النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    24 - 8 - 2007
    المشاركات
    30

    صناعة الحديث للشيخ علي بن عبد الله الصياح .الدرس1.2.3

    مقدمات في علم التخريج

    الحمد لله الذي منّ على من يشاء بطلب العلم الشرعي وذلك فضل الله يأتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى الله وسلم على القائل "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" وعلى آله وصحبه الذين تعلموا العلم في كبر سنهم حرصا على طلبه ونيلا لفضله؛ وبعد:
    فيطيب لي في مقدمة هذه الدروس العلمية التطبيقية في التخريج ودراسة الأسانيد أن أرحب بإخواني الحضور وكذلك جميع الإخوة المشاهدين وأسأل الله عز وجل بمنّه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح كما أسأله سبحانه التوفيق والسداد والإعانة فلا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه وتعالى، ولعل من المناسب في بداية هذه الجلسة أن نذكر بعض المقدمات الموجزة النافعة لطالب العلم خاصة ونحن نرى ولله الحمد والمنة يقظة علمية من لدن شباب الأمة في جميع البلدان والأقطار، لم تمنعهم أوضاع الأمة الإسلامية التي يعرفها الجميع من الحرص على طلب العلم الشرعي وإنّ في هذا الجيل المقبل على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم علما وتعليما وتدبرا وفهما وحفظا عوضا يستبشر به المسلم، ويعلم علما لا يختلجه شك أن النصر والمستقبل لهذا الدين، كما قال الله تعالى في كتابه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقال سبحانه في موضع آخر: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتمّ نوره ولو كره الكافرون)، وإنه أيها الإخوة الكرام مهما بذل أعداء الدين والملة من جهد ومال في سبيل الدعوة إلى أفكارهم وكسب عقول الضعفاء يبقى هذا الدين شامخا معتزا بأبنائه المخلصين في كل وقت وحال كما قال تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون)
    ومع كل ما تقدم أيها الإخوة الكرام يبقى أن هذه الصحوة العلمية المباركة المقبلة على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا بد من تعاهدها وسقيها من لدن العلماء والمربين والدعاة كلٌّ على قدر استطاعته.



    فمن المقدمات النافعة لطالب العلم:
    المقدمة الأولى: في ذكر بعض صفات طالب العلم الصادق.
    يا إخوان طالب العلم في مسيرته إلى الله عز وجل في هذه العبادة العظيمة يحتاج إلى صفات تساعده على نيل مطلوبه العلم الشرعي، فمن الصفات العظيمة:

    الصفة الأولى: الإخلاص لله عز وجل
    بأن يكون قصد طالب العلم بطلبه العلم وجه الله والدار الآخرة، وذلك لأن طلب العلم الشرعي عبادة والعبادة لا بد لقبولها من الإخلاص، كما قال الله عزوجل: (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وقال تعالى: (ألا لله الدين الخالص) وهنا لعلي أسأل الإخوة الحضور سؤالا: وهو لماذا الإمام البخاري رحمه الله افتتح صحيحه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) معلوم أن الإمام البخاري رحمه الله ما افتتح صحيحه بمقدمة وهذا منهج لغالب المحدثين ما افتتحوا عدا الإمام مسلم وهذا منهج الإمام مسلم يتميز بوضع مقدمات لكتبه كما في صحيحة وكتاب التمييز وغيره، لكن الإمام البخاري لم يفتتح صحيحه بمقدمة، إنما اكتفى بالمقدمة بكتاب باب بدء الوحي ثم ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات وهنا تكلم شراح صحيح البخاري لماذا افتتح الإمام البخاري صحيحه بحديث إنما الأعمال بالنيات؟، ما هي النكتة؟ ولعله يظهر على الشاشة هذا الحديث، الذي قال فيه البخاري:







    فما هو السر في أن الإمام البخاري افتتح صحيحه بهذا الحديث؟
    الحضور: لعل الإمام البخاري رحمه الله يذكر نفسه ويذكر القارئ من يقرأ صحيحه بالإخلاص لله تعالى.
    الشيخ: هذه أقرب الأقوال في هذا، لأن مناسبة الحديث لكتاب بدء الوحي لا يوجد مناسبة ظاهرة فالذي مال إليه المحققون أن الإمام البخاري يُذكّر القارئ بالإخلاص، وهذا أقرب الأقوال في النكتة، بأن الإمام البخاري افتتح صحيحه بحديث إنما الأعمال بالنيات.
    ومن الأحاديث العظيمة في باب الإخلاص، حديث آمل من طلبة العلم أن يستشعروه، حديث عظيم أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن [انتبهوا لهذه النقطة يا إخوان] فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل [نال مطلوبه في الدنيا نسأل الله العافية] ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار".
    وكان معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه- الصحابي الجليل إذا سمع هذا الحديث بكى حتى غشي عليه ثم يقول: صدق الله ورسوله؛ (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون).
    الحضور: طيب يا شيخ؛ من قال أن طلب العلم يمازجه رياء والرياء معصية كبيرة جدا ولهذا فالأفضل أن نترك طلب العلم حتى لا يمازجه رياء، فما نستطيع أن نقول في هذه المقولة؟
    الشيخ: الحقيقة، يقول بعض طلبة العلم: أنا أحس أني مرائي، فيترك طلب العلم -نسأل الله السلامة والعافية-من أجل هذه الشبهة، وأنا في رأيي الشخصي أن هذه تعتبر مدخل من مداخل الشيطان على طالب العلم، فطالب العلم المخلص له علامات والمرائي له علامات، فلا بد أن تستشعر هذه المظاهر وهي مظاهر الرياء هل هي متوفرة فيك أم لا؟، مثل مظاهر الرياء التي تدل على عدم الإخلاص: حب طالب العلم الظهور والشهرة والتصدر، ربما يغضب إذا لم يُصدّر في المجالس ويتكلم في الآخرين ويقدحهم فهذه من علامات المرائي، أو طلب الجاه أو المال، هذه المظاهر إذا شابت نية طالب العلم فعليه أن يراجع نفسه، لا أقول يترك العلم لكن يراجع نفسه ويصلح نيته كما كان ديدن السلف في هذا الباب، فهذه علامات ومستحيل أن يقول إنسان لا أعرفها، فهي علامات ظاهرة بإمكان طالب العلم أن يميزها، يميز المظاهر التي تدل على عدم إخلاصه.
    ومن جميل ما وقفت عليه، كلمة جميلة جدا لإبراهيم بن الأدهم الزاهد العابد المشهور وهو ثقة عند المحدثين: ما صدق اللهَ عبدٌ أحب الشهرة. فالمطلوب من طالب العلم أن يجاهد نفسه على الإخلاص (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) هذا الأمر الأول: الإخلاص لله عز وجل.
    الأمر الثاني: العمل بالعلم. وقد ذم الله من لا يعمل بعلمه، بل وأخبر أن علمه وبال عليه، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، انظر هذا رجل شهد الله عز وجل أنه آتاه العلم ولكن العلم أصبح وبال عليه لأنه لم يعمل به، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولذلك حث سلفنا الصالح على العمل بالعلم، في كلمات جميلة جدا قالها أئمة الحديث، منها كلمة جميلة جدا للإمام الحافظ سفيان الثورى وهو معدود من أحفظ الأمة وهو متوفي <360هـ>، يقول: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، هذه كلمة مشهورة. وقال جماعة من السلف منهم الشعبي ومنهم وكيع بن الجراح: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. والحق أن سير السلف في العمل بالعلم عجيبة جدا لا تُمل قراءتها وسماعها ولكن ليس هذا موضع ذكر هذه السير، وقد أفرد الإمام الخطيب البغدادي رسالة بعنوان (اقتضاء العلم العمل) رسالة جميلة جدا للخطيب البغدادي أنصح كل طالب علم أن يقرأها، وكذلك للإمام الحافظ ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) له كلام جميل جدا على العمل بالعلم، أنصح بقراءة هذين الكتابين، أنا أريد من الإخوة الحضور وكذلك المشاهدين أي كتاب أقوله أن يُقيّدوه، فنحن في إلقائنا والإخوة والمشايخ في إلقائهم فهم يقطعون المشوار عليك، فجيد أن تقيد الكتب التي ننصح بقراءتها واقتنائها.

    الصفة الثالثة والأخيرة التي أنصح طالب العلم بها: ترك المعاصي، فإن للمعاصي أثرا كبيرا في نسيان العلم، فالعلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ هذا النور، وللصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كلمة جميلة يقول فيها: إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها. وقال رجل للإمام مالك بن أنس: يا أبا عبد الله هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ [كثيرا ما يسألون طلبة العلم أنا أريد أن أكون حافظ فما السبل؟] فقال مالك: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي. ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك يقرأ عليه، أُعجب الإمام مالك بعلم الشافعي لما رأى من ذكائه ونبوغه وسرعة بديهته، فقال له: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظُلمة المعصية. [ انظر الكلام الجميل]. وقال الشافعي في الأبيات المشهورة له:


    شكوت إلى وكيع سوء حفظي
    فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور
    ونور الله لا يُهدى لعاصي



    ورأينا من طلبة العلم من أُنسِي شيئا من العلم بسبب ارتكابه للمعصية، ولكن فضل الله واسع إذا تاب من تاب تاب الله عليه، كلنا خطّاء وخيرُ الخطائين التوابون. هذا ما يتعلق بالمقدمة الأولى في صفات طالب العلم الصادق.


    المقدمة الثانية التي أحب أن أقدمها بين يدي البرنامج: في فضل الإسناد وأهميته؛
    لأن كل دروسنا في هذا البرنامج تدور حول الإسناد وتخريجه والكلام على رجال الحديث فناسب أن نذكر فضل الإسناد، وقبل أن نبين أهمية الإسناد، لا بد من بيان المراد من الإسناد، لأنه يا إخوان بعض المشاهدين لا يعرف ما المراد بالإسناد، فناسب أن نبين ما هو الإسناد وما المراد به، لأن هذا البرنامج في هذه المرحلة موجه للمبتدئين.
    فعندنا هذا الإسناد الذي سيظهر على الشاشة.




    الشيخ: متن الحديث هو؟
    الحضور: متن الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي تفوته صلاة العصر، كأنّما وُتر أهلَه ومالَه".
    الشيخ: هذا يسمى متن الحديث، دائم في دروسنا أيها الإخوة الكرام إذا قلنا متن الحديث نقصد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما ينتهي إليه الإسناد. أما إسناد الحديث؟
    الحضور: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
    الشيخ: هذا يسمى إسناد الحديث، وهي سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، كلما إسناد في دروسنا فإننا نقصد هذا الإطلاق: سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن. عندنا أيضا صحابي الحديث أو أحيانا نظلق عليه الراوي الأعلى، من هو؟
    الحضور: صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر .
    الشيخ: نعم هو صحابي الحديث ونافع يكون تابعي. سيأتي الكلام على هذا بالتفصيل إن شاء الله، فقط أحببت أن أقدم بمقدمة تبين ما هو الإسناد الذي نتحدث عنه، هذا الإسناد أيها الإخوة الكرام كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقي الكلام للصحابة فينقلون الصحابة أفعال النبي وأقواله إلى التابعين والتابعون يبلغونها إلى من بعدهم .. إلى آخره، هذا يسمى الإسناد. والذي أريد أن أبينه هنا أن الإسناد هذا خصيصة لهذه الأمة، لا يوجد عند أمة من الأمم شيء اسمه الإسناد إلا هذه الأمة فهو مزية لها، حتى قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل. وقال أبو علي الجياني: خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب. وهناك كلمة جميلة لعبد الله بن مبارك يقول فيها: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (أخرجه مسلم). وفي قصة جميلة أن الإمام الحافظ الزهري حدّث يوما حديثا بإسناد، فقال له سفيان بن عيينة: يا إمام هاتِهِ بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سُلّم؟! [ انظر كيف استشعار أهمية ذكر الإسناد!]، وقال الثوري: الإسناد سلاح المؤمن.
    والحقيقة أن أقوال السلف في بيان أهمية الإسناد وخصوصية الأمة، وتفنّن علماء المسلمين في ضبط الأسانيد أقوال في هذا شيء كثير جدا، وحتى من اطلع على هذه الأقوال يعجب أشد العجب منها ومن جهود العلماء في هذا الفن، وما التخريج ودراسة الأسانيد الذي نعايشه في هذه الدروس إلا فرع من فروع ضبط الأسانيد عند المحدثين، ولكن هنا أنبه في هذه المقدمة على أمور:-
    - الأمر الأول: أن ما تقدم من بيان خصيصة الإسناد يبين عندنا خطأ بعض من كتب في تاريخ العلم عند المسلمين خاصة من المستشرقين ومن قلّدهم، ادعوا أن العلماء اليونانيين هم المثل الأعلى للمسلمين في كل حقل من حقول العلم، فما تقدم يبين أن هذه الدعوة المطلقة غير صحيحة، فالإسناد من خصائص هذه الأمة، بل إن الإسناد وما تفرع عنه يعد من أعظم إنجازات المسلمين في مجال البحث العلمي، وأقوال الأعداء قبل الأصدقاء في الإعجاب بالإسناد وما تفرع عنه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. هذا الأمر الاول.
    - الأمر الثاني: أنه ينبغي على المعلمين والمتصدين للمناهج والتأليف، ينبغي العناية بهذا الجانب من تراث أمتنا وعدم الاستسلام والهزيمة أمام المواد التي تزاحم هذه المواد العلوم الإسلامية الأصيلة، فبعض المسلمين نحّى هذه العلوم الأصيلة عند المسلمين واستبدلها بعلوم أقل شأنا منها، فهذا يجب أن يُلاحظ وأن تُقرر في الجامعات وفي دور العلم العناية بالإسناد وما تفرع عنه.
    - الأمر الثالث: الذي أحب أن أنبه عليه في هذه المقدمة أن بعض الناس يقول: إن المحدثين لم يراعوا العقل في علمهم، والحق أن هذا دعوى غير صحيحة، فالمحدثون راعوا العقل في مواطن عديدة من أبرزها أربع مواطن راعى فيها المحدثون العقل:
    الأول: عند سماع الأسانيد والمتون.
    الثاني: عند التحديث بها.
    الثالث: عند الحكم على الحديث.
    الرابع: عند الحكم على الرواة.
    هذه أربعة مواطن راعى فيها المحدثون العقل بأسلوب عظيم ومنهج علمي دقيق، ومن أفضل من بين هذا الإمام المُعَلِّمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة، وضّح هذا وجلاه بأسلوب رائع جدا، وهذا الكتاب أنا أنصح باقتنائه وقراءته.
    ومما أنبه في قضية العقل أيها الإخوة الكرام، ليس هناك شيء اسمه العقل المطلق، هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وفلان، فما تراه أنت حسن ربما يراه غيرك قبيح، وربما تقول أنت عن هذا قبيح فيطلع عليك عشرة ويقولون: لا يا أخي هذا حسن، فهناك ميزان ثابت عندنا نحن المسلمون في قضية ضبط مسألة العقل وهو اتباع الكتاب والسنة، الكتاب والسنة هما الميزان، وخاصة في هذا الزمان واضح كيف العقل نزل ببعض الفئات وبعض الناس، نزل بهم العقل إلى أسفل السافلين إلى حد أن بعض العقول أجازت المثلية في الزواج، يعني الرجل يتزوج الرجل، أهذا عقل؟!. فالعقل إذا لم يستضئ بنور الكتاب والسنة ربما يكون وبالا على صاحبه، لا بد أن نلاحظ هذا، فالميزان في قضية العقل هو اتباع الكتاب والسنة.
    - الأمر الرابع: أن هذا يدلك على المنهجية الدقيقة التي سار عليها المحدثون في التثبت من الأخبار، منهجية دقيقة جدا، فالمحدثون لا يقبلون أي خبر حتى يطبقون المنهج الدقيق في سلامة ثبوت هذا الخبر، ويا ليتنا نحن في هذا الزمان نطبق هذا المنهج أو قريبا منه، كم نسمع من شائعات أو أخبار خاصة مع وجود مثل الشبكة العالمية الآن، يذكر الرجل فيها خبرا ينتشر في أقطار العالم، وربما بعضهم أخذه على أنه حقيقة علمية وبنى عليها أحكاما، المحدثون عالجوا هذا بقضية الأسانيد مما يجعل المسلم ينطبع هذا في سلوكه الشخصي في مجتمعه في كلامه وتعامله مع الآخرين، ولو تثبتنا يا إخوان لسلمنا من تبعات كثيرة نحن في غنى عنها سواء في العلاقات الأسرية أو الاجتماعية. هذه المقدمة الثانية فيما يتعلق بالإسناد.
    المقدمة الثالثة والأخيرة: في منهجية هذه الدروس العلمية التطبيقية في التخريج ودراسة الأسانيد التي ستلقى في هذا البرنامج؛
    وأقدم بين يدي الحديث عن هذه المنهجية سؤالا هو: سمعت أيها الأخ المبارك حديثا يُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" سمعت هذا الحديث، هنا يدور في خلدك من أخرج هذا الحديث؟، ما درجة هذا الحديث هل هو صحيح أم ضعيف؟، هذا البرنامج بإذن الله عز وجل سيجيب عن هذه الأسئلة من أخرجه وعن مدى صحة هذا الحديث. هنا أقول السامع لهذا الحديث لا يخلو من حالين.
    - الحال الأول: أن يكون عاميا: ليس عنده علم، فوظيفة العامي في كل أمور الشريعة أن يسأل وأن يرجع لأهل العلم كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، ربما يقول بعض العوام وهذه كثيرا ما تطرح: يا أخي العلماء يختلفون وربما اختلفوا أيضا في صحة الحديث، فماذا أعمل أنا كعامي؟
    أقول: الواجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في دينه وورعه وعلمه من العلماء، كما إذا أصبت بمرض، ألا تبحث عن أمهر الأطباء، فكذلك إذا جاءتك مسألة دينية فإنك تبحث عن أفضل وأورع من يتكلم بهذا، هذه وظيفة العامي، واختلاف العلماء شيء طبيعي لأن هناك مآخذ علمية دقيقة يختلف فيها العلماء وتتنوع اجتهاداتهم.
    وأجد هنا مناسبة أن أقول:
    يا إخوان.. الكلام في الشريعة وبيان حكمها واستنباطها وتمييز ضعيفها من صحيحها ليس من قبيل الثقافة العامة التي يتناولها الكتاب والمفكرون والمثقفون والشعراء بالنقد والتعليق كما يتناولون نقد القصيدة والمقالة، هي مسألة علمية تتعلق بدين الله عز وجل، لا يجوز أن يتكلم أحد بدين الله عز وجل إلا بعلم، مقدمات، بعض الناس يجلس 20 - 30 سنة يطلب العلم ثم يأتي واحد بدون مقدمات وبدون علم يقول أنا أريد أن أتكلم في شريعة الله، هذا من أعظم المحرمات، لذلك الله عز وجل لما ذكر المحرمات جعل من أشد المحرمات القول على الله بغير علم، لذلك ابن القيم له كلام جميل يقول فيه: وقد حرّم الله القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، كما قال تعالى: (قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير حق وأن تشركوا بالله ما لم ينـزّل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
    ولذلك ابن حزم قال كلمة جميلة الحقيقة أعجبتني يقول ابن حزم: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويظنون أنهم مصلحون.
    الكلام يا إخوان في الشريعة ليس حمىً مستباحا لكل من هب ودب، كل واحد يقول أنا لي حق أن أشارك، لا ليس لك الحق أن تشارك إلا بعد مقدمات، فلك الحق أن تطلب العلم لا يمنعك أحد من أن تطلب العلم وتأتي العلم من أبوابه كما قال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)، فإذا طلبت العلم وعرفته فلك الحق أن تتكلم، وهذا ابتلينا به في بعض من يكتبوا أنه يتكلم في شريعة الله من دون مقدمات، يقول لي الحق أن أشارك، نقول نعم لك حق المشاركة فالعلم ليس محصورا على أحد ولكن لا بد من مقدمات أن تتقنها وتعرفها لكي يحق لك أن تتكلم في العلوم الشرعية.
    هذا القسم الأول ممن يسمع الحديث: العامي وظيفته أن يسأل المتخصصين وتبرأ ذمته.
    - القسم الثاني ممن يسمع الحديث: طالب العلم ولو مبتدئ، هذا البرنامج يا إخوان وما فيه من دروس علمية تطبيقية تأصيلية في التخريج ودراسة الأسانيد يخاطب هذه الشريحة من طلبة العلم، ولا بد هنا أن أنبه على أمور هي وصايا لطالب العلم المبتدئ فيما يتعلق بهذا:
    الأول: من المفترض في هذه المرحلة، لكي نكون واضحين يا إخوان في معالم الدروس التي نأخذها فيعرف الطالب هل يقبل عليها وما هو المطلوب منه؟ من المفترض في هذه المرحلة أن يكون طالب العلم قد قرأ قبلها كتابا في بيان مصطلحات الحديث، أو حفظ متنا مختصرا يبين مصطلحات المحدثين، ويظهر لي فضيلة شيخنا الشيخ سعد الحميد قد سبق أن ألقى في هذه القناة المباركة دروسا في شرح نخبة الفكر، فهذا امتداد لما شرحه فضيلة شيخنا الشيخ سعد الحميد، وهنا أسأل الإخوان الحضور ما هي الكتب التي تبين مصطلحات المحدثين بأسلوب مختصر وواضح؟
    الحضور: الموقظة للذهبي، نخبة الفكر لابن حجر، الاقتراح لابن دقيق العيد. تدريب الراوي للسيوطي، الباعث الحثيث لابن كثير، فتح المغيث للسخاوي.
    الشيخ: ولكن هناك في الحقيقة منظومة أنا أنصح طالب العلم أن يحفظها، فأنا أنصح في الحقيقة بحفظ البيقونية فهي منظومة أربع وثلاثين بيت، حوت جميع مصطلحات الحديث، وهي سهلة الحفظ، فإذا حفظها طالب العلم مع شرحها فهنا لا شك يعد قطع شوطا، ويناسب أن يدخل معنا في هذه الدروس، أنا أنصح بها وبحفظها وغالب إخواني الذين حضروا دروسي ممن شرحت لهم هذه البيقونية وحفظوها. هذه المرحلة الأولى أي يفترض أن يكون قد قرأ شيئا من مصطلحات الحديث.
    الأمر الثاني الذي أنصح به؛ التدرج في طلب العلم، ودائما ننصح طالب العلم أن يتدرج في طلب العلم وخاصة علم الحديث، طبعا علم الحديث يرى بعض الفضلاء أنه صعب ويقرر هذا وبعضهم يرى أنه سهل، بالنسبة لعلم الحديث فهو كبقية العلوم، السهولة والصعوبة شيء نسبي، ربما يكون صعب عليك ربما يكون صعب على الآخر، لكن من طلب العلم بصدق وإخلاص فلا شك أنه بإذن الله عز وجل سينال مراده. المقصود أنه يتدرج طالب العلم في طلب العلم، وعدم تفطن طالب العلم لهذا التدرج ربما يكون من معوقات طلب العلم، كم نرى من بعض طلبة العلم يطلب العلم ثم يقفز مراحل، أول ما يبدأ مثلا ينتقل إلى فتح الباري ، يعني الكتب التي يصل إليها المنتهون ثم بعد ذلك يترك طلب العلم، يحصل له نُفرة! هذا بسبب هذا الشيء وهو أنه قد قفز المراحل وأحرقها ولم يبدأ بالتدرج في طلب العلم. ولذلك من جميل ما وقفت عليه ما علقه الإمام البخاري في صحيحه في بيان قوله تعالى: (كونوا ربانيين)، فقال البخاري: ويُقال الرباني الذي يُربي الناس بصِغار العلم قبل كِباره.
    والسلف .. لو اتبعتم أيها الإخوة الكرام منهج السلف في طلبهم العلم، يراعون هذه النقطة ألا وهي التدرج في طلب العلم، يقول ابن أبي حاتم الحافظ الكبير عبد الرحمن ابن أبي حاتم المتوفي سنة 327 مؤلف كتاب الجرح والتعديل يقول: لم يدعني أبي أطلب العلم حتى حفظت القرآن [أنظر هذا يدل على التدرج].
    ابن عبد البر له كلام جميل يقول: طلب العلم درجات ومناقل ورُتَب لا ينبغي تعديها.
    ابن حجر أيضا له كلام طيب يقول فيه: وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حُبِّب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده.
    وهذا من أسباب نفور بعض طلبة العلم تجده يطلب العلم ثم لا يمشي بالتدرج كما كان علماءنا في هذا البلد وكما كان السلف الصالح في طلبهم للعلم ثم بعد ذلك يُفاجأ بالعلوم التي لا يستوعبها ثم يقول أنا لست أهلا لطلب العلم هذا العلم صعب، لأنه لم يراع التدرج، التدرج مهم جدا، وآمل من الإخوة المربين أن يراعوا التدرج في طلبهم للعلم، لذلك نحن راعينا ذلك في دروسنا هذه، وفي التدرج من الفوائد العلمية والتربوية ما لا يتسع ذكره في هذا المقام، وأنا آمل أن تخصص حلقة في هذه القناة العلمية المباركة في قضية تدرج طالب العلم المبتدئ، حلقة تخصص لهذا الشيء، كيف يبدأ، الكتب التي يبدأها في الحديث في الفقه التأصيلية، نصائح له كيف يفعل .. إلى آخره .. لعله هذا يحصل إن شاء الله.
    * لذلك نحن في هذه الدروس راعينا هذا الأمر، فمن منهجنا في هذه الدروس:
    أولا: سوف نقتصر في هذه المرحلة على الكتب الستة غالبا وفي الجرح والتعديل سنقتصر على الكتب المؤلفة في رجال الكتب الستة، وأبين أيها الإخوة الكرام أن ما نقبله في هذه المرحلة ربما لا نرضى بالاكتفاء به في المراحل المتقدمة إن شاء الله، فيلاحظ هذا الأمر، لأن المقام مقام تعليم للمبتدئين ومحاولة تحديد هذا العلم التخريج ودراسة الأسانيد لهم فليس المقام مقام توسع واستطراد.
    ثانيا: كل حلقة سنعطي مثالا تدريبيا للإخوة الحضور وكذلك المشاهدين فمن يرغب في الإجابة ممكن أن يرسل هذه الإجابة عن طريق موقع الأكاديمية أو الفاكس .. ...
    وهنا أجد فرصة أن أنبه على أهمية التطبيق العملي في علم الحديث فمن أراد إتقان علم الحديث لا بد له من الممارسة العلمية والتبكير في ذلك، فكثير من المصطلحات ربما لا تفهم جيدا أو تتضح معالمها إلا بالتطبيق العملي، وهذا ألاحظه أن من أسباب الخلل عند طلبة العلم بالذات المتخصصين في الحديث هو عدم الممارسة العملية، ربما تحفظ كتب وربما تحفظ منظومات ولكن إن لم تطبق عمليا بحيث تتضح لك المشكلات ويتضح لك المصطلح هذا وحدوده ربما لا تُتقن الحديث. كذلك الممارسة العملية في الحديث كما سنطبقه إن شاء الله تبعد هذا الفن عن الجفاف الذي يبديه بعض الناس في هذا العلم.
    أيضا من منهجنا في هذه الدروس بإذن الله عز وجل أنه في بداية كل درس سوف نسأل عن الدرس السابق ماذا قلنا فيه بحيث نعطي ملخصا وكذلك بإذن الله عز وجل في نهاية كل درس سوف نطلب من الحضور وفقهم الله أن يلخصوا جميع ما قلنا في هذا الدرس لكي يرسخ هذا في أذهان الحضور والمستمعين.
    الأمر الأخير أننا سوف نجعل في آخر الدرس 10 دقائق للإجابة على أسئلة الإخوة الحضور وكذلك ما يصلنا من الإخوة المشاهدين فيما يتعلق في هذه الدروس - التخريج ودراسة الأسانيد -.
    كذلك لا يفوتني أن أرحب بأي مقترح أو ملحوظة أو رأي يتعلق بالبرنامج فهذا جهد المُقِل الذي لا يخلو من القصور البشري الذي يعتري الجميع، حسْب المُلْقي أنه بذل ما يستطيع ابتغاء رضوان الله عز وجل وخدمة لهذا الدين الذي يشرف من خدمه، هذه هي أهم معالم هذه الدروس التي سوف نسير عليها بإذن الله عز وجل.
    المقدمة الرابعة والأخيرة التي نتطرق إليها ولعلها تكون في بداسة الحلقة القادمة وهي مباحث تقدم بين يدي دراسة هذا الفن:
    تعريف التخريج وكذلك نشأة علم التخريج وفوائده، كذلك الكتب المؤلفة مع شيء من التطبيق العملي بإذن الله عز وجل. سيكون هذا في الدرس القادم بإذن الله عز وجل.
    الشيخ: ربما يقول بعض الإخوة المشاهدين ماذا تريدون بالكتب الستة لكي نقتنيها ونمشي معكم في هذا البرنامج، فما المراد بها؟
    الحضور: الكتب الستة هي صحيح البخاري، صحيح مسلم، جامع الترمذي، سنن أبي داود، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. كتب الرجال الستة: الكمال وفروعه تهذيب الكمال، تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب والكاشف وغير ذلك من الكتب. تحفة الأشرا ف من طرق التخريج أيضا فقد جمعت الكتب الستة كلها.
    فالمشاهدين الذي يشاهدون معنا هذا البرنامج فليحرصوا على اقتناء الكتب الستة، وسوف نقتصر في هذه المرحلة على تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب وتهذيب الكمال، وربما في المراحل المتقدمة بإذن الله عز وجل لا نكتفي بهذه الكتب التي اكتفينا بها في هذه المرحلة.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    24 - 8 - 2007
    المشاركات
    30
    الدرس 2

    مقدمات في علم التخريج
    بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله....
    نسأل الله بمنّه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، كما أسأله سبحانه السداد والإعانة والتوفيق فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى.


    وقبل أن أبدأ هذا الدرس أيها الإخوة الكرام، أقول لما دخلت هذه المكتبة العامرة – مكتبة ابن القيم- وفق الله القائمين عليها لكل خير، ورأيت الإخوة طلبة العلم هذا يقرأ كتابا وهذا يكتب بحثا وهذا يحضر للدرس قلت في نفسي: كثيرا ما يسأل الناس عن الطرق الموصلة للجنة. والجواب: أن من الطرق الموصلة إلى الجنة هذا الطريق.. طريق العلم.
    فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة".
    والسلوك أيها الإخوة الكرام في هذا الحديث يشمل السلوك الحسي بالمشي والذهاب إلى دروس العلم وكذلك يشمل السلوك المعنوي بحفظ العلم وكتابته ومدارسته، فأحث الإخوة والأخوات على طلب العلم وعدم التأخر.
    لا تتأخروا في طلب العلم أيها الإخوة الكرام، والحمد لله وسائل طلب العلم الآن كثيرة ومتنوعة، لا يحدها مكان ولا زمان، ومن ذلك القناة المباركة هذه، قناة المجد العلمية، تجاوزت الحدود وتجاوزت الزمان فإن كان؛ الواحد يطلب العلم عن طريق متابعة هذه القناة الطيبة المباركة.
    وسبحان الله، طالب العلم الجاد أيها الإخوة الكرام يحس بلذة عظيمة في طلب العلم لا يجدها أهل الشهوات في شهواتهم، ومن جميل ما وقفت عليه كلام رائع جدا لابن الجوزي يقول فيه: ولقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو أحلى عندي من العسل في سبيل ما أطلب وأرجو [ما هو الذي يطلب ويرجو؟ العلم، يقول] وكنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة [خبز يابس] ثم أذهب به في طلب الحديث وأقعد عن نهر عيسى [نهر في بغداد اسمه نهر عيسى] ثم آكل هذا الرغيف وأشرب الماء [لأن الرغيف يابس ما يستطيع أن يأكله إلا عن طريق بلّه في الماء ثم يأكله، يقول] فكلما أكلت لقمة شربت عليها وعَيْن هِمّتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم.
    وهذه اللذة يا إخوان التي يجدها طالب العلم في قلبه هي من توفيق الله عزوجل ومن جزاء الله للمخلصين، وهل هناك أعظم وألذ من أن يعيش المرء مع كتاب الله عزوجل ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأملها ويتعلمها ويطلبها، والله في ظني هذه من أعظم اللذات التي يشعر بها المسلم في حياته.
    حتى قال بعض السلف كلمة جميلة: إنه ليمرّ بقلبي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيب. وقال الآخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.


    لذة العلم والأنس بالله عزوجل ومناجاته، فهو هذا المعنى الذي قال هؤلاء السلف، الحقيقة كثير عند السلف الصالح أمثال هذه العبارات، فحريٌّ بنا أن نستشعر هذه المشاعر الطيبة التي تعطينا همّا وعزما في طلب العلم والاستمرار فيه، والله المستعان.


    أيها الإخوة الكرام، قبل أن ندخل في موضوع الحلقة، كما اتفقنا في منهجية الدروس نسأل عن الدروس السابقة، فأطلب من أحد الإخوة أن يوجز لنا ما قلنا في الدرس السابق الأول.
    الطلاب:
    - ذكرنا في الدرس الماضي بعض المقدمات وكانت المقدمة الأولى عن طالب العلم وصفاته ومن تلك الصفات الإخلاص والعمل بالعلم وكذلك ترك المعاصي، فهذه بالإجمال المقدمة الأولى.
    - مما تطرقنا إليه في المحاضرة الماضية المقدمة الثانية في فضل الإسناد وأهميته وتطرقنا إلى تعريف الإسناد والمتن، والإسناد خصيصة فاضلة لهذه الأمة ليست لغيرها من الأمم السابقة، ومن النقاط: خطأ بعض من كتب في تاريخ العلم أن المسلمين خاصة المستشرقين ومن قلدهم في دعوى أن العلماء اليونانيين هم المثل الأعلى للمسلمين في كل حقل من حقول العلم، ثم تطرقنا إلى النقطة الرابعة أنه ينبغي على المتعلمين والمتصدين للمناهج العناية بهذا الجانب من تراث أمتنا وعدم الاستسلام والهزيمة النفسية أمام المواد التي تزاحم هذه العلوم الإسلامية الأصيلة مما يولد تنحية هذه العلوم التي خصت بها أمتنا الإسلامية.
    - تحدثنا أيضا أن بعض الناس يقولون أن المحدثين لم يراعوا العقل في علمهم والحق أن هذا غير صحيح، فقد راعوا العقل في مواطن عديدة ومن أبرزها أربعة مواطن: عند سماع الأسانيد والمتون وعند التحديث بها وعند الحكم على الرواة وعند الحكم على الأحاديث. وفي نهاية النقطة الثانية تحدثنا عن المنهجية الدقيقة التي سار عليها المحدثون في التثبت من الأخبار.
    الشيخ:
    هذا مجمل ما ذكرنا في الدرس السابق ولعلنا في هذا الدرس إن شاء الله نكمل ما بدأنا، فأقول:


    لا يخفى أيها الإخوة الكرام أن أي فن يريد أن يتعلمه المرء لا بد أن يعرف ماهية هذا الفن، من خلال مباحث معينة، تعريف هذا الفن لغة واصطلاحا، كذلك تاريخ هذا الفن، فوائده، المؤلفات التي أُلِّفت في هذا الفن، فهذه المبادئ تُعطي طالب العلم تصورا عن العلم الذي يطلبه وتهيّئه للدخول فيه، فعندنا التخريج ودراسة الأسانيد، فالتخريج لغة عرفوه قالوا: هو مصدر فعل خَرَّج بمعنى أظهر وأبرز، وفي الاصطلاح قالوا إن تعريف التخريج: هو عَزْو الحديث إلى مصادره الأصلية مع بيان درجته عند الحاجة.
    وأنبه أن هناك تعريفات كثيرة للتخريج أوصلها بعض الباحثين إلى عشرة وهناك مناقشات حول هذه التعريفات، بعضهم زاد بعض القيود وبعضهم نقص ولكن بالجملة جميع التعريفات ترجع إلى ما ذكرت وأنبه أنه في هذه المرحلة لا أرى أن يُشوش ذهن الطالب بالدخول في المناقشات النظرية التي تأخذ حيزا من ذهنه في هذه المرحلة، وربما تثقل على طالب العلم وربما مع المناقشات النظرية ينفر طالب العلم. ففي هذه المرحلة للمبتدئين أرى أنه ما يُغرق في البحوث النظرية في مناقشة التعريف.


    نشرح التعريف شرحا موجزا، فأقول: قولنا عزو الحديث: بمعنى بيان موضع الحديث في مصادره أو نسبة الحديث إلى من أخرجه، فتقول رواه أو أخرجه أو خرّجه البخاري في صحيحه.
    والعزو نوعان كما سيظهر في الشاشة:-
    1- العزو التفصيلي 2- العزو الإجمالي










    فالعزو التفصيلي أن تذكر اسم المؤلف واسم كتابه والكتاب الذي أخرجه فيه والباب ورقم الجزء والصفحة ورقم الحديث وغيرها مما يحتاجه البحث المعين فتقول مثلا في هذا المثال الذي بين أيديكم:
    أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان- بابٌ تطوع قيام رمضان من الإيمان الجزء الأول صفحة 22 رقم 37، قال: حدثنا إسماعيل .... الحديث.
    فتلاحظون في هذا المثال: العزو التفصيلي ذكرنا كل ما يتعلق بالحديث وربما يذكر أكثر من حيث مناقشة الطرح ومناقشة الألفاظ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، هذا يسمى العزو التفصيلي، وهناك عزو يسمى العزو الإجمالي كأن تقول مثلا: أخرجه البخاري في الجزء الأول صفحة 22 رقم 37 (1/22 رقم 37) أو تقول أخرجه البخاري برقم 37 ونحو ذلك.
    ماذا لاحظتم الفرق بين العزو التفصيلي والإجمالي، ماذا حذفنا في العزو الإجمالي؟
    الطلاب: حذفنا اسم الكتاب والباب
    الشيخ: نعم أحسنت، يعني حذفنا اسم الكتاب فلم نقل أخرجه البخاري في صحيحه، لماذا؟ لأن كتاب البخاري مشهور وشهرته تُغني عن ذكره، وكذلك أحيانا نحذف الجزء والصفحة، فهذا يسمى العزو الإجمالي.
    - ربما يسأل أحدكم ما هو الضابط لسلوك العزو الإجمالي أو التفصيلي؟
    أقول: الضابط في هذا هو طبيعة البحث ونوعه، هي التي تولّد عند الباحث أن يسلك منهج العزو التفصيلي أو الإجمالي، فمثلا في الدراسات الحديثية المتخصصة يستحسن التفصيلي وفي البحوث العامة والمقالات يستحسن الإجمالي، فالعوامل المحيطة بالمقال أو البحث هي التي تحدد نوع العزو.
    الطلاب: ما هو الأفضل لطالب العلم المبتدئ أن يسلك العزو الإجمالي أم التفصيلي؟
    الشيخ: هذا سؤال جميل في الحقيقة ونحتاجه في هذه المرحلة، أنا أميل في هذه المرحلة أن يسلك طالب العلم، طالب الحديث العزو التفصيلي، أن يذكر جميع البيانات، لماذا؟ لأنه في مقام التعلم وتلمس مناهج المصنفين، فكلما كان عزوه تفصيليا حصل له معرفة أكثر بمناهج المصنفين من حيث ترتيب الكتاب وطريقته ومنهج المؤلف وشرطه، لما ترجع إلى البخاري تجد أن فيه كتاب الإيمان وفيه أيضا تبويب وفيه رقم، فتستفيد فوائد كثيرة، كذلك تنمية روح الصبر وطول البحث والنظر عند الطالب، فهو يبحث عن اسم الكتاب والباب الذي أخرجه ويذكر الإسناد، ففيه جهد الحقيقة من الطالب، فآمل من الطلاب في المرحلة هذه أن يلاحظوا هذه النقطة، هو أن نسلك في العزو المنهج التفصيلي ثم في المستقبل إذا تعمق طالب العلم وتوسعت مداركه في علم الحديث له أن يختار المنهج الذي يريد، الذي يناسب كتاباته وبحوثه فهو يختار ما يريد ولكن في هذه المرحلة نسير على العزو التفصيلي إن شاء الله تعالى.


    قولنا: عزو الحديث ما المراد بالحديث؟ المراد بالحديث هنا: هو كل ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية.
    وأنبه هنا تنبيه مهم يا إخوان تحتاجونه في التطبيق العملي، أن مفهوم الحديث عند المحدثين واسع جدا فيشمل الحديث المُضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويشمل كذلك ما أُضيف إلى الصحابة، قول الصحابة يطلق عليه المحدثون أنه حديث، وكذلك أقوال التابعين يُطلق عليها حديث من حيث العموم، فإذا رأيت <استعمال> فانتبه إلى أنه ربما يراد بالحديث هذا الاستعمال.


    وقولنا إلى مصادره الأصلية؛ المراد بالمصادر الأصلية عندنا في الحديث هي الكتب التي يروي أصحابها الأحاديث بأسانيدهم، مثل الكتب الستة، مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل، فهذه تُعد مصادرا أصلية لأنهم يروون الأحاديث بأسانيدهم، وأنبه إلى أنه ولله الحمد والمنة أنه لا يخلو قسم من أقسام الدراسات الإسلامية من مقرر عنوانه مناهج المحدثين في التصنيف، هنا يتكلمون عن المصادر الأصلية، طبيعتها، أنواعها، شروطها. ومن المهم أن يعتني طالب العلم بدراسة هذا المقرر، لأنه كلما تعمق في معرفة كتب الحديث كلما كان بحثه أدق وأعمق.
    وفي تقديري أنه لايوجد فن من الفنون يحتاج إلى كتب كثيرة مثل علم الحديث يعني يحتاج كتب في الرواية، كتب في الجرح والتعديل، وكتب الجرح والتعديل كثيرة جدا ومتنوعة، وتواريخ وبلدان ونحو ذلك، فتعامل المحدثين مع الكتب من أوسع الفنون تقريبا، يخرج بهذا القيد -التي هي المصادر الأصلية- المصادر الفرعية وهي التي لا تروي بالإسناد، مثل ماذا؟
    رياض الصالحين مثلا، الإمام النووي يقول الحديث: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان..." الحديث، أخرجه البخاري ومسلم.
    فلا يذكر الإسناد، هناك كتاب مشهور جدا وهو بلوغ المرام لابن حجر وكتاب آخر الترغيب والترهيب للمنذري، فهو لا يذكر الأسانيد وبالتالي يعد من المصادر الفرعية.
    هذا رياض الصالحين معنا، ممكن أن يشاهد الحضور مثالا حديثا، الآن تلاحظون هذا الحديث، فلا يذكر النووي الإسناد، إنما يذكر الصحابي ثم المتن ثم يذكر من أخرج الحديث. فإذا عزا إلى المصادر الأصلية خرج من التَبِعة.
    هذا مثال:- (رياض الصالحين كتاب الفضائل 180- باب فضل قراءة القرآن رقم 9/999)




    هنا أنبه على أمر يخطئ فيه بعض الناس وهو إذا نقلت حديثا من المصادر الفرعية لا تقول أخرجه أو رواه أو خرّجه إنما تقول عبارة: ذكره أو أورده ونحو هذه العبارات التي اصطلح عليها المحدثون على أنها تُشعر بعدم ذكر الإسناد.
    وهنا أقف وقفة، يا إخوان إن كل من تكلم بغير فن أتى بالعجائب، كم رأينا من خلط في هذا الباب، يعني أنا مرة قرأت واحد يقول وقد ذكر حديثا قال: أخرجه ابن منظور في لسان العرب، بينما لسان العرب معروف أنه من كتب اللغة التي لا تروي بالإسناد أصلا!، وبعضهم يقول: أخرجه السيوطي في الدر المنثور، الدر المنثور مصدر فرعي لا يذكر الإسناد، فهذه العبارات كلها خاطئة جدا، وبعضهم أيضا قال: أخرجه ابن أثير في جامع الأصول، ابن أثير لا يذكر الإسناد!، فتقول أورده ابن الأثير.
    هذا الذي جعلنا ننبه دائم، لو تأملتم أننا نبدأ بالعلم الشرعي وفروعه ليس من باب الثقافة العامة يتكلم فيه كل من هب ودب، لا .. هو علم له أصوله وله فروعه وله ضوابطه، مثل علم الطب، يا إخوان لكم أن تتصوروا شخصا لم يدرس علم الطب ثم فتح له عيادة وقال: أنا أريد أن أعالج الناس، قلنا له: لماذا يا أخي؟ ما درست الطب! قال: أنا لي حق أن أشارك وأن أبدي رأيي، هل علم الطلب حكر على هؤلاء؟! قلنا: لا .. علم الطب ليس حكرا ولكنهم طلبوا علم الطب وتعلموا فحُق لهم أن يتكلموا في الطب، كذلك أعظم من الطب أيها الإخوة وأخطر من الطب الكلام في العلم الشرعي، في شريعة الله عز وجل، في النقل عن الله عز وجل، فيجب التفطن لهذا والحذر من الكلام في شريعة الله عز وجل إلا من بعد طلب العلم وليس هذا من باب الاحتكار أو من باب أنه لا يتكلم فيه إلا أناس، لا .. ولكن هؤلاء طلبوا العلم فحُق لهم أن يتكلموا وأنت لو طلبت العلم لم يمنعك أحد من الكلام في شريعة الله عز وجل.
    قولنا: مع بيان درجته عند الحاجة أن يبين حكم الحديث من حيث القبول أو الرد، هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف، وهذا قيد مهم جدا، وتلاحظون في التعبير الحاجة لماذا؟
    لأنه أحيانا نكتفي بالعزو عن بيان درجة الحديث، مثل أن يكون الحديث في الصحيحين، مثل أن تقول أخرجه البخاري أو أخرجه مسلم، فإنه لا حاجة لنا أن نبين درجة الحديث، ومعلوم أن الصحيحين اتفقت الأمة على أن ما فيهما من أحاديث أنها صحيحة، نقل هذا الإمام الحُميْدي أبو عبد الله صاحب الجمع بين الصحيحين، كذلك ذكر هذا ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث، شيخ الإسلام ابن تيمية نقله عن أهل الحديث قاطبة وابن حجر أيضا، سيأتي في التطبيق العملي ما يدل على ذلك من خلال واقع هذين الكتابين وشرط المؤلفين فيهما، وهذا الأمر ولله الحمد في صحة أحاديث البخاري ومسلم يكاد أن يستقر حتى في نفوس العوام، أحيانا تسمع من العوام إذا ذكر حديث يقول: هو في البخاري؟ كأنه يقول هذا في البخاري يعني أنه قد جاد القنطرة وأنه صحيح.
    الطلاب: شيخ – الله يحفظك- هل نفهم من التعريف الآن أن علم التخريج أوسع من علم دراسة الأسانيد، بمعنى آخر: أن دراسة الأسانيد أحد فروع علم التخريج؟
    الشيخ: هذا سؤال مهم جدا، والجواب عنه: أن دراسة الأسانيد هي روح التخريج، لأن التخريج الآن وسأنبه على هذا فيما يأتي، أن التخريج بالأمر السهل، في هذا الزمان البرامج الحاسوبية كفت المؤونة الناس فاستطاع أي واحد الصغار والكبار والرجال والنساء أن يخرّجوا، ولكن دراسة الأسانيد التي هي روح التخريج هذه التي لا يتقنها إلا طالب العلم المتخصص وهو ما نصبو إليه في هذا البرنامج. فهي مهمة جدا دراسة الأسانيد مع التخريج، لا ينفكان عن بعضهما البتة.

    هنا أنبه أن درجة الحديث تعرف تعرف من خلال ثلاثة أمور:-
    الأول: ما تقدم من عزو الحديث إلى كتاب اشترط الصحة مثل الصحيحين فنعلم أن الحديث صحيح.
    الثاني: أن يحكم إمام من الأئمة على الحديث، فمثلا الترمذي دائما يحكم على الأحاديث في جامعه كذلك الدارقطني في سننه وكذلك الكتب التي أُلّفت في التخريج مثل تلخيص الحبير لابن حجر، والبدر المنير لابن الملقن، وإرواء الغليل للشيخ الألباني رحمه الله، هذه كلها يذكرون أحكام الأئمة على الحديث، ومن المشاريع الرائعة الحقيقة والجميلة جدا ما قام به بعض الباحثين الآن من جمع أحكام الأئمة على الأحاديث وأنا أدعو المراكز العلمية ودور البحث إلى تبني هذا المشروع – جمع أحكام الأئمة على الأحاديث- هذا مشروع جميل وله فوائد عديدة خاصة في هذا العلم.
    الأمر الآخر في هذه النقطة: أنه لا يليق بطالب العلم في التخريج إذا خرّج حديثا من كتاب مثلا: صاحب الكتاب كالترمذي حكم على الحديث؛ ثم لا ينقل الطالب حكم الإمام، فلا بد أن ينقل حكمه فيقول: أخرجه الترمذي في جامعه كتاب باب وقال: حديث حسن صحيح.
    وأنا رأيت بعض الباحثين، وربما الكثير من الباحثين ينقل الحديث من كتاب حكم الإمام فيه على الحديث لا يذكر حكمه، وهذا غير لائق في البحث العلمي أبدا.
    ثالثا: أن يكون لدى الباحث القدرة الكافية في الحكم على الحديث فيقوم بجمع طرق الحديث والنظر فيها والنظر في أسانيده ومتونه ثم يصدر الحكم الذي يرى أنه يليق بهذا الإسناد أو هذا الحديث بعد أن يستفرغ وُسعه ويدعو الله عز وجل بالتوفيق والسداد ولا شك أن درجة الحديث من أهم ما يذكر في التخريج كما تكلمنا سابقا.


    من الجوانب التي ينبغي للطالب أن يعرفها تاريخ التخريج وتطور مفهومه، فمن تأمل التخريج وتصرفات علماء الحديث رأى أن هذا المصطلح مرّ بمراحل وممكن أن نوجزها بمرحلتين:-


    المرحلة الأولى:
    وهي رواية النص بإسناده إلى قائله في كتاب المصنف وهذه المرحلة تشمل عصر الرواية، القرن الثاني والثالث والرابع وجزء من الخامس، كل هؤلاء يروون بالأسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع ملاحظة أن المصادر هذه التي تروي النص إلى قائله أنها تتفاوت فبعضها مصدر رئيس من الكتب الستة وبعضها مصدر مبني على هذه الكتب مثل كتب المستخرجات.
    الكتب المستخرجات: ليست من المصادر الأصلية الرئيسة بل هي مبنية عليها، فهي تخرج كتابا من كتب السنة الأصلية بأسانيد المؤلف الثاني بحيث لا يمرّ بها على المؤلف الأول صاحب المصدر الأصلي. ويلتقي معه في شيخه أو شيخ شيخه كما في المثال الذي سيعرض على الشاشة:-












    تلاحظون هذا المثال للمستخرجات، هذا حديث أخرجه الإمام الترمذي في جامعه وهنا روى الإسناد بالنص، فجاء المستخرج أبو علي الحسن العلي الطوسي فاستخرج على الإمام الترمذي فروى الحديث هذا بإسناده (إسناد الطوسي) فالتقى مع الإمام الترمذي عند إسرائيل بن يونس، وحاول الإمام الطوسي أن يلتقي مع الترمذي عند محمد بن إسماعيل لكن لم يجد إسنادا، لم يجد رواية ولم يتسن له، فالتقى مع الإمام الترمذي عند إسرائيل بن يونس، هذا يسمّى مستخرج، في مقرر اسمه مناهج المحدثين في مصنفاتهم، وهذا لا تخلو الآن منه جامعة ولله الحمد والمنة من تقرير هذا المنهج.
    هناك أيضا في هذه الفترة كتب مبنية على المصادر الأصلية وهي مثل ابن عساكر، فابن عساكر – رحمه الله – يروي الأحاديث بإسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لا بد أن يلتقي مع مصدر أصلي رئيسي.
    لاحظوا هذا المثال معي:-
    هذا حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده، فنلاحظ هذا السند الطويل؛












    فنلاحظ هنا أن ابن عساكر روى الحديث بإسناده وذُكر من؟ محمد بن إسماعيل البخاري فعرفنا أن هذا الحديث في صحيح البخاري وهذا هو الحديث موجود بنصه في صحيح البخاري. (85-كتاب الفرائض/ 18-باب الولد للفراش- الرقم 6749).
    فنلاحظ هنا: أن ابن عساكر ليس من المصادر الأصلية الرئيسة، ربما يقول قائل منكم، ما فائدة هذا؟ فائدة هذا أنه لا يصح أن يُعزا الحديث إلى ابن عساكر فقط دون البخاري في صحيحه، نعم لا حرج أن يذكر ابن عساكر حسب طبيعة البحث. هناك فوائد أخرى لا أطيل بذكرها.



    المرحلة الثانية:
    لما صنفت الكتب المسندة في عصر الرواية كما تقدم وطالت الأسانيد في القرون المتأخرة، أصبح العلماء يذكرون الحديث بدون إسناد مع عزو الحديث إلى المصادر الأصلية، فيقولون: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانا ..." الحديث، أخرجه البخاري ومسلم.
    هذه المرحلة الثانية بدأت تقريبا من القرن السادس إلى يومنا هذا، ترون كتب الأحكام كثيرة، مثل كتاب <المحرر> لابن عبد الهادي وكذلك بلوغ المرام لابن حجر كلها على هذا المنهاج.


    من النقاط المهمة جدا، وأهم فوائد التخريج هو دراسة الأسانيد، لعلي أبرز فوائد التخريج ودراسة الأسانيد بهذا المثال الذي بين أيديكم، وهو أنك سمعت حديثا يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم؛









    سمعت هذا الحديث تريد أن تعرف هل هذا الحديث صحيح أو غير صحيح، فقمنا بتخريج هذا الحديث، بحثنا في الكتب التسعة وجدنا أن الذي رواه هو أبو داود فقط أخرجه في سننه دون بقية أصحاب الكتب التسعة، ورأينا أن الإمام أو داود – رحمه الله – لما روى هذا الحديث بيّن علّته، تذكرون النقطة التي قلتها أن بعض الناس ينقل الحديث من الكتب ولا يذكر حكم الإمام وهذا ينافي الأمانة العلمية في نقل كلام العلماء.
    فأبو داود بيّن علّة الحديث فقال: هذا مُرسلٌ خالد بن دُريْك لم يدرك عائشة رضي الله عنها.
    ثم توسعنا في دراسة أسانيد هذا الحديث فوجدنا هناك عللا أخرى ومن تلك العلل، كما ترون في الشاشة:-
    سعيد بن بشير راوي عن قتادة خالفه هشام الدستوائي وهشام الدستوائي هو من أوثق طلاب قتادة بن دعامة السدوسي، فخالف سعيد بن بشير وأرسل الحديث، إذن هذه علة ثانية.
    وجدنا علة ثالثة: وأن سعيد بن بشير عنده ضعف ومنكرات نص عليها النقاد كأحمد وغيره، هذه علة ثالثة الآن.
    هناك علة رابعة: وجدناها في الحديث، أن الذي يروي الحديث عن سعيد بن بشير هو الوليد بن مسلم وهو معروف بالتدليس وهنا لم يصرح بالتحديث، كما سيأتي أن المدلِّس لا بد أن يصرّح بالتحديث، فهنا عنعنة الوليد بن مسلم هذه علة.
    وهناك علل أخرى في هذا الحديث لا نطيل بذكرها إنما هذا من باب التمثيل ولكن من أراد مزيد الفائدة في الكلام على هذا الحديث وبيان علله وما فيه من نكارة، هناك الحقيقة بحث جيد وجميل جدا للشيخ طارق بن عوض الله بن محمد بعنوان: النقد البناء لحديث أسماء في كشف الوجه والكفين للنساء. الحقيقة هذا الكتاب جميل جدا، درس الحديث دراسة دقيقة وخرج بهذه النتيجة.
    الشاهد أننا أيها الإخوة الكرام، أن هذا المثال أبرز لنا فوائد التخريج، فمن ثمار التخريج ودراسة الأسانيد ما يلي:-
    أولا: تمييز الصحيح في الأحاديث من ضعيفها، وهذا أمر مهم جدا، كيف نبني أحكاما فقهية على حديث ضعيف أو موضوع أو منكر، كيف نفسر آية من كتاب الله عز وجل لحديث ضعيف أو منكر؟ كيف نذكر حكما عقديا لحديث ضعيف أو موضوع؟! فتمييز الحديث صحيحه من ضعيفه هذا من أهم ثمار التخريج.
    وهذا العلم كما قلت وكررت وذكرت أنه يعد الجانب العملي لعلم الحديث النظري وهذه الثمرة، وبعض الناس يظن أنه بمجرد التخريج أهم شيء في التخريج العثور على الحديث وهذا لا شك أنه لا يليق وليس هو المقصود، بل الحكم على الحديث هو من ثمار التخريج.
    ثانيا: معرفة مناهج العلماء في التصنيف في الجرح والتعديل وهذه كلها يكتشفها الطالب من خلال مراجعة الكتب وتقليب المصادر. أضرب لكم مثالا بسيطا مر معنا، ماذا يقول أبو داود عن هذا الحديث؟
    الحضور: هذا الحديث مرسل لأن خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها.
    الشيخ: هنا أقول درسنا في علم الحديث النظري أن المرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو كما قال البيقوني في منظومته: ومرسلٌ منه الصحابي سقط.
    نحن نرى أن الصحابي هنا موجود، إذن ما مراد أبي داود من قوله مرسلٌ؟ وهذه فائدة نكتشفها من خلال التخريج: أن المرسل هنا – مراد أبو داود- هو المنقطع، وهذه من إطلاقات الأئمة للمرسل وكثيرا ما يطلق الأئمة على الحديث المنقطع أنه مرسل، هذه من الفوائد، فكلما قلّب طالب العلم وبحث في التخريج يخرج بمثل هذه الفوائد العظيمة.
    وهنا أقول للإخوة الفضلاء وفي ختام هذه الفوائد أقول: إن هذا العلم يبرز لنا ثروة من اهتمام سلفنا الصالح بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، عناية دقيقة في كل شيء، لذلك قال بعض المستشرقين كلمة جميلة والفضل ما شهد به الأعداء، قال: ليفخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم.
    وكم نحن بحاجة إلى أن نبرز هذا التراث لجيلنا المسلم الآن، أننا أصحاب حضارة عظيمة، نشأت لما اعتز المسلمون بدينهم ورجعوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم أصبحوا قادة الأمم ومع ذلك استفادوا من العلوم التجربيبة، والله المستعان.


    من الجوانب التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها الكتب المؤلفة في بيان أصول التخريج ودراسة الأسانيد، وهذه الكتب في الحقيقة الآن كثيرة ومتعددة فمن أقدم الكتب المؤلفة في بيان أصول التخريج كتاب حصول التفريج بأصول التخريج، هذا يعد أقدم كتاب تقريبا وقد اعتنى ببيان أصول التخريج لأحمد الغماري ثم بعده الدكتور محمود الطحان، له كتاب جميل جدا حقيقة ومنتشر، يتميز بالسهولة والعبارة الأكاديمية لأصول التخريج ودراسة الأسانيد، ثم تتابعت الكتب إلى يومنا هذا، لا تخلو سنة من خروج كتاب في التخريج ودراسة الأسانيد..كما ترون على الشاشة.
    ونلاحظ سبب كثرة هذه الكتب في التخريج ودراسة الأسانيد وهذا من مظاهر الصحة في طلب العلم وطلب السنة. والذي أميل إليه في هذه الكتب التي بين أيديكم وهي كثيرة، في الحقيقة كتاب عنوانه تيسير تخريج الأحاديث للمبتدئين للشيخ عمرو عبد المنعم سليم، جميل جدا حقيقة هذا الكتاب وأسلوبه مبسط وأنصح به مع بقية الكتب الأخرى هنا أجدني مضطرا إلى الوقوف مع هذه الكتب عدة وقفات:-


    الوقفة الأولى: من حق هؤلاء الذين تعبوا وألفوا هذه الكتب أن نشكرهم وأن ندعوا لهم بالتوفيق والسداد من كان منهم حيا ومن مات منهم ندعوا له بالرحمة والمغفرة فقد خدموا الأمة بما يستطيعون، بينما غيرهم اشتغل في خاصة نفسه وتحقيق مطالب الحياة.
    الوقفة الثانية: أنه قيل قديما خاف الناس سقطة التأليف وزلة التصنيف كما قال أبو عمرو بن العلاء، قال كلمة جميلة يقول: الإنسان في فسحةٍ من عقله وفي سلامةٍ من أفواه الناس ما لم يضع كتابا أو يقل شعرا.
    وزاد بعض المعاصرين عبارة جميلة قال: أو يشارك في الإعلام.
    فيكون محط التتبع والنظر، والخطيب البغدادي له كلمة جميلة جدا يقول: من صنّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. وأيضا بعضهم قال: من صنّف فقد استُهدف أي انتصب - جعل نفسه هدفا يُرمى إليه-.
    ومع ذلك نقول: إن النصح المتجرد عن الهوى والنقد المنصف البناء، الحقيقة مطلوب بين العلماء وطلبة العلم لأن هذا سبيل إصلاح العيوب وتحسين الأمور، الذي نحذر منه وندعو إلى اجتنابه الحذر من الولوع بتصيّد الأخطاء وتتبع العثرات والتفكه بها مما يوقع في الغيبة والحسد والنميمة والحقد بين الناس، نسأل الله السلامة والعافية.
    ولابن القيم كلام جميل في مدارج السالكين يقول فيه: أن بعض الناس طبعه مثل الخنازير يمرّ بالطيبات فلا يلوي عليها فإذا قام الإنسان رجيعه قَمَّه [أكله] وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بُغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونَقْله.
    الوقفة الثالثة: أنه بتأمل الكتب السابقة التي ألفت في التخريج ودراسة الأسانيد نرى أنها تتابعت على مباحث مشتركة مثل تعريف التخريج لغة واصطلاحا وبيان فوائد التخريج ودراسة الأسانيد، بيان خطوات دراسة الأسانيد، وبعضهم يزيد وبعضهم يحذف بعض هذه المباحث، هذا مجمل ما ذكر في الكتب السابقة.
    الوقفة الرابعة: أنه يلاحظ على بعض المؤلفات السابقة الإغراق في البحوث النظرية البعيدة عن علم التخريج ودراسة الأسانيد مما يثقل على الطالب المبتدئ ويأخذ جزءا من ذهنه ووقته، وربما كانت العبارة ثقيلة جدا وبعضهم توسع في وضع تعريف جامع مانع لعلم التخريج. وبعضهم حذف دراسة الأسانيد وهذا الحقيقة في رأيي أنه غير صحيح، لأن التخريج لا ينفك أبدا عن دراسة الأسانيد، ما الفائدة أن تقول مثلا: أخرجه الدارقطني في سننه والناس لا يعلمون هل هو صحيح أم ضعيف، فقلت لكم سابقا روح التخريج دراسة الأسانيد بمعنى تمييز الصحيح من الضعيف، فهذا أمر مهم جدا. ودائما الإغراق في هذه البحوث النظرية يكون على حساب مباحث عملية يحتاجها طالب العلم في طلبه للعلم.
    الوقفة الخامسة والأخيرة: أن غالب هذه الكتب أهملت الكلام عن البرامج الحاسوبية وأهميتها في التخريج، نعم بعض الكتب أُلّف قبل ظهور البرامج الحاسوبية لكن أتكلم عن الكتب التي أُلفت بعد ظهور البرامج الحاسوبية، فلا بد التطرق لهذا الموضوع، وسيكون موضوع الحلقة القادمة والدرس القادم إن شاء الله هو التخريج عن طريق البرامج الحاسوبية وهذا أمر مهم جدا لا ينبغي أن نغفله لأنه في الواقع أستطيع أن أقول أن نسبة 90&#37; من التخريج الآن هو عن طريق الحاسوب.
    انتهى الدرس الثاني
    الأسئلة:
    سؤال: ما سبب اختيار عنوان للبرنامج (صناعة الحديث)؟
    الشيخ: أقول سبب اختيار العنوان لأن هذه الكلمة استعملها كبار أئمة الحديث المتقدمين، استعملها من أقدم من وقفت عليه، استعملها الإمام مسلم بن الحجاج في كتابه التمييز قال: واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة.
    كذلك استعملها كثيرا ابن حبان والبيهقي والخطيب البغدادي، استعملوا صناعة الحديث، أيضا مدلول كلمة مناسب جدا لما سيطرح في البرامج من الكلام على التخريج ودراسة الأسانيد، والتعبير بالصناعة معناه حصول الملكة الراسخة في الفن المعين على وجه البصيرة والإبداع، هذه محصلة الصناعة، ومن باب نسبة الفضل لأهله فإن للأخ المشرف على البرنامج: (الشيخ علي نور) دورا كبيرا في اختيار هذا العنوان، فجزاه الله خيرا.



    سؤال: قلتم أن المحدثين راعوا العقل في 4 مواطن وذكرتموها، هلا وضحتم المراد بأن هناك من يقدم العقل على النقل؟
    الشيخ: أقول نعم، هذه الجملة قالها الإمام المعلِّمي في كتابه النفيس " الأنوار الكاشفة" أن المحدثين راعوا العقل في 4 مواطن عند سماع الأسانيد وعند التحديث بها وعند الحكم على الرواة وكذلك عند الحكم على الأحاديث، قال: فالمتثبتون إذا سمعوا خبرا تمتنع صحته أو تبعُد لم يكتبوه ولم يحفظوه فإن حفظوه لم يحدثوا به.
    فالمراد بكلمة العقل في هذا الموطن يعني المعنى المعروف وليس المراد ما تدعيه المدرسة العقلية من تقديم العقل على النقل، فالمدرسة العقلية هي التي غالت في العقل وجعلته نِدّا للنقل فإذا تعارض العقل والنقل في فهمهم ونظرهم وهما لا يتعارضان أصلا – مستحيل أن يتعارض العقل مع النقل الصحيح- فهنا قدموا العقل وردّوا النقل وأوّلوه، ولا شك أن هذا في الحقيقة منهج خطير جدا تقديم العقل على النقل، لأن هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل آخر، عقول مختلفة، ليس هناك عقل بمعنى المدلول المطلق فهذه العقول تختلف فهناك مؤثرات لها، فأنت ربما تقول عن أمر: هذا منكر، يخرج عليك عشرة يقولون: لا يا أخي هذا ليس منكر هذا شيء حسن، فالميزان لمعرفة الأمور الصحيحة والقيم المعترف بها هما الكتاب والسنة.
    أضرب مثالا قصيرا جدا على أن المحدثين استعملوا العقل، قصة جميلة جدا ومختصرة للإمام البخاري لما كان عمره 11 سنة حضر عند شيخه الداخلي، فقال الداخلي يوما وكان يقرأ على الناس: روى سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقال له البخاري: يا شيخ أبو الزبير لم يرو عن إبراهيم، يقول: فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، [فانظر إلى البخاري في صغر سنه، ما اعترف بهذا الشيء ففكر واستخدم العقل فقال له: إن هذا خطأ وما سلّم به] فدخل الشيخ إلى غرفته وتأكد من ذلك <> ثم خرج فقال: يا غلام كيف هو الحديث؟ يقول البخاري: فقلت: هو الزبير بن عديّ عن إبراهيم، فأخذ القلم منّي وأحكم كتابه وقال: صدقت، فقال بعض الناس لما حدّث البخاري هذا: ابن كم كنت إذ رددت على شيخك؟ قال: كنت ابن إحدى عشرة..
    فتأمل كيف البخاري عرف الخطأ مع خفائه وردّ على الشيخ، هذا معنى المعلِّمي في هذه القصة.

    سؤال: ما درجة حديث (درهم ربا أشد من ستٍ وثلاثين زنية) حيث نسمع به كثيرا؟
    الشيخ: هذا الحديث مشهور جدا ورُوي عن عدد من الصحابة، وخلاصة الكلام أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم البتة، وهو ضعيف من جميع الطرق، وطرقه لا تتقوى أبدا، وأئمة الحديث المتقدمون على ضعف هذا الحديث فممّن علّه البغوي، العقيلي، الدارقطني، البيهقي، وهذا الترجيح لضعف الحديث هو أشار إلى ضعفه الإمام أحمد في المسند، أيضا ابن الجوزي، أيضا المعلِّمي، أيضا اليماني قال: الذي يظهر لي أن الخبر لا يصح عن النبي البتة، وابن الجوزي له كلام جميل عن الحديث ضعّفه من جهتين من جهة الإسناد ومن جهة المتن..
    لعلنا نكتفي بهذا القدر
    انتهت الأسئلة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    24 - 8 - 2007
    المشاركات
    30
    الدرس 3

    طرق استخراج الحديث

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
    يسرني في بداية هذه الحلقة أن أرحب بإخواني الحضور وكذلك جميع الإخوة المشاهدين والمشاهدات وأسأل الله عز وجل بمنّه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، كما وأسأله سبحانه التوفيق والسداد والإعانة فإنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى، وقبل أن ندخل في موضوع هذه الحلقة أرجو من أحد الإخوة الكرام أن يلخص لنا ما قيل في الدرس السابق لنطمئن على رسوخه وفهمه كما جرت العادة.


    الحضور:
    لقد ذكرتم مقدمة أن أهم الطرق الموصلة للجنة طريق طلب العلم، وتم تعريف التخريج لغة واصطلاحا، وقلتم أن التخريج لغة مصدر الفعل خرّج بمعنى أظهر وأبرز وفي الاصطلاح: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية مع بيان درجته عند الحاجة.
    وقلنا في الشرح بأن العزو: نسبة الحديث إلى قائله وهو نوعان إما العزو التفصيلي أو العزو الإجمالي وذكرتم أن الإجمالي: أن يذكر الكتاب أومخرج الحديث ثم رقم الصفحة والباب مثلا، أما العزو التفصيلي: أن يذكر المؤلف والكتاب والباب ورقم الصفحة إلى غير ذلك مما ذكرتم، وذكرتم الضابط لمعرفة هل يكون العزو التفصيلي أو الإجمالي، وذكرتم أنه بطبيعة البحث ونوعه يحدد ذلك.
    ذكرتم يا شيخ بارك الله فيكم أهمية بيان درجة الحديث وهي تعرف من خلال أمور:-
    الاول: عزو الحديث إلى كتاب يشترط الصحة مثل الصحيحين، الثاني: أن يحكم إمام من الأئمة على الحديث فمثلا الترمذي يحكم على الأحاديث في جامعه. ثم ذكرتم أن يكون لدى الباحث القدرة الكافية في الحكم على الحديث فيقوم بجمع طرق الحديث والنظر في أسانيده فمن ثَم إصدار الحكم اللائق على الإسناد أو الحديث.
    ذكرتم يا شيخ مسألة تاريخ التخريج وتطور مفهومه وأنه يمكن الإجمال بأنه يمر بمرحلتين اثنتين، المرحلة الأولى وهي رواية النص بإسناده إلى قائله في كتاب ثم بعد ذلك لما صُنفت الكتب المسندة في عصر الرواية وطالت الأسانيد في القرون المتأخرة أصبح العلماء يذكرون هذه الأحاديث بدون إسناد مع الاكتفاء بعزو هذه الأحاديث إلى مصادرها الأصلية المسندة.


    الشيخ:
    أشكركم وأقدر لكم هذا التحضير الجيد والتلخيص الرائع، ولعلنا في هذه الحلقة نتكلم عن موضوع من أهم مباحث التخريج وهو طرق استخراج الحديث من كتب السنة أو الوسائل التي يمكن من خلالها العثور على الحديث.



    وقبل ذلك أنبه على أمرين:-
    الأمر الأول: أن هذا المبحث: طرق استخراج الحديث من كتب السنة من الإضافات الجديدة في علوم الحديث، فأئمة الحديث المتقدمون وحفاظ السنة لم يكونوا بحاجة إلى مثل هذا المبحث، لأنهم كانوا يستظهرون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا ومعرفة، فما إن يُذكر لأحدهم الحديث حتى يعرف من أخرجه ومن رواه ولهم في ذلك قصص شيّقة لا يُمل سماعها.

    فمن ذلك مثلا أن الإمام الحافظ اسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهُويَّه، وأهل اللغة يقولون راهَوِيه، ونحن سائرون على طريقة المحدثين في النطق، فإسحاق بن راهويَّه المتوفى سنة 238، يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث، كأني أنظر إليها حفظا، وأحفظ منها أربعة آلاف حديث مزوّرة، سأله سائل؛ قال: لماذا تحفظ المزوّرة؟ قال: كي إذا سُألت عنها عرفت أنّه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم فأفْليه من الحديث الصحيح فَلْيا[انظر كيف الحفظ!]، ومرة من المرات قال أبو زرعة الرازي – عبيد الله بن عبد الكريم – قال لعبد الله بن أحمد بن حنبل: إن أباك يحفظ ألف ألف حديث [كم؟ مليون]، قال: كيف عرفت وما يدريك؟ قال: ذاكَرْتُه فأخذت عليه الأبواب [يعني بدأت أتذاكر معه فقلت: اذكر لي أحاديث الطهارة، فيسردها سردا، ثم أحاديث الصلاة ثم أحاديث الحج ثم أحاديث الصيام ثم المعاملات وهكذا]. هنا لما ذكر الذهبي هذا الخبر في سير أعلام النبلاء نبّه تنبيها مهما جدا، قال: هذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وكانوا يعدّون في ذلك المكرّر والأثر وفتوى التابعين، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عِشْر معشار ذلك.

    ولعلكم تذكرون لما عرّفنا عزو الحديث في تعريف التخريج اصطلاحا، قلنا إن مفهوم الحديث عند المتقدمين مفهوم واسع يشمل الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم ويشمل أيضا قول الصحابي ويشمل أيضا قول التابعي، فبعض الناس ربما استشكل مثل هذه العبارات، فلان يحفظ مائة ألف حديث وفلان يحفظ..!، لا؛ المقصود بالحفظ هنا حفظ على سبيل العموم، المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أقوال الصحابة وأقوال التابعين كما فسّر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر في صفحة (187)، وكان أبو زرعة الرازي الحافظ الكبير – عبيد الله بن عبد الكريم- المتوفى سنة 264، كان يحفظ ستمائة ألف حديث حتى قال أحمد بن حنبل في حقِّه: ما جاوز الجسر أفضل منه. وقال الأزهري [وهذه قصة طريفة لطيفة] يقول: بلغني أن الدارقطني [وتعرفون الإمام الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر المتوفى سنة 385 صاحب كتاب العلل] يقول: بلغني أن الدارقطني في حداثته [لما كان صغيرا يعني كبر ابن عمر ربّما] كان في مجلسه إسماعيل الصفّار فجعل ينسخ جزءا [يكتب في المجلس] فقال له أحد الحضور: إن سماعك عند المحدثين لا يصح! قال: لماذا؟ قال: لأنك تكتب والشيخ يحدِّث [وهذا جرح عند المحدثين] قال: إني أحفظ ما قال الشيخ أفضل منك، فقال له هذا الشخص: كم ذكر الشيخ؟ قال: ذكر ثمانية عشر حديثا، اكتبها: الحديث الأول رواه فلان عن فلان عن فلان والمتن كذا، ثم سردها كاملة. انظر كيف هؤلاء الحفاظ!.
    وكانوا يطلبون العلم من صغرهم، وهذا مهم جدا للمربين الآن، هؤلاء الحقيقة من طريق نشأتهم وعلمهم أنهم بدأوا بطلب العلم وهم صغار ولذلك برعوا وأدهشوا الناس بحفظهم وخدمتهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
    وأخبارهم كثيرة وشيقة جدا في الحقيقة، وقد جمعت جزءا في هذه الأخبار وطُبعت بعنوان (قصص ونوادر لأئمة الحديث المتقدمين في تتبّع سنّة سيد المرسلين والذبّ عنها).
    ثم وفق الله هؤلاء الحفاظ الأئمة لخدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقريبها للناس فصنفوا المصنفات الكثيرة وهذا هو الأمر الثاني الذي أحببت أن أقدم قبل أن أذكر موضوع المادة، أن أقدم له وهو؛


    الأمر الثاني: أن المحدثين لما صنفوا المصنفات صنفوها على طريقتين، فطرق التصنيف عند المحدثين ترجع في الأصل إلى طريقتين كما نص على ذلك الخطيب البغدادي في الجامع وابن الصلاح في علوم الحديث وغيرهم، وهذا واقع مشهود من المحدثين أنهم سلكوا طريقتين؛



    الطريقة الأولى: طريقة الأبواب الفقهية، فهم يأتون يجمعون الأحاديث الواردة في موضوع معين تحت كتاب أو باب واحد كما في المثال المعروض على الشاشة:











    هكذا فتلاحظون أن الإمام البخاري – رحمه الله – سلك في صحيحه طريقة الأبواب، فيأتي إلى كتاب الوضوء مثلا ثم يسرد جميع الأحاديث الواردة في الوضوء، كتاب الوضوء .. باب ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة ...)، ثم ذكر بعد ذلك باب لا تقبل صلاة بغير طهور، ثم ذكر الحديث الوارد فيه، ثم باب فضل الوضوء ثم ذكر الحديث، وهكذا سرد جميع الأحاديث الواردة في الطهارة والوضوء ثم الصلاة وهكذا، هذه تسمى طريقة الأبواب الفقهية.
    وهذه الطريقة؛ الكتب المؤلفة على طريقة الأبواب الفقهية يكون التمايز بينها من جهات:
    الأول من حيث الصحة، فبعضهم اشترط الصحة في كتابه مثل البخاري في صحيحه، صحيح الإمام مسلم، صحيح الإمام ابن خزيمة وغيرهم الذين اشترطوا الصحة في كتبهم.
    هناك أيضا من حيث العموم والشمول وهذه تسمى الجوامع فهي جمعت جميع أبواب الدين مثل جامع الإمام الترمذي - رحمه الله- حتى بعض الصحاح جوامع مثل صحيح البخاري يسمى جامع، فربما جمع الكتاب بين الطريقتين الصحة والجوامع.
    القسم الثالث: من حيث العناية بالأحكام الفقهية المرفوعة، وهذه تسمى السنن، فكتب السنن تعتني بالأحاديث المرفوعة الفقهية مثل سنن أبي داود، سنن النسائي، وابن ماجة وغيرها من كتب السنن.
    وأيضا يكون التمايز من حيث كثرة الصحابة والتابعين: مثل كتب المصنفات، فالمصنفات عنيت خصوصا بذكر أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء، ومن أشهر المصنفات مصنفان: مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، مصنف عبد الرزاق ابن همام الصنعاني المتوفى سنة 211 حوى واحد وعشرين ألف حديث، حديث بالمفهوم العام، ومصنف ابن أبي شيبة حوى سبعة وثلاثين ألف ما بين مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول صحابي وبين قول تابعي. هذه الكتب كلها تندرج تحت طريقة الأبواب الفقهية.




    هناك طريقة ثانية تسمة طريقة المسانيد، فيجمع المؤلف أحاديث كل صحابي أو راوٍ على حدة، وكما تلاحظون على الشاشة:










    مثلاً من أشهر المسانيد مسند الإمام أحمد بن حنبل، ذكر مسند أبي بكر الصديق – رضي الله عنه - ثم سرد جميع أحاديث أبي بكر الصديق، الحديث الأول .. الحديث الثاني ثم لما انتهى من سرد جميع أحاديث أبي بكر الصديق ذكر أحاديث مسند عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ثم سردها، سرد جميع الأحاديث التي رواها عمر بن الخطاب وهكذا إلى نهاية المسند فهو لا يلاحظ الترتيب الفقهي، فربما جاء حديث في الصلاة ثم بعده حديث في الزكاة ثم حديث في المعاملات وهلم جرا.
    هذه تسمى طريقة المسانيد، ومسميات الكتب التي تندرج تحت هذه الطريقة تسمى المسانيد وأشهرها مسند الإمام أحمد بن حنبل والمعاجم مثل معجم الطبراني الكبير والصغير والأوسط وكذلك كتب الأطراف مثل تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف للإمام المزي.
    إذا عرفت ما تقدم، عرفت هاتين الطريقتين سهُل عليك معرفة طرق استخراج الحديث ودائما أنبه يا إخوان أنه كلما كان طالب الحديث أعرف بمناهج المحدثين كلما كان أدق في تخريجه وأعمق وخرج بفوائد جليلة جدا يُرحل إليها.
    فننتبه إلى مناهج المصنفين في التحديث، هنا أقول إذا عرفنا ما تقدم نعرف أن طرق التخريج واستخراج الحديث ترجع إلى طريقتين:
    إما عن طريق متن الحديث
    وإما عن طريق إسناد الحديث
    من خلال ما تقدم أريد أن أطرح سؤالا، ما هي الكتب التي ترجع إليها إذا أردنا أن نخرج عن طريق متن الحديث؟
    الحضور: كتب السنن (المرتبة على الأبواب الفقهية)
    الشيخ: إذن إذا مر علينا متن ونريد أن نخرجه، نخرجه عن طريق الأبواب الفقهية، طيب إذا مر علينا إسناد نرجع إلى أي كتب؟
    الحضور: الكتب التي رُتبت على المسانيد.


    الشيخ: وقبل التفصيل والخوض في هاتين الطريقتين وبيان الطريقة التفصيلية في استخراج الحديث عن طريق الكتب التي أُلفت في هاتين الطريقتين، أقول: أن هناك طريقة ثالثة جمعت بين الأمرين، عن طريق المتن والإسناد. وهذه الطريقة ظهرت في العصر الحديث الآن وهي تُعد جديدة، وهي استخراج الحديث عن طريق الحاسب الآلي.
    والحقّ أيها الإخوة الكرام أن هذه الطريقة هي الطريقة السائدة الآن بين طلبة العلم، وقد سألت كثيرا من طلبة العلم عن طرق استخراجهم للحديث، فأبانوا أنه عن طريق الحاسب الآلي فلذلك كان من العدل أن نخصها بمزيد بيان وإيضاح، وخاصة وأنّ غالب من ألّف في التخريج وأصول التخريج الحقيقة ما تعرّض للتخريج عن طريق الحاسب الآلي مع أهميته وأن هذه الطريقة هي السائدة الآن بين طلبة العلم.


    هنا أقدم بمقدمة أقول: اختلف الفضلاء حول استخراج الحديث عن طريق الحاسب الآلي، فأقول: الفضلاء اختلفوا تجاه هذه الطريقة على أقسام:
    قسم لا يحبذ التعامل مع الحاسب الآلي لما فيه من سلبيات ذكروا كثرة التصحيف والسقط والأخطاء في الإدخال، كذلك أن المتعامل مع الحاسب الآلي لا يتعدى نظره وطلبته في البحث وأنّه يعوّد الكسل والخمول، وهذا الرأي تبنّاه بعض طلبة العلم وهم قلة في الحقيقة، وغالب هؤلاء الفضلاء الذين تبنّوا هذا الرأي لا يتعاملون مع الحاسب أصلا كما تبيّن لي، فليس عندهم تصور كامل للإمكانيات الهائلة للحاسب الآلي في التخريج.
    قسم ثاني يقابل القسم الأول؛ اعتمد على الحاسب الآلي في التخريج اعتمادا كليا فلم يرجع إلى الأصول الورقية ولم يتفطن للعيوب التي في هذه البرامج.
    قسم ثالث؛ أرى أنه اعتدل فرأى أنه ينبغي الاستفادة من الحاسب الآلي ومن التقنية في هذا وما فيها من إمكانيات رائعة ومدهشة جدا مع أهمية الرجوع إلى النسخ الورقية، يعني يعاملها كأنها فهرس ولا شك أن هذا الرجوع إلى النسخ الورقية يختلف باختلاف البرامج، هناك برامج متقنة جدا جدا كما سأذكر .. هذه أرى أنها كافية عن الرجوع إلى النسخ الورقية، بل هي ربما تكون أوثق من النسخ الورقية، لأن النسخ الورقية ربما يكون فيها أخطاء وفيها تصحيف، أما هذه النسخ البرمجية موثوقة جدا مثل: (إتقان الحرفة بإكمال التحفة) هذه متقنة جدا كما سأتعرض لهذا البرنامج إن شاء الله تعالى.


    - أقول من مزايا استخدام الحاسب الآلي:
    السرعة في إنجاز البحوث: ففي دقائق تجرد عشرات بل مئات الكتب، وأذكر أني سمعت الشيخ الألباني – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – يقول في أحد الأشرطة كلام في الحقيقة مؤثر، يقول: كنت إذا سمعت حديثا من أحاديث أبي هريرة منسوبا إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل قمت بقراءة مسند أبي هريرة من مسند الإمام أحمد بن حنبل كاملا، قرأت أكثر من ثلاثمائة صفحة لأعثر على الحديث، فربما أعثر وربما لا أعثر! ويقول: النسخة التي كنت أرجع إليها ليست كالتي عندكم، الخط دقيق وليس بينها فواصل والصفحة مليئة بالأسطر.

    هذا الكلام ذكره الشيخ في معرض كلامه في فضل الفهارس التي وُجدت وأنها يسّرت، الفهارس فقط، فما بالك بالحاسب الآلي، وأذكر كذلك أنني سمعت الشيخ إسماعيل الأنصاري – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – مشافهة يقول: سمعت حديثا منسوبا إلى صحيح الإمام مسلم فقمت بقراءة صحيح الإمام مسلم كاملا لكي أعثر على الحديث فلم أجده، ثم بت ليلة أخرى وقرأت الكتاب كاملا مرة أخرى حتى عثرت على الحديث، انظر كيف الجهد الذي بذلوه في سبيل العثور على هذا الحديث!.
    ولما طُبع مفتاح كنوز السنة، هذا الكتاب؛ فرح به المشتغلون بالحديث فرحا عظيما، وهو لا يعدو - هذا الفهرس مفتاح كنوز السنة - أن يكون فهرس موضوعي لإحدى عشر كتابا من كتب السنة، يعني فهرس كتاب البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة والترمذي وموطأ مالك وطبقات ابن سعد ومسند أحمد بن حنبل والطيالسي وكذلك سيرة ابن هشام ومغازي الواقدي وكذلك مسند زيد بن علي.
    ضمّنوه مسند زيد بن علي، ولا شك مسند زيد بن علي بن الحسين المتوفى سنة 122، هذا المسند لا يثبت عنه، لأن راوي هذا المسند عن زيد بن علي هو عمرو بن خالد الواسطيّ وهو كذاب كما قال الإمام أحمد، قال: كذاب.
    فهذا المسند لا يثبت، على كل حال لما طُبع هذا الكتاب – مفتاح كنوز السنة – قال الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمة هذا الكتاب وقد قدّم له؛ قال: لو طُبع هذا وقتي [لما كنت أراجع الكتب] لوفّر علي ثلاثة أرباع عمري. [لَكُم أن تتصوروا!] كذلك أحمد شاكر لما طُبع هذا الكتاب فرح به فرحا عظيما، الآن أغلب طلبة العلم لا يرجعون إليه إنما يرجعون إلى الحاسب الآلي وحُقّ لهم، فرق بين هذا وهذا.
    فأحمد شاكر لما رأى هذا قدّم بمقدمة طويلة بيّن فرحه بهذا الكتاب وقال كلام من ضمن ما قال [يبين معاناة الرجوع إلى المسانيد مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل وكذلك طبقات ابن سعد] يقول: ومع ذلك فطالما أعياني تطلّب بعض الأحاديث في مظانّها، وأغرب من هذا أنّي لبثت نحو خمس سنين وأنا أطلب حديثا معيّنا من جامع الترمذي، وهو كتاب تلقيته عن أبي وقرأته عليه ولي به عناية، [يقول خمس سنوات أطلب حديثا من جامع الترمذي، فيقول لما طُبع هذا الكتاب – كتاب مفتاح كنوز السنة] يقول: كأنه فتح لي صناديق مغلقة.
    هذا أمر – أنه السرعة في إنجاز البحوث.


    كذلك هذا الحاسب الآلي من مزاياه أنه عامل مساعد على تحقيقات علمية عميقة مبنية على السبر والتتبع، وأذكر هنا دراسة رائعة قام بها زميلنا فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد دمفو استخدم فيها البرامج الحاسوبية ودرس من خلالها عددا من أحاديث صحيح الإمام البخاري وخرج بنتائج فعلا رائعة جدا، ولعلنا نسعد بسماع مداخلة فضيلة الشيخ حول استعمال التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية، فلعل الشيخ عبد الله دمفو يتفضل مشكورا مأجورا.



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرحب بكم فضيلة الدكتور علي الصياح وبالإخوة الحضور في برنامجكم المميز صناعة الحديث، هذا البرنامج الذي يكتسي حلة جديدة بعيدة عن الجوانب التقليدية لتدريس هذه العلوم الشرعية وخاصة علم السنة النبوية، وأشكركم أن أتحتم لي هذه المداخلة، لكي أتحدث عن التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية وابتداءً أقول أن البعض من الذين يشتغلون بالعلوم التطبيقية العملية يظنون أن العلوم النظرية قد عفى عليها الدهر، وأنها لا تبقى لأن تواكب هذه النقلة الحضارية والتطور الذي أصبح من سمات هذا العصر، ويظهر أن هذا التصور انتقل إلى بعض المشتغلين بالعلوم الإسلامية وخاصة علم السنة النبوية، فابتعَدوا عن التقنية الحديثة في بحوثهم وفي تدريسهم وفي دراستهم وفاتهم بذلك شيء كثير وعلم مفيد لا يُستهان به.
    ولعلي أُجمل أهمية استخدام التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية في عدة نقاط وأقتصر على أبرز جوانب هذه الخدمة:
    أما أولا- وقد شاع عند المشتغلين وطلبة العلم خاصة علم الحديث مقولة الإمام علي بن المديني الذي قال: الحديث إذا لم يُجمع طرقه لم يتبيّن خطؤُه. والتقنية الحديثة تفيد كثيرا من خلال التطبيق العملي لهذه المقولة، في وقت ضعفت فيه الملكات العقلية المتعلقة بالحفظ والضبط، كما ضعُفت فيه الهمة عند طلاب هذا العلم في التحصيل والأداء، كما يتصور الكثير من مستخدمي التقنية الحديثة لخدمة السنة النبوية أن فائدتها منحصرة في تخريج الحديث والدلالة على موضع الحديث في مصادره المختلفة وهو أمر كان صعبا وعسيرا على الباحثين قبل شيوع هذه التقنية وفي نظري أن هناك جوانب أخرى لخدمة السنة النبوية يمكن أن تقوم بها هذه التقنية لعل من أبرزها إضافة لما ذكرت قبل قليل.
    تسهيل فهم علم السنة النبوية من خلال البيانات والجداول الإحصائية والرسوم البيانية التي توفرها هذه التقنية الحديثة، فاليوم يمكن تسخير الألوان واستخدامها في مجال علم الجرح والتعديل والحكم على الرواة والحكم على الأحاديث، وربما أن مؤسسة <> كان لها فضل السبق في هذا الموضوع، وقد استفدت من هذا السبق ومن هذه البرامج خاصة برنامج <> برنامج موسوعة الحديث النبوي أثناء تدريسي لطلاب وطالبات مادة الحديث لكلية التربية والعلوم الإنسانية في جامعة طيبة، وكتبت بحثا في هذا الصدد عنوانه (التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية – دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الإمام البخاري) وتوصلت من خلال استخدام الرسوم البيانية والجداول الإحصائية واستخدام الألوان في الحكم على الرواة إلى ترسيخ قناعة أن الإمام البخاري إنما أخرج من طرق الحديث أصح هذه الطرق وأقواها.
    هناك فائدة أخرى كذلك يمكن أن نستفيد من خلال التقنية الحديثة وذلك من خلال فهم مناهج الأئمة في كتبهم،حيث نتمكن من خلال التقنية من الوصول إلى عدد رواياتهم في الكتاب الذي حوى آلاف الأحاديث في وقت قصير، وجَمْعها في مكان واحد وتأملها ودراستها لتحقيق هذا الهدف. ومثلا لو أخرج الإمام البخاري في صحيحه براوٍ غير ثقة فإن معرفة عدد رواياته عنده، وتأمل هذه الروايات والوقوف على الظواهر المشتركة والمفترقة يُعين كثيرا في بيان منهجه في الإخراج لمثل هذا الراوي.
    أيضا هناك من الفوائد: <محاكمة> القواعد النظرية التي استقر العمل بها عند أهل هذا التخصص وذلك عند استخدام الواقع التطبيقي والواقع الفعلي لعمل الأئمة.
    هذه بعض الفوائد التي يمكن أن نستفيد من التقنية في خدمة السنة النبوية وفي فهم السنة النبوية وأجد فعلا أن هذا الجانب ينبغي أن يشغل حيزا كبيرا من المشتغلين بهذا العلم، وينبغي أن لا نتوقف وينبغي أن نواكب هذه التقنيات الحديثة التي أصبح الجهل في هذا العصر هو الجهل به، وكما ذكرت هناك جوانب عديدة وفوائد كثيرة يمكن أن نتوصل إليها قد لا نتوصل إليها لو لم نستخدم هذه التقنية الحديثة، وشكرا لكم، ولفضيلة الشيخ علي إتاحة الفرصة لي لكي أُدلي بِدلوي في هذا الموضوع المهم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ونحن أيضا بدورنا نشكر فضيلة الشيخ على هذه الكلمة المركزة الرائعة ونقدر له هذا.


    ولا زال الحديث موصولا عن استخدام التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية، وكنا سمعنا كلمة زميلنا الدكتور عبد الله دمفو، وتعرض لكتابه الرائع جدا (التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية – دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الإمام البخاري) وهذا الكتاب في الحقيقة أنصح باقتنائه وقراءته وهو متوفر على الشبكة العالمية (الانترنت) وموجود في عدد من المواقع، الحقيقة دراسة رائعة جدا، وكنت أريد أن أعرض لها وأبيّن منهج الشيخ والفوائد التي خرج منها الشيخ ولكن يبدو أن الوقت لا يسعفنا ولعلنا في مقام آخر نعرض لهذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
    الشيء المهم جدا أن هذه الدراسة أثبتت لنا أن صحيح البخاري إنما اكتسب هذه المكانة عند الأمة لتاج المعرفة بواقع الكتابين ودقة المنهجية التي سلكها البخاري ومسلم، وأيضا دقة شرطيهما في الصحيحين، وهذا يدعو للإعجاب والثقة في هذين الكتابين حتى نال لقب أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل.



    الأمر الثاني: من فوائد هذه الطريقة أو استخدام الحاسب الآلي: الوقوف على طرق متعددة للحديث، ومعلوم أنه لا يمكن أبدا الحكم على الحديث حكما صحيحا حتى تُجمع طرقه وللإمام أحمد بن حنبل كلمة دقيقة ينبغي التفطن لها: من لم يجمع علم الحديث وكثرة طرقه واختلافه لا يحل له الحكم على الحديث، ويا ليت المشتغلين الآن في الحديث يتفطنون لهذه الكلمة الدقيقة، ويقول علي بن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه، ويقول يحيى بن معين: اكتبوا الحديث خمسين مرة فإن له آفات كثيرة.
    أيضا من الفوائد أنه عامل مساعد على تحقيق تحقيقات علمية عميقة مبنية على السبر والتتبع ومعلوم أنّ [ وهذه فائدة] أن منهج المحدثين لما يريدون الحكم على راوٍ يسبرون حديثه، يتتبعون حديث هذا الراوي حتى ينظرون هل هو يوافق الثقات أم لا يوافق الثقات، وكان لهم في هذا أخبار عجيبة جدا حتى يقول أبو زرعة الرازي: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من أحاديث ابن وهب فما وجدت له حديثا منكرا فهو ثقة، ويقول ابن حبان: دخلت حمص [انظر السبر، يريد أن ينظر هل هو ثقة أم لا!] وأكثر همي شأن بقيّة هل هو ثقة أم غير ثقة.

    فالبرامج الحاسوبية تفيد في هذه الناحية، لعلنا في هذه الحلقة نكتفي بهذا القدر ونكمل في الحلقة القادمة ما يتعلق بالبرامج الحاسوبية.


    الأسئلة:-
    سؤال: لقد ذكرتم بعض الكتب التي علينا اقتناؤها، وهي الكتب الستة وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب ةتهذيب الكمال، فهل نقتنيها أم لا، وهل هي أجزاء كبيرة؟
    الشيخ: أقول هذه الكتب، الأصل أنه ما يكون الإنسان طالب حديث أو متخصص في الحديث حتى يقتني هذه الكتب، هذا أمر ضروري جدا، الكتب التي نتعامل معها في هذه المرحلة: الكتب الستة وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب وتهذيب الكمال، هذه ضروري جدا أن تكون عند طالب العلم في هذه المرحلة.
    وطالب العلم يا إخوان لا يكون طالب علم حتي يقتني هذه الكتب ويعتني بها، والسلف رحلوا في طلب حديث واحد ونحن نعجز أن نشري مثل هذه الكتب، أخي طالب العلم إياك أن <> نفسك بالكتب، لا يكون طالب العلم طالب حديث حتى لا <> بالكتب، وإذا لم يتيسر للشخص أن يقتني هذه الكتب فمن الممكن أن يستخدم البرامج الحاسوبية لتعذر النسخ الورقية.

    انتهى الدرس الثالث

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    21 - 3 - 2002
    الدولة
    الإسْـلام
    المشاركات
    25,069
    جزى الله خيراً فضيلة الشيخ الدكتور علي الصياح ونفع الله به ..
    وبارك الله فيك ..
    جُروحُ الأمة لا تتوقف عن النّزف !

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •