تيماء وفدك وغيرهم [232][17].
ومن العناصر الهامة في هذا الصدد هي النصوص القرآنية وأحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المتعلقة بقضايا الجهاد والقتال . ففيما يتعلق بالقتال يفسر بعض العلماء تلك النصوص ويقيدونها بظروف معينة ، أي أنها ليست مطلقة . فمثلاً يفسر حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) ، �بأن كلمة (الناس) تعني المشركين العرب ، وأن الفقهاء مجمعون على ذلك� [233][18]. ويعلق احد القانونيين المسلمين بأن �هذا الحديث الذي يسمح بالحرب والعدوان لا ينسجم مع الظروف التي كانت تحيط بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة . فقد عومل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقسوة من قبل أهالي مكة إلى درجة إضطر معها إلى الهجرة بحثاً عن مكان بعيد; هو المدينة� [234][19].
من أهم القضايا المعقدة فيما يتعلق بالسلم هو التفسير التبريري لآيات القتال ، من أجل أن تنسجم مع أصالة العلاقة السلمية مع غير المسلمين . ويمكن تقسيم غير المسلمين في الوقت الحالي إلى :
1 ـ الوثنيين والمشركين ، من أتباع الديانات البوذية والهندوسية وبقية المعتقدات في الهند والصين والنيبال وتايلاند والتبت وفيتنام وكوريا واليابان . كما توجد جماعات وثنية في أفريقيا وأميركا اللاتينية . وهناك قسم من الأميركيين والأوربيين من اللاأدريين Agnostics والشيوعيين [235][20] .
2 ـ أهل الكتاب : وهم المسيحيون واليهود والصابئة والمجوس. ويجيز الشافعية أخذ الجزية من المشركين عدا العرب [236][21] . ويذهب الشيخ فيصل المولوي ، المستشار في المحكمة الشرعية السنية العليا في بيروت ، أبعد من ذلك حيث يقول �أن الحكم الأصلي هو جواز أخذ الجزية من كل مشرك ، عربياً كان أو غير عربي إذا رضي بعقد الذمة� [237][22]. هذا التوسع في استخدام مصطلح أهل الكتاب يرفضه أغلب الفقهاء.
ويسعى بعض الذين يؤمنون بأصل العلاقات السلمية مع غير المسلمين إلى تفسير الآيات القرآنية التي تتضمن أوامر بقتال المشركين وأهل الكتاب بشكل يوافق مواقفهم وآراءهم . سأحاول أن أعطي بعض الأمثلة على ذلك النمط من التفسير . إن أشهر الآيات المعنية بالموضوع هما (آية السيف) المختصة بالمشركين وهي (أقتلوا المشركين كافة)(التوبة: 36); والأخرى هي (آية القتال) المختصة بأهل الكتاب وهي (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(التوبة: 29).
يقول طلعت الغنيمي �لو قبلنا حجة إبن حجر الحلبي ، بأن كلمة �كافة� تعني �كل واحد بلا استثناء� ، فإن ذلك يقودنا إلى استنتاج متناقض ، أي أن على كل مسلم ، بلا استثناء ، أن يشن الحرب على كل مشرك ، وبلا استثناء أيضاً . هذا التفسير لا ينسجم مع القاعدة التي تقررها الآية الكريمة (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) (التوبة: 122) . إن التفسير المحتمل لكلمة �كافة� إنما تعني �وحدة الصف� أو �اليد الواحدة� ، إذا طابقنا هذه الآية مع بقية الآيات القرآنية والقواعد المعترف بها في الشريعة . بإختصار فإن الآية تدفع المسلمين إلى نسيان التفاوت فيما بينهم ، وليكونوا يداً واحدة في قتال المشركين ، لأن المشركين يقاتلون المسلمين صفاً واحداً� [238][23]. ويرى فيصل المولوي أن �آيات سورة براءة خاصة أولاً بمشركي العرب ، فهي لا تطبق خارج الجزيرة العربية ، وقد كانت حكماً مؤقتاً الغاية منه تطهير الكعبة المشرفة من مظاهر الشرك ، وكسر شوكة المشركين في الجزيرة� [239][24]. ويرى أن مصطلح �جزيرة العرب� يقصد بها منطقة الحجاز التي تشمل مكة والمدينة واليمامة ، وأن هذا هو رأي جمهور الفقهاء [240][25] .
أما بالنسبة لمعاملة أهل الكتاب ، فالفقهاء القدماء يقولون بأن آية القتال (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)تختص بهم . اما العلماء المعاصرون فيرون ان الآية المذكورة لا تعني كل الكتابيين ، لأن كلمة �مِن� التي تسبق أهل الكتاب تفيد التبعيض إذا سبقت الإسم ، مما يعني أن الحكم يتعلق بقسم أو بعض من أهل الكتاب وليس كلهم . والآية مقدمة لآيات تتعلق بغزوة تبوك ، التي تم خلالها تجنيد المسلمين للمشاركة في حرب ضد الروم في وقت كان الجو فيه حاراً جداً . إذن فسبب نزول الآية يعود إلى قسم من أهل الكتاب ، وخاصة الروم البيزنطيين� [241][26].
وتقول أكثر الروايات أن هذه الآية نزلت قبيل غزوة تبوك . ويلاحظ المولوي الفرق في الخطاب القرآني بين لفظة �فأقتلوا� الواردة في آية السيف (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) المخاطب بها المشركين ، وبين قوله عن أهل الكتاب (قاتلوا الذين .... من أهل الكتاب) ، والسبب هو أن المشركين العرب من أهل الجزيرة ليس لهم إلا الإسلام أو القتل أو الخروج من الجزيرة العربية . أما أهل الكتاب فهم يُقاتلون ، ويمكن أن ينتهي القتال معهم بخضوعهم ودفعهم الجزية . إن الأمر بالقتال هنا على سبيل المشروعية لا على سبيل الوجوب لأن هدف المسلم هو هدايتهم وليس قتلهم� [242][27].
يمكن الإستنتاج بأن أغلب الفقهاء المعاصرين يرون أن العلاقات بين العالم الإسلامي والدول الغربية وغير المسلمة يجب أن تستند على مبدأ السلم .وأن استخدام الحرب والقتال محصور في حالة تعرض البلدان الإسلامية إلى هجوم مسلح من الأعداء أو غير المسلمين . هذا المبدأ يسمى بحق الدفاع عن النفس ، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يعترف به [243][28] . إن انتشار الإسلام يجب أن يعتمد الوسائل السلمية كالدعوة والحوار والمطبوعات والإعلام والندوات وغيرها . إن الدول الإسلامية ترتبط بشعوب الأرض بروابط عديدة ، كما يرى الشيخ محمود شلتوت ، �فالسلام الذي أراده الله للإنسانية في ظل الإسلام يقوم على دعامتين :
1 ـ النظام الدولي المتكامل الذي ورد به القرآن الكريم ، فقد جاء يعلن (الأخوة العالمية) ، ويرفع من مستوى (النفس الإنسانية) ، ويقيم (دعائم العدالة الإجتماعية) ، ويشيع في المجتمع معنى (التكافل الحق) والطمأنينة والسلام .
2 ـ الاُمة المؤمنة بهذا النظام ، والدولة القائمة عليه ، فهي تأخذ به وتدافع عنه ، وتدعو إليه ...، وتجاهد في سبيله بكل ما تملك ولا تخشى في ذلك لومة لائم� [244][29] .
ويرى الشيخ محمد علي التسخيري أن الأساسين الرئيسين اللذين تقوم عليهما السياسة الخارجية الإسلامية هما :
1 ـ المصلحة الإسلامية العليا على ضوء الواقع القائم.
2 ـ الروابط والرحمة الإنسانية والصلات الخلقية .
ويرى الشيخ شلتوت �أنه لا توجد آية واحدة في القرآن تدل أو تشير إلى أن القتال في الإسلام فرض لحمل الناس على اعتناقه� [245][30] ، وأنه لا يوجد نص قرآني أو حديث يؤيد شن حرب غير محدودة على الكفار [246][31]. ويرى هذا الفريق أن الجهاد هذه الأيام يقتصر على الدفاع عن الأراضي الإسلامية والممتلكات والعقيدة [247][32] .
ويرى فقهاء السنة أنه من الممكن شن الحرب أو الجهاد الهجومي من أجل حماية الدعوة الإسلامية ضد الذين يمنعون المسلمين من إظهار عقيدتهم وشعائرهم ، وهو ما يسمى بالفتنة في قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين لله) (البقرة : 193) [248][33].
أما فقهاء الشيعة فيرون أن الجهاد الإبتدائي مشروط بحضور الإمام المعصوم . وفي الوقت الحاضر فالإمام المعصوم غائب منذ عام 932 م ، وهو الإمام الثاني عشر ، واسمه محمد المهدي بن الحسن العسكري(عليه السلام) . وعندما يظهر، فهو الوحيد الذي له صلاحية إصدار الأمر بالجهاد الإبتدائي . فالشيعة لا يؤمنون بالجهاد الإبتدائي أو الهجومي في الوقت الحاضر ، ليس لأسباب سياسية أو عسكرية مرتبطة بقوة المسلمين أو ضعفهم ، بل لسبب ديني بحت ، أي مرتبط بحضور الإمام الغائب . يقول السيد كاظم الحائري �أفتى أكثر فقهاء الشيعة بأن إعلان الجهاد الإبتدائي خاص بزمان الإمام المعصوم . أما اليوم فلا يكون الجهاد إلا دفاعاً حينما يكون العدو هو البادئ بالحرب� [249][34].
ويؤيد بعض المستشرقين الغربيين ذلك ، إذ يقول توماس آرنولد �أن الفقهاء المسلمين والمفسرين يرون أن الجهاد يعتبر حرباً دينية تشن ضد الكافرين المهاجمين ، ومع ذلك لا يجوز الإعتداء . ويجرى إنتقاء بعض الأجزاء من آيات متفرقة ، بعيداً عن الجو العام للآية أو الظروف الخاصة التي نزلت بها والتي تعود إليها وحدها� [250][35].
ـ الحرب هي الأصل :
مثلت قاعدة �أن الأصل هو الحرب في العلاقة مع غير المسلمين� النظرة التقليدية السائدة بين الفقهاء والمفسرين ، طوال قرون . وما يزال بعض العلماء والقادة الدينيين يعتقدون أن الحرب والقتال هما القاعدة في العلاقة مع غير المسلمين . وابرز أصحاب هذا الإتجاه هم قادة بعض الحركات السنية الشهيرة كالسيد قطب ، المنظر الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ، وأبو الأعلى المودودي (1903 ـ 1979) ، الفقيه والسياسي الهندي [251][1] ، وتقي الدين النبهاني ، زعيم حزب التحرير الإسلامي .
ويؤيد نظرية الحرب هي الأصل الفقهاء الوهابيون (حنابلة) ، وكذلك بعض المستشرقين والباحثين الغربيين . ويعزز هذا التيار رأيه بالنظرة الكلاسيكية للعلاقات مع غير المسلمين ، ويعتمدون التفسير المتوارث للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، حيث �لا يبدي بعض الفقهاء نزعة تجاه إقامة علاقات سلمية مع أعدائهم� [252][2].
إن الفرضية الأساسية التي يعتمدها أصحاب هذه النظرية ، في العلاقات الخارجية مع الأمم الأخرى ، تقول �أن الاُمة المؤمنة هي المعنية والمقصودة بالشريعة الإسلامية والنظام الأخلاقي الإسلامي ، في حين أن بقية الجماعات الإنسانية مجرد تابع لهذا النظام . وأن الغاية النهائية للإسلام كانت إقامة السلم ضمن الأراضي الخاضعة له ، ثم توسيع نفوذ النظام الإسلامي ليشمل العالم كله� [253][3]. ويؤيد مجيد خدوري التقسيم الثنائي الكلاسيكي للعالم ، أي دار إسلام ودار حرب ، وأن الأداة التي تستخدم لتحويل دار الحرب إلى دار الإسلام IslamicaPax هي الجهاد [254][4] . وقد يمكن تحقيق ذلك الهدف بالطرق السلمية إضافة إلى وسائل القوة . كما يمكن تعليق حالة العداء من خلال معاهدات سلمية ، على أن لا تزيد مدتها عن عشر سنوات [255][5] . ويرى أن �الجهاد في الإسلام يشابه الصليبية في المسيحية الغربية ، بما يعرف بالحرب العادلة JustemBellum. إن الجهاد واجب دائمي على المسلمين ، حتى يتم القضاء على دار الحرب . ويصبح واجباً على المؤمنين بشن عمليات حربية مستمرة ، نفسية إن لم تكن عسكرية� [256][6]. ويصر مجيد خدوري على أن �حالة العداء الدائم هي العلاقة الطبيعية بين الإسلام وبقية الأمم� [257][7]. وينكر حالة السلم والمعاهدات السلمية الدائمية مع غير المسلمين ، عدا المعاهدات المعقودة مع أهل الكتاب بحيث تصبح أراضيهم جزءاً من دار الإسلام [258][8] .
وينتقد أبو الأعلى المودودي أولئك الذين يؤكدون على الأساليب السلمية وتركوا الجهاد ، ويشعرون بالخجل من ذكره ، إرضاءً للغربيين ، فيقول ساخراً �أيها السادة !! إنما نحن دعاة مبشرون ندعو إلى دين الله ، دين الأمن والسلام والحكمة والموعظة الحسنة ، نبلغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية ، ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن ، بالخطب والرسائل والمقالات حتى يؤمن بدعوتنا عن بينة . هذه دعوتنا لا تزيد ولا تنقص . أما السيف والقتال فمعاذ الله أن نمت إليه بصلة ، اللهم إلا أن يقال أننا دافعنا عن أنفسنا حيثما اعتدى علينا أحد. ذلك أيضاً قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة . أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضاً . ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد (رسمياً) ذلك الجهاد الممقوت الذي يعمل فيه السيف عمله ، حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم مضاجعكم . فما (الجهاد) اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم ، وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنّة الأقلام . أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من آلات الحرب واستخدامها لأنتم أحق بها وأهلها� [259][9]. ويعتقد المودودي أن �الاسلام فكرة إنقلابية ومنهاج إنقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الإجتماعي بأسره ، ويأتي بنيانه من القواعد ، ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي ... والجهاد عبارة عن الكفاح الإنقلابي عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية وإدراك هذا المبتغى� [260][10]. ويحدد المودودي موقفه تجاه الحكومات والدول الأخرى ، فيرى أن هدف الجهاد هو �السعي وراء القضاء على الحكومات الجائرة المناقضة لمبادئ الحق الخالدة وإقامة حكومة صالحة ، مؤسس بنيانها على قواعد الحق والعدالة� [261][11].
ويرفض المودودي تقسيم الجهاد إلى هجومي ودفاعي ، وأنه لا مسوغ لذلك التقسيم فيقول أن �الجهاد الإسلامي هجومي ودفاعي معاً ، هجومي لأن الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام ، ويريد قطع دابرها ولا يتحرج في استخدام القوى الحربية لذلك . وأما كونه دفاعياً فلأنه مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها حتى يتسنى له العمل وفق برنامجه وخطته المرسومة� [262][12].
أما المفكر الإسلامي سيد قطب فقد تأثر بظروف خاصة أثناء مواجهة الإخوان المسلمين لنظام عبد الناصر ، مما جعل معاناته تنعكس في كتاباته وأفكاره ، لأنه كتب أغلب كتبه في ذلك العهد . من جانب آخر يلاحظ بعض الباحثين أن سيد قطب تأثر بكتابات أبي الأعلى المودودي التي �تسربت إلى السجن ، وانفعل بها ، وتركت بصمات كبيرة واضحة عليه ، وعلى أفكاره . إن تلك الكتابات جاءت في وقت المحنة ، فتلقفها ، وكررها� [263][13]. ويقسم سيد قطب الناس ، حسب انتمائهم العقائدي ، إلى ثلاث فئات :
1 ـ مسلمين تحكمهم شريعة الله .
2 ـ أهل ذمة يؤدون الجزية ، وهم على عهدهم ما استقاموا .
3 ـ محاربين يُحاربون .
ويعتقد سيد قطب أن هذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي ، وكل ما عداها هو حالات واقعية يسعى الإسلام إلى تغييرها ، حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية [264][14]. فسيد قطب ينفي بذلك وجود أية علاقات مع غير المسلمين خارج الدولة الإسلامية ، سوى الحرب والقتال . ويفترض أنه على الدول غير المسلمة الإنصياع للإسلام ، فيقول �أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفي إليه ، أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية ، وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لايختاره بمطلق إرادته ، ولكن لا يقاومه ولا يحاربه! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو يعلن استسلامه� [265][15].
ويفسر سيد قطب آيات القتال والجهاد بشكل يوافق ذلك التوجه ، حيث يرى في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظة) ، بأنها �تضع خطة الحركة الجهادية ومداها . وهما الخطة والمدى اللذان سار عليهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه من بعده بصورة عامة . فقد سارت عليها الفتوحات الإسلامية ، تواجه من يلون من (دار الإسلام) ويجاورونها ، مرحلة فمرحلة . فلما أسلمت الجزيرة العربية ، كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم . ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس� [266][16]. ويرى سيد قطب أنه من الواجب إتباع تلك الخطة في العصر الراهن ، مبرراً ذلك بأن �الأمر بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار ، لايذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين أو ديارهم . وندرك أن هذا هو الأمر الأخير ، الذي يجعل (الإنطلاق) بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد ، وليس هو مجرد (الدفاع) كما كانت الأحكام المرحلية أو العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة� [267][17].
وينتقد سيد قطب أولئك �الذين يكتبون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام ، وعن أحكام الجهاد في الإسلام ، والذين يتصدون لتفسير الآيات المتضمنة لهذه الأحكام ، بأنه يتعاظمهم ويهولهم أن تكون هذه هي أحكام الإسلام ، وأن يكون الله سبحانه قد أمر الذين آمنوا أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار ، وأن يظلوا يقاتلون من يلونهم من الكفار ، كلما وجد هناك من يلونهم من الكفار! يتعاظمهم يهولهم وأن يكون الأمر الإلهي هكذا ، فيروحون يتلمسون القيود للنصوص المطلقة� [268][18]. فسيد قطب يرى في العلاقات بين الإسلام والشعوب الأخرى حرباً دائمة تشنها الدول الإسلامية على جيرانها من غير المسلمين ، حتى يعتنقوا الإسلام ، او يدفعوا الجزية . ويرفض فكرة أن غير المسلمين يمكن أن يفوا بعهد أو يلتزموا بمعاهدة ، فيقول أن �عدم وفاء المشركين للعهود (كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله ... فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)هو القاعدة الأساسية لعدم إمكان التعايش على أساس المعاهدات بين المعسكر الإسلامي ومعسكر الشرك ومعسكر أهل الكتاب ، إلا في فترات موقوتة لا تمثل قاعدة دائمة� [269][19].
ويكرر سيد قطب آراء المودودي بصدد الفقهاء والمفكرين المسلمين المؤيدين لفكرة السلام مع الكفار فيصفهم بأنهم �مهزومون تحت ضغط الواقع الحاضر وتحت الهجوم الإستشراقي الماكر ، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة، لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست هي الحقيقة ، ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة .. ومن ثم يقوم المنافحون ـ المهزومون ـ عن سمعة الإسلام ، بنفي هذا الإتهام ، فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته ، وحقه في (تحرير الإنسان) إبتداءً� [270][20].
وقد كتب سيد قطب كتاباً بعنوان (السلام العالمي والإسلام) ، يستهله بآيات القتال والحرب ، ويطرح فيه رأي الإسلام بالسلام المبني على اسس عقائدية ، وتهذيب النفس والإلتزام بالأخلاق الرفيعة . ثم يعرج على طبيعة الحكم الإسلامي والقانون الجزائي وتعدد الزوجات . ثم يتطرق للحرب فيستنتج أن �الحرب الوحيدة المشروعة التي يقرها الإسلام هي (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، ويفسر كلمة الله بأنها التعبير عن إرادته ، وإرادته الظاهرة لنا نحن البشر ، هي التي يقررها سبحانه ويحددها كلامه (حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله)[271][21]. والكتاب عبارة عن مجموعة من الآراء النظرية بعيدة عن الجانب العملي والتطبيقي للمفاهيم المطروحة فيه ، إضافة إلى عبارات عامة وملاحظات تأتي في سياق التفسير لبعض الآيات . ولم يتطرق للعلاقات الدولية ولا لعلاقات الدول الإسلامية بالمجتمع الدولي ، بل مجرد إنتقادات لجوانب سلبية للمجتمعات الغربية .
وتتفق المدرسة الوهابية مع نظرية العلاقات العدائية مع غير المسلمين ، دون تحديد أو تقييد . فالشيخ عبد العزيز المحمد السلمان ، وهو مدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض ، يرى �وجوب قتال الكفار ، إبتداءً ودفاعاً . قال الله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) ، قال البغوي رحمه الله : وقاتلوهم يعني المشركين ، حتى لا تكون فتنة أي شرك ، يعني قاتلوهم حتى يسلموا ، فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام ، فإن أبى قتل� [272][22]. ويرى الشيخ السلمان أن الجهاد ليس للدفاع ، ويرد على (مدعي الدفاع في نصوص الغزو والجهاد) وسعياً لإثبات رأيه من خلال فرضية غير صحيحة حين يقول أن �غزوات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت 29 غزوة ، وأما سراياه وبعوثه ، فقريب من ستين ، وكانت كلها بعد الهجرة في مدة عشر سنين . فأقول : ولم يعهد فيهن أن العدو قصده وهاجمه في بلده المدينة وحواليها قط بل هو الذي كان يغزوهم حيث ما كانوا ، مما يبلغه الخف والحافر ، إلا غزوتي اُحد والأحزاب� [273][23]. ويفسر عبد العزيز السلمان الآية الكريمة (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) (البقرة: 191) بأنها تعني �واقتلوهم حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم ، وإن لم يبتدئوكم ... إن الله تعالى أمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا [274][24]. ومثل بقية أصحاب هذا الإتجاه ، ينتقد الشيخ السلمان أولئك القائلين بأن الجهاد للدفاع فقط ، فيقول �وفيما أرى أن القائل أن الكفار لا يُقاتلون إلا دفاعاً فقط ما يخلو من أمرين : إما أن يكون من أعداء المسلمين قصده تثبيطهم عن الجهاد على ما هم عليه من الوهن والكسل ، وإما أن يكون جاهلاً بنصوص الكتاب والسنة ، وغزوات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه وفتوحاتهم� [275][25].
ويرى الشيخ عبد العزيز بن راشد �أن الله قد أوجب على المسلمين أن يبدأوا بالقتال من أبى الإسلام من الكفار والمشركين ، بعد دعوتهم إلى الخضوع له أو الدخول فيه حيث كانوا ، وفرض على الأمة أن تهاجمهم وتبدأهم به في كل وقت سوى الأشهر الحرم ... وأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه بدأوا المشركين والفرس والروم ، بعد رفض رؤسائهم كتاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بغير اعتداء منهم على أحد من المسلمين ، ولا منع داعي الإسلام . ولكنها مكيدة أفرنجية ، ونزعة أوربية أريد بها تأخير المسلمين وموتهم� [276][26]. وقد ذهب بعض الباحثين المتأخرين إلى أن الجهاد لم يشرع إلا رحمة بغير المسلمين �لنقلهم من الشك والحيرة والعناد� ، ويهاجم صالح اللحيدان القائلين بأن الجهاد في الإسلام يعني الدفاع فيقول �والذين قالوا بهذا القول من المتأخرين ، من الكتّاب والمؤرخين ، وكتّاب السيرة بصفة خاصة ، ليسوا بشيء� [277][27].
وأصدر الشيخ عبد العزيز بن باز الفتوى التالية بصدد العلاقة مع غير المسلمين يقول فيها :
�الكفار والمشركون من يهود ونصارى ووثنيين ودهريين كلهم نجس كما أخبر الله . فلا يجوز إكرامهم ولا احترامهم ولا تقديرهم في المجالس ولا القيام لهم ، ولا بدؤهم بالسلام أو بكيف أصبحت أو امسيت ، ولا مصافحتهم ولا تقبيل أيديهم� [278][28].
ويذهب تقي الدين النبهاني إلى حرمة إقامة العلاقات الدبلوماسية مع بعض الدول الغربية ، إذ يقول �الدول الإستعمارية فعلاً :كإنجلترا وأميركا وفرنسا والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا ، تعتبر دولاً محاربة حكماً ، فتتخذ جميع الإحتياطات بالنسبة لها ، ولا يصح أن تنشأ معها أية علاقات دبلوماسية� [279][29].
ويضع النبهاني شروطاً لفتح السفارات الأجنبية في البلدان الإسلامية إذ يقول �يسمح للدول غير المحاربة فعلاً ، وغير الدول الإستعمارية فعلاً ، وغير الدول الطامعة في بلادنا أن تفتح سفارات في البلاد على شرط أن يمنع نشاطها الثقافي والسياسي ، وتقيد صلاحياتها وتنقلاتها� [280][30]. ولم يذكر النبهاني فيما إذا كانت هناك معاملة بالمثل ، أي تقييد حرية الدبلوماسيين المسلمين في البلدان غير الإسلامية .
ويرد بعض الفقهاء المعاصرين على بعض الآراء المتشددة للفقهاء القدماء ، فالشيخ فيصل المولوي يورد آراء إبن البارزي (ت 738 هـ/ 1337 م) التي يقول فيها �أن آية السيف نسخ بها 114 موضعاً . وأن آية القتال نسخ بها ثمانية مواضع� . ثم ينتقدها بقوله �مما لاشك فيه أن هذه المبالغة في ادعاء النسخ تنبه لها كثير من العلماء وحذروا منها ، لأن النسخ إذا لم يكن ثابتاً بيقين فهو يؤدي إلى منع العمل بحكم شرعي مؤكد بناء على ادعاء نسخ غير ثابت ، وهذا تعطيل لشريعة الله تعالى� [281][31].
إن ذلك يعني رفض استخدام الوسائل السلمية في التعامل مع غير المسلمين ، في الوقت الذي يتناقض هذا الرأي مع الآيات القرآنية الصريحة مثل :
ـ (وقولوا للناس حسناً) (البقرة : 83).
ـ (فاعفوا واصفحوا) (البقرة : 109).
ـ (ولا تعتدوا) (البقرة : 190).
ـ (لا إكراه في الدين) (البقرة: 256).
ـ (فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً)(النساء: 63) .
ـ (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) (المائدة : 13).
ـ (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي احسن)(النحل : 125).


يتبع000 السياسة البراغماتية


التوقيع
qlm 7r

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 16صفر1429هـ, 04:45 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
قلم حر
مشكاتي جديد قلم حر غير متواجد حالياً
46
20-01-2008
السياسة البراغماتية
وهذه النظرية غير متميزة بشكل واضح عن النظريتين السابقتين ، ولكن خطوطها العامة جاءت في سياق آراء وأفكار أصحاب المذاهب والفقهاء والعلماء والمفسرين . وما زال بعض الباحثين المعاصرين يتداولون تلك الآراء ، فظافر القاسمي ، وهو أستاذ جامعي ، ينقل رأي الفقيه السرخسي [282][1] ، وسيد قطب ينقل ويتبنى رأي إبن القيم الجوزية [283][2] . ويمكن تلخيص هذه النظرية وفق السياق التالي : في بداية بعثة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إتبع(صلى الله عليه وآله وسلم) الوسائل السلمية ، فدعا أولاً أهله ثم عشيرته ، ثم اهل مكة وقريش ، ثم سائر العرب ، ثم بقية العالم . ومكث(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة عشر عاماً في مكة دون أن يقاتل أحداً بل بالصبر والصفح ، ولما هاجر إلى المدينة ، أمره تعالى بقتال الذين يقاتلونه ، ثم بقتال المشركين حتى يسلموا . وأن يقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يبقوا على دينهم مع دفع الجزية . وأن الأحكام النهائية فيما يخص معاملة غير المسلمين قد وردت في سورة براءة (أو التوبة).
واستناداً إلى هذه النظرية ، فإن ستراتيجية الإسلام تتركز في إستخدام الوسائل السلمية والدعوة والحوار عندما تكون الدولة الإسلامية في حالة ضعف ، واستخدام القوة والعنف والفتح العسكري والقتال عندما يكون المسلمون أقوياء . روى محمد بن الحسن الشيباني والسرخسي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال : لا ينبغي موادعة أهل الشرك ، إذا كان بالمسلمين عليهم قوة [284][3] . ويعلق الشيباني بقوله �وصار هذا أصلاً بجواز الموادعة عند ضعف حال المسلمين ، والإقدام على المقاتلة عند قوتهم� [285][4]. ويقول الإمام الشافعي �فإن كانت بالمسلمين قوة لم أر أن يأتي عليه عام إلا وله جيش أو غارة في بلاد المشركين الذين يلون المسلمين من كل ناحية ، وإن كان يمكنه في السنة بلا تغرير بالمسلمين أحببت له أن لا يدع ذلك كلما أمكنه ، وأقل ما يجب عليه أن لا يأتي عليه عام إلا وله فيه غزوة حتى لا يكون الجهاد معطلاً في عام إلا من عذر� [286][5]. فالشافعي يريدها حدوداً ملتهبة ، وحروباً مستمرة ، وتحرشاً دائماً بالدول المجاورة ، دون أن يناقش رد فعل الدول الأخرى على هذه الإعتداءات المتكررة . وهذا ما يخالف المشهور عنه لكونه يوسع من دائرة دار الإسلام لتشمل كل أرض يستطيع المسلمون فيها أداء شعائرهم .
ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، مؤسس المذهب الوهابي ، �...والله يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح حتى قويت الشوكة ، فحينئذ أذن لهم في القتال ، ولم يفرضه عليهم ، ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم ، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة� [287][6]. ويؤيده الشيخ عبد العزيز الراشد منتقداً من لا يرى رأيه ، إذ يقول �فمدعي أن الإسلام لا يجيز بداءة عدوه بالقتال متقول عليه ما ليس فيه ، إذ من حكمته أنه لم يأمر بالقتال حين كان ضعيفاً بين أعدائه ، فلما ناوأوه بمكة ، أمر الله نبيه بالهجرة ، وشرع لهم وأوجب عليهم مهاجمة كل آب� [288][7]. ويوافق بعض العلماء المعاصرين على هذا الرأي ، حيث يؤكدون على استخدام القوة ضد الدول غير الإسلامية ، إذا كانت الدولة الإسلامية قوية ولديها قدرة عسكرية كافية . صحيح أنهم لا يعلنون ذلك صراحة ولكنهم يؤيدون الأحداث التاريخية والتوسع الإسلامي ، كما لا يجدون ضيراً في أنه �كلما كان المسلمون في مركز القوة ، أعلنوا الحرب المادية ضد الأنظمة الطاغوتية الحاكمة ، لا ضد شعوبها المسحوقة ، وهدفهم إتاحة الحرية لهذه الشعوب أن تدخل الإسلام أو لا تدخل بدون ضغط أو إكراه� [289][8].
ويحلل فيصل المولوي النتائج المتوقعة إزاء نهج هذه السياسة في العصر الحالي ، والمصاعب التي ستواجه المسلمين إذا أصروا على السياسة العسكرية في تعاملهم مع جيرانهم فيقول �إن مسيرة الإسلام تتوقف وتتجمد إذا لم تراع الظروف المحيطة بها ..وإن القول بأن آيات المرحلة الأخيرة من القتال نسخت ما سبقها بحيث لا يجوز العمل بها معناه :
1 ـ أن ظروف المسلمين ستبقيهم في مرحلة القوة التي كانوا فيها عند نزول الآيات الأخيرة ، بحيث يستمر الإلتزام بهذه الآيات محققاً الغرض الشرعي منها ، وهذا ليس أمراً حتمياً .
2 ـ أو لأن ظروف المسلمين قد تتغير كما هو حاصل منذ مئات السنين ، ويكون الإلتزام بآيات المرحلة الأخيرة تكليفاً بما لا يستطيعه المسلمون ، وإذا فعلوه مع عدم الإستطاعة فلن يؤدي إلى تحقيق الغرض الذي من أجله نزلت الآيات ، بل ربما يؤدي إلى عكسها تماماً� [290][9].
ويؤيد هذه النظرية د. أحمد بدر، رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة دمشق ، إذ يقول �ويتجلى الطابع الدفاعي عندما كان المسلمون ضعفاء ، والهجومي عندما أصبحوا أقوياء� [291][10]. ويذهب إلى نفس الرأي المستشرق الإنجليزي مكدونالد L.B. Macdonald، الذي كتب مادة (الجهاد) في دائرة المعارف الإسلامية حيث بدأ مقالته بقوله �الجهاد : نشر الإسلام بالسيف فرض كفاية على المسلمين كافة� [292][11]. ويمضي مكدونالد بقوله قد �دعت السور المكية إلى الصبر على العدوان ، ولم يكن إلى غير ذلك من سبيل ، أما في المدينة فقد تبين الحق في رد العدوان ، ثم غدا هذا الحق شيئاً فشيئاً فرضاً يقضي على المسلمين بقتال أهل مكة أعدائهم ، وإخضاعهم . وقد يُشك في أن محمداً رأى أن موقفه يقتضي حرب الكفار حرباً متصلة ، من غير أن يثيروها هم عليه إلى أن يدخلوا في الإسلام ، والآيات صريحة في هذا الأمر ، ولكن آيات القرآن تتحدث دائماً عن الكفار ، الذين يجب إخضاعهم ، حديثها عن معتدين جاحدين� [293][12] . ورغم التناقض الواضح والعموميات التي أطلقها مكدونالد ، إلا أن رأيه أقرب إلى وصف أحداث معينة في مرحلة من تاريخ الإسلام ، من كونه تأسيساً لنظرية في الجهاد الإسلامي .
مناقشة نظريات الحرب والسلم في الإسلام
ستتركز هذ المناقشة على محورين أساسيين : الأول ، يتابع كيف ساهم الفقهاء القدماء بتطوير الفقه الإسلامي ، وكيف تكيفوا مع الظروف السائدة في عصرهم ، وكيف ناقشوا المشاكل ووجدوا حلولاً لها .
الثاني ، كيف واجه الفقهاء والعلماء المعاصرون التغيرات الحالية في النظام الدولي ، والتطورات السياسية والإجتماعية والثقافية في عالم اليوم .
تعتمد النظرية الكلاسيكية ، فيما يتعلق بالعلاقات مع غير المسلمين ، على أرضية تعتبر الحرب أساساً في التعامل ، وتتفرع بقية القضايا والنتائج من تلك النظرة . ويحتج الفقهاء والمفسرون بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأحداث التاريخية والفتوحات في العصر الإسلامي الأول . �لقد طوروا القانون الدولي الإسلامي باستخدام القياس والإجماع والإجتهاد في تفسير النصوص القرآنية ، إذا لم يكن من أجل اكتشاف أو استنباط أحكام جديدة . إن الحاجة لمزيد من التشريع ، كان يواجه الدولة الإسلامية التي أخذت تتسع بشكل متسارع ، وتواجه مشاكل وحالات جديدة بحاجة إلى حل . لذلك كان لابد من استخدام مصادر جديدة في القانون ، طالما أن الدولة مستمرة في علاقاتها مع العالم الخارجي� [294][1] .
خلال العصر الأموي والعباسي ، كانت الدولة الإسلامية تعاني من توتر مستمر في حدودها مع الدول الأخرى ، وقد تتطور أحياناً إلى حروب ومعارك ، وقد تبقى في حالة الهدوء الحذر . إن استمرار الحروب مع الدول والشعوب الأخرى قد سبب آثاراً إجتماعية وسياسية في المجتمع الإسلامي . كما أن الفقهاء قد تأثروا بتلك الأجواء العامة ، وهذا أمر طبيعي . ولما كان ذلك العصر عصر إجتهاد ، ونشاط فقهي كبير ، تأثر الفقهاء بتلك الظروف التي تمر بها الدولة ، والتي يغلب عليها طابع الحرب [295][2] . لقد ترك لنا الفقهاء الأوائل ، وخاصة في فترة العصر العباسي ، أعمالاً وكتابات عديدة حول القانون الدولي الإسلامي تستند ، أساساً ، على فكرة خلاص العالم وإنقاذه ، وأن الحرب الدينية هي واحدة من السبل التي يقرها الإسلام ويؤيدها القرآن ، لتصل إلى نتيجة إما اعتناق الإسلام أو دفع الجزية. ومن الطبيعي أن آراءهم قد تأثرت بمتطلبات المحيط السياسي ـ الإجتماعي وظروف تلك المرحلة الزمنية . وتم توارث تلك الآراء ، وبمرور الزمان ، حظيت بقدسية خاصة في أذهان الناس ، حتى اعتبرت لدى غالبية المسلمين ، أنها جزء موروث من الشريعة الإسلامية نفسها [296][3] . يضاف إلى ذلك أن التقسيم الثنائي للعالم الذي طرحه الفقهاء الأوائل ، اعتبر جزءاً من التشريع الإسلامي . وكان الكتّاب التقليديون يبذلون جهوداً لإيجاد تبريرات شرعية لذلك التقسيم ، دون مناقشته أو عرضه على القرآن الكريم . �من هنا يمكن القول أن النظرية الإسلامية الكلاسيكية هي انعكاس للظروف الإجتماعية ـ السياسية على طريقة تفكير فقهاء تلك المرحلة� [297][4].
إن نظرية العلاقات الخارجية في الإسلام إعتمدت على وقائع آنية معينة أكثر من اعتمادها على قواعد ومبادئ دينية . ويعلق أحد الباحثين على تأثير الفكر المحدود للفقهاء على الإسلام بقوله : �أنهم وضعوا الإسلام في ثوب ضيق ، بشكل لو قبلنا كل ما تضمنته ، وهذا لم يحدث ، لجعل إمكان تطور المجتمع الإسلامي أمراً مستحيلاً� [298][5]. �فقد أدرج الفقهاء العادات والتقاليد والأعراف السائدة في عصرهم داخل الشريعة والأحكام التشريعية . وكانت النتيجة أن أغلب الآيات التي استشهد بها الفقهاء المسلمون ، وتبعهم بعض المستشرقين ، لدعم نظريتهم ، قد تم عزلها عن أجوائها ، فجاءت مجتزأة من ظروفها . ليس ذلك فحسب ، بل أنهم لم يعتمدوا القواعد الأساسية في التفسير� [299][6].
يتمتع الفقه الإسلامي بمرونة مناسبة في إمكانية تقبل التطور الحديث ، فبعض القواعد الفقهية تسمح باستنباط أحكام جديدة لحل مشاكل معينة . وهناك أمثلة على قابلية التكيف و�تغيير الفتوى� في تاريخ الفقه الإسلامي ، فقد خصص إبن القيم الجوزية فصلاً في كتابه �أعلام الموقعين� سماه (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) ، ذكر فيه بعض الوقائع المعينة وفتاوى الفقهاء بصددها ، متطرقاً إلى تأثير الزمان والمكان والظروف ، بل والأمور النفسية التي سماها(النيات) ، والسلوك الإجتماعي [300][7] . ويرى الإمام الخميني أن �الزمان والمكان عنصران أساسيان في الإجتهاد . إذ بلحاظ العلاقات الحاكمة في السياسة والإجتماع والإقتصاد في أحد الأنظمة لعل حكماً جديداً يطرأ على مسألة ما ، كان حكمها السابق يختلف ، بمعنى أن الإحاطة الدقيقة بالعلاقات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية جعلت نفس ذاك الموضوع ـ بالظاهر ـ موضوعاً جديداً فيستتبعه حتماً حكم جديد� [301][8] .
وقد ناقش السيد محمد باقر الصدر ، وهو مرجع ديني كبير في الع