النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    31 - 3 - 2002
    المشاركات
    2,366

    Thumbs up نِعْمَة الله عَلى هذه الأُمَّـة

    نِعْمَة الله عَلى هذه الأُمَّـة

    لقد أنْعَم الله على هذه الأمّـة بِنِعَمٍ كثيرة ..
    وقد تكرر في القرآن ذِكْر أحوال الأُمَم الماضية .. ومِن أغْراض ذلك التِّكْرار التَّذْكِير بِامْتِنان الله على هذه الأمَّـة أنْ رَفَع الله عنها الآصَار والأغْلال التي عَلى الأُمَم السَّالِفَة ..
    وفي آخِر آية مِن سُورَة البَقَرَة : (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) ..
    وفي الحديث : قال الله : قَد فَعَلْتُ . رواه مسلم .
    فالمؤمِنون دَعوا الله ربّهم أن لا يَحْمِل عليهم إصْرًا كالذي حَمَل على الأمم السالفة ، فاسْتَجَاب الله للمؤمنين .. وأنْزَل الآيات تُتْلَى في هذا الشأن ليُعلَم فضل الله ، وتتبيَّن مِنَّـته على هذه الأمَّة ..
    ذلك أن الضِّدّ يُظهِر حُسْنه الضِّدّ .. وبِضِدِّها تتبيَّن الأشياء ..

    ومِن تِلك الـنِّعَم التي أنْعَم الله بها على هذه الأمَّة .. نِعْمَة الـتَّوبَة ..
    تلك العِبادة الغَائبة في دُنيا كَثير مِن الناس .. بل كثير مِن الناس لا يستَحضِر أصْلاً أنها عِبَادة ! فَضلاً عن أن يَتَقَرَّب بِها !

    حينما تتأمّل سِياق أخْبار بني إسرائيل في الكِتَاب الْمُبِين تَجِد أنَّ الله لم يَقْبَل توبة طائفة منهم إلا بِإزْهَاق الأنفُس ..
    وَقَفْتُ طويلا مع قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ..
    وقَفْتُ مُتأمِّلا ..
    كم مرّة سمعنا وقرأنا هذه الآية ؟!
    كم مرّة اسَتَوْقَفَتْنَا هذه الآية لِنَتَأمَّل عِظَم نِعْمَة الله .. وكَبِير مِنَّـته علينا ؟
    قرأت هذه الآية – بِحَمْدِ الله كثيرا – وسَمِعْتُها كَثِيرًا .. إلاّ أن القُرْآن لا تنقضي عجائبه .. ولا تَزِيغ بِه الأهْواء ، ولا تَلْتَبِس بِه الألْسِنَة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَق عَلى كَثْرَة الرَّدّ ..
    وقَفْتُ مُتأمِّلا .. شاكِرًا لِرَبِّي وحامِدًا ..
    ماذا لَو لَم يَكن من الذَّنْب والـتَّقْصِير تَوبة ؟!
    ماذا لَو لَم يكن توبة إلا بِقَتْل الـنُّفُوس ، وإزهاق الأرْوَاح ؟!

    ودَعُونا نَقِف مع ما رُوِي عن بني إسرائيل – من باب : حدِّثُوا عن بني إسرائيل – فيما يَحتَمِل التَّحْدِيث ..
    يُرْوَى أنَّ يُوشِع بن نُون خَرَج عليهم وهُم مُحْتَبُون ، فَقَال : مَلْعُون مَن حَلَّ حَبْوَتَه ، أوْ مَدَّ طَرْفَه إلى قَاتِله ، أو اتَّقَاه بِيَدٍ أوْ رِجْل ؛ فَمَا حَلَّ أحَدٌ مِنْهم حَبْوَتَه حَتى قُتِل مِنهم - يَعْنِي مَن قُتِل - وأقْبَل الرَّجُل يَقْتُل مَن يَلِيه ..
    قال ابنُ عبّاس رضي الله عنهما : أمَرَ مُوسَى قَوْمَه عَن أمْرِ رَبِّـه عَزَّ وَجَلّ أن يَقْتُلُوا أنْفُسَهم . قال : وأخْبَر الذين عَبَدُوا العِجْل فَجَلَسُوا وقَام الذين لَم يَعْكُفُوا عَلى العِجْل فأخَذُوا الْخَنَاجِر بأيْدِيهم وأصَابَتْهُم ظُلْمَة شَدِيدَة فَجَعَل يَقْتُل بَعْضُهم بَعْضًا ، فَانْجَلَتِ الظُّلْمَة عَنْهم وقَد جَلَوا عَن سَبْعين ألَفَ قَتِيل ، كُلّ مَن قُتِل مَنْهم كَانَتْ لَه تَوْبَة ، وكُلّ مَن بَقِي كَانَتْ لَه تَوْبَة .
    وقال سعيد بن جُبير ومُجاهِد : قَام بَعْضُهم إلى بعض بالْخَنَاجِر يَقْتُل بَعْضُهم بَعْضًا لا يَحْنُوا رَجُلٌ عَلى قَرِيب ولا بَعِيد ، حتى ألْوَى مُوَسى بِثَوبِه فَطَرَحُوا مَا بأيْدِيهم ، فَكَشَف عَن سَبْعِين ألفَ قَتِيل .

    لقد وُضِع السَّيْف على الرِّقاب .. وسالتِ الدِّمـاء .. وأُزْهِقَتِ الأنْفُس .. وقُتِل العدد الكبير .. كُل ذلك مِن أجْل تحقّق التوبة .. ونَيْل رِضا الله ..
    والله إنه لَمَشْهَد عجيب .. يَقِف له شَعْر الرأس .. ولا ينقضي مِنه العَجَب ..
    وأن يَكون ذلك الاسْتِسْلام مِن أقْوَام سَارَعُوا إلى الشِّرْك بالله .. لكنّهم سُرْعان ما نَدِمُوا ..
    وأن يَكون ذلك الانْقِيَاد مِن أقْوَام عُرِفُوا بِكثْرَة الْمُخالَفَة ..

    كان ذلك في بني إسرائيل .. وسِيق في التَّنْزِيل للتحذير مِن مَسَالِك القَوم .. ولِبيَان نِعْمَة الله على هذه الأمَّـة .. وإظْهَار فضل هذه الأمَـة أيضا على سائر الأُمم ..

    في هذه الأُمَّـة .. ليس بَيْن الإنسان وبين التَّوبَة .. إلا الـنَّدَم ..
    إذا كان الذَّنْب بين الإنسان وبين ربِّـه ..
    ولذا جاء في الحديث : الـنَّدَم تَوْبَة . رواه الإمام أحمد وغيره .
    وذلك لأن الـنَّادِم يَحْمِلُه ذلك الـنَّدَم على أمُور :
    الإقلاع عن الذَّنْب .
    العَزْم على عَدم العَوْدَة فيه .
    الاستغفار لِمَا مضَى .

    وقال عليه الصلاة والسلام : ويَتُوب الله على مَن تَاب . رواه البخاري ومسلم .

    قال سفيان بن عيينة : التَّوبَة نِعْمَة مِن الله أنْعَم الله بِهَا على هذه الأُمَّـة دُون غَيرها مِن الأُمم ، وكانَتْ تَوْبَة بَني إسْرائيل القَتْل ..

    وقد أخْبَر الله أنه يُحِبّ الـتَّوابِّين ..
    وذلك لِمَا يَظْهَر مع كَثْرَة الـتَّوبَة مِن معنى اسْم " الـتَّوَّاب " ..
    ولأن طبيعة بني آدم الخطأ بل كثْرَة الخطأ ..
    وفي الحديث : " كُلّ بَني آدَم خَطَّاء ، وخَيْر الْخَطَّائين التَّوابُون " رواه الترمذي وابن ماجَه.

    فتُقابَل كثرة الخطايا بِكثرة التوبة .. فيَكون المسلم توّابا ..

    ولأن التوبة سبيل الفلاح (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

    وتارِك التوبة ظالِم (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ..

    ونَحن في شَهْر الخير .. وموسم المؤمنين ..

    والكُلّ يبحث عن أسباب الفَلاح ..
    ويَلْتَمِس مَوَاطِن النَّجَاح ..
    وداعِي الشَّرّ قد غَاب – أو كَاد –
    ورُؤوس الشياطين قد صُفِّدَتْ وقُيِّدَتْ ..
    ولم يَبْق أمَام الْمُسْلِم إلاَّ أن يَتوب إلى الله .. وأن يَعُود إلى الله ..
    ليَرَى مِن حُسْن صَنِيع الله بِه ..
    ويَرى إقْبَال مَولاه عليه ..
    ألَم يُخْبِر مَن لا يَنْطِق عن الهوى – صلى الله عليه وسلم – أن ربّه قال عَن عَبْدِه : وإن تَقَرَّب إليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا ، وإن تَقَرَّب إليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا ، وإن أتَاني يَمْشِي أتَيْتُه هَرْوَلة . رواه البخاري ومسلم . ؟

    قِف مُتأمِّلا في غِنَى ربّ العِزَّة عَن عِباده .. وفَقْرِهم إليه ..
    ومع ذلك يَفْرَح رَبُّـنَا تَبَارَك وتَعَالى بِتَوبَة عَبْدِه إذا تَاب ..
    ومِن الْمُتقَرِّر عَقْلاً وشَرْعًا : أنَّ الله لا تَنْفَعُه طَاعة الطَّائعِين .. ولا تَضُرُّه مَعْصِيَة العَاصِين ..

    الغَنِيّ في عُلاه .. والعَزيز في عِزِّه وسُلْطَانه .. يَتَودَّد ويَتَحَبَّب إلى عِبَادِه .. !
    هذا – والله – مَثَارُ الْعَجَب ! ومُنْتَهى الكَرَم ..

    قال ابن القيم :
    ليس العَجَب مِن مَمْلُوك يَتَذَلَّل لله ويَتَعَبَّد لـَه ، ولا يَمَلّ مِن خِدْمَتِه مَع حَاجَتِه وفَقْرِه إليه، إنَّمَا العَجَب مِن مَالِكٍ يَتَحَبَّب إلى مَمْلُوكِـه بِصُنُوف إنْعَامِـه ، ويَتَوَدَّد إليه بأنْوَاع إحْسَانه ، مَع غِنَـاه عَنه ..
    كفى بك عزًّا أنك له عَبْد *** وكَفَى بِكَ فَخْرًا أنه لَك رَبّ . اهـ .

    والتوبة عِبَادة .. بل ومِنَّـةٌ ربَّانية .. لا تَخْتَصّ بالعُصَاة وأصْحَاب الْجَرَائم وأرْبَاب العَظَائم
    وإنما هي مِنَّـة الله عَلى خِيرَتِه مِن خَلْقِه .. بل عَلى أفْضَل خَلْقِ الله .. فقد امْتَنّ الله بِنِعْمَة التَّوبَة على سَيِّد وَلَدِ آدَم – محمد عليه الصلاة والسلام – .

    قال تعالى : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) الآية ..

    يقول ابن القيم رحمه الله بَعْد أن سَاقَ هَذه الآيَة :
    هذا مِن أعْظَم مَا يُعَرِّف العَبْد قَدْر التَّوبَة وفَضْلها عِنْد الله ، وأنَّها غَاية كَمَال الْمُؤمِن ، فإنه سُبْحَانه أعْطَاهم هَذا الكَمَال بَعْد آخِر الغَزَوَات ، بَعْد أن قَضَوا نَحْبَهم ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم وأمْوَالَهم ودِيَارَهم لله ، وكان غَاية أمْرِهم أن تَابَ عَليهم ، ولِهَذا جَعَل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَوْم تَوْبة " كَعْب " خَيْر يَوْم مَـرّ عَليه مُنْذ وَلَدَته أُمُّـه إلى ذَلك اليَوم ، ولا يَعْرِف هَذا حَقَّ مَعْرِفَته إلاَّ مَن عَرَف الله ، وعَرَف حُقُوقه عَليه ، وعَرَف مَا يَنْبَغِي لَه مِن عُبودِيته ، وعَرَف نَفْسَه وصِفَاتِها وأفْعَالها ، وأنَّ الذي قَامَ بِه مِن العُبُودية بالنِّسْبة إلى حَقّ رَبِّـه عَليه كَقَطْرَةٍ في بَحْر ، هذا إذا سَلِم مِن الآفَات الظَّاهِرَة والبَاطِنة ؛ فَسُبْحَان مَن لا يَسْع عِبَاده غَيْر عَفْوِه ومَغْفِرَته وتَغَمّده لَهم بِمَغْفِرَته ورَحْمَته ، ولَيْس إلاَّ ذَلك أو الْهَلاك . اهـ .

    ومِن حسَنَات التَّوبَة .. أن السَّيئَات تُبَدَّل إلى حَسَنات ..
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعْلَم آخِر أهْل الْجَنَّة دُخُولاً الْجَنَّة ، وآخِر أهْل النَّار خُرُوجًا مِنها ؛ رَجُلٌ يُؤتَى بِه يَوْم القِيَامَة فيُقَال : اعْرِضُوا عَليه صِغَار ذُنُوبِه وارْفَعُوا عَنه كِبَارَها ، فتُعْرَض عليه صِغَار ذُنوبه فيُقَال : عَمِلْتَ يَوْم كَذا وكَذا كَذَا وَكَذَا ، وعَمِلَتْ يَوْم كَذَا وكَذَا كَذا وَكَذا ، فَيَقُول : نَعَم ، لا يَسْتَطِيع أن يُنْكِر ، وهو مُشْفِق مِن كِبَارِ ذُنُوبَه أن تُعْرَض عليه ، فيُقَال له : فإنَّ لك مَكَان كُلّ سَيئة حَسَنة ، فَيَقُول : رَبِّ ! قَد عَمِلْتُ أشْياء لا أرَاها هَهُنَا ! فَضَحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بَدَتْ نَواجِذُه . رواه مسلم .

    وفي التَّنْزِيل : (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ..

    فهذا نِدَاء إلى تَصْحِيح هَذا الْمَفْهُوم حَوْل هَذه العِبَادَة العَظِيمَة ..
    واسْتِغلال أوْقَات الرَّحَمات .. والـتَّعَرّض للـنَّفَحَات ..
    وفي الحديث : " افْعَلُوا الْخَيْر دَهْرَكم ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ الله ، فإنَّ لله نَفَحَات مِن رَحْمَتِه يُصِيب بِهَا مَن يَشَاء مِن عِبَادِه " . رواه الطبراني ، وقال الهيثمي : رواه الطبراني ، وإسْناده رِجاله رِجال الصحيح غير عِيسى بن موسى بن إياس بن البكير ، وهو ثقة . والحديث حسَّنَه الألباني .

    فَبَادِر أيُّها الكَرِيم
    وسَارِعِي أيّتُها الكَرِيمَة
    دُونَكُم شَهْر التَّوبَة والغُفْرَان والعِتْقِ من النِّيرَان ..
    دُونَكُم طُرُق الأجْر مُتَنَوِّعَة .. وأبْوَاب التَّوبَة مُشْرَعَة
    فالبِدَار البِدَار قَبْل أن يُغلَق البَاب ..
    وقَبْل أن يُحَال بَين القَلْب وسُلُوك الصِّرَاط ..
    أمَا عَلِمْتَ أيُّها الكَرِيم أن هُناك مَن تَمَنَّى التَّوبَة .. ولكن حِيلَ بَيْنَهُم وبَيْن ما يَشْتَهُون .. جزاءً وِفَاقا ..
    قَال رَبُّ العِزَّة سُبْحَانه : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) .. قال الْحَسَن البَصْرِي : مَعْنَاه مِن الإيـمَان والتَّوْبَة والرُّجُوع إلى الإنَابَة والعَمَل الصَّالِح ، وذلك أنـَّهُم اشْتَهَوه في وَقْت لا تَنْفَع فِيه التَّوْبَة .

    أمَا سَمِعْتَ بِقِصَّة جَبَلَة بن الأيْهَم ؟
    كَان مِن مُلُوك النَّصَارَى فَأسْلَم في أيَّامِ عُمَر ، وحَجَّ مَعه ، فَبَيْنَما هو يَطُوف بِالكَعْبَة إذْ وَطئ إزَارَه رَجُلٌ مِن بَنِي فِزَارة ، فَانْحَلَّ إزِارُه فَرَفَع جَبَلةُ يَدَه فَهَشَم أنْفَ الفِزَارِيّ ، فَاسْتَعْدَى عَلَيه عُمَر ، فَاسْتَحْضَرَه عُمَر فَاعْتَرَف ، ثم طَلَبَه للقِصَاص فَاسْتَنْكَف واسْتَكْبَر ! وسَألَ عُمَر أن يُمْهِلَه لَيْلَتَه تِلك ، فَلَمَّا ادْلَهَمّ الليل رَكِب في قَوْمِه ومَن أطَاعَه وسَارَ إلى الشَّام ثُم دَخَل بِلادَ الرُّوم ورَاجَع دِينَه دِينَ السُّوء ، أي أنه ارْتَدَّ عَن دِين الإسلام .
    ولَمَّا بَدَا له أن يَعُود حِيْلَ بَيْنَه وبَيْن مَا أرَاد ، فَكَان مِمَّا قَال :
    تَنَصَّرتْ الأشْرافُ مِن عَارِ لَطْمةٍ *** ومَا كَان فِيها لَو صَبَرْتُ لَهَا ضـَرَرْ
    تكنّفني فيهـا اللجـاجُ ونَخْوةٌ *** وبِعْتُ بها العَينَ الصَّحِيحةَ بالعَـوَرْ
    فَيَا لَيْت أُمِّي لَـم تَلِدْنِي ولَيْتَني *** رَجَعْتُ إلى القَول الذي قَالَه عُمـرْ
    ويَا لَيْتَنِي أرْعَى الْمَخَاض بِقَفْرةٍ *** وكُنْتُ أسَيرًا في رَبِيعَـة أوْ مُضَـرْ
    ويَا لَيْتَ لي بالشَّام أدْنَى مَعْيِشةٍ *** أجْلِس قَومِي ذَاهِب السَّمْع والبَصَر
    أدِين بِمَا دَانُوا بِه مِن شَرِيعـة *** وقَد يَصْبِر العَوْد الكَبِير عَلى الدَّبَـر

    وكَان جَبَلَة بَعْدَ ذَلِك إذا سَمِع هَذه الأبْيَات تُغَنَّى له بَكَى حتَّى يَبُلّ لِحيَته ..

    فالبِدَار البِدَار .. قبل أن يُحَال بَيْنَك وبَيْن التَّوبَة ..
    وقَبْل أن يُغلَق بَاب التَّوبة ..
    وقَبْل أن تَتَمَنَّى الأوْبَـة ..

    وليكَن الْحِدَاء في هذه الأيام – حُداء عُمير بن الحمام - :

    رَكْضًا إلى الله بِغَيْر زَاد *** إلاَّ الـتُّقَى وعَمَل الْمَعَاد
    والصَّبْر في الله عَلى الْجِهَاد *** وكُلّ زَاد عُرْضَة للنَّفَاد
    غير الـتُّقَى والبِرِّ والرَّشَاد ...

    هَنِيئا لَك أيُّها التَّائب ..
    وهَنِيئا لكِ أيَّـتُـها التَّائبَة ..

    والله يحفظك ..

    الرياض 13/9/1427 هـ

    عبدالرحمن السحيم


    مقتضى العلم العمل
    من شعارات الأخ مهذب :
    لا يفسدنّك الشك على حبيب قد اثبته اليقين لك .
    المؤمن الصادق الناصح عليه أن يجنح إلى أحسن التأويلات ... فسوء الظن آفة قبيحة وشعار لضعف الإيمان بالله وربما يصل لمرض يصعُب علاجه مع الأيام ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    31 - 3 - 2002
    المشاركات
    2,366

    Thumbs up مقال رائع ...

    يقول الشيخ في مقاله :

    فَبَادِر أيُّها الكَرِيم
    وسَارِعِي أيّتُها الكَرِيمَة
    دُونَكُم شَهْر التَّوبَة والغُفْرَان والعِتْقِ من النِّيرَان ..
    دُونَكُم طُرُق الأجْر مُتَنَوِّعَة .. وأبْوَاب التَّوبَة مُشْرَعَة
    فالبِدَار البِدَار قَبْل أن يُغلَق البَاب ..
    وقَبْل أن يُحَال بَين القَلْب وسُلُوك الصِّرَاط ..
    أمَا عَلِمْتَ أيُّها الكَرِيم أن هُناك مَن تَمَنَّى التَّوبَة .. ولكن حِيلَ بَيْنَهُم وبَيْن ما يَشْتَهُون .. جزاءً وِفَاقا ..
    قَال رَبُّ العِزَّة سُبْحَانه : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) .. قال الْحَسَن البَصْرِي : مَعْنَاه مِن الإيـمَان والتَّوْبَة والرُّجُوع إلى الإنَابَة والعَمَل الصَّالِح ، وذلك أنـَّهُم اشْتَهَوه في وَقْت لا تَنْفَع فِيه التَّوْبَة .
    _____________________

    جزيت الفردوس اخي الغالي ابا يعقوب
    ولا حرمك الله الأجر.


    مقتضى العلم العمل
    من شعارات الأخ مهذب :
    لا يفسدنّك الشك على حبيب قد اثبته اليقين لك .
    المؤمن الصادق الناصح عليه أن يجنح إلى أحسن التأويلات ... فسوء الظن آفة قبيحة وشعار لضعف الإيمان بالله وربما يصل لمرض يصعُب علاجه مع الأيام ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    22 - 3 - 2002
    الدولة
    الإسلام
    المشاركات
    32,393

    :: نستغفرك اللهم ونتوب إليك ::

    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل عبدالرحمن السحيم على التذكير الذي أحوج ما نكون اليه ..
    نسأل الله أن يتوب علينا في هذا الشهر العظيم ...
    نِعْمَة الله عَلى هذه الأُمَّـة
    وداعا يا من جعلتِ الحب بديلا عن كل شيء
    من المعلوم أن الفراق له وقع فاجع بين المحبين وهو يعكس مشاعر الحزن،ويكرس ألم الفراق هذا إذا كان الغائب حياً تُنتظر عودته فيتجدد نحوه الشوق بحسب طول غيابه ومسافة ابتعاده، ويظل الأمل معلقاً عليه والرجاءُ مرتبطاً به في تعليل للنفس بالآمال المرتجاة لهذه العودة القريبة، والصلة به موصولة على بُعده على أساس عودة منتظرة ورجعة مؤملة كما هو واقعنا في هذه الدنيا..
    فكيف إذا كان الفراق أبدياً لا يُنتظر له إياب ولا يُؤمل بعده عودة؟ وذلك كما هو واقع الحال في رحيل مَن ينتهي أجله ولا رجعة له من رحلته الأبدية إلى دنيا الناس..
    لاشك أن الفاجعة حينئذٍ ستكون فادحة والحزن أعم وأشمل. لانقطاع الأمل وتلاشي الرجاء في أوبة الراحل وعودة الغائب، وهنا يتعمق الحزن فيهزّ كيان المحزون ولا يخفف لواعج الفراق ويهدّئ من توترات المحزون سوى الدموع التي يسفحها، والرثاء الذي يخفّفها ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    15 - 1 - 2003
    الدولة
    ارضي ارض الرساله ؟
    المشاركات
    2,473
    :: نستغفرك اللهم ونتوب إليك ::

    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل عبدالرحمن السحيم على التذكير الذي أحوج ما نكون اليه ..
    نسأل الله أن يتوب علينا في هذا الشهر العظيم ...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    21 - 5 - 2005
    الدولة
    جميع بلاد المسلمين
    المشاركات
    3,116
    الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أبو سليــم
    :: نستغفرك اللهم ونتوب إليك ::

    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل عبدالرحمن السحيم على التذكير الذي أحوج ما نكون اليه ..
    نسأل الله أن يتوب علينا في هذا الشهر العظيم ...
    المصغرات المرفقة المصغرات المرفقة اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	161.gif‏ 
مشاهدات:	171 
الحجم:	29.3 كيلوبايت 
الهوية:	7041  
    يمنع وضع روابط في التوقيع ...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    31 - 3 - 2002
    المشاركات
    2,366
    [align=center]
    الإخوة الأفاضل

    مسك
    ابو سليم
    السوادي

    شكراً لكم على مروركم
    ورفع الله قدركم
    وجزى الله شيخنا ابا يعقوب خير الجزاء.[/align]


    مقتضى العلم العمل
    من شعارات الأخ مهذب :
    لا يفسدنّك الشك على حبيب قد اثبته اليقين لك .
    المؤمن الصادق الناصح عليه أن يجنح إلى أحسن التأويلات ... فسوء الظن آفة قبيحة وشعار لضعف الإيمان بالله وربما يصل لمرض يصعُب علاجه مع الأيام ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    21 - 3 - 2002
    الدولة
    الإسْـلام
    المشاركات
    25,064
    فالبِدَار البِدَار .. قبل أن يُحَال بَيْنَك وبَيْن التَّوبَة ..
    وقَبْل أن يُغلَق بَاب التَّوبة ..
    وقَبْل أن تَتَمَنَّى الأوْبَـة ..

    وليكَن الْحِدَاء في هذه الأيام – حُداء عُمير بن الحمام - :

    رَكْضًا إلى الله بِغَيْر زَاد *** إلاَّ الـتُّقَى وعَمَل الْمَعَاد
    والصَّبْر في الله عَلى الْجِهَاد *** وكُلّ زَاد عُرْضَة للنَّفَاد
    غير الـتُّقَى والبِرِّ والرَّشَاد ...

    هَنِيئا لَك أيُّها التَّائب ..
    وهَنِيئا لكِ أيَّـتُـها التَّائبَة ..

    وجـزاك الله الفردوس الأعلى شيخنا الحبيب ..

    عذراً : قمت بوضع الموضوع في موقع الساحات
    وتحديداً في ( الساحة المفتوحة )

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    26 - 8 - 2002
    المشاركات
    14,113
    حقاً إنها نعمة من الله وفضل .

    جزاكم الله خيراً .


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    2 - 9 - 2006
    الدولة
    تلمسان/ الجزائر
    المشاركات
    30

    " و أما بنعمة ربك فحدث"

    [align=center]بارك الله في الشيخ على المقال و ما حمل...

    نسأل الله أن يوفقه و يسدد و أن يعينه لخدمة الإسلام و المسلمين...
    [/align]

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    31 - 8 - 2002
    المشاركات
    2,587


    جزاكم الله خيرا أخي الفاضل على هذا النقل الموفق و بارك الله في شيخنا الكريم
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •