النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    31 - 3 - 2002
    المشاركات
    2,366

    أمَا واللهِ لَو عَلِم الأنَام .. ؟

    يُرْوى في ذلك مِن أخْبَار الصالحين بَعض مَا يُستَنْكَر .. ففي خَبَر امْرأة عَابِدَة زاهِدَة .. أطالَتِ السَّهَر .. فقال لها زَوجُها : ألا تَنَامِين ؟ فقالت : كيف يَنَام مَن عَلِم أنَّ حَبِيبَه لا يَنَام ؟

    وفي خَبَر آخر تُحدِّث به ابنة أحد الصَّالِحين .. قالت : كنت أقول لأبي : يا أبتاه ألا تَنام ؟
    فيَقُول : يا بُنَـيَّـة كيف يَنَام مَن يَخَاف البَيَات .

    ونحو ذلك ..

    وهذا لا شكّ أنه خِلاف السُّـنَّـة ..
    فقد كان مِن هَدِيه صلى الله عليه وسلم أنّه يَنام ويَقوم .. ويأكل الطَّيِّبَات .. ويتزوّج النِّسَاء ..
    جَاء ثَلاثة رَهْط إلى بُيُوت أزْوَاج النبي صلى الله عليه وسلم يَسْألُون عَن عِبَادَة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا أُخْبِرُوا كأنّهم تَقَالُّوهَا ، فقالوا : وأين نَحْن مِن النبي صلى الله عليه وسلم قد غَفَر الله لَه مَا تَقَدَّم مِن ذَنْبِه ومَا تَأخَّر ؟ قال أحَدُهم : أمَّا أنَا فإني أُصَلِّي الليل أبَدًا ، وقال آخَر : أنَا أصُوم الدَّهْر ولا أُفْطِر ، وقال آخَر : أنَا أعْتَزِل النِّسَاء فلا أتَزَوَّج أبْدًا . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال : أنتم الذين قُلْتُم كَذا وكَذا ؟ أمَا والله إني لأخْشَاكُم لله وأتْقَاكُم لَه لَكِنِّي أصُوم وأُفْطِر ، وأُصَلِّي وأرْقُد ، وأتَزَوَّج النِّسَاء ؛ فَمَن رَغِب عن سُنَّتِي فَلَيْس مِنِّي . رواه البخاري ومسلم .
    وفي رواية لِمُسْلِم : وقَال بَعْضُهم : لا آكُل اللَّحْم .


    ولَمَّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وعِنْدَها امْرَأة . فَقَال : مـَن هَذه ؟ قالت : فُلانة - تَذْكُرُ مِن صَلاتِها - قَال : مَـه ! عَليكم بِمَا تُطِيقُون ، فو الله لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا . رواه البخاري ومسلم .

    وفي رواية لْمُسْلِم : قالت عائشة : فَقُلْتُ : هذه الْحَولاءُ بنتُ تُويت ، وزَعَمُوا أنَّها لا تَنامُ الليل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تَنامُ الليل ! خُذُوا مِن العَمَل مَا تُطِيقُون ، فوالِله لا يَسْأمُ الُله حَتى تَسْأمُوا .

    ودَخَل النبي صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِد ، فإذا حَبْلٌ مَمْدُود بَيْن السَّارِيَتَين ، فقال : مَا هَذا الْحَبْل ؟ قَالوا : هَذا حَبْل لِزَيْنَب ، فإذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا . حُلُّوه . لِـيُصَلِّ أحَدُكم نَشَاطَه ، فإذا فَتَرَ فَلْيَقْعُد . رواه البخاري ومسلم .


    قال بعضُ الحكماء : إنَّ لِهَذه القُلُوب تَنَافُرًا كَتَنَافُرِ الوَحْشِ ؛ فَتَألَّفُوهَا بالاقْتِصَادِ في التَّعْلِيم ، والتَّوسُّطِ في الـتَّقْدِيم ، لِتَحْسُنَ طَاعتُها ، ويَدُوم نَشَاطُها .
    وكان ابن عباس يَقُول لأصْحَابه إذا دَامُـوا في الدَّرْس : أَحْمِضُـوا . أي : مِيلُوا إلى الفَاكِهَة وهَاتُوا مِن أشْعَارِكم ، فإنَّ الـنَّفْس تَمَلّ .

    فما يُذْكَر مِن أخْبَار الصَّالِحين – إنْ صَحَّتْ – في هذا الباب فهو خِلاف السُّـنَّـة .. وخِلاف هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم ..
    ثمّ هو خِلاف الطَّبِيعَة البشرية ..
    فإنَّ مِن كَمَال الإنسان أن يَنَام !
    ثم إن في الـنَّوْم قُوّة على الطاعة والعِبادة ..
    شأن الـنَّفْس كشأن أجاوِيد الْخَيْل ..
    إن أُنْهِكَتْ هَلَكَتْ .. وإنْ أُجِمَّتْ جَرَتْ ..

    ولا تَسْتَجِمّ الْخَيْلُ حَتى نُجِمَّها *** فَيَعْرِفها أعْدَاؤنا وهي عُطَّفُ
    لذلك كَانت خَيْلُنا مَرةً تُرى *** حِسَانا ، وأحْيانا تُقَاد فَتعجَفُ

    وثَمّ تنبيه آخر .. هو في قوْل القائل :

    أمـَا والله لَو عَلِم الأنَام *** لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا
    لَقَد خُلِقُوا لأمْرٍ لَو رَأتْـه *** عُيُون قُلُوبِهم تَاهُوا وهَامُوا
    مَمَات ثُم قَـبْر ثُم حَشْر *** وتَوْبِيخ وأهْـوَال عِظَـامُ

    وأعْرَف الْخَلْق بالله .. وبِما خُلِقوا له .. هم الأنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام
    فالأنبياء والرُّسُل أعْرَف الْخَلْق بالله .. وهُم أنْذَرُوا وبشَّروا .. وخوّفُوا وحذَّرُوا ..
    عَلِمُوا ما يَجِب لله .. وما يَكُون بعْد الْمَوْت ..
    وهُم مع ذلك يَنامُون .. ويأكُلون ويشْرَبُون ..
    وقد عَاب الْمُشْرِكُون على الأنْبِياء أكْلَهم وشُرْبَهم !
    (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ) ؟
    فأتَاهُم الْجَواب .. مِن العَزِيز الوَهَّاب : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ) .. إذْ هَذه طَبِيعَة البَشَر التي لا يَنْفَكُّون عَنْها ..

    فكأن قَوْل القائل :
    أمـَا والله لَو عَلِم الأنَام *** لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا
    كأن فيه إزْرَاء بِمَنْصِب الـنُّـبُوَّة ..
    إذ قد عَلِم الأنْبِيَاء لِمَا خُلِقُوا .. وقَد نَامُوا وهَجَعُوا .. وأكَلُوا وشَرِبُوا .. وتَزوَّجُوا النِّسَاء ..
    قال ربّ العِزّة سُبْحَانه : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) .
    قال الإمَام القُرطبي في تَفْسِير الآية : أي : جَعَلْنَاهُم بَشَرًا يَقْضُون مَا أحَلَّ الله مِن شَهَوات الدُّنْيَا ، وإنَّمَا الـتَّخْصِيص في الوَحْي . اهـ .

    هذه إشارة إلى ما تضَمَّنَتْه هذه الأبيات .. وما تضمّنه قَول بَعض الصَّالِحِين والصَّالِحَات مما تقدَّم..
    وقد يُقال : هذه أخْبَار أوْرَدَها بعضُ أهْل السِّيَر في كُتُبهم ..
    فأقول : وهل اشْتَرَط أهل السِّيَر والتَّراجم صِحّة ما يُورِدُونه ويَنقُلُونه ؟
    فإنّهم قد يُورِدُون مِن الأخْبَار ما يَصِحّ وما لا يَصِحّ .. وقد يَنْشَط العَالِم فيتعقّب ويُنقد .. وقد لا ينشَط لذلك ..

    والْمُؤمِن يَنْشُد الْحَقّ ..
    والْحِكْمَة ضالَّة الْمُؤمِن أنّى وَجَدَها فهو أحَقّ بِها ..
    الرياض – 19/9/1427 هـ
    _________________

    كتبه ( عبدالرحمن السحيم )
    _________________

    نقله القاطع 969


    مقتضى العلم العمل
    من شعارات الأخ مهذب :
    لا يفسدنّك الشك على حبيب قد اثبته اليقين لك .
    المؤمن الصادق الناصح عليه أن يجنح إلى أحسن التأويلات ... فسوء الظن آفة قبيحة وشعار لضعف الإيمان بالله وربما يصل لمرض يصعُب علاجه مع الأيام ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    21 - 3 - 2002
    الدولة
    الإسْـلام
    المشاركات
    25,064
    جزى الله خيراً شيخنا الحبيب ...الشيخ عبد الرحمن السحيم ،
    وبارك الله فيك أخي الحبيب القاطع ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    12 - 6 - 2005
    الدولة
    سلطنة عمان
    المشاركات
    6,509
    بارك الله في شيخنا الكريـم ووفقه الله تعالى لما فيه الخير
    وجزيت خيرا اخي القاطع
    وصراحة هذه الآثار التي ذكرها الشيخ منتشرة بكثرة
    وكثير ما مر علينا من التكلف في العبـادة وانهاك للجسد وهي مخالفة للسـنة
    وقليل دائم خير من كثير منقطع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    7 - 10 - 2006
    المشاركات
    121
    بارك الله في القاطع وفي الشيخ عبدالرحمن السحيم

    ----------------------------------------------------------

    ولي تعليق بسيط على كلام الشيخ حفظه الله حول هذه الأبيات ...

    أمـَا والله لَو عَلِم الأنَام *** لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا
    لَقَد خُلِقُوا لأمْرٍ لَو رَأتْـه *** عُيُون قُلُوبِهم تَاهُوا وهَامُوا
    مَمَات ثُم قَـبْر ثُم حَشْر *** وتَوْبِيخ وأهْـوَال عِظَـامُ

    هذه والله أعلم من الأبيات التي فيها مبالغة في الوصف وعدم القصد .... فلم يحث قائلها على عدم الهجوع والنوم والراحة ولكنه يقول لو علم الأنام حقا لما خلقوا له وما أعد لهم من نعيم أو جحيم ... لما تهنوا بلذيذ هجوع أو نوم ... أو كأنه يقول لو علموا لما خلقوا له لما أكثروا النوم ... والراحة ولعل في الوصف مبالغة محمودة

    ولعل له شاهد في الحديث الذي رواه أبو ذرعن النبي صلى الله عليه وسلم يوم قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتى على الإنسان حين من الدهر حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني شجرة تعضد

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ... وعدم التلذذ بالنساء على الفرش في الحديث هو مخالفة للفطرة التي خلق الله عليها الإنسان وجبلها فيه ... لكن هذا الحديث فيه من التخويف والوعظ ... وليس فيه دعوى لعدم التلذذ بالنساء ...

    وكذلك حديث حنظلة كما في صحيح مسلم يوم قال نافق حنظلة وذهب هو وأبو بكر رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات

    وأن يكون الإنسان على تلك الحال التي كان عليها الصحابة الأطهارعند النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله هي من مخالفة الفطرة ... لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو تدومون ... ففيه دليل على الاستحالة لكنه صلى الله عليه وسلم افترض ذلك ورتب ما سيحصل على الديمومة على هذه الحال ... وهو صلى الله عليه وسلم لا يرضى بذلك

    حفظكم الله شيخنا وبارك فيكم

    أفيقوا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    16 - 6 - 2003
    المشاركات
    7,258

    فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعينَ

    جزى الله الشيخ عبد الرحمن السحيم خيرا
    وبار كالله فيكم أخي القاطع على هذا النقل الطيب ..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    31 - 3 - 2002
    المشاركات
    2,366
    وبارك الله فيكم إخواني
    ولد السيح
    نبيل الخير
    أفيقوا
    زوجة مجاهد

    على حرصكم ومتابعتكم


    مقتضى العلم العمل
    من شعارات الأخ مهذب :
    لا يفسدنّك الشك على حبيب قد اثبته اليقين لك .
    المؤمن الصادق الناصح عليه أن يجنح إلى أحسن التأويلات ... فسوء الظن آفة قبيحة وشعار لضعف الإيمان بالله وربما يصل لمرض يصعُب علاجه مع الأيام ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    22 - 3 - 2002
    الدولة
    الإسلام
    المشاركات
    32,416
    جزاك الله خيراً يا شيخ
    وداعا يا من جعلتِ الحب بديلا عن كل شيء
    من المعلوم أن الفراق له وقع فاجع بين المحبين وهو يعكس مشاعر الحزن،ويكرس ألم الفراق هذا إذا كان الغائب حياً تُنتظر عودته فيتجدد نحوه الشوق بحسب طول غيابه ومسافة ابتعاده، ويظل الأمل معلقاً عليه والرجاءُ مرتبطاً به في تعليل للنفس بالآمال المرتجاة لهذه العودة القريبة، والصلة به موصولة على بُعده على أساس عودة منتظرة ورجعة مؤملة كما هو واقعنا في هذه الدنيا..
    فكيف إذا كان الفراق أبدياً لا يُنتظر له إياب ولا يُؤمل بعده عودة؟ وذلك كما هو واقع الحال في رحيل مَن ينتهي أجله ولا رجعة له من رحلته الأبدية إلى دنيا الناس..
    لاشك أن الفاجعة حينئذٍ ستكون فادحة والحزن أعم وأشمل. لانقطاع الأمل وتلاشي الرجاء في أوبة الراحل وعودة الغائب، وهنا يتعمق الحزن فيهزّ كيان المحزون ولا يخفف لواعج الفراق ويهدّئ من توترات المحزون سوى الدموع التي يسفحها، والرثاء الذي يخفّفها ...

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •