النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    27-03-2006
    الدولة
    الجزائر - وهران
    المشاركات
    53

    ( تابع : دور التربية الإسلامية في ظل العولمة ) .

    بسم الله الرحمن الرحيم ،
    الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الأطهار ، وأصحابه الأبرار ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

    .....المبحث الثاني : إتجاهات التربية الإسلامية :
    إن للإسلام نظرة خاصة و مستقلة للإنسان ، تختلف عن غيرها اختلافا أساسا ، فنظرة الإسلام في تكاملها و تناسقها و شمولها لكل جوانب النفس البشرية ، و كل جوانب الحياة ، غير مسبوقة من الوجهة التاريخية ، و ما تزال حتى اليوم بعد كل ما ظهر من النظريات ، تنفرد وحدها بالشمول
    و العمق و الإتزان .
    و أهم ما يتميز به الإسلام أنه يأخذ الكائن البشري على ما هو عليه ، تبعا لخصائصه الإنسانية
    و طبائعه و غرائزه صراحة و ضمنا ، و أن كيانه قد جمع لعناصر و خصائص أساسية ، هي الجسم
    و العقل و الروح ، فاعتنى بهذه الأبعاد الثلاث ، و قدر أهمية كل واحد منها ، فأعطى لكل ذي حق حقه .14
    فاعتنت التربية الإسلامية بجميع هذه النواحي : الروحية و النفسية ، و العقلية ، و الجسمية ، كما اعتنت بالأبعاد التشريعية و الإجتماعية و الإقتصادية ، و غيرها من المجالات الحيوية ، كما اهتمت بالأبعاد الزمنية و المكانية ، أعني بالبعد الزمني: أنها اعتنت بالمولود منذ الحمل و الولادة صحيا و رعاية و حماية حتى وفاته ، بالبعد المكاني : المؤسسات التربوية و التعليمية الهادفة أو ما يسمى بالرسمية و النظامية ، و البيئات غير النظامية كالأسرة و الحي و المجتمع ، فالتربية مسؤولية الوالدين و المجتمع و الدولة .

    و هذه بعض المفاهيم للأبعاد الثلاثة التي ذكرناها آنفا:
    أولا: التربية الروحية و النفسية :
    إن التربية الروحية هي أسمى هدف نزل من أجله القرآن الكريم ، أي أنه جاء لتربية البشر و هدايتهم ، قال الله تعالى: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه " 15، و قال الله تعالى :" قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت
    و أنا أول المسلمين" .16
    فالتربية الروحية تبني المسلم روحيا ، فتقوده إلى الطريق المستقيم و تمنعه من الإنحراف ، فيحافظ المسلم على دينه فيصل بذلك إلى مرضات الله عز و جل ، و هذه هي الغاية التي يسعى إليها المسلم ، و التي لا تساويها الدنيا و ما عليها ، لأنها المطلوبة منه ، قال الله تعالى : " و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" 17 ، و قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التربية هي التي تحفظ للمسلم دينه و فطرته في قوله : 
    " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "  18، و عمل الوالدين في هذا المجال هو التربية بكل أبعادها ، و الحديث فيه دلالة على أن قبضة التربية على الإنسان قوية ، من الصعب أن يفلت منها لدرجة أنها تغير فطرته التي فطره الله عليها .
    أما من الناحية النفسية : فالتربية الإسلامية تمنح المسلم الطمأنينة ، و تبعث في نفسه السكينة التي تقوده إلى السعادة ، و تربّي فيه حبّ الخير للآخرين ، و التعاون معهم ، و الإحساس بآلامهم
    و مشاكلهم ، و مشاركتهم في سرّائهم و ضرّائهم ،
    و صدق من قال :
    يا متعب الجسم كم نشقى لخدمته * أتعبت نفسك فيما فيه خسران
    أقبل على الروح و استكمل فضائلها * فأنت بالروح لا بالجسم إنسان .

    و قد اتخذ القرآن خطوات لتعميق التربية الروحية ، منها :
    1-عقد الصلة بين الإنسان و ربه ، و ذلك بترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس بعبادة الله وحده ، و الإعتراف بعبوديته و ألوهيته ، و عدم الإشراك به في العبادة ، و الحب و الرجاء و الدعاء ، قال الله تعالى : " و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا 19" ، و قال عز وجل : " و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها" 20، و غير ذلك من الآيات .

    2-الإهتمام بالعبادات التي تغذي الروح ، و تزيد الإيمان في النفوس ، وعلى رأسها الأركان الأربعة :
    الصلاة : بجميع أنواعها ، المكتوبة و غيرها ، لقوله تعالى : " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " 21، و قوله تعالى : " حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى " 22، و لم يسمح لأحد أن يترك الصلاة مهما كان مركزه في مجتمعه ، أو ظروفه الصحية ، غير أنه تمشيا مع مبدأ التيسير خفّف عنهم طريقة الأداء في المرض و السفر ،
    و الصوم : و قد ركّز عليه القرآن ، لأنه عامل عظيم لتهذيب النفس ، و تذكيرها بحقيقتها و غايتها ، قال الله تعالى : " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " .23
    و الحج : أيضا لأنه يشعر بتعظيم الله عند زيارة الكعبة الشريفة ، زادها الله شرفا و تعظيما ، و بالتساوي مع المسلمين ، قال الله تعالى : " و أتموا الحج و العمرة للّه " .24
    و الزكاة : لأن فعلها كبح لشهوة التملك المغروزة في النفس الإنسانية ، و تطهير المال الذي وهبه الله للمسلم ، وسيلة لنيل مغفرة الله تعالى .
    و من ذلك تلاوة القرآن الكريم و سماعه ، و ذكر الله سبحانه و تعالى على كل حال ،

    3-الدعوة إلى فعل الخير : لقوله تعالى :" و افعلوا الخير لعلّكم تفلحون" 25، و قوله عز و جلّ : " فاستبقوا الخيرات " .26
    و ما من فضيلة إلا دعا القرآن للتمسك بها ، و ما من رذيلة إلا دعا إلى الإبتعاد عنها ، فقد أمر بأداء الأمانة و الصدق و الوفاء بالعهد و الإحسان إلى الجار و الناس عموما ، و بر الوالدين و الرحمة بالأبناء و صلة الرحم ، و النصوص من القرآن الكريم و السنة النبوية الدالّة على ذلك كثيرة ، هذا فيما يتعلق بالتربية الروحية و النفسية .

    ثانيا : التربية العقلية :
    لا يوجد كتاب عبر التاريخ سماويا كان أو أرضيا ، كرّم العقل و رفع من شأنه كالقرآن الكريم ، الذي اهتم بالتربية العقلية اهتماما كبيرا و يتجلّى ذلك فيما يلي :
    1-الإهتمام بالعلم و جعله فرضا على المسلمين :
    و يكفي أن نعلم أن أول كلمة نزلت من السماء على قلب النبي صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى : " إ قرأ " 27،
    و قد مدح الله تعالى العلماء و ذكر أنهم أكثر الناس إيمانا و يقينا فقال تعالى : " و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربّنا" 28، و قوله عز و جلّ : " إنما يخشى الله من عباده العلماء" 29، و قوله تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات " . 30
    و قوله صلى الله عليه وسلم" لا حسد إلا في إثنين : رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، و رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها و يعلمها .. 31، و قال أيضا : " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " .. .32

    2-الأمر بتعليم الناس و تفقيههم :
    قال الله تعالى :" إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون" 33، و قوله عز و جل : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " 34، هذه الآيات و غيرها أمرت بنشر العلم و ذمت كتمانه .

    3-ذم الجهل و الجاهلين :
    كما أن القرآن حث على العلم و مدح العلماء ، فقد ذم الجهل و الجهلة ، و قرع آذانهم بكثير من الآيات ، قال الله تعالى :" خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين " 35، و معناه كما قال القرطبي :" الحرص على التعلق بالعلم و الإعراض عن أهل الظلم ، و التنزه عن منازعة السفهاء ، و مساواة الجهلة و الأغبياء…" . 36

    و قد كرّم القرآن حواس الإنسان و أدوات الكتابة و وسائلها ، و دعى للتبحّر في جميع العلوم ، علم اللغات ، و علم الفرائض أو الميراث ، و علم التشريح و الطب ، و علم الجغرافيا و الجيولوجيا و الفلك ، و علم التاريخ ، و علم النبات ، و علم البحار ، و علم الجيوش و الجندية ، و علم الصناعة المختلفة ، علم الحكم و السياسة ، و ما إلى ذلك من العلوم النافعة .
    فالتربية العقلية تعود على الإنسان بالنفع عقليا ، حيث يستطيع عن طريقها اكتشاف مواهبه و قدراته و استعداداته العقلية ، و ذلك بالتدريبات و التمرينات ، كما يكتسب عن طريقها المعارف و الثقافات المختلفة التي تعود عليه و على مجتمعه بالنفع ماديا و معنويا........ .
    - يتبع -

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    24-04-2005
    المشاركات
    125
    بارك الله فيك أخي الكريم على هذه المقالة الرائعة ..

    واسمح لي أن أساهم بإرداف مشاركة أخرى حول الموضوع , على الرابط التالي :


    http://www.almurabbi.com/Muhadarat1....ok_to_view=yes
    هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زٍِيَم قد لفها الليل بسّوّاق حطِـم ليس براعي إبل ولا غنــــم ولابجزار علىظهر الوضـــم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    27-03-2006
    الدولة
    الجزائر - وهران
    المشاركات
    53

    تقدير

    بارك الله فيك أخي العزيز " أوان الشد" على مداخلتك الفعّالة التي زادت الموضوع بهاء وجمالا ، أحسن الله إليك .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    27-03-2006
    الدولة
    الجزائر - وهران
    المشاركات
    53

    دور التربية الإسلامية في ظل العولمة (تابع - 3)

    بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :

    ........المبحث الثالث : التربية البدنية :
    اهتم الإسلام اهتماما بالغا ببدن الإنسان و صحته ، و لا عجب في ذلك فالله سبحانه و تعالى خلق الإنسان لعبادته و هذه العبادة لا تتأتى إلا في حالات القوة و النشاط ، و انطلاقا مما للتربية البدنية من أهمية ، فقد أمر الإسلام :
    بإعداد القوة للجهاد ، في قوله تعالى :" و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و رباط الخيل " … 37،
    و القوة هنا ظاهرها القوة الجسدية ، و إن كانت تتضمن القوة الإيمانية و الفكرية ، وكلمة القوة تشمل أيضا العناية باللياقة البدنية و إتقان فنون القتال و التسلح بآلاته المختلفة ، و المحافظة على الجسم بوقايته من الأمراض ، و المبادرة إلى مداواته و علاجه إذا دبّ إليه المرض ، و قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : " المؤمن القوي خير و أفضل و أحب إلى الله عز و جل من المؤمن الضعيف و في كل خير …" الحديث 38 ،
    و قد أباح الإسلام ما يفي بحاجة الإنسان من طعام و شراب ، و استثنى بعض المحرمات و هي قليلة مقارنة بالحلال و تتمثل في الميتة و الدم و لحم الخنزير و الخمر و ما شاكل ذلك ، قال الله تعالى :" قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة 39 ، و قال تعالى : " حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير " 40، و قوله تعالى :
    " إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " 41.
    كما أمر بالإقتصاد في الأكل و الشرب و عدم الإسراف فيهما لأن ذلك يؤدي إلى المرض ، فقال تعالى : " كلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " . 42
    كما أنه شرع اللباس و السكن ، و أمر بالتداوي و التمريض ، و أباح الزواج ، و كل هذا من أجل المحافظة على الإنسان و حمايته حماية تفي بحاجياته الحيوية .

    المبحث الرابع : التربية الإجتماعية :
    إن التربية الإجتماعية جانب من أهم جوانب التربية ، و ذلك لأن الإسلام لا ينظر إلى الفرد نظرة إنفرادية ، و إنما ينظر إليه كجزء من المجتمع ، فالإنسان مخلوق إجتماعي مدني لا يستطيع العيش بمعزل عن بني جنسه ، و قد أشار الله تعالى إلى هذا ، عندما ذكر أنه خلق عباده في درجات متفاوتة ليقوم كل واحد بوظيفة معينة داخل مجتمعه ، فقال تعالى : " و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " 43 ، أي ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا ، و هذا إلى هذا 44 ، و اهتماما بالتربية الإجتماعية ، فقد وضع لها الإسلام أسسا منها :
    أنه اهتم بالفرد باعتباره أول لبنة من لبنات المجتمع ، و هذّب نفسه ، و ملأها بالمبادئ السامية التي تجعله دائما مستعدا للقيام بواجباته نحو مجتمعه ، و أوّل مجتمع صغير يتعامل معه هو الأسرة ، ثم المدرسة ….
    ا-الأسرة:
    فالأسرة هي أول مدرسة يتربى فيها الإنسان ، و تتكون فيه شخصيته ، فهي أول مؤسسات التطبيع الإجتماعي ، فالإنسان يولد على الفطرة و بحسب ما يتفاعل معه من بيئة و يحيط به من محيط ، يبدأ في اكتساب الإسم و الصفة و الدين و اللغة و الخلق و الفعل و الإنفعال و المشاعر و الو جدان و الولاء و الإرتباط و القيم و المثل و الصدق و الكذب و الإستقامة و الإنحراف …كل ذلك بدرجات مختلفة و نسب متفاوتة 45.
    فالأصل إذن أن الإنسان يولد على الفطرة كما بين الخالق سبحانه و تعالى في قوله :  فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله  46، و كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ." 47

    فالوسائط التربوية المختلفة هي التي توجه الفطرة ، و تعد الأسرة في مقدمة هذه الوسائط ، على أن تتوفر في البيت المسلم شروط أساسية :
    - أن يفهم كل من في البيت الإسلام فهما صحيحا خاليا من البدع و الخرافات مدركا للأهداف و المقاصد.
    -أن تسوده روح التدين الصافية و الحرص على مراقبة الله عز و جل كالحرص على أداء الصلاة في أوقاتها و في جماعة والتمسك بالفضيلة و الأمانة و الصدق و الإخلاص .
    -أن تقدم فيه المعلومات الدينية بأسلوب مناسب لإدراك الأطفال ، يثير اهتمامهم و يحرك مشاعرهم ، و يكون قائما على الكلمة الطيبة و الموعظة الحسنة و القدوة الصالحة .

    كما يستطيع البيت المسلم أن يدفع من فيه إلى حماية الموارد ، و زيادة الإنتاج ، و تجويد العمل ،
    و المحافظة على الوقت ، و ترشيد الإنفاق ، و إنجاز الخطط ، و تحمل الصعاب ، و مغالبة التحديات ،
    و حب العلم ، و الإهتمام بالتحصيل و المثابرة ، و تقدير الجد و الإجتهاد . و بهذا يستطيع البيت أن يقوم بدوره التربوي الصحيح فيكون بذلك وسيلة مهمة من وسائل الوعي الإسلامي ، فيغرس في نفوس أفراد الأسرة القيم الإسلامية الصحيحة ، و يؤصل الوعي ،و يربي الضمير و ينمي الأخلاق و يوجه السلوك .

    و لهذا نجد الإسلام قد حرص على البيت ، و على الروابط الأسرية ، و على العلاقات بين الآباء و الأمهات و البنين و البنات و الإخوة و الأخوات و الأزواج و الزوجات و ذوي القربى بمختلف الدرجات .

    ب – المدرسة :
    و المدرسة كذلك وسيلة مهمة من وسائل التربية ، و نقصد بالمدرسة كل مكان يتلقى فيه أبناء المسلمين العلم في أية مرحلة من مراحله ، منذ الحضانة إلى المرحلة الجامعية في أعلى مستوياتها بالدراسات العليا .

    و المدرسة تلعب دورا مهما في تربية الأجيال ، و إعدادهم إعدادا صالحا أو غير صالح ، على حسب نوع التعليم فيها ، فإذا كان نوع التعليم فيها مصطبغا بالصبغة الإيمانية و الخلقية و القيم المثلى يستهدف إعداد أجيال صالحة ، كانت حقلا طيبا لإنبات جيل قوي ، و يكون ذخرا لشعبه و وطنه
    و أمته ، و إذا كان التعليم مصطبغا بالقيم الغريبة أو المتنافية مع قيمنا الأصيلة ، كانت المدرسة مكانا ينبعث منه الإضطراب الذي يؤدي إلى إعداد جيل فاسد بعيد عن جادة الصواب .

    و لهذا تنبه أعداء الإسلام و المسلمين إلى أهمية المدرسة ، و إلى دورها في إعداد الأجيال ، فحاولوا علمنة التعليم ، و للأسف الشديد ، فإنهم نجحوا إلى حدّ كبير في صبغ التعليم بالصبغة العلمانية في كثير من المجتمعات الإسلامية .

    ج- المسجد:
    و يعد أيضا المسجد وسيلة قوية و فعالة من وسائل التربية ، لأنه المكان الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين في مختلف ديارهم ، و يأتي إليه الناس طائعين وتطمئن قلوبهم ، و تستريح نفوسهم ، و هم جالسون فيه يؤدون الصلاة في جماعة ، و يستمعون إلى الوعظ و الإرشاد ، بصدر منشرح ، و برغبة صادقة في الإستفادة .
    فالمسجد مصدر من مصادر الإشعاع و الهداية و الوعي فبي المجتمع المسلم ، فهو يتعاون مع الأسرة
    و المدرسة في إعداد أجيال صالحة عقديا و أخلاقيا و عمليا ، و لا أَدلَ على أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي من أن الرسول بدأ بالمسجد بعد إستقراره في المدينة المنورة ، فكان المسجد هو المكان الذي يلتقي المسلمون فيه خمس مرات في اليوم و الليلة لعبادة ربهم و تدبير شئونهم و تعلم أمور دينهم.

    لذلك ، ينبغي أن تعود للمسجد في العصر الحديث مكانته التي كانت له في عصر سلفنا الصالح ، فالمتربصون بهذه الأمة تنبهوا لأهمية المسجد في حياة المسلمين فحاولوا عن طريق الغزو الفكري ، أن يقنعوا أبناء المسلمين بأن المسجد مكان للصلاة فقط ، و أن التردد عليه نوع من الرجعية و التخلف ،
    و هذه دعوة ضالّة و مضلّلة ، ينبغي كشف عوراتها ، و أن يعاد للمسجد رسالته الأولى حتى ينهض بوظائفه الحضارية و الراقية ، لمواكبة التحديات الكبرى التي تفرضها عالمية هذا العصر .

    د- الثقافة و الإعلام :
    إن أجهزة الثقافة و الإعلام في العصر الحديث ، هي من أهم وسائل الوعي و التوجيه التي يتأثر بها المجتمع أفرادا و جماعات ، و لها تأثير مباشر في كل بيت ، فاتصال الإنسان بأجهزة الثقافة و الإعلام يزداد يوما بعد يوم ، لأننا نعيش الآن في عصر وسائل الإعلام المختلفة و المتطورة ، فالإنسان يستقي دائما منها فيتأثر بها أيما تأثر .
    لهذا ينبغي الإهتمام بأجهزة الثقافة و الإعلام و الإتصال ، و اتخاذها وسيلة من وسائل التربية و الوعي الصحيح ، في العصر الحاضر لتصبر مع المنزل و المدرسة و المسجد في خدمة المجتمع العربي و الإسلامي ، فيتعاون الجميع على هداية الناس إلى طريق الخير و الرشاد ؛ ذلك أن هذه الأجهزة إذا لم توجه الوجهة الصحيحة ، فإنها تشوه أفكار المسلمين ، و تلوث معلوماتهم ، و تضللهم ، فينحرفون عن الجادة ، لأن واقع العالم الإسلامي في العصر الحديث ، يستلزم أن تكون هذه الأجهزة أدوات بناء ، لا معاول هدم للأخلاق و القيم ، فمازال في بلادنا الإسلامية كثير من المسلمين غير قادرين على التحليل و النقد
    و الفرز و الإنتقاء ، مما يجعل التأثير عليهم سهلا ميسورا .
    هذا ، و هناك وسيلة إعلامية هامة لازالت سائدة في بلادنا ، ألا و هي الجلسات و المنتديات
    و الملتقيات المحلية والوطنية و الدولية ، و من خلالها يكتسب كثير من المسلمين معلوماتهم و أفكارهم ، و عن طريق تنظيم لمثل هذه المناقشات و الحوارات و التفاعلات ، يمكن تطعيم كثير من الستمعين
    و الجالسين بأفكار حية ، و مقاومة الغزو الفكري بجميع أشكاله ومحاربة البدع المنتشرة و الآفات المتفشية . 48
    ه- أجهزة التشريع:
    إن أجهزة التشريع في أي بلد ، هي التي تضع النظم ، و تسن القوانين التي تنظم حياة المجتمع في جميع ميادينها السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ، و عليه ينبغي أن توجه هذه الأجهزة توجيها صحيحا ، و ذلك بإحياء تشريعات الإسلام و أحكامه و قوانينه ، و بعثها في حياة المسلمين حتى يصبح الإسلام في هذه الحياة عقيدة و شريعة ، و تصبح الأمة المنتمية إليه محصّنة به ، و ذلك في مواجهة تحديات نظام العولمة و انعكاساته على شخصية و اوقع وطننا ذي الهوية المتميزة .

    مع العلم ، أن النظام التربوي لا يمكن تجزئته أو الفصل بين مستوياته المختلفة ، و لكنه مفهوم متكامل على مستوى الفرد و المجتمع ، و ما ينبثق عنهما من نظم إجتماعية و إقتصادية و سياسية و ثقافية ، لا ينفك أحدهما عن الأخر .
    و في هذا المستوى للتربية الإجتماعية ، تتجلى حقيقة الوعي الذي يحكم العلاقات و الروابط بين الأفراد بعضهم ببعض ، و بين الجماعات المختلفة التي يتكون منها المجتمع الكبير ؛ قال الله تعلى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . 49
    بيّن الله تعالى أن الغاية من جعلهم شعوبا و قبائل ليست التناحر والخصام ، إنما هي للتعارف والوئام والوفاء والتعاون ، للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات ، وليس للّون والجنس واللغة
    والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله تعالى ، إنما هناك ميزان واحد تتحدد به القيم
    و تعرف به فضائل الناس ، قال الله تعـــالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير50

    و هكذا ، فبضل هذه الرابطة المقدسة التي تشد الأمة الإسلامية بعضها ببعض ، يصبح المسلمون كافة كعشيرة واحدة ، فترتبط الشعوب برباط الأخوة الإسلامية كما يرتبط أفراد العشيرة الواحدة بعضهم بعضا ، معنويا و إذا اقتضى الأمر فماديا .........
    ( يتبع )

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •