دمعة على حب النبي - صلى الله عليه وسلم -
نظرات متأملة للواقع في حب النبي - صلى الله عليه وسلم -

قلِّب عينيك في الملكوت ترَ الجمال بديعاً ، وافتح قلبك لأسرار هذا الجمال ترَ
الحياة ربيعاً ، وخض في معترك الحياة تكن لك الحياة جميعاً ، واجمعْ لي قلبك أجمعْ
لك عقلي ، وامنحني يدك فإني لأرجو أن أمنح لك حياةً هادئة سعيدة بإذن الله ،
وافتح صدرك أملؤه دفئاً ومحبةً وصدقاً . كن معي لأكون لك وكما تحب .
وأعطني دمعةً تحيي بها قلبك ، وتسلّي بها نفسك ، فدموعنا مداد للفكر ،
وعبراتنا ثباتٌ على المبدأ ، وبكاؤنا دوامٌ على النهج والمنهج ، قلوبنا أهديناها
بالحب إلى غير محب ففقدنا أعزَّ ما نملك ، وإذا بنا نتحسس أماكنها وقد تَوَهَّمنا
وجودها ، إننا بحاجة إلى أن نحب ولكن لا نغلو ، ونهوى ولكن لا نفرط ، ونعشق
ولكن بتعفف .
إن القلب هو الكنز الذي لا يقرؤه إلا من يملكه ، وإن راحة الضمير أنوارٌ
تتلألأ في الغَلَس ، وينابيع متفجرة في الصحارى ، وكنوز داخل البيوت المهجورة ،
كم من الوقت ضاع لأجل الحب وفي دوّامته ؟ وكم من العقول ذهبت لأجل الحب
وفي دائرته ؟ ونغرق يومنا في أبجديات الحب ! ! فمحب يعيش بين الذكرى
والنسيان ، ومحب يتيه بين الوصل والحرمان ، حبٌّ يُسعد في الاسم ، ويُشقي في
الرسم ، جمالٌ في الصورة ، وغموضٌ في الحقيقة ، الحب تاجٌ لكنه من حديد ،
وكنزٌ لكنه من تراب ، ومعدنٌ لكنه من سراب ، وأي حبٍ يُدَّعى فإنه ناقصٌ إذ
العلاقات بين الآدميين بنيت على المصالح في الغالب وإن تنوعت صور الجمال أو
تجمَّلت الصور . وإن لكل فؤادٍ نزعةَ حبٍّ عذريةً تفيضُ بعذبِ الهوى ونميره ، ولو
اطَّلع الناس على قلوب القساة لوجدوا فيها أنهاراً متدفقة من الحب والرحمة ، ولكنها
تصب في أرض قيعان .
وإني أحمل راية بيضاء لبيض القلوب أن تتوجه بالحب إلى أصدق الحب
وأبقاه ، وأبقى البر وأوفاه إلى ....
أشواقنا نحو الحجاز تطلّعت كحنين مغترب إلى الأوطانِ
إن الطيور وإن قصصتَ جناحها تسمو بهمَّتها إلى الطيرانِ
لن أقول : « كانت الحياة قبل البعثة ظلاماً » ؛ إذ لا يجهل ذلك أحد ، ولن أقول :
« كان الظلم ، ولم يكن غيره » ؛ إذ لا أحد يشكُّ في ذلك ، ولن أقول : « كان
الحق للقوة » ، و « كانت الحياة للرجل لا للمرأة » ؛ إذ الناس أجمعوا على ذلك ،
ولكني أقول : مع البعثة وُلدت الحياة ، وارتوى الناس بعد الظمأ :
لمّا أطلَّ محمدٌ زكت الرُّبى واخضرَّ في البستان كل هشيم
وكان من المبشرات بميلاد الحياة ما صادف المولد النبوي من إهلاك أصحاب
الفيل ؛ فإنه بشرى بإهلاك الطاغوت والطغاة ، وولادةٌ لفجر العدالة والحياة ، كما أن
في إهلاكهم اجتماعاً لكلمة قريش وتوحدها ، ولذا أنزل الله تعالى بعد سورة الفيل
سورة قريش ، بياناً لسبب من أسباب إهلاك أصحاب الفيل وهو أنه لتأتلف قريش ،
ومن بعد ذلك كلِّه ذكَّر قريشاً بنعمتين عظيمتين أُولاهما : أن أطعمهم من جوع ،
وتمثَّل ذلك في رحلة الشتاء ورحلة الصيف ، وثانيهما : أن آمنهم من خوف ، وهنا
كلمة « خوف » جاءت نكرة دالة على العموم ، فيدخل في ذلك كلُّ خوفٍ ألمَّ بهم
فأمنوا منه ، كما في قصة أصحاب الفيل و أبرهة الأشرم ، أو خوفٍ يحدث لهم بعد
ذلك ظاهراً كبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما هو رحمةٌ وأمنٌ وأمان لهم
ظاهراً وباطناً ، حينما يظهره الله تعالى كما أهلك الله أصحاب الفيل لكي تتعلق
القلوب بربِّ البيت الذي أهلك البغاة ، وكيف يكون شكرهم له .
وقاية الله أغنت عن مضاعفةٍ من الدروع وعن عال من الأُطم
ومما كان ممهِّداً ومقدِّماً لدعوة الإيمان التي حملها محمد - صلى الله عليه
وسلم - ما روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت :
« كان يوم بُعاث يوماً قدمه الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم - فَقَدِم رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وقد افترق مَلَؤُهم ، وقُتلت سرواتهم ، وجُرِّحوا ، فقدَّمه الله
لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في دخولهم الإسلام » [1] .
ثم ولي ذلك اجتماع النفوس على نصر المظلوم ، وردِّ الفضول على أهلها ،
وبه سمي الحلف ، وفيه انتصار للعدالة ، وإنْ كان ذلك على نطاق ضيق لكن :
« لا شك أن العدل قيمةٌ مطلقةٌ وليست نسبيةً ، وأن الرسول- صلى الله عليه
وسلم- يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين ؛ فالقيم
الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية » [2] .
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك الحلف : « شهدت حلف
المطيبين مع عمومتي وأنا غلام ، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه » [3] ،
وسمَّاه : المطيبين ؛ لأن العشائر التي عقدت حلف المطيبين هي التي عقدت حلف
الفضول ، وإنما كان حلف المطيبين قبل ميلاد محمد- صلى الله عليه وسلم- بعد
وفاة جده قصي [4] .
هذا على العموم وفي الظاهر . أما ما كان ممهداً له - صلى الله عليه وسلم -
في ذاته فإن الخلوة والتعبد من أهم سمات العظماء [5] ، فإنه بعد ذلك ممتلئٌ بما فرّغ
نفسه له ؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها : « كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يتحنث في غار حراء الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ، ويتزود
لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى فجئه الحق وهو في غار
حراء » [6] .
ومما كان مطمئناً له- صلى الله عليه وسلم- قبل نزول الوحي الرؤيا الصادقة ؛
فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فلق الصبح [7] .
ومع بشريته- صلى الله عليه وسلم- وإعلانه بإعلان القرآن لذلك ، إلا أنه
ذكر من المعجزات والآيات ما كان آية على علو منزلته ، ورفيع قدره ؛ فقد حدَّث-
صلى الله عليه وسلم- : أن حجراً كان يُسلم عليه قبل النبوة [8] . فلله ما أعظم هذا
القائد ، وما أصدقه ؛ فما عرفت مكة أميناً كأمانته - صلى الله عليه وسلم - ، فلما
أظهره الله بالحق الذي معه لم يكن عندهم ظاهراً كذلك :
لقبتموه أمين القوم في صغر وما الأمين على قولٍ بمتَّهم
ولعلي أقف عند هذا الحد وأدخل فيما أردت من موضوع الحب لرسول -
صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن الحب أسمى العلاقات ، ولعله أرقها ، وإنما يبعث على
كتابة مثل هذا الموضوع قول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- : « أنت مع
من أحببت » [9] ، وأي سعادة تقارب تلك السعادة في الحب ؟ وأي نجاح في النهاية
يوازي ذلك الحب ؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : « وإنما ينفع العبدَ الحبُّ لله لما
يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين ؛ لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته ،
وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة الله لهم » [10] .
وإذا تعلق قلب العبد بالله أحب كل ما يقرب إلى الله ويزيده ، ويبقى أنه أشد
حباً لله ، فلا حب يوازي ذلك الحب ، وإنما يحب بحب الله وله . قال شيخ الإسلام
ابن تيمية : « فإنك إذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته ، فكلما
تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته ، فازداد حبك لله ، كما إذا ذكرت
النبي- صلى الله عليه وسلم- والأنبياء قبله ، والمرسلين وأصحابهم الصالحين ،
وتصورتهم في قلبك ، فإن ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله المنعم عليهم ، وبهم إذا
كنت تحبهم لله ؛ فالمحبوب لله يجذب إلى محبة الله ، والمحب لله إذا أحب شخصاً لله
فإن الله هو محبوبه ؛ فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى ، وكل من المحب لله
والمحبوب لله يجذب إلى الله » [11]

منقول
اخوكم فتى الثقبة