صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 27
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587

    15 محاضرة في فقه الجهاد "شرح كتاب الجهاد من صحيح البخاري" لشيخنا محمد بن رزق طرهوني

    [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

    المحاضرة الأولى

    ( الجهادُ : أقسامُه وأنواعُه وحكمُه وفضلُه ) [/align]


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ،
    فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهدْيِ هديُ محمد عليه الصلاة و السلام وشرَّ الأمورِ محدثاتُها ، وكلَّ محدثة بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكل ضلالة في النار .

    لقاؤنا هذه الليلةَ سيكون بإذن الله تعالى افتتاحيةَ الدورةِ المباركة التي اعتزمنا على القيام بها لحاجة الأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر إلى مثل هذه الدورات للأزمة التي تمر على وجه الخصوص في الحرب الدائرة في العراق والتي انقض فيها أهلُ الكفر على ديار الإسلام يريدون أن يستبيحوا بيضةَ الإسلام ابتداءً من العراق في هذه الحرب الصليبية الخبيثة ، والله أعلم إلى أي مكان يريدون الانتهاء ، ولكن نسأل الله عزوجل أن يردَّ كيدَهم في نحرِهم وأن ينصرَ المسلمين عليهم وأن يجعلَهم غنيمةً لهم فإنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه .

    وهذه الدورةُ إن شاء اللهُ تعالى إنما تتعرض إلى الحديث عن أمورٍ من فقهِ الجهاد ، وسوف نحاول بإذن الله تعالى أن نستوعبَ القدرَ الأكبرَ الذي يتيسرُ أن نستوعبَه من فقه هذه الشعيرةِ الهامةِ العظيمةِ التي زالَ رسمُها من بلاد المسلمين وغابَ أو أَفَلَ نجمُها بين كثير من المنتسبين إلى هذا الدين ، بل إنه للأسف غابت من مصطلح كثيرٍ من أهل العلم ، وهذا أمرٌ يَنْدَى له الجبينُ ؛ فإن الجهادَ هو ذروةُ سنام الإسلام كما أخبر بذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام ولا أريدُ أن أستبقَ الحديثَ لأن اللقاءَ اليومَ جُلُّهُ في فضلِ الجهاد ومنزلةِ الجهاد وثِقَلِ الجهادِ وما يتعلق بذلك .

    لقد وقع الاختيارُ على صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى لأنه كما هو معلوم لدى الجميع أنه الكتابُ الذي يُعتَبر أصحَّ كتاب بعد كتاب الله تعالى على وجه الأرض ، وقد تَلَقَّتِ الأمةُ أحاديثَه بالقَبول ، بالإضافة إلى أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قذفَ الله له الحبَّ في قلوب المسلمين ، ومعلومٌ ما لديه من فقهٍ عظيم في الحديث يظهرُ من خلال تراجم الأبواب ، وقد نبَّهَ على ذلك الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله تعالى في غير موضعٍ في شرحه الماتِعِ لهذا الكتاب العظيم ، بالإضافة إلى أن هذا الكتاب ـ كتاب الصحيح للإمام البخاري ـ قد شُرِح شروحاً عدة ، وكان من أجملِ وأكملِ وأتمِ هذه الشروح هو [ فتح الباري ] الذي ألَّفَهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله فجمع فيه فأبدعَ فرحمة الله عليه رحمة واسعة ، حتى إن بعض أهل العلم كان يقول ( لا هجرة بعد الفتح ) يعني : لا يوجدُ كتابٌ في منزلةِ كتابِ فتحِ الباري للإمامِ ابنِ حجر رحمه الله .

    ودورتُنا إن شاء الله تعالى سوف نستعرضُ فيها كتابَ الجهادِ كاملاً وبه ثلاثُمِائةٍ وثمانية أحاديث وفيه مائةٌ وتسعةٌ وتسعون باباً ، وكذلك سنستعرضُ كتابَ فرضِ الخمس بعد كتاب الجهاد لعلاقته به ويحوي أربعةً وستين حديثاً وفيه عشرون باباً ، وكذلك سنعطف على كتاب الجزية والموادعة لأنه أيضاًَ ذا علاقة ماسة بمسألة الجهاد وفقهه وبه ثلاثةٌ وثلاثون حديثاً واثنان وعشرون باباً .

    وعلمُ الجهاد أصلاً يتكلم في أحوالِ الحرب وكيفيةِ ترتيب العسكر واستعمالِ السلاح ونحو ذلك ، ولكن الذي يعنينا هنا هو علمُ فِقْهِ الجهادِ وهو الذي اعتُبِرَ من أبوابِ الفقه ويُذكر فيه الأحكامُ الشرعيةُ المتعلقةُ بالجهاد .
    وقد صُنِّف في هذا العلم كتبٌ مستقلةٌ ، وصُنِّفَ في فضلِ الجهادِ كتبٌ كثيرةٌ مستقلةٌ ، فقد اهتَمَّ العلماءُ قديماً وحديثاً بالجهاد لأنه كما قلت ذروةُ سنام الإسلام ، والنبي عليه الصلاة و السلام قضى جُلَّ حياته بعد الهجرة وبعد أن أُمِرَ بقتال المشركين في الجهاد في سبيل الله تعالى .

    وأوَّلُ من ألَّفَ في هذا العلمِ من العلماءِ الإمامُ الحَبْرُ العلامةُ المجاهدُ الزاهدُ العابدُ الإمامُ عبدُ الله بن المبارك رحمة الله عليه الذي جمع بين العلم والعمل والعقيدة والمنهج والفقه والجهاد ، وكان مثالاً حقيقياً للعالم الرباني . كان على خُلُقٍ عالٍ جداً يجمع بين الأخلاق الحميدة والخصال الفاضلة والأفعال النَّيِّرة المباركة ، فقد كان بروزُه في علمِ الحديث إماماً فقيهاً سلفيَّ العقيدة يتبع مذهب السلف الصالح زاهداً متعبداً ، صنف في الزهد وصنف في الرقائق . كان يتعبد ولم تشغلْهُ العبادةُ عن العلم والجهاد ؛ فكان له قَصَبُ السبق في التصنيف في الجهاد ، وهو أول من صنف في هذا العلم وتبعه على ذلك علماءُ أفاضلُ ؛ منهم الإمامُ الحافظ ابن عساكر رحمه الله ألف في الجهاد رسالة سماها ( الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد ) وكذلك صنف في الجهاد الإمامُ الحافظُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله صاحبُ التفسير رسالة سماها ( الاجتهاد في طلب الجهاد ) ، وهناك رسائلُ أخرى لعلماءَ كُثُرٍ من أراد أن يرجع إليها فعليه بكتاب [ كشف الظنون ] فإنه قد ذكر طائفةً طيبةً من كتب أهلِ العلم التي صنفت في فضل الجهاد وما ورد فيه .
    وكذلك أَدْرَجَ أهلُ العلم فقهَ الجهاد في أبوابٍ مستقلةٍ في كتب الفقه سواءٌ كتب فقه الحديث [ كنيل الأوطار ] ونحوه أو كتب الفقهاء عامة [ كالمغني ] ونحوه .

    وكذلك جاء كتابُ الجهادِ كما هو الحال الآن في دورتنا ضمنَ كتب أهل السنة الذين صنفوا في أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام على أبوابِ السُّنَنِ كصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم وكتبِ السنن الأربعة وغيرها من الكتب المصنفة على الأبواب ، فقد أفردوا كتاباً يختص بالجهاد وأحكامه ، وهذا هو المدخلُ الذي سندخل منه في حديثنا في هذه الدورة عن فقه الجهاد ، فسوف يكون إن شاء الله تعالى من خلال كتاب الجهاد الذي ضمنه الإمام البخاري صحيحه ضمنَ أبوابه التي بَوَّبَها ، ونسأل الله التوفيق .

    ـ ملاحظة :
    حديثُنا كما ذكرتُ عن فقهِ الجهادِ ولن نستطيعَ أن نشرحَ أحاديثَ الصحيحِ والحديثَ عن فوائدِها وما يستنبطُ منها ؛ لأن الدورةَ ليستْ في شرحِ أحاديثِ صحيحِ البخاري وإنما تتعلقُ بفقهِ الجهاد ، فسوفَ نقتصرُ على نُقاطٍ معينةٍ تُسْتَفادُ من هذه الأحاديث والتي هي ذاتُ علاقةٍ ماسَّةٍ بموضوعِ الجهاد الذي هو موضوعُ الدورةِ ، وكذلك سوف لا أتكلم عن لطائفِ الإسناد وغرائبِ المسائلِ الحديثيةِ للغرضِ نفسه لأننا لو اشتغلْنا بشرحِ أحاديثِ الصحيحِ واللَّطائفِ الحديثيةِ التي في الأسانيد والمتونِ لاستغرقَ ذلك وقتاً طويلاً جداً وخرجنا عن الهدف المنشودِ من وراءِ تلك الدورةِ التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعَ بها وأن نستطيعَ أن نُتِمَّها لكثرة الأحاديثِ الموجودةِ في الصحيح في هذا الكتاب ، والله سبحانه وتعالى هو الموفق .

    كلامنا عن فقه الجهاد لا بد أن نبدأه بمعنى كلمة ( فقه ) ومعنى كلمة ( الجهاد ) .
    ـ ( الفقه ) هو : الفهم . يقول الله تعالى : "أم لهم قلوب يعقلون بها" . ويقول النبي عليه الصلاة و السلام : " من يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدينِ " ، وقال : " ... ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلى من هو أفقهُ منه " . فالفقه : هو العلم والفهم . والنصوص الشرعية في معنى الفقه كثيرة .
    وأما ( الجهاد ) ، فأصله في اللغة : المشقة . وشرعاً : هو بذل الجهد في قتال الكفار .
    ويطلق الجهاد أيضاً على مجاهدةِ النفس ، وعلى مجاهدةِ الشيطان ، وعلى مجاهدةِ الفساق وكلٌ بحسبه في المعنى . فمجاهدةُ النفس هو تَعَلُّمُ أمور الدين وتربيةُ النفس على العملِ بها وتعليمِها وأما مجاهدة الشيطان فدفعُ الشبهاتِ التي يقذفُها في قلبِ العبدِ ودفعُ ما يُزَيِّنُهُ له من الشهوات . وأما مجاهدةُ الفساق فتكون باليد ثم باللسان ثم بالقلب من باب تغيير المنكر .
    وحديثنا عن مجاهدة الكفارِ وهي باليد وباللسان وبالمال وبالقلب أيضاً . فهذه المراتبُ الأربعةُ من أنواع مجاهدة الكفار .
    فإذاً ، حديثنا عن فقه الجهاد يرادُ به : العلمُ المتعلِّقُ ببذلِ الجُهد في قتال الكفار ومجاهدتِهم ، سواءٌ كان ذلك باليد أو باللسان أو بالمال أو بالقلب .

    ـ أنواع الجهاد :
    أقول : الجهاد نوعان : جهادُ طَلَبٍ وجهادُ دفعٍ .
    وجهادُ الطلبِ وهو ما يسمى ( بالغزو ) : هو خروجُ المسلمينِ من ديارِ الإسلام إلى ديار الكفرِ لفَتْحِها ونشرِ الدعوةِ فيها وتطهيرِها من الشركِ والكفرِ ورفعِ رايةِ لا إله إلا الله فوقَ رُبُوعِها
    هذا هو جهادُ الطلبِ . وللأسفِ أُلْغِيَ هذا الجهادُ من قاموسِ المسلمينَ منذ فترةٍ طويلةٍ ، وهذا خَطَرٌ عظيمٌ ؛ فإنَّ أهلَ العلمِ ـ كما سيأتي الحديثُ عن ذلك بشيء من التفصيلِ خلالَ هذهِ الدورةِ إن شاء الله ـ ذهبوا إلى وجوبِ حصولِ جهادِ الطلبِ وهو الغزوُ في سبيلِ الله مرةً في السنةِ على الأقلِّ ، هذا أقلُ ما قيل في وجوبِ الجهادِ على المسلمين . والنبي عليه الصلاة و السلام يقول : " من لم يَغْزُ ولم يُحدِّثْ نفسَه بالغزوِ ماتَ على شُعْبَةٍ من النفاقِ " ، فهذا جهادُ الطلبِ ، والقولُ الراجحُ فيه أنه فرضُ كفايةٍ ؛ فهو واجبٌ على كلِّ المسلمينَ ويسقطُ إذا قامَ به البعضُ .
    وأما جهادُ الدفعِ ، فالمرادُ بهِ : دفعُ الصائلِ الذي يقدُمُ إلى بلادِ المسلمينَ لينتَهِكَها ويستبيحَها ويحتَلَّها كما هو الوضعُ في العراقِ اليومَ وكما كان الوضعُ في أفغانستان قبلَ عامين أو أقل ، وكما هو الوضع في فلسطين ، وكما كان الوضع في الأندلس وغير ذلك ، فهذا الجهاد يسمى جهادَ دفعٍ . وسوف يأتي الحديثُ عن حكمِ هذا الجهادِ أيضاً بشيءٍ من التفصيلِ عندما نتحدثُ عن حكمِ الجهادِ ووجوبِ النفيرِ العامِ أثناءَ الشرحِ إن شاء الله تعالى .
    وهذا النوعُ من الجهادِ ـ جهادُ الدفع ـ فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ ومسلمةٍِ صغيرٍ وكبيرٍ حرٍ وعبدٍ ولا يُشتَرَطُ له أيُّ شرطٍ ثانٍٍ وإنما يدفَعُ كلُّ مسلمٍ بما يستطيعُ ، وهذا الجهادُ يجب على أهلِ البلدِ الذي دَهَمَها العدوُّ أولاً ثم بعدَ ذلك بصورةٍ دائريةٍ على ما حولها من بلادِ المسلمين حتى يتمكنَ المسلمون من ردِّ هذا العدوِّ الذي دَهَمَ أرضَهم لا يشترطُ في ذلك أيُّ شرطٍ من شروطِ الجهادِ التي هي متعلقةٌ بجهادِ الطلبِ لا بجهاد الدفع . هذا باتفاقِ أهلِ العلمِ لا يخالِفُ في ذلك أحدٌ إطلاقاً حسبَ علمي وحسبَ ما ذكر العلماءُ والله تعالى أعلم .
    وبالحقيقةِ : هناك خَلْطٌ في مفاهيمِ الجهادِ ليس بين العامةِ فحسب ، وإنما للأسفِ بين كثيرٍ مِمَّنْ ينتسبُ إلى العلم .
    فمثلاً : يحصُلُ خلطٌ بَيْنَ الجهادِ وما يسمى الآن بالإرهاب . فالإسلامُ لا يُعرَف فيه حقٌّ للكافرِ في أرضٍ ، فلا يقالُ : إن للكفارِ سيادةً على أرضهم وإن لهم الحقَّ في العيشِ آمنينَ في هذه الأراضي ، ونحو ذلك من الخرافات التي يسمونها الشرعيةَ الدوليةَ ونحو ذلك .
    فالجهادُ الذي هو جهادُ الطَّلَبِ مبنيٌّ على وطءِ أراضي الكفارِ وإخراجِهم منها والتحكمِ فيها وأن تكون بيد المسلمين لهم السلطةُ فيها والأمرُ والنهيُ ، ويكونُ هؤلاء الكفارِ الذين هم في أرضهم أصلاً أذلاءَ تحت رايةِ المسلمين يدفعون الجزيةَ وهم صاغرون . فهذا يسميه كثيرٌ من الناسِ من الإرهابِ .
    كذلك هناك من يقول مثلاً : الذي في العراق ليس بجهاد ، والذي في أفغانستان ليس بجهاد ، فهذا أيضاً خَلْطٌ بين جهادِ الطلبِ وجهادِ الدفعِ .
    فهذا الذي يقولُ ليس بجهادٍ لم يفهم معنى جهادِ الطلب ولم يفهم معنى جهاد الدفع ؛ لأنه اعتبرَ هذا ليسَ جهاداً عندما نظر إلى الشروطِ التي تكون في جهادِ الطلب ولم يعلم أن جهادَ الدفع ليس له شروطٌ أصلاً ، وإنما هو يجبُ فوراً على المسلمين من غير قيدِ ولا شرط ويسمى جهاداً بلا إشكال بين أهل العلم ، والله تعالى أعلم .

    والآن نبدأ بأحاديثِ صحيحِ البخاري التي ذكرها في كتاب الجهاد ضمن كتابه الصحيح ، وسوف إن شاء اللهُ تعالى أسوقُ أحاديثَ الصحيح بإسنادِها ومتنِها وأبدأُها بذكرِ إسنادي إلى صحيحِ الإمام البخاري : فقد أخبرني به إجازةً شيخُنا أبو عبد الله حُمودُ بنُ عبدِ الله التُّوَيْجِرِيُّ رحمه الله تعالى عن الشيخِ عبدِ الله العَنْقَرِيِّ عن الشيخِ سعدِ بنِ حمدِ بنِ عتيقٍ عن الشيخِ حسين الأنصاري عن الشيخِ محمد الحازمي عن الشيخ محمد عابد السِّنْدي عن الشيخ صالح بن محمد بن نوح الفُلاني عن الشيخ محمد بن سِنَّة عن الشيخ أحمد العَجِل عن الإمام يحيى بن مَكرَمٍ الطبري عن جده الإمامِ محبِّ الدين الطبري عن البرهانِ إبراهيمَ بنِ محمد بن محمدِ بنِ صديق الدمشقي عن الشيخ عبد الرحمنِ بن عبد الأول عن محمد بن شاذْبَخْتِ الفارسي عن يحيى بن عمار بن مقبل بن شاهان الخُتَّلاني عن الفَرَبْرِي عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى .
    وهذا الإسنادُ بيني وبين الإمام البخاري فيه ستةَ عشرَ رجلاً ، والأحاديثُ الثلاثيةُ التي رواها الإمام البخاريُّ وبينه وبين النبي عليه الصلاة و السلام ثلاثةٌ يكون بيني وبين النبي عليه الصلاة و السلام عشرون واسطةً . وهناك إسنادٌ أعلى من ذلك بثلاثِ درجاتٍ ولكنه عن طريقِ الإجازةِ العامة فلا أطيلُ بذكرِهِ وهو أعلى إسنادٍ في الدنيا الآن حسب علمي ، والله تعالى أعلم .

    وبهذا الإسناد الذي ذكرتُه يقول الإمامُ البخاريُّ رحمه الله :

    [align=center]كتاب الجهاد والسير
    باب فضل الجهاد والسير ، وقول الله تعالى : "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة ، يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون و يُقتلون ، وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن ، و من أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، و ذلك هو الفوز العظيم"
    إلى قوله تعالى : "وبشّر المؤمنين" قال ابن عباس : الحدود : الطاعة [/align]


    قال الإمام البخاري بالسند المذكور سابقا إليه :

    1ـ حدثنا الحسنُ بن صَبّاح ، حدثنا محمدُ بنُ سابقٍ ، حدثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ قال : سمعتُ الوليدَ بنَ العَيْزارِ ذَكَرَ عن أبي عمروٍ الشَّيْبَانيِّ قال : قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه : سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم قلتُ : يا رسولَ الله ، أيُّ العملِ أفضلُ ؟ قال : " الصلاةُ على ميقاتِها " . قلتُ : ثم أيُّ ؟ قال : " ثم بِرُّ الوالدينِ " . قلت : ثم أي ؟ قال : " الجهادُ في سبيل الله " . فسكتُّ عن رسولِ الله صلى الله عليه و سلم ولو اسْتَزَدْتُهُ لزادني .
    2ـ حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ ، حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، حدثنا سفيانُ قال : حدثني منصورٌ ، عن مجاهدٍ ، عن طاووسَ ، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكن جهادٌ ونيةٌ ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا " .
    3ـ حدثنا مُسَدَّدٌ ، حدثنا خالدٌ ، حدثنا حبيبُ بنُ أبي عَمْرَةَ ، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت : يا رسولَ الله ، نرى الجهادَ أفضلَ العملِ ، أفلا نجاهدُ ؟ قال : " لكُنَّ أفضلُ الجهادِ : حجٌّ مبرورٌ " .
    4ـ حدثنا إسحقُ بنُ منصورٍ ، أخبرنا عَفّاُن ، حدثنا هَمّامٌ ، حدثنا محمدُ بنُ جُحادةَ قال : أخبرني أبو حُصَيْنٍ أن ذَكْوانَ حدثه أن أبا هريرةَ رضي الله عنه حدثه قال : جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه و سلم فقال : دُلَّنِي على عملٍ يعدلُ الجهادَ ، قال : " لا أجِدُهُ " . قال : " هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تَدْخَلَ مسجدَك فتقومَ ولا تَفْتُرَ وتصومَ ولا تُفطر " ؟ قال : ومن يستطيعُ ذلك ؟ قال أبو هريرة : إن فرسَ المجاهدَ لَيَسْتَنُّ في طِوَلِهِ فيُكتَبُ له حسناتٌ ".

    بالنسبة للآية : الشاهد منها هو بيانُ أن اللهَ تعالى يُبَشِّرُ الذينَ باعُوا أنفسَهم له سبحانه وتعالى بالجهادِ في سبيله بأن لهم الجنةَ وربح البيع ، والله تعالى يقول : "و من أوفى بعهده من الله" فهذا ضمانٌ من الله تعالى للمؤمنِ المجاهدِ في سبيلِهِ أن يدخلَه الجنةَ .
    وأما قولُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه : ( الحدودُ الطاعةُ ) فلِمَا جاء في الآيةِ بعد الآيةِ التي تَلَوْنَاها "و الحافظون لحدود الله و بشّر المؤمنين" فقال : الحدودُ الطاعة ، أي : الذين يحفظون حدودَ اللهِ بطاعتِهِ فيما أَمَرَ واجتنابِ ما نهى عنه وزَجَرَ .
    وأما حديثُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه وقوله : أيُّ الأعمالِ أفضلُ وأي العملِ أفضل ؟ فذكر الصلاةَ أولاً ثم برَّ الوالدينِ ثم الجهادَ ، يقول : ( فسكتُّ عن رسولِ الله صلى الله عليه و سلم ولو استزدته لزادني ) أي : لو طلبتُ منه بعدَ ذلك أن يُعَدِّدَ أمورَ الدينِ حسبَ الأفضليةِ لزادني عن هذه الثلاثة .
    وإنما قَدَّمَ النبيُّ عليه الصلاة و السلام في هذا الحديثِ الصلاةَ على الجهادِ والبرِّ لأنها تَلزمُ المُكَلَّفَ في كلِّ أحيانِهِ وقَدَّمَ البرَّ على الجهادِ لأن الجهادَ المذكورَ الأصلُ فيه أنه جهادُ الطلبِ وهو مشروطٌ بإذنِ الأبَوَيْن ، فإن لم يأذنِ الأبوانِ فإنه لا يجوزُ للمسلمِ أن يذهبَ إليه ، لأن هذا الجهادَ كما ذكرنا الأصلُ فيه أنه فرضُ كفايةٍ إلا إذا عَيَّنَ الإمامُ شخصاً أو حَضَرَ الشخصُ الصفَّ فهنا يجبُ وُجوباً عينياً عليه .
    فتقديمُ الصلاةِ وبِرِّ الوالدينِ على الجهادِ لهذا المَلْحَظِ الذي ذكرتُه الآن .
    ثم إنَّ مُضَيِّعَ الصلاةِ المفروضةِ الأرجحُ فيه أنه كافرٌ ، فهو لما سواها أضيعُ ولا عبرةَ بجهادِه وهو قدْ خرج من الإسلامِ ، وكذلك إذا ضَيَّعَ بِرَّ والديْه مع وُقوعِ حَقِّهما عليه كان لغيرهما أقلَّ بِراً .
    لأجلِ ذلك قدم الصلاةَ ثم برَّ الوالدينِ لأن الذي يجاهدُ إنما يدفعُ عن بيضةِ الإسلامِ وعن إخوانِهِ المسلمينَ ، فإذا كان عاقاً لوالديه كيف يكون باراً بغيرهما ؟! والله تعالى أعلم .
    وأما حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه وهو " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " ، أي : لا هجرةَ من مكةَ إلى المدينةِ بعد فتحِ مكةَ لأن المهاجرينَ كانوا يهاجرونَ من مكةَ إلى المدينةِ لأنها دارُ كفرٍ وهم فيها مضطهَدون . أما وقد فُتحت وصارت دارَ إسلامٍ فلا هجرةَ بعد ذلك من مكةَ إلى المدينةِ .
    ( ولكن جهادٌ ونيةٌ ) أي : الذي بَقِيَ الجهادُ والنيةُ الصالحةُ المرتبطةُ به . ( وإذا استنفرتم فانفروا ) أي : إذا استنفرَ الإمامُ المسلمينَ وَجَبَ النفيرُ على كلِّ من استَنْفرَهُ الإمامُ ، والله تعالى أعلم .
    وأما حديثُ عائشةَ ففيه إقرارٌ من النبي صلى الله عليه و سلم لقولِها ( نرى الجهاد أفضل العمل ) ولم يقل لها : بل هناك ما هو أفضلُ منه ، ولكنه قال : " لكن أفضل الجهاد ؛ حج مبرور " ، لأن الجهادَ لا يجبُ على المرأةِ والمقصودُ جهادُ الطلبِ كما قلتُ ، وليس هناكَ علاقةٌ بجهادِ الدفعِ في هذا الحديث . فالجهادُ بالنسبةِ للمرأةِ يسقُطُ عنها في حال جهادِ الطلب ، وأما جهادُ الدفعِ فهو واجبٌ كما قلتُ على الرجُلِ والمرأةِ والحرِّ والعبدِ والكبيرِ والصغيرِ . والحجُّ المبرورُ هو جهادُ كلِّ ضعيفٍ لأن فيه مشقةً وفيه مغالبةً وفيه مزاحمةً ، ولأجل هذا عُبِّرَ عنه بالجهادِ . والله تعالى أعلم .
    وأما حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه وفيه أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : دلني على عمل يعدل الجهاد ، قال : " لا أجده " ، أي : لا أجدُ عملاً يعدلُ الجهادَ ، أي : يقومُ مقامَه في الأجرِ والمثوبةِ . ثم قال له : " هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ " ، أي : إلى جهاده وغزوه . " أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر " ؟ قال : ومن يستطيع ذلك ؟
    إذاً ، الجهاُد يعدلُ القائمَ الذي لا يفترُ أي : لا يتعبُ ولا يَكَلُّ ، والصائمَ الذي لا يفطرُ ، أي : الذي يستمر في صومِه فلا يفطرُ أبداً ، وهذا لا يستطيعُه أحدٌ ، ولأجلِ هذا كان الجهادُ أفضلَ العملِ إطلاقاً .
    ـ إشكالات :
    ـ قد يُشكلُ على ذلك حديثُ : " ما من أيامٍ العملُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من عشرِ ذي الحجة ، قالوا : ولا الجهاد يا رسول الله ؟ قال : ولا الجهاد إلا رجلٌ خرجَ بنفسه ومالِه فلم يرجعْ بشيءٍ من ذلك " .
    هذا الحديثُ أشكلَ مع حديثِ بابنا ، ولكنَّ المرادَ بحديثِ عشرِ ذي الحجةِ أنه مُخْتَصٌّ بأيامٍ محددةٍ ، وأما هذا الحديثُ فهو على العمومِ في أي وقتٍ كانَ ، فليس هناكَ تعارضٌ إن شاء الله تعالى .
    وكذلك قد يشكلُ حديث : " ألا أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أعمالِكُم ، وأزكاها عندَ مليكِكُم ، وأرفعِها في درجاتِكم ، وخيرٍ لكم من إنفاقِ الذهبِ والوَرِقِ ، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا : بلى ، قال : ذكرُ الله " .
    فهذا أيضاً من الأحاديث التي أشكلت على أهلِ العلم ، ولكنه لا يشكلُ ؛ لأن المجاهدَ قائمٌ بذكرِ الله لا ينقطعُ عنه . وإنما المرادُ بيانُ فضيلةِ الذكرِ وأن الأصلَ هو ذكرُ الله تعالى . كما أن الجهادَ ما شُرِعَ إلا لإعلاءِ كلمةِ الله تعالى وإقامةِ ذكرِه ، فلا تعارضَ إن شاء الله تعالى .
    ـ تنبيه :
    في آخر الحديثِ السابقِ هناك قولُ قالَه أبو هريرةَ رضي الله عنه قال : ( إن فرسَ المجاهدِ ليستن في طوله فيكتب له حسنات ) .
    قوله هذا جزء من حديث سوف يأتي في فضل اتخاذِ الخيلِ ، وهذا أجرُ من رَبَطَ خيلَه في سبيلِ الله فإن الفرسَ إذا اسْتَنَّ في طِوَلِهِ ، أي : تحركَ في الحبلِ الذي يُرْبَط به ، فإن كل خطوةٍ يخطوها في هذا المكانِ الذي هو فيه تُكتبُ له فيه حسناتٌ حتى بولُ الفرس وروثُه وما يدخلُ بطنَه من ماء وطعام ؛ كل هذا يكتبُ حسناتٌ للمسلمِ الذي ارتبطَ هذا الفرسَ في سبيل الله . وسوف يأتي هذا الحديثُ بالتفصيلِ في بابٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى .

    [align=center]قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى :
    باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله .
    وقوله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار و مساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم " [/align]


    5 ـ حدثنا أبو اليمانِ ، أخبرنا شعيبٌ ، عن الزهري قال : حدثني عطاءُ بنُ يزيدَ الليثيّ أن أبا سعيدٍ الخدري رضي الله عنه حدثه قال : قيل يا رسول الله ، أي الناسِ أفضلُ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " مؤمنٌ يجاهدُ في سبيلِ الله بنفسه وماله " ، قالوا : ثم من ؟ قال : " مؤمنٌ في شِعبٍ من الشعابِ يتقي اللهَ ويَدَعُ الناسَ من شَرِّهِ " .
    6 ـ حدثنا أبو اليمانِ ، أخبرنا شعيبٌ عن الزهري قال : أخبرني سعيدُ بنُ المسيِّب أن أبا هريرةَ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقولُ : " مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ ـ واللهُ أعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيلِهِ ـ كمثلِ الصائمِ القائمِ ، وتَوَكَّلَ اللهُ للمجاهدِ في سبيلهِ بأن يتوفاه أن يُدْخِلَهُ الجنةَ أو يُرجِعَهُ سالماً مع أجرِ أو غنيمةٍ "

    هكذا وقع مضبوطاً في النسخة التي عندي ( سعيد بن المسيَّب ) والأصح ( سعيد بن المسيِّب ) بكسر الياء .
    ـ الآية : الشاهد فيها واضحٌ ، وهو أن النجاةَ من العذابِ الأليم في مقابلها تجارةٌ ، وهذه التجارةُ هي الإيمانُ بالله ورسوله والجهادُ في سبيل الله بالمال والنفس .
    وفيها ما يترتبُ على ذلك ؛ وهو مغفرةُ الذنوبِ ودخولُ الجناتِ والمساكنِ الطيبةِ التي في جناتِ عدن ، وهذا هو الفوزُ العظيمُ الذي يحرصُ عليه المؤمنُ .
    وأما حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ففيه أن النبي صلى الله عليه و سلم ذَكَرَ أفضلَ الناسِ ، فعندما تحدث عن أفضل الناس لم يذكر المتعبدَ الذي يصلي في مسجده أو الصائمَ الذي لا يفطرُ أو الذي يفعل كذا وكذا من سائر الأعمالِ ، وإنما ذكر المجاهدَ الذي يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله .
    ثم قال : ( ثم أي ؟ ) أي : من الذي يلي هذه المرتبةَ العالية التي هي أفضلُ الناس ، أي : أعظمُهم أجراً عند الله ؟ قال : " مؤمنٌ في شعبٍ من الشعابِ يتقي الله ويدعُ الناسَ من شره " ، وهذا يُقَيِّدُهُ أهلُ العلمِ بوقتِ الفِتَنِ ، فإن في وقتِ الفتنةِ تُسْتَحَبُّ العزلةُ حتى لا يقعَ المسلمُ في إيذاءِ الناسِ حولَه ولا يقعُ في المحظوراتِ بسبب الخلطة في وقت الفتنة . وهذا له بابٌ خاصٌ يتعلق بأفضليةِ العزلةِ في وقت الفتنة وأفضليةِ مخالطةِ الناسِ لمن يستطيعُ أن يصبرَ على أذاهم .
    وأما حديث أبي هريرة وفيه أنه يقول ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " مثل المجاهد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ـ ) ، هذه الجملةُ الاعتراضيةُ لأن النيةَ في الجهادِ هي الأساسُ ، والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : " إنما الأعمال بالنيات " فلا بدَّ من الإخلاصِ لله تعالى . والإخلاصُ هو رأسُ العَمَلِ ؛ فإن لم يكنِ العملُ مبنياً على الإخلاصِ لله تعالى فإنه مردودٌ على صاحبه . والله تعالى لا يقبلُ إلا ما كان خالصاً له سبحانه وتعالى . واللهُ هو الذي يعلمُ منِ الذي يجاهدُ في سبيله . وسوف يأتي بابٌ خاصٌ أيضاً بهذه المَكْرُمة .
    والربطُ بين هذا الحديثِ وبين الحالِ الذي نعيشه الآن هو ما ذكرتُه عند سؤالي عن الجهادِ في العراقِ فقلتُ : إن ذلك مرتبطٌ بنيةِ الذي يجاهد ؛ فإن كانت نيتُه الدفعَ عن بلادِ المسلمينَ ودرءَ هذا العدوانِ وحمايةَ دارِ الإسلامِ من هؤلاءِ الكفارِ والمحافظةَ على أعراضِ المسلمينَ ودمائِهم وأموالِهم وأراضيهم فإنه مأجورٌ على ذلك وهو في سبيلِ الله ، ولئن قُتِلَ فله أجرُ الشهيدِ إن شاء الله تعالى .
    وأما إن كانت نيتُه نصرةَ حزبِ البعثِ أو الدفاعَ عن الوطنِ بغضِ النظرِ عن الدين وعن رايةِ لا إله إلا الله والجهادِ في سبيلِ الله ؛ فإن هذا ليسَ جهاداً في سبيلِ الله وليس لصاحبِه أجرٌ عند الله عز وجل ، وإنَّ هذا يقاتلُ عصبيةً وليس دينياً . وسوف يأتي الحديثُ عن هذا إن شاء الله تعالى
    وقولُه (كمثل الصائم القائم ) ، أي : إن أجرُه كأجرِ الذي يصومُ ولا يفطرُ ويقومُ فلا يفتُرُ كما جاء في الحديثِ السابقِ الذي ذكرناه قبلَ قليلٍ .
    ( وتكفل الله للمجاهد ) أي : ضَمِنَ للمجاهدِ في سبيله أنه إذا تَوَفّاهُ أن يُدْخِلَهُ الجنةَ أو يُرْجِعَهُ سالماً إلى أهلِه وقومِه مع الأجرِ أو الغنيمةِ ، وفي بعض الألفاظِ ( والغنيمة ) .
    وهذا حصلَ فيه شيءٌ من الإشكالِ ؛ هل الذي يرجِعُ سالماً يُؤْجَرُ مع أَخْذِهِ للغنيمةِ أم أن الغنيمةَ فقط هي أجرُه وليس له أجرٌ آخرَ غيرُ الغنيمة ؟
    والصوابُ : أنه إذا تُوُفي يأخذُ أجرَه كاملاً وهو دخولُ الجنةِ ، وإذا رجعَ سالماً فإنه يأخذُ ثلثَ أجرِ الذي توفي وتَعَجَّلَ الثلثين في الدنيا .
    وتَعُجُّلُه الثلثين في الدنيا لا يعني انه لا يأخذُ الأجرَ في الآخرة ، ولكن كما ذكر بعضُ أهلِ العلمِ أن الذي يجاهدُ في سبيل الله يحصلُ له ثلاثةُ أجور :
    يرجعُ بالنصرِ ويرجعُ بالغنيمةِ ويرجعُ بالأجرِ في الآخرة ، فهذه ثلاثةٌ تَعَجَّلَ في الدنيا اثنينِ منها وهما النصرُ والغنيمةُ وبقي له في الآخرةِ الأجرُ .
    أما الذي يُسْتَشْهَدُ في سبيلِ اللهِ ويُقْتَلُ في هذه المعركةِ فإنه لا يأخذُ إلا الأجرَ وبالتالي يُعَوَّضُ مكانَ النصرِ والغنيمةِ كِفْلَيْنِ من الأجرِ غيرَ الذي استوى فيه مع الذي يرجِعُ بالنصرِ والغنيمةِ ، والله تعالى أعلم

    [align=center]قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى :
    باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء .
    وقال عمر : اللهم ارزقني شهادة في بلد رسولك صلى الله عليه و سلم[/align]


    7 ـ حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ عن مالكٍ عن إسحقَ بنِ عبدِ الله بن أبي طلحةَ عن أنسٍ رضي الله عنه أنه سمعَه يقول : " كان رسولُ الله صلى الله عليه و سلم يدخلُ على أمِّ حرامٍ بنتِ مِلحان فتُطْعِمُه ، وكانت أمُّ حرامٍ تحتَ عُبادةَ بنِ الصامتِ ، فدخل عليها رسولُ الله صلى الله عليه و سلم فأطْعَمَتْه وجعلَتْ تَفْلي رأسَه ، فنام رسولُ الله صلى الله عليه و سلم ثم استيقظ وهو يضحك ، قالت : فقلت : وما يُضحكُك يا رسولَ الله ؟ قال : ناسٌ من أمتي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزاةً في سبيل الله ، يركبون ثَبَجَ هذا البحر ملوكاً على الأَسِرَّة ـ أو مِثْلَ الملوكِ على الأسرة شك إسحق ـ قالت : فقلت : يا رسولَ الله ادْعُ اللهَ أن يجعلَني منهم ، فدعا لها رسولُ الله صلى الله عليه و سلم . ثم وضع رأسَه ، ثم استيقظ وهو يضحك . فقلت : وما يُضحكك يا رسولَ الله ؟ قال : ناسٌ من أمتي عُرضوا علي غزاة في سبيل الله ـ كما قال في الأول ـ قالت : فقلت : يا رسولَ الله ، ادعُ الله أن يجعلَني منهم ، قال : أنتِ من الأَوَّلين . فرَكِبَتْ البحرَ في زمنِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ فصُرِعَتْ عن دابَّتِها حين خَرَجَتْ من البحرِ فهَلَكَتْ " .
    قوله ( باب في الدعاء بالجهاد ) يعني : ما وردَ في دعاءِ المؤمن بأن يجعلَه اللهُ من المجاهدينَ في سبيل الله .
    ( والشهادة للرجال والنساء ) أي : ما جاء في الدعاء بالشهادة للرجال والنساء .
    وذكر فيه أثر عمر رضي الله عنه ( اللهم ارزقني شهادة في بلد رسولك ) ، وهذا الأثرُ مُعَلَّقٌ لأن البخاريَّ لم يذكرْ سندَه وإنما قال : ( وقال عمر ) وهذا ما يُسمى بالمعلقات التي في الصحيح . وقد وصل الإمامُ البخاري!ُ هذا الأثرَ عن عمرَ في كتابِ الحجِ من نفسِ الصحيح . والشاهدُ فيه أن عمرَ دعا اللهَ وطلبَ أن يَرْزُقَهُ الشهادةَ ، وقَيَّدَ ذلك في بلدِ رسول الله صلى الله عليه و سلم حرصاً على فضيلةِ المدينة وأن النبيَّ صلى الله عليه و سلم قد حَثَّ على سُكناها وذَكَرَ أنه يكون شهيداً وشفيعاً لمن يموتُ بالمدينة . نسأل الله صلى الله عليه و سلمأن لا يحرمَنا ذلك .
    ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث أنسِ بنِ مالكٍ في قصةِ مَقِيلِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم عند أم حرامِِِ بنتِ ملحان ، فكان رسولُ الله صلى الله عليه و سلم يدخلُ عليها ، وذكر بعضُ أهلِ العلمِ أن ذلك كان قبلَ الحجابِ ، وبعضهم يقول : إن بينها وبين النبي صلى الله عليه و سلم شيء من المَحْرَمِيَّة عن طريقِ النَّسَبِ .
    والمقصودُ أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم كان يدخلُ عليها فتضعُ له طعاماً ، فدخلَ عليها ذات مَرَّةٍ فأطعمته وجعلَتْ تَفْلِي رأسَهُ ، وهو أمرٌ معلومٌ في العربِ ؛ فإنَّ الرجلَ كان لكثرةِ شَعْرِهِ ووجودِ وَفْرَةٍ له ولَمَّةٍ يحتاجُ لمن يَفلي له رأسَه فينظُرَ هل يوجدُ شيءٌ من القَمْل ونحوِه ، فكانتْ تَفلي رأسَه صلى الله عليه و سلم وهو نائمٌ ، فاستيقظَ رسولُ الله صلى الله عليه و سلم وهو يضحكُ ، فلما رأتْ ضَحِكَهُ وتَبُسَّمَهُ صلى الله عليه و سلم سألتْه عن سببِ ذلك ، فأخبرَها أن السببَ أنه رأى في منامِه ناساً من أمته غُزاةً في سبيل الله يركَبون ثَبَجَ هذا البحرِ ، يعني : يركبون بعضَ البحرِ بالسُّفن ، وأنهم يومَ القيامة كالملوكِ على الأسرَّةِ . وهذا دليلٌ على الأجرِ العظيمِ للمجاهدِ في سبيلِ الله وأنه سوف يكون يومَ القيامةِ بهذه المنزلةِ العظيمةِ . وكما تعلمون فإن رُؤْيا الأنبياءِ وَحْيٌ ، فالنبيُّ صلى الله عليه و سلم بَشَّرَ بهذه الرؤيا عن أناسٍ من أمَّتِهِ . فسأَلَتْه رضي الله عنها أن يدعُوَ اللهَ تعالى أن يجعلَها منهم . والمرأةُ تخرجُ إلى الغزوِ كما قُلْنا على سبيلِ النَّدْبِ وليسَ على سبيلِ الوُجوبِ ، لأن المرأةَ لا يجبُ عليها الجهادُ الذي هو جهادُ الطَّلَبِ ، ثم إنها إذا خَرجَتْ إلى الغزوِ فإن عَمَلَها محدودٌ فيما يُحتاج إليها فيه كسقايةٍ أو تمريضٍ لمحارِمِها ممن يَحْتاج إلى تمريضٍ أو نحوِ ذلك كصَنْعَةِ طعامٍ للعَسْكَرِ أو صياغةِ ملابسٍ لهم ونحوِ ذلك . فهذا هو غَزْوُ المرأةِ ، ولا يُقْسَمُ لها بسهمِ ، لأن الأصلَ أنها لا تُقاتِلُ إلا إذا احتاجَتْ إلى ذلك دَفْعاً عن المسلمينَ وعن نفسِها خاصةً إذا تَعَرَّضَتْ لِسَبْيٍ ؛ فيُرْضَخُ لها من الغنيمةِ أو يُجْعَلُ لها من الغنيمةِ ليسَ على سبيلِ السَّهْمِ الذي يُسْهَمُ به لمن يُقاتِلُ من الرِّجالِ .
    فلما قالت ( ادعُ الله أن يجعلَني منهم ) دعا لها رسولُ الله صلى الله عليه و سلم .
    والشاهدُ في الحديثِ أنها دَعَا لها رسولُ الله صلى الله عليه و سلم أن تكونَ من الغُزاةِ في سبيلِ الله الذينَ يُكتَبُ لهم هذا الأجرُ العظيمُ . وقد حَصَلَ لها ذلك بالشهادةِ أيضاً في سبيل الله كما سيأتي .
    ثم نامَ رسولُ الله صلى الله عليه و سلم فعُرِضَ عليه جماعةٌ أخرى مثلُ ما عُرض عليه في الأول ، فقالت : ( ادع الله أن يجعلني منهم ) قال : " أنت من الأولين " . ومما يظهرُ أن في هذا الحديثِ إشارةً إلى أنها سوفَ تُسْتَشْهَدُ في هذا الغزوِ الأولِ ولأجل هذا قال لها : " أنت من الأولين " ولم يَدْعُ لها أن يَجْعَلَها من الآخرينَ لأنها تكونُ قد اسْتُشْهِدَتْ وماتتْ في سبيل الله . وهذا الذي حَصَلَ فهي قد خرجتْ في غزوةِ البحرِ في زمنِ معاويةَ رضي الله عنه فطُرِحَتْ عن دابتها ـ أي سقطت ـ وكانت الدابةُ هي السببُ في صَرْعِها ـ أي سقوطها ـ حين خرجت من البحر فهلكت ـ أي ماتت ـ .
    وسوف يأتي ما يدُلُّ على أن الذي يُقتَل أو يموتُ حتفَ أنفه بأي طريقةِ كانت وهو في سبيلِ الله فله أجرُ شهيدٍ ، والله تعالى أعلم .

    ـ تنبيه :
    هنا اسْتِشْكالٌ يُطْرَحُ وهو : هلْ سُؤالُ اللهِ تعالى الشهادةَ أو الدعاءُ بالشهادةِ يَسْتَلْزِمُ طلبَ نَصْرِ الكافرِ على المسلمِ وإعانةَ من يَعْصي اللهَ تعالى على من يُطِيعُهُ ؟
    والجوابُ : ليسَ الأمرُ كذلكَ ، والجهادُ لا شَكَّ أنه لا بُدَّ فيه من فَقْدٍ وخَسارةٍ من الطَّرَفَيْنِ ولكنَّ العاقبةَ تكونُ للمسلمين . والنبيُّ صلى الله عليه و سلم عندما رأى الشهداءَ في أحدٍ في منامِهِ قال : " رأيتُ بقراً يُذبَحُ فقلتُ : بقرٌ واللهِ خيرٌ " ، فكان تأويلُهُ بالشهداءِ الذين قُتلوا يومَ أُحُدٍ ، فحصولُ الشهادةِ لا يعني تمكينَ الكافرينَ ، ولا يعني نصرَهم على المسلمينَ ، وإنما هذا لا بُدَّ أن يكونَ كما قال اللهُ تعالى : "إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله" فهذه سنةُ الله .
    ولأجلِ ذلك يجبُ على المسلم في وقتنا الحالي أن لا يَظُنَّ أن هولَ المصائبِ على المجاهدينَ في أفغانستانَ أو المجاهدينَ في العراقِ أو في فلسطينَ إنما هو نصرٌ للكافرينَ ، لا بلْ هو كرامةٌ وشهادةٌ لمن قُتِلَ من المسلمينَ وهو يريدُ وجهَ الله تعالى كما ذكرنا ، وهي منزلةٌ وشهادةٌ وخيرٌ والحمدُ لله ، لأنه لا نصرَ بغيرِ تضحيةٍ ولا تأييدَ من الله تعالى من غيرِ ابتلاءٍ وفتنةٍ . هذا أمرٌ هامٌ جداً ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال الإمام البخاري رحمه الله :
    بابُ درجاتِ المجاهدينَ في سبيلِ الله . يقالُ : هذه سبيلي ، وهذا سبيلي .
    قال أبو عبد الله : غُزّاً واحدها غَازِ . هم درجاتٌ : لهم درجاتٌ .[/align]


    8 ـ حدثنا يحيى بنُ صالحٍ ، حدثنا فُلَيْحٌ ، عن هلالِ بنِ علي ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : " مَنْ آمنَ باللهِ وبرسولِهِ وأقامَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ كان حَقاً على الله أن يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ، جاهَدَ في سبيلِ اللهِ أو جَلَسَ في أرضِهِ التي وُلِدَ فيها . فقالوا : يا رسولَ الله ، أَفَلا نُبَشِّرُ الناسَ ؟ قال : إن في الجنةِ مائةَ درجةٍ أَعَدَّها اللهُ للمجاهدينَ في سبيلِ الله ما بين الدرجتينِ كما بين السماءِ والأرض ، فإذا سألتُمْ اللهَ فاسألوه الفردوسَ فإنه أوسَطُ الجنةِ وأعلى الجنة ـ أُراه قال : وفوقَه عرشُ الرحمنِ ـ ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنهارُ الجنةِ " . قال محمدُ بنُ فُلَيْحٍ عن أبيه : " وفوقَه عرشُ الرحمن " .
    9 ـ حدثنا موسى حدثنا جريرٌ حدثنا أبو رجاءَ عن سَمُرة قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : " رأيتُ الليلةَ رجلَين أتياني فَصَعِدا بي الشجرةَ وأدخلاني داراً هي أحسَنُ وأفضلُ ، لم أَرَ قطُّ أحسنَ منها ، قال : أما هذه الدّارُ فدارُ الشهداءِ " .
    هذا الباب أيضاً يتعلَّقُ أيضاً بفضلِ الجهادِ في سبيلِ الله . وقولٌ البخاريِّ ( يقال هذه سبيلي وهذا سبيلي ) أي : إن كلمة
    ( سبيل ) يَصِحُّ أن تُذكَّر ويَصِحُّ أن تُؤَنَّثَ .
    ( وقال أبو عبد الله ) يعني : البخاري رحمه الله ( غُزّاً ) أي في قوله تعالى "أو كانوا غزّى" ( واحدها غاز ) يعني : كلمةُ غازٍ تُجمَعُ على غُزّاً وتُجمع أيضاً على غير ذلك كغُزاةٍ ونحوِها . وقوله ( هم درجات ) يعني في قوله تعالى "هم درجات عند الله" أي : درجات المجاهدين وغيرهم ، أي : لهم درجات .
    وهذا الحديثُ الذي ذكَرَه عن أبي هريرةَ حيث يقول (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ) . قيل : لماذا لم يَذْكُرِ الحَجَّ والزكاةَ ؟
    البعضُ من أهلِ العلمِ قال : هذا الحديثُ قبلَ فرضيةِ الحجِ والزكاةِ . والبعضُ الآخرُ قال : لا لأن فيه تصريحاً بسماعِ أبي هريرةَ ، وقد أسلَمَ متأخراً بعد فتحِ خيبرَ . وقد جاء ذكرُ الزكاةِ في بعضِ الطُّرُقِ .
    ومعلومٌ أن الزكاةَ لا تجبُ إلا على من كان يملِكُ النصابَ ، وكذلك الحجُّ له شروطٌ لا يجب إلا على من تَوَفَّرَتْ فيه ، بخلافِ الصلاةِ وصيامِ رمضانَ . فلأجلِ هذا اقْتَصَرَ على ذِكْرِ ما يجبُ على الجميعِ ؛ وهو الإيمانُ باللهِ ورسولِهِ وإقامُ الصلاةِ وصيامُ رمضانَ .
    ثم فيه أن الذي يفعلُ ذلك أنه يَدْخُلُ الجنةَ ، ولكن هلْ منزِلَتُهُ كمنزلةِ الشهداءِ ؟ ليس الأمرُ كذلكَ ؛ بل إن للشهداءِ عند الله مائةَ درجةٍ في الجنةِ أُعِدَّتْ للمجاهدينَ في سبيلِ الله وما بينَ الدرجَتَيْنِ كما بينَ السماءِ والأرضِ . فهذا شرحٌ لقولِهِ تعالى "هم درجات عند الله" فإن أهلَ الجنةِ درجاتٌ ، وللمجاهدينَ في سبيل الله مائةُ درجةٍ ما بين الدرجتينِ كما بين السماءِ والأرضِ ، ثم قال ( فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ) والفردوسُ كلمةٌ أعجميةٌ يُرادُ بها المكانُ الذي به جناتُ العِنب ِونحوها .
    ( وأوسط الجنة ) يعني هنا : أفضَلًُها وأكرمُها، وليس المرادُ بالوسطية هنا التوسط ، وإنما المراد الأفضلية ، ( وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ) يعني : هو أعلى درجةٍ من درجاتِ الجنة وقد أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه و سلم إذا سألنا اللهَ أن نسأَلَهُ الفردوسَ وإن كان الفردوسُ منزلةً عاليةً لا يصِلُ إليها إلا المجاهدُ في سبيل الله ، فالإنسانُ يسألُ اللهَ تعالى الفردوسَ الأعلى . وقوله ( ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنةِ ) أي : من الفردوسِ وليسَ من عرشَ الرحمنش كما يتوهَمُّه البعضُ .
    وأما قوله ( قال محمدُ بن فُلَيح عن أبيه : " وفوقه عرش الرحمن " ) يقصُدُ بذلكَ أن لفظَ محمدِ بنِ فليحٍ عن أبيه فليح كان بالجزمِ في قوله ( وفوقه عرش الرحمن ) ليس فيه الشكُّ الذي قاله يحيى بنُ صالح عن فليح .
    وأما الحديث الثاني ـ حديث سمرة ـ وبه نختم هذا اللقاءَ إن شاء اللهُ تعالى .
    أقول : حديثُ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ هو حديثٌ طويلٌ جداً ، وهو حديث المنامِ الطّويلُ عن سمرة رضي الله عنه وهو نوعٌ من المعراجِ الذي تَكَرَّرَ حصولُه للنبي صلى الله عليه و سلم ، وفيه أنه أتاه رجُلانِ ـ وهما مَلَكَانِ جبريلُ وميكائيلُ ـ أَتَيَا النبيَّ صلى الله عليه و سلم وصعدا به في الطبقات ، ورأى أحوالَ أهلِ النارِ وأحوالَ أهلِ الجنةِ ، وكان مِمّا رآى ما يتعلَّقُ بالشهداءِ ، ولأجلِ هذا اختصَرَ البخاريُّ هذا الحديثَ واقْتَصَرَ منه على الشاهِدِ ، وهذه عادةُ الإمامِ البخاريِّ رحمه الله في صحيحِه .
    فقال : ( فصعِدا بي الشجرةَ وأدخلاني داراً هي أحسنُ وأفضلُ ، لم أَرَ قطُّ أحسنَ منها ) هذه الدارُ هي دارُ كرامةِ الله عزوجل للشهداءِ الذين قُتِلوا في سبيلِ الله تعالى .
    ثم في النهايةِ عندما سَأَلَ فقال : ما هذه ؟ وما هذه ؟ قال : أما هذه فهيَ دارُ الشهداءِ . وكما قلتُ اخْتَصَرَ الإمامُ البخاريُّ اللفظَ لأن الحديثَ طَوِيلٌ والله تعالى أعلم .
    وفي هذا الحديثِ طبعاً منزلةُ الشهداءِ وكرامتُهم على الله تعالى ، وهي منزلةٌ عظيمةٌ ولا تكونُ الشهادةُ إلا بالجهادِ في سبيلِ الله ، فهذا ما يتوافَقُ مع كلامِنا عن فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله .

    ونكتفي بهذا القدرِ ، ونستكملُ إن شاءَ اللهُ تعالى بقيةَ الكتابِ في اللقاءِ القادمِ بإذنِ الله واللقاءاتِ التاليةِ له ، نسألُ اللهَ التوفيقَ والسدادَ .
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    22-03-2002
    الدولة
    الإسلام
    المشاركات
    32,245
    جزاك الله خيراً أبا البراء على طيب الجهود ...
    ونفع الله بالشيخ الفاضل الطرهوني ..
    وداعا يا من جعلتِ الحب بديلا عن كل شيء
    من المعلوم أن الفراق له وقع فاجع بين المحبين وهو يعكس مشاعر الحزن،ويكرس ألم الفراق هذا إذا كان الغائب حياً تُنتظر عودته فيتجدد نحوه الشوق بحسب طول غيابه ومسافة ابتعاده، ويظل الأمل معلقاً عليه والرجاءُ مرتبطاً به في تعليل للنفس بالآمال المرتجاة لهذه العودة القريبة، والصلة به موصولة على بُعده على أساس عودة منتظرة ورجعة مؤملة كما هو واقعنا في هذه الدنيا..
    فكيف إذا كان الفراق أبدياً لا يُنتظر له إياب ولا يُؤمل بعده عودة؟ وذلك كما هو واقع الحال في رحيل مَن ينتهي أجله ولا رجعة له من رحلته الأبدية إلى دنيا الناس..
    لاشك أن الفاجعة حينئذٍ ستكون فادحة والحزن أعم وأشمل. لانقطاع الأمل وتلاشي الرجاء في أوبة الراحل وعودة الغائب، وهنا يتعمق الحزن فيهزّ كيان المحزون ولا يخفف لواعج الفراق ويهدّئ من توترات المحزون سوى الدموع التي يسفحها، والرثاء الذي يخفّفها ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587
    [align=center]المحاضرة الثانية
    ( تابع فضل الجهاد ، والنية والقنوت ) [/align]


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ،
    فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه و سلم وشرَّ الأمورِ محدثاتُها ، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكلَّ ضلالةٍ في النار .

    نستكملُ الليلةَ دورتَنا المباركةَ في فقهِ الجهادِ من خلالِ صحيحِ البخاري رحمه الله ، وذلك باستعراضِ أحاديثِ كتابِ الجهادِ فيه . فأقول وبالله التوفيق :

    أخبرني أبو عبدِ الله التُّوَيجري عن العنقَريِّ عن ابنِ عتيقٍ عن حُسينِ الأنصاريِّ عن محمدِ الحازميِّ عن محمد عابد السندي عن صالح الفُلاني عن ابن سِنَّة عن أحمد العجل عن ابن مكرم الطبري عن جده محب الدين الطبري عن البرهان الدمشقي عن عبد الرحمن بن عبد الأول عن ابن شاذبخت الفارسي عن ابن شاهان الختلاني عن الفربري

    [align=center]عن البخاري رحمه الله قال :

    بابُ الغدوةِ والروحةِ في سبيلِ الله ، وقابُ قوسِ أحدِكم في الجنة .

    10 ـ حدثنا مُعَلّى بن أسد ، حدثنا وُهَيب ، حدثنا حُمَيد عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة و السلام قال : " لغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خير من الدنيا وما فيها " .
    11 ـ حدثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ ، حدثنا محمدُ بنُ فُلَيْحٍ قال : حدثني أبي عن هلالِ بنِ علي عن عبدِ الرحمنِ بن أبي عَمْرَةَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ عليه الصلاة و السلام قال : " لَقابُ قوسٍ في الجنةِ خيرٌ مما تَطْلُعُ عليه الشمسُ وتغربُ " . وقال : " لغدوةٌ أو روحةٌ في سبيلِ الله خيرٌ مما تَطْلُعُ عليه الشمسُ وتغربُ " .
    12 ـ حدثنا قَبيصَةٌ ، حدثنا سفيانُ عن أبي حازمٍ عن سهلِ بن سعدٍ رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة و السلام قال : " الروحةُ والغدوةُ في سبيلِ الله أفضلُ من الدنيا وما فيها " . [/align]



    هذا الحديثُ الذي ذكرناه الآن تابعٌ لفضلِ الجهادِ .
    وقوله عليه الصلاة و السلام في هذا الحديث ( لغدوةٌ في سبيلِ الله أو روحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها ) ؛
    الغدوة : واحدةٌ أو مرةٌ الغُدُوِّ ، وهو : السَّيْرُ من الصباحِ إلى الزوالِ في أولِ النهار ، والمقصودُ مرةٌ واحدةٌ فقط .
    وأما الرَّوْحَةُ ؛ فهي المرةُ من الرَّواحِ ، وهو : المَسيرُ من بعد الزوالِ إلى قبلِ الغروبِ .

    هذه الغدوةُ أو هذه الروحةُ في سبيل اللهِ ـ أي في الجهادِ في سبيلِ الله ـ خيرٌ من الدنيا وما فيها ، فكيف إذا كان المجاهدُ يقضي أياماً طوالاً يجاهدُ في سبيلِ الله ؟ وكيف إذا كان يُعَفِّرُ بَدَنَهُ بالترابِ في سبيلِ الله صباحاً ومساءً ؟ وإذا كان هذا هو الأجرُ المُعّدُّ للمجاهدِ لمجردِ المسيرِ فترةً من اليومِ فكيف بمن يُهْراقُ دمُه ويُعْقَر جوادُه في سبيل الله ؟ كيف بالذي يُضَحّي بنفسه وماله في سبيل الله ؟
    هذا دليلٌ على عِظَم قدرِ الجهاد وفضلِه عند الله تعالى ، فإن هذا القدرَ اليسيرَ خيرٌ مما طلعتْ عليه الشمسُ .
    وقوله ( من الدنيا وما فيها ) : هذا يشمَلُ كلَّ ما في الدنيا من المُغْرَياتِ ومن التنعُمَاتِ التي يتنعمُ بها المتنعمون . فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الجهادَ في سبيله ، والله تعالى أعلم .
    وأما في الحديثِ الآخر فقوله ( لقابُ قوسٍ في الجنة ) ، وفي بعض ألفاظِ هذا الحديث ( لقابُ قوس أحدِكم في الجنة ) . يراد بكلمة ( القابُ ) أي : القدرُ . ( قابُ القوس ) أي : قدرُ القوس في الجنة .
    هذا القدرُ اليسيرُ خيرٌ مما تطلعُ عليه الشمسُ وتغربُ ، أي : خيرٌ أيضاً من الدنيا وما فيها .
    ثم قال : ( لغدوةٌ في سبيل الله .. ) فذكر مثلَ حديث أنسٍ وحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنهم .
    وكذلك حديثُ سهلِ بن سعدٍ رضي الله عنه بنفسِ لفظِ حديثِ أنسٍ تقريباً . والمرادُ بسياقِ الإمامِ البخاري لهذه الأحاديثِ الثلاثةِ بيانُ فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله تعالى ببيانِ أن القدْرَ اليسيرَ هذا خيرٌ من الدنيا جميعِها والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله تعالى :
    باب الحور العين وصفتهن .
    يحارُ فيها الطرف . شديدة سواد العين ، شديدة بياض العين "وزوجناهم بحور عين" : أنكحناهم .

    13 ـ حدثنا عبد اللهُ بنُ محمدٍ ، حدثنا معاويةُ بنُ عمروٍ ، حدثنا أبو إسحاقَ ، عن حُمَيْدٍ قال سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة و السلام قال : " ما مِن عبدٍ يموتُ له عندَ اللهِ خيرٌ يَسُرُّهُ أن يرجعَ إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها ، إلا الشهيدُ لما يرى من فضلِ الشهادةِ ، فإنه يسره أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتَلُ مرةً أخرى " .
    14 ـ قال : وسمعت أنسَ بنَ مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " لروْحةٌ في سبيلِ الله أو غدوةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها ، ولقابُ قوسِ أحدِكم من الجنة أو موضعُ قِيدٍ ـ يعني سَوْطَه ـ خيرٌ من الدنيا وما فيها . ولو أن امرأةً من أهلِ الجنة اطَلعتْ إلى أهل الأرضِ لأضاءتْ ما بينهما ولَمَلأتْه ريحاً ، ولَنَصيفُها على رأسِها خيرٌ من الدنيا وما فيها " .
    [/align]


    قوله ( يَحار فيها الطرفُ ) ، أي : يحصُل للشخصِ الحَيْرةُ من شِدّةِ جمالِها ، ولا يستطيعُ الطرفُ أن يُحيطَ بهذا الجمالِ .
    ( والطرفُ ) : العينُ والبصرُ والنظرُ .
    ولكن هذا ليس تفسيراً لكلمة ( الحُور ) فهي ليستْ من الحَيرة وإنما من الحَوَر . والحَوَر : هو شِدّةُ سوادِ العينِ مع بياضِ ما حولَ هذا السوادِ بياضاً شديداً .
    ( والحُور ) جمع حَوراء . وأما ( العِينُ ) جمع عَيْناء ، وهي : واسعةُ العينِ جميلةُ العينِ .
    ثم قال : ( شديدةُ سوادِ العَين ، شديدةُ بياضِ العَين ) بياناً للمعنى الذي اشتقت منه كلمة
    ( الحُور ) ثم قال "و زوجناهم بحور عين" : أنكحناهم ، يعني : تفسيرَ قوله تعالى :"و زوجناهم" يقول : أنكحناهم . لأن التزويجَ يُرادُ به النكاحُ ويرادُ به الجمعُ اثنين اثنين . والمراد به هنا النكاح . يعني : يحصلُ لهم الاستمتاعُ الذي هو من النكاحِ .
    ثم ذكر حديثَ أنس وفيه ( ما من عبدٍ يموتُ له عند الله خيرٌ يسره أن يرجعَ إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها ) ، يعني : أن الذي يرى كرامةَ الله تعالى في الآخرة من أيِّ العبادِ كان إذا كانَ من أهل الكرامةِ والخيرِ من الله ، فإنه لا يمكنُ أن يريدَ أن يرجعَ إلى الدنيا بحالٍ من الأحوالِ ولو مُنِحَ له كلُّ ما في الدنيا
    وهذا كما دلَّ عليه الحديثُ المشهورُ أنه يؤتى بأَبْأَسِ أهلِ الأرض وهو من أهلِ الجنة فيُغمَسُ في الجنة غمسةً فيقال له : هل رأيتَ بؤساً قط ؟ فيقول : لا ، والله ما رأيتُ بُؤساً قط .
    فإذا كانتِ الغمسةُ الواحدةُ في الجنة تُنْسي أبأسَ أهلِ الأرضِ ما رآه من بؤسٍ في هذه الدنيا ؛ فكيف بمن يمكثُ في الجنة ويرى الخيرَ العميمَ من الله تعالى ؟ لا شك أنه لا يُرِيدُ أن يرجعَ إلى هذه الدنيا ولو مُنِحَتْ له كلُّها . إلا واحدٌ فقط هو الذي يَسُرّهُ أن يرجعَ إلى الدنيا وهو الشهيدُ لما يرى من فضلِ الشهادةِ . لماذا ؟ لأنه رأى كرامةً عظيمةً جداً بسببِ شهادته فيتمنى لو يرجعُ إلى الدنيا فقط لأجلِ أن يُقتَلَ مرةً أخرى في سبيلِ الله فيتحَصَّلُ على هذا الأجرِ العظيمِ . وهذا المعنى وَرَدَ في أحاديثَ كثيرةٍ منها :
    حديثُ جابرٍ رضي الله عنه عندما كَلَّمَه النبيُّ عليه الصلاة و السلام وذكرَ له أن الله تعالى كلم أباه كفاحاً وقال له : ( تمن ) فقال : أرجعُ إلى الدنيا لأقتلَ في سبيلِك . أو كما قال عليه الصلاة و السلام .
    فهذا المعنى ثابتٌ في عِدّةِ أحاديثَ ، ولا زِلْنا في فضلِ الجهادِ وفضلِ الاستشهادِ في سبيل الله تعالى .
    ثم ذكر حديثَ أنسٍ رضي الله عنه وفيه ذكرُ الرَّوحةِ والغّدْوة ، وذكر فيه إضافةً وهي ( ولو أن امرأةً من أهلِ الجنة اطلعت إلى أهل الأرض ) أي : ظهرتْ لهم ظهوراً ( لأضاءت ما بينهما ) أي : ما بين السماءِ والأرضِ أو ما بينَ المشرقِ والمغربِ ولمَلأتْه ريحاً من عطرها وطِيبها الذي أكرمها الله تعالى به في هذه الجنة ، وهو كرامةٌ للمؤمنِ .
    ثم قال ( ولنَصِيفُها على رأسها ) أي : الخمارُ الذي تلبَسُهُ خيرٌ من الدنيا وما فيها .
    سبحانَ اللهِ ، الخمارُ الذي تلبَسُهُ الحوريةُ التي أَعَدَّها اللهُ تعالى للمجاهدِ في سبيلِ الله ؛ خمارُها فقط خيرٌ من الدنيا وما فيها ، فما بالُك بالسبعينَ حورية ؟ وما بالُك بكل ما في الجنة من خيرٍ وكرامةٍ أعدها الله عزوجل للمجاهدينَ في سبيله . والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :

    باب تمني الشهادة
    15 ـ حدثنا أبو اليمانِ ، أخبرنا شعيبٌ ، عن الزهري ، أخبرني سعيدُ بنُ المسيب أن أبا هريرةَ رضي الله عنه قال : سمعتُ النبيَّ عليه الصلاة و السلام يقول : " والذي نفسي بيدِهِ ، لولا أن رجالاً من المؤمنينَ لا تطيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفوا عني ، ولا أجدُ ما أحمِلُهم عليه ، ما تخلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ تغزو في سبيلِ الله ، والذي نفسي بيده لوَدِدْتُ أني أُقتَلُ في سبيلِ الله ثم أَحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل " .
    16 ـ حدثنا يوسفُ بنُ يعقوبَ الصَّفّار ، حدثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة ، عن أيوبَ عن حميدِ بنِ هلالٍ عن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قال : خطب النبيُّ عليه الصلاة و السلام فقال : " أَخَذَ الرايةَ زيدٌ فأصيبَ ، ثم أخذها جعفرٌ فأصيبَ ، ثم أخذها عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ فأصيبَ ، ثم أخذها خالدُ بنُ الوليدِ عن غيرِ إمرةٍ ففُتِح له . قال : وما يَسُرُّنا أنهم عندنا " . قال أيوب : أو قال : " ما يسرُّهم أنهم عندنا ، وعيناهُ تَذْرِفان "
    [/align]


    هذا الباب فيما جاء في تمني الشهادةِ . وفيه أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام تمنى هذه المنزلةَ ( منزلةَ الشهيدِ ) على الرغمِ من كونه في أعلى منازلِ الجنة ، فإن في الجنةِ منزلةً لا تليقُ إلا به صلى الله عليه و سلم .
    قوله في أولِ حديثِ أبي هريرةَ ( والذي نفسي بيده ) : قَسَمٌ . وهذه الجملةُ كانتْ دائماً قَسَمَ النبيِّ صلى الله عليه و سلم.
    قولُه ( لولا أن رجالاً من المؤمنينَ لا تَطيبُ أنفسُهم أن يتخلّفوا عني ، ولا أجدُ ما أحمِلُهم عليه ، ما تَخَلَّفْتُ عن سَرِيّةٍ تغزو في سبيل الله ) : هذا دليلٌ على فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله . فالنبيُّ صلى الله عليه و سلم يُظهِرُ العذرَ الذي لأجله لم يخرجْ في جميعِ مواقفِ القتال التي حصلَ فيها قتالٌ لأعداءِ الله تعالى .
    وكما تعلمون ( الغزوة ) اصطلاحٌ لما خرج فيه النبي صلى الله عليه و سلم مع أصحابه ، وأما السريةُ فالمرادُ منها البعثُ الذي يبعثه النبيُّ صلى الله عليه و سلم ولا يخرجُ فيه . وهذا الحديثُ يشير إلى ذلك فإن فيه ( ما تخلفتُ عن سريةٍ تغزو في سبيل الله )
    والسببُ في تَخُلَّفه صلى الله عليه و سلم عن بعض السرايا بَيَّنه بأنه يَشعرُ أنه لو خرج سوف يتأثَّرُ كثيرٌ من المسلمين لأنهم كانوا يُحِبون التضحيةَ في سبيلِ الله تعالى ويحبون صحبةَ النبي صلى الله عليه و سلم في هذه المشاهدِ العظيمةِ الذي يَبذلُ المسلمُ فيها نفسَه ابتغاءَ وجهِ الله تعالى ورَفعاً لرايةِ لا إله إلا اللهُ ودَحْراً للكفر .
    فيقول : إن هؤلاءَ الرجالِ من المؤمنينَ لا تطيبُ أنفسُهُم أن يتخلفوا عني ، وبالتالي سوف يَطلبونَ منه صلى الله عليه و سلم أن يكونوا معه في كل مشهدٍ يشهَدُه ، وهو صلى الله عليه و سلم لم يكن لديهِ السعةُ أن يحمِلَهم جميعاً فليس لديه العُدّةُ الكافيةُ لكل المسلمين كلما أرادَ أن يخرجَ إلى القتالِ في سبيلِ الله .
    وهذا الحديثُ استَدَلَّ بِه من يَرى أن الجهادَ فرضُ كفايةٍ . وهو القولُ الراجحُ في جهادِ الطَّلَبِ كما بَيّنا ولكن هذا الحديثُ ليسَ صريحاً في ذلك ؛ لأن فيه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم لم يخرُجْ هو ومن جَلَسَ من هؤلاءِ إلا للعُذْرِ. والحديثُ عن الجهادِ وفرضِيَّتِه معلومٌ أنه يُستثنى منه أصحابُ الأعذارِ ، فليسَ في هذا الحديثِ دليلٌ على أن الجهادَ فرضُ كفايةٍ .
    قوله بعد ذلك ( والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ) ؛ نلاحظُ أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم خَتَمَ بالقتلِ لأنه لا يريدُ بالإحياءِ في هذه المراتِ إلا أن ينالَ أجرَ الشهيدِ أكثرَ من مرةٍ . فسبحانَ الله ! نبيُّ الله تعالى وخيرُ الخلق إنما يحرصُ على أن يكونَ شهيداً في سبيل الله وليس مرةً واحدةً بل مراتٍ ومراتٍ ، فهذا دليلٌ عظيمٌ على فضلِ الشهادةِ في سبيلِ الله ، وهو دليلٌ أيضاَ على الحرصِ على الجهادِ من النبي صلى الله عليه و سلم ومن أصحابِه الكرامِ الذين تأسَّوْا به وعرفوا قدرَ الجهادِ في سبيل الله تعالى .
    ـ استشكال : كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم يتمنى أن يقتل ، والله تعالى يقول : "والله يعصمك من الناس" ؟
    وجَّه ذلك بعضُ الشُّرّاح بأمورٍ عليها ملاحظات :
    فمنهم من يقول : هذا قبلَ نزولِ الآية . ولكنَّ أبا هريرةَ أسلمَ بعد نزولِ هذه الآيةِ وهو قد سَمِعَ هذا الحديثَ من النبي صلى الله عليه و سلم .
    والجوابُ الذي ذهب إليه الحافظُ ابن حَجَرَ رحمه الله : أن المرادَ التمني ، والتمني لا يعني الحصولَ ، وهذا كثيرٌ ومتكررٌ .
    وأقول : هناكَ توجيهٌ أولى من هذا التوجيهِ ؛ وهو أن العَصْمةَ التي يَعْصِمُهُ اللهُ تعالى بها من الناسِ إنما هي لحينِ أن يؤديَ البلاغَ ، وليست العصمةُ التي ذكرَها اللهُ تعالى في هذه الآيةِ عصمةً دائمةً ، بمعنى أن لا يَصِلُ القتلُ إليه صلى الله عليه و سلم .
    والدليلُ على هذا التوجيهِ أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم قد كتبَ الله له أجرَ الشهادةِ مع أجرِ النبوةِ العالي الذي هو في أعلى الدرجاتِ ؛ فقد قُتِلَ صلى الله عليه و سلم ومات مسموماً من أَثَرِ الشاةِ التي سُمَّ بها في خيبر ، ولعلنا نتعرضُ لهذا فلا أدري هل يأتي في أثناءِ هذا الكتابِ أم لا ؟ ولكن هذا باختصار ، فإن النبي صلى الله عليه و سلم عندما ماتَ كما في هذا الكتاب في الصحيح قال : " ما زلتُ أجدُ أثرَ السُّمَ الذي أكلتُه في خيبر ، وهذا أوانُ انقطاعِ أبهري " ، فهذا دليلٌ على أنه صلى الله عليه و سلم ماتَ من أثرِ السم ، والله تعالى أعلم .
    ثم في الحديثِ الآخر حديث أنسٍ قال ( خطب النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " أخذ الراية زيد .. ) فهذا الحديثُ في غزوةِ مؤتة ، أو بالمعنى الأصح في سرية مؤتة ؛ فإن فيها أن زيداً  أخذ الراية فأصيبَ ، يعني : قُتِل في سبيل الله ، ثم أخذها جعفرٌ فأصيب ، أي : قُتل أيضاً في سبيل الله ، ثم أخذها عبدُ الله بنُ رواحة وكان قد تأخر قليلاً عنهما فأخذها فأصيب أيضاً وقتل في سبيل الله ، ثم أخذها خالدُ بنُ الوليد ففَتَحَ اللهُ تعالى عليه .
    والنبيُّ صلى الله عليه و سلم كان قد أَوْصى أصحابَه أنه إذا قُتل فلانٌ فالرايةُ لفلانٍ حتى وصلَ إلى عبدِ الله بنِ رواحة ، وأرادَ الله أن يُقتلَ الأمراءُ الثلاثةُ فأخذها خالدُ بنُ والوليدِ من غير إمرةٍ ، لأنه لا بدَّ من تأميرِ أميرٍ للقتالِ حتى ولو لم يكنْ مُؤَمّراً من قِبَلِ ولي الأمرِ ، وهذه نقطةٌ أساسيةٌ ؛ أنه لا بدَّ في الجهادِ أن يكون هناك أميرٌ يقاتَل تحتَه ؛ لأن هذا الأميرَ يُنَظّم أمورَ الغزوِ ويُسْمَعُ له ويُرَتبُ حسب الأولوياتِ والحاجياتِ والمواقفِ التي يتعرض لها الجيشُ . فهذه المسألةُ متفق عليها : لا بد من تأميرِ أمير ٍولو كان من غير إمرةٍ شرعيةٍ أو من غيرِ ولايةِ وليِّ الأمرِ .
    وفي الحديث ( ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففُتِح له ) بعد مقتلِ الأمراءِ الثلاثةِ أخذَ الرايةَ خالدُ بنُ الوليدِ ، وهذا إقرارٌ من النبي صلى الله عليه و سلم بتأميرِ مَنْ لم يؤمِرْهُ وليُّ الأمرِ طالما أن الحاجةَ تُدَللُ على ذلك .
    ثم قال صلى الله عليه و سلم ( ما يسرنا أنهم عندنا ) وذلك لأنه يعلمُ المنزلةَ العاليةَ التي نالوها بالشهادة .
    وقال أيوب ( قال أيوب : أو قال : " ما يسرهم أنهم عندنا ) ، يعني : شكَّ أيوبٌ هل قال ذلك أم قال ( ما يسرهم أنهم عندنا ) ، وهذا أيضاً لأنهم رأَوْا المنزلةَ العاليةَ التي عندَ الله تعالى والتي أعَدَّها لهم .
    وكما تعلمون أن الشهيدَ له اثنتان وسبعونَ حوريةً يومَ القيامةِ ، فأولُ ما يُقتل في سبيلِ الله فزوجتانِ منهنَّ تَبْتَدِرانه وهو بدمائِه في ساحةِ القتالِ .
    وقوله هذا لا يعني أنهم لا يريدونَ العودةَ إلى الدنيا فيًقتلون مرةً أخرى ، وإنما يقصدُ بذلك أنه ما يسرُّهم أنهم عندنا بدون قتلٍ واستشهادٍ في سبيل الله .
    ثم قال ( وعيناه تذرفان ) أي : أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم كان ينزلُ الدمعُ من عينِهِ من محبته لهم وحزنِه على فراقِهم ، وهذا دليلٌ على جوازِ البكاءِ على الميتِ من غير نِياحةٍ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

    [align=center]يقول البخاري رحمه الله :

    باب فضلِ من يُصرَعُ في سبيلِ الله فماتَ فهو منهم .

    وقولِ الله تعالى : "و من يهاجر في سبيل الله يجد مراغما كثيرا و سعة ، و من يخرج من بيته مهاجرا"
    وَقَعَ : وَجَبَ .

    17 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ قال : حدثني الليثُ ، حدثنا يحيى عن محمدِ بن يحيى بنِ حبان عن أنسِ بن مالكٍ عن خالتِه أمِّ حرامٍ بنتِ مِلحان قالت : " نام النبيُّ عليه الصلاة و السلام يوماً قريباً مني ، ثم استيقظ يتبسم ، فقلت : ما أضحكك ؟ قال : ناسٌ من أمتي عُرِضوا علي يركبون هذا البحرَ الأخضرَ كالملوكِ على الأسِرَّة ، قالت : فادع الله أن يجعلَني منهم ، فدعا لها . ثم نامَ الثانيةَ ففعل مثلَها ، فقالت مثلَ قولها ، فأجابها مثلَها ، فقالت : ادع الله أن يجعلَني منهم ، فقال : أنتِ من الأوَّلِين . فخرجتْ مع زوجِها عبادةَ بنِ الصامتِ غازياً أولَ ما ركِبَ المسلمونَ البحرَ مع معاويةَ ، فلما انصرفوا من غزوتِهم قافلينَ فنزلوا الشامَ فقُرِّبت إليها دابةٌ لتركبَها فصرَعَتْها فماتت "
    [/align]


    هذا الباب في فضلِ من يُصرَعُ في سبيل الله فيموت . يعني : الذي يموتُ حَتْفَ أنفِهِ وليسَ عن طريقِ القتل من الكافرين له ، فهل هذا يُعتَبر من الشهداءِ أم لا ؟ هذا الباب معقودٌ لأجلِ ذلك .
    وذكر فيه الإمامُ البخاريُّ رحمه الله هذه الآيةَ التي فيها أن الذي يخرجُ من بيتِهِ مهاجراً إلى الله ورسولِه ثم يُدْرِكُهُ الموتُ فقد وقع أجرُه على الله ، أي : وجب . يعني : حَقُّه أن يكتبَ اللهُ له الأجرَ مثلَ إخوانِه الذي هاجروا حقيقةً وتم لهم الهجرةُ ، وذلك لأنه خرج قاصداً لذلك .
    وهذه الآيةُ كما ذَكَرَ أهلُ التفسيرِ نزلت في رجلٍ أراد أن يخرجَ مهاجراً إلى المدينةِ فمات في الطريقِ وفي بعض الألفاظِ ( لدغته حية ) فنزلت هذه الآية تدلل على أن له أجرَ المهاجرِ كاملاً متكاملاً .
    والمجاهدُ في سبيل الله له نفسُ الأجرِ ، فالذي خرج يجاهدُ في سبيل الله يُعتبر قائماً بنوعٍ من الهجرة فإن المهاجرَ من هَجَرَ ما نهى الله عنه ، وهذا الخارجُ في سبيلِ الله ما أخرجه من بيته إلا الذي أخرج المهاجرَ من بيته وهو رضوانُ الله تعالى وطلبُ الخيرِ الذي وعد به .
    ثم ذكر في هذا الباب حديث أم حرامٍ بنتِ ملحان رضي الله عنها وقد تكلمنا عنها في الدرس السابق .
    وهذا الحديثُ بينا أنه يدللُ على أن الذي يُقتل في سبيل الله والذي يموتُ وهو في أثناء الجهادِ كلاهما يُعتبر شهيداً ، وقد ثبتَ ذلك في حديثٍ عند مسلمٍ أن من قُتل في سبيل الله أو مات فهو شهيدٌ في سبيل الله . وجاء ذلك أيضاً في أحاديثَ أخرى ، فمن ذلك :
    ما جاء أيضاً أن من صُرِع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيدٌ . ولكنَّ هذا الحديثَ ليسَ على شرطِ الإمامِ البخاري فلم يخرجْه في الصحيحِ وأشارَ إليه بهذه الترجمة . والحديثُ صريحٌ في ذلك ؛ فإن النبي عليه الصلاة و السلام بَيَّنَ أن أمَّ حرامٍ مثل هؤلاء ، وهؤلاء كان منهم الشهداءُ الذين قُتلوا في ساحةِ المعركةِ ، فهي بنفس منزلَتِهم لأنها قالت ( ادع الله أن يجعلني منهم ) فكونُها من الملوكِ على الأسرة وهذه المنزلةُ هي منزلةُ الذين خَرجوا في هذه الغزوةِ واستشهدوا في سبيل الله فهي كذلك لها نفسُ الأجر . وقد تبين أنها لم تقتلْ قتلاً وإنما صرعتها الدابةُ .
    والمرادُ أن الذي يخرجُ في سبيلِ الله مجاهداً فإنه يَغْنَم وينتظرُ الأجرَ من الله حتى وإن وافَتْه منيتُه من غيرِ قتلٍ وإنما أصابَه الموتُ بأي طريقةٍ كانت حتفَ أنفِهِ فهو مأجورٌ كما لو قُتل في سبيل الله لفضيلةِ الجهادِ ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :

    باب من ينكب في سبيل الله

    18 ـ حدثنا حفصُ بنُ عُمَرَ ، حدثنا همامٌ ، عن إسحاقَ ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " بَعَثَ النبيُّ عليه الصلاة و السلام أقواماً من بني سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ في سبعينَ ، فلما قَدِموا قال لهم خالي : أتقدمكم ، فإن أمَّنوني حتى أبَلَّغَهم عن رسولِ الله عليه الصلاة و السلام وإلا كنتم مني قريباً . فتقدم فأمّنوه ، فبينما يُحَدِّثهم عن النبي عليه الصلاة و السلام إذ أومَؤوا إلى رجلٍ منهم فطعنَه فأَنْفَذَه ، فقال : اللهُ أكبرُ ، فُزْتُ وربِّ الكعبة . ثم مالُوا على بقيةِ أصحابه فقتلوهم إلا رجلٌ أعرجٌ صعدَ الجبلَ ، قال همامٌ : وأُراه أخرَ معه . فأخبر جبريلُ عليه السلام النبيَّ عليه الصلاة و السلام أنهم قد لَقُوا ربَّهم فرضي عنهم وأرضاهم ، فكنا نَقرأ أن بَلِّغوا قومَنا أن قد لقينا ربَّنا فرضي عنا وأرضانا ، ثم نُسِخ بعدُ ، فدعا عليهم أربعينَ صباحاً ، على رِعْلٍٍ وذكوانَ وبني لِحيان وبني عُصية الذين عَصَوُا اللهَ ورسولَه " .
    19 ـ حدثنا موسى بنُ إسماعيل ، حدثنا أبو عوانةَ ، عن الأسودِ هو ابنُ قيسٍ ، عن جُنْدُبِ بنِ سفيانَ " أن رسول الله عليه الصلاة و السلام كان في بعض المشاهد قد دميت إصبعه فقال : هل أنت إلا أصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت "
    [/align]


    هذا البابُ يتكلمُ فيه الإمامُ البخاريُّ على من يُنْكَبُ في سبيل الله . ( وينكب ) أي : يصيبُه شيء فيدميه وهو دونَ القتلِ ، وقد يؤدي إلى القتل .
    النفذةُ : هي الإصابةُ التي يحصلُ منها إدماءٌ للعضوِ .
    فالحديثُ على من يُنكَبُ في سبيلِ الله ، أي : يُصابُ إصابةً بحجرِ أو نحوِه فتسببَ ذلك في خروجِ دمِه
    وذكر فيه حديثاً عظيماً وهو حديثُ القُرّاءِ الذين قُتلوا غَدْراً وتأثَّر النبيُّ عليه الصلاة و السلام لقتلِهم تأثراً عظيماً ومكثَ أربعينَ ليلةً يدعو فيها على من قتلهم ، يقنتُ في صلواته عليهم ويُؤمِّن المسلمون وراءه عليه الصلاة و السلام
    وهذه القصةُ طويلةٌ ، والشاهدُ فيها هو ما حصلَ لخالِ أنسٍ رضي الله عنهما عندما طعنَه هذا الرجلُ المشركُ فأَنْفَذَهُ ، فلما رأى الدمَ قال ( الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ) فالشاهدُ هنا : كيف قال اللهُ أكبرُ فزت وربِّ الكعبةِ وقد رأى الدمَ يخرج منه ؟ وذلك لأنه نُكِبَ نكبةً في سبيل الله تعالى. فهذه الإصابةُ إنما هي نوعٌ من النكبةِ ، فلما رأى الدمَ ونظرَ في نفسه لعلَّ ذلك يكون سبباً في شهادته ، فقال : ( الله أكبر فزت ورب الكعبة ) .
    وقد كانت هذه الحادثةُ سبباً في إسلامِ أحدِ هؤلاءِ المشركين كما ذكر ذلك ابنُ إسحاق في السيرةِ فإنه قال : إن ذلك مما دعاه للإسلام عندما رأى الدم يخرج من الرجل وهو يقول : فزت ورب الكعبة ، قال : أي فوزٍ وقد قتلتُ الرجلَ ؟
    فانظروا هداكم الله كيف كان الصحابةُ في أعلى درجاتِ اليقينِ وفي أعلى درجاتِ الاتباعِ وفي أعلى درجاتِ التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى .
    فالرجلُ يرى الدمَ يتفجرُ منه وهو فَرِحٌ مسرورٌ يقول : فزت ورب الكعبة في هذه اللحظةِ العصيبة . هذا هو الإيمانُ الحقيقيُّ يا إخوان ، وهذه هي المنزلةُ العظيمةُ التي جعلها الله تعالى لمن يُصابُ ولو إصابةً يسيرةً في سبيله جل وعلا .
    والقصةُ باختصارٍ أن أقواماً من بني سُلَيم أتَوا النبي صلى الله عليه و سلم فطلبوا منه أناساً يعلمونهم الدينَ ويذهبوا بهم إلى بني عامر ، فأرسلَ لهم سبعينَ رجلاً فغدروا بهم وقتلوهم في الطريق .
    يقول : جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم بقرآنٍ كان يتلى ، وهذا من المنسوخِ من القرآن تلاوةً مع بقاءِ الحكم ؛ فإن المنسوخَ ثلاثةُ أنواعٍ :
    منه منسوخُ التلاوةِ منسوخُ الحكمِ .
    ومنه منسوخُ التلاوة باقي الحكم .
    ومنه منسوخُ الحكمِ باقي التلاوةِ .
    فهذا النوعُ من منسوخِ التلاوةِ مع بقاءِ الحكمِ . فكان الصحابةُ رضي الله عنهم يقرأون هذه على أنها من كتابِ الله تعالى ( بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) ثم نُسِخَ ذلك بعدُ من التلاوةِ وبقي الحكمُ ، وهو أن الله تعالى رضي عمن قُتل في سبيله وأرادَ بذلك وجهَ الله تعالى .
    يقول ( فدعا عليهم أربعين صباحاً ، على رعلٍ وذكوان وبني لحيان وبني عصية ) وهذه القبائلُ الأربعةُ من بني سُليم الذين عَصَوْا اللهَ ورسولَه وقتلوا هؤلاء القراءِ وأعطاهم الله ما يستحقون .
    ونُعَرِّجُ هنا على نقطةٍ وهي قضيةُ القنوت :
    فالنبي صلى الله عليه و سلم أولاً قنت هنا أربعينَ صباحاً في صلاته يدعو دعاءً على هؤلاءِ مباشرةً ، ونلاحظُ هنا أنه كان يُسمي من يدعو عليهم ، وليس الأمرُ كما يذكره بعضُ الفضلاءِ من أهلِ العلم أنه لا يسمي من يدعا عليه وإنما يُدعا بدعاءٍ عام ، وهذا بخلافِ السنة . ولكن لعلَّ ذلك من بابِ درءِ شيءٍ من المفسدةِ في نَظَرِ من رأى ذلك .
    والسنةُ أن يُسَمي من يدعو عليهم ، وأن يركزَ الدعاءِ على هؤلاءِ الذين يدعو عليهم ، ولا يطيلُ في قنوته بأكثرَ من أن يدعُوَ على الكفار بتعيينهم ، ولا حرجَ بأن يدعوَ على المجموعِ ؛ فإن النبي صلى الله عليه و سلم دعا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية ، ولا شكَّ أن هذه القبائلَ الأربعةَ ليسوا جميعاً قد قتلوا القراءَ وإنما الذين قتلوهم بعضُ هؤلاء ، فالدعاءُ عليهم المراد منه الدعاء على من ظلموا منهم . فمثلاً نحن الآن عندما ندعو فنقول : اللهم عليك بأمريكا لا نعني بذلك المسلمينَ الذين بأمريكا ، ولا نعني بذلك المسالمين الذين لا دَخْلَ لهم بالحرب ، ولا نعني بذلك الأطفالَ ، وهكذا .
    كذلك إذا دَعَوْنا على اليهودِ والنصارى لا نعني أن يُهلكَ الله كلَّ يهودي على وجهِ الأرض وكل نصراني على وجه الأرض ، وإنما المرادُ الدعاءُ على من ظلَمَنا من هؤلاءِ وحاربَنا .
    وهذه نقطةٌ مهمةٌ ؛ لأن البعضَ يستشكلُ فيقول : كيف ندعو فنقول : اللهم عليك باليهود والنصارى ، اللهم أهلكهم ، اللهم دمرهم ، وهذا لا يكون لأن اليهودَ يبقون إلى آخر الساعةِ وكذلك النصارى فكيف نطلب شيئاً لا يكون ؟ والجواب أن الدعاءَ في هذه الحالِ إنما يرادُ به الدعاءَ على من ظلمنا منهم باعتبارِ الحالِ ، وليس شرطاً أن نُحَدَّدَ ونعين . فكما قلنا : الذي فعله النبي صلى الله عليه و سلم هو تسميةُ هؤلاءِ وإن كان المقصودُ الذين اعتدَوْا منهم ، وهذه هي السنة .
    ثم إن القنوتَ أربعينَ ليلةً أو أربعينَ صباحاً كان يدعو فيه النبي صلى الله عليه و سلم بعد الركوعِ ، وكان يدعو هذه الأربعينَ ليس تحديداً وإنما هذا الذي فعله ، ويجوز أن يدعُوَ المسلمُ أقلَّ أو أكثرَ من ذلك ، فليس في فعله صلى الله عليه و سلم الدليلُ على تحديدِ القنوتِ بهذه المدة .
    ثم إن القنوتَ الثابتَ فيه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم فعَلَه ، فبعضُ أهلِ العلمِ أخذ من ذلك أن الذي يقنتُ وليُّ الأمرِ لأن الذي قنتَ هو رسولُ الله صلى الله عليه و سلم . وهناك من أهلِ العلم من قال : إن ذلك ليسَ بصحيحٍ ، وإنما أَمْرُ القنوتِ موكولٌ إلى كلِّ إمامٍ فيمكنه أن يقنتَ اقتداءً بالنبي عليه الصلاة و السلام ، وقد قنت أبو هريرةَ وقنت خالدُ بنُ الوليدِ وليسوا بولاةِ أمرٍ للمسلمين .
    وعل كل حال ، لعلنا نتكلمُ في هذه المسألةِ في باب آخرَ يتعلق بالقنوتِ ، والله تعالى أعلم .
    وأما الحديثُ الآخرُ الذي رواه جُندب بن سفيان ففيه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في بعض المشاهدِ قد دَمِيَتْ إصبعُه فقال عليه الصلاة و السلام : " هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت " .
    الراجحُ في هذا أنه كان وهو في غارِ ثَوْرٍ في الهجرةِ مع أبي بكر رضي الله عنه ، فقد عَثَرَ النبيُّ صلى الله عليه و سلم في حَجَرٍ فدميتْ إصبعُه فقال هذا البيت .
    وقولُ النبي صلى الله عليه و سلم كلاماً موزوناً وإن كان بيتاً أو ما يقاربُ ذلك كالبيتينَ ونحوهما لا يعني أنه كان يقول الشعرَ وأنه شاعرٌ ، فإن الذي يَقرُضُ بيتاً وبيتينِ ليس بشاعرٍ وإن تَيَسّرَ له ذلك ، وإنما الشاعرُ هو الذي يستطيعُ أن يقرض القوافي الطويلةَ ويقولَ الأبياتِ الشعريةَ الكثيرة .
    وقولُ النبي صلى الله عليه و سلم هذا يَسْتَقِلُّ ما أصابه في سبيل الله ويَعتبِرُ أن هذا أمراً لا إشكالَ فيه أن يصابَ المسلمُ أو يُنكبَ في سبيل الله ، وهذا هو الشاهدُ في هذا الحديث ( باب من ينكب في سبيل الله ) ، وقد كان صلى الله عليه و سلم ممن نُكب في سبيل الله كما في هذا الحديث ، والله تعالى أعلم .


    [align=center]قال البخاري رحمه الله :

    باب من يجرح في سبيل الله تعالى

    20 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ ، أخبرنا مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم : " والذي نفسي بيده ، لا يُكلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله ـ والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله ـ إلا جاء يومَ القيامةِ واللونُ لونُ الدمِ ، والريحُ ريحُ المِسْكِ " .
    باب قول الله تعالى : "قل هل تربّصون بنا إلا إحدى الحسنيين" والحرب سجال .
    21 ـ حدثنا يحيى بنُ بُكَير ، حدثنا الليثُ قال : حدثني يونسٌ عن ابنِ شهابٍ عن عُبيد الله بن عبد الله أن عبدَ الله بنَ عباسٍ أخبره أن أبا سفيانَ بنَ حربِ أخبره أن " هرقلَ قال له : سألتُكَ كيف كان قتالُكم إياه ، فزعَمْتَ أن الحربَ سجالٌ ودُوَلٌ ، فكذلك الرسلُ تُبتلى ثم تكونُ لهم العاقبةُ "
    [/align]


    قوله ( باب من يجرح في سبيل الله تعالى ) أي : ما هو الأجرُ الذي يكون لمن يُجرح في سبيل الله ، فذكر فيه حديثَ أبي هريرةَ وفيه قَسَمُ النبي صلى الله عليه و سلم الذي قلنا إنه كان يُكثر منه ، فقال ( لا يُكلم أحد ) والكَلْمُ : الجُرح ، أي : لا يُجرَحُ أحدٌ في سبيل الله . ثم قال ( والله أعلمُ بمن يكلم في سبيله ) وهذا تنبيهٌ على الإخلاصِ كما قال ( والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ) كما ذكرنا في بداية الدورة .
    فالإخلاص شرطٌ في حصولِ الأجرِ في جميع الأعمال ، لأن الله لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم ، ولأجل هذا قُلنا : إن العبرةَ في القتالِ بإخلاصِ الشخصِ نفسِه إذا كان يقاتلُ في سبيلِ إعلاء كلمةِ الله وهذه نيتُه التي يقاتِلُ من أجلِها فلا يضرُّه ما ترتَّبَ بعد ذلك على هذا القتالِ وخاصةً إذا كان الأمرُ في قتالِ الدفعِ كما هو الحالُ فيما نحن فيه الآن . فإن كان من يجاهدُ في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ الله في الحال التي نعيشُها الآن فهو مأجورٌ وإن ماتَ فهو شهيدٌ بإذنِ الله تعالى .
    الناسُ تحرِصُ على الأوسمةِ وتحرصُ على الرُّتَبِ ، وتحرصَ على الترقياتِ والنياشينِ وما يدللُ على أنها قد بلغت المنازلَ العاليةَ ، ولأجلِ ذلك فإن الله يُفرِدُ الشهداءَ بعلامةٍ مميزة لهم من دون سائرِ الناس فيأتون بجراحهم ، فأي جرحٌ أتى به الشهيدُ يأتي ولونُ الدمِ ظاهرٌ عليه ومع ذلك يفوحُ منه ريحُ المسكِ ، والله تعالى أعلم .
    وأما الباب الثاني ففيه ذكر قول الله تعالى : "قل هل تربّصون بنا إلا إحدى الحسنيين" وهذا خطابٌ للمشركينَ من بابَ بيان أن المسلمَ بين أمرينِ كريمين عظيمين وخيرين وفضلين من الله :
    إما أن ينصرَه الله على الكافرينَ فهذا ما يريدُه المسلمُ وما يتمناه ، وإما أن يُستشهدَ في سبيلَ الله وأن يُقتل بيد هؤلاء الأعداءِ ، وهذا أيضاً ما يتمناه وما يرجوه . فهو بين أمرينِ حسنينِ وبين عاقبتينِ حُسْنيينِ والحمد لله .
    ثم يقول ( الحرب سجال ) أي : دُوَلٌ . يعني : يومٌ لك ويومٌ عليك ، وليس بالضرورةِ أن ينتصرَ المسلمُ دائماً ولكن العاقبةَ للمتقين والعزةَ والنصرَ والتمكينَ لهم بفضلِ الله تعالى ، ولكن لا بدَّ من الصبرِ فقد قال الله تعالى : "إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله ، و تلك الأيام نداولها بين الناس" فهذا هو الذي سَنَّهُ الله تعالى في هذه الحياةِ ، فإذا أُصِبنا فلنصبرْ ، وإذا قُتل المسلمُ فإنه في خيرٍ وبركةٍ ، وإذا نصره الله فهو أيضاً في خير وبركة .
    وقد ذكر في هذا الباب حديثَ أبي سفيانَ بنِ حربٍ الذي حصلَ له قبل أن يدخلَ في الإسلامِ ؛ فإن هرقلَ كان رجلاً حذاء ( أي : كان ينظر في النجوم ) فعلم من دينه أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام قد ظهرَ ، ملكُ الختانِ ، فقال : هل هناك أحدٌ من العربِ بأرضِكم ؟ فذهب من أرسلهم فأتَوْا بأبي سفيانَ وكان لم يُسلِم ، فأتى به وأتى بترجمان ليترجمَ بينه وبين الكلامِ وليعلم هل خرجَ فيهم النبيُّ أم لا ؟ فعندما سأله كان أبو سفيان يُجيبُه بالصدقِ لأنه يخشى أن يؤَثِّر عليه الكذبُ ، وهذا الحديثُ موجودٌ بطوله في أولِ صحيحِ الإمام البخاري . وكان من الأسئلةِ التي سأله إياها هرقلُ ملكُ الرومِ قال له : فسألتُك كيف كان قتالكم إياه ؟ يعني : سألتك كيف كان الذي يحصُلُ بينكم في القتال ؟ هل ينتصرُ دائماً عليكم أم تنتصرونَ دائماً عليه ؟ فقال : الحربُ سجالٌ ودولٌ . يعني : أحياناً يحصُل لنا الإدالةُ عليهم وأحياناً هم الذين يدالون علينا ، فقال له هرقل : كذلك الرسل . هذه علامةٌ من علاماتِ الرسل أنهم يُبَتَلُون هم وأصحابُهم ثم بعد ذلك تكون العاقبةُ لهم والنصر والتمكينُ لهم . فهذا معناه أن العاقبةَ سوف تكونُ لرسولِ الله صلى الله عليه و سلم وليست الإصابةُ التي تحصلُ له أو لمن معه بدليلٍ على عَدَمِ صحةِ رسالتِه أو عدمِ صدقِه في رسالته ، وإنما هذه سنةُ الله عزوجل والله تعالى أعلم .

    جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم ، ونكتفي بهذا القدر من صحيح الإمام البخاري . ونستكمل إن شاء الله تعالى بقية الكتاب في اللقاءات القادمة . أٍسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول ونسمع وأن يتقبل منا صالح العمل .
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    10-10-2003
    المشاركات
    1,579
    جزاكم الله خيرا و بارك الله في الشيخ و في علمه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    27-08-2005
    الدولة
    ارض الله الواسعة
    المشاركات
    18
    بارك الله فيك وفى الشيخ ونصر الله اهل الجهاد وحفض قادتهم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587

    المحاضرة الثالثة ( العملياتُ الاستشهاديةِ والاستعانةُ بالمشركين )

    إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، من يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يضللْ فلا هاديَ له . وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ،
    فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه و سلم وشرَّ الأمور محدثاتُها ، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكل بدعةٍ ضلالةٌ ، وكل ضلالةٍ في النار .

    نستكملُ حديثَنا عن فقه الجهادِ من خلال صحيحِ الإمام البخاري رحمه الله استعراضاً لأحاديثِ الجهادِ التي ذكرها في كتابه الصحيح تحتَ عنوان كتاب الجهاد والسير .

    أخبرني أبو عبد الله التويجري عن العنقري عن ابن عتيق عن حسين الأنصاري عن محمد الحازمي عن محمد عابد السندي عن صالح الفلاني عن ابن سنة عن أحمد العجل عن ابن مكرم الطبري عن جده محب الدين الطبري عن البرهان الدمشقي عن عبد الرحمن عن ابن شاذبخت الفارسي عن ابن شاهان الختلاني عن الفربري

    [align=center]عن البخاري رحمه الله قال :

    باب قول الله تعالى : "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ، و ما بدّلوا تبديلا"

    22 ـ حدثنا محمدُ بنُ سعيدٍ الخزاعيُّ ، حدثنا عبدُ الأعلى ، عن حميدٍ قال : سألتُ أنساً . ح
    حدثنا عمرو بن زُرارةَ ، حدثنا زيادُ قال : حدثني حميدُ الطويل ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " غاب عمي أنسُ بنُ النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسولَ الله ، غبتُ عن أولِ قتال قاتلتَ فيه المشركين ، لئن اللهُ أشهدني قتالَ المشركين ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنعُ . فلما كان يومُ أُحُدٍ وانكشفَ المسلمونَ قال : اللهم إني أعتذرُ إليك مما صنع هؤلاءِ ، يعني أصحابَه ، وأبرأُ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين . ثم تقدم فاستقبله سعد بنُ معاذ ، فقال : يا سعدُ بنُ معاذ ، الجنةَ وربَّ النضرِ إني أجدُ ريحَها من دون أحد . قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع . قال أنس : فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنةً برمح أو رميةً بسهم ، ووجدناه قد قتل وقد مَثَّلَ به المشركون ، فما عرفه أحدٌ إلا أختُه ببنانه . قال أنس : كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" إلى آخر الآية .
    23 ـ وقال : " إنَّ أختَه ـ وهي تسمى الرُّبَيِّع ـ كَسَرَتْ ثنيةَ امرأةٍ فأمَرَ رسولُ الله محمد صلى الله عليه و سلم بالقصاص فقال أنسٌ : يا رسولَ الله ، والذي بَعَثَك بالحق لا تُكسَرُ ثنيَّتُها ، فرضوا بالأرشِ وتركوا القصاص ، فقال رسولُ الله محمد صلى الله عليه و سلم : " إن مِن عبادِ الله من لو أقسمَ على الله لأبَرَّه " .
    24 ـ حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيبٌ عن الزهري ح . وحدثنا إسماعيلُ قال : حدثني أخي عن سليمانَ أُراه عن محمدِ بنِ عتيقٍ عن ابن شهابٍ عن خارجةَ بنِ زيدٍ أن زيدَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه قال : نسخْتُ الصحفَ في المصاحفِ ففقدتُ آيةً من سورةِ الأحزابِ كنتُ أسمعُ رسولَ الله محمد صلى الله عليه و سلم يقرأ بها ، فلم أجدْها إلا مع خزيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ الذي جعلَ رسولُ الله محمد صلى الله عليه و سلم شهادتَه شهادةَ رجلين ، وهو قوله : "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه".[/align]


    هذا البابُ يستكملُ فيه الإمامُ البخاري رحمه الله الحديثَ عن فضلِ الشهداء وعن منزلتهم عند الله تعالى فابتدأه بالآية التي في سورة الأحزابِ والتي بينت أن الشهداءَ قد صدقوا فيما عاهدوا الله تعالى عليه . والمؤمنُ عليه عَهْدٌ أن يطيعَ الله تعالى وأن يبذلَ نفسَه في سبيل الله كما قال تعالى "إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة" ، فهذا العهدُ الذي بين المؤمنين وبين الله تعالى قد وفى به هؤلاء المجاهدون الذين استُشهِد منهم جمعٌ ، وهذا الجمعُ قد صدقَ حقيقةً وقضى ما عاهدَ الله تعالى عليه . ولأجل هذا بَيّنَ الله تعالى أن الذين صدقوا في عهده ينقسمون إلى قسمين :
    قسمٌ قد قضى نحبَه ، يعني : وفى نذرَه ووفى بعهده الذي عاهد الله تعالى فقتل شهيداً في سبيل الله عزوجل .
    وقسم آخر هو صادقٌ فعلاً ولكنه إلى الآن ينتظرُ أن يوفي بهذا العهد فيضحي بنفسه في سبيل الله ويستشهد أيضاً في ساحة القتال .

    وهذا يجعلُنا نتأملُ ، فإن الجهادَ لازمٌ لكل مسلم ، والشهادةُ هي الطريقُ الذي يعبره كلُّ صادقٍ في عهده مع الله تعالى .
    ثم ذكر فيه حديثَ أنس وهو حديثٌ عظيمٌ يذكر قصةَ عمه أنسِ بنِ النضر الذي تأثر كثيراً لكونه لم يشهدْ مع النبي محمد صلى الله عليه و سلم أولى مشاهده ـ وهي غزوةُ بدر ـ لأن النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم لم يكن قد خرج لقتالٍ وإنما خرج لاعتراضِ العير التي أقبلت إلى قريش . وهذا الاعتراضُ للعير لم يكن يحتاجُ أن يستنفرَ النبي محمد صلى الله عليه و سلم كلَّ من يقدر على القتالِ من أصحابه ، فخرج معه طائفةٌ وتخلفت طائفة ، ثم لما جَدَّ في الأمورِ ما جد طلبَ النبي عليه الصلام و السلام ممن معه القتالَ لهذا النفيرِ الذي جاء لنصرةِ أهلِ القافلةِ والدفاعِ عنها ، فحصلت غزوةُ بدر .

    فأنسُ بنُ النضر رضي الله عنه أرادَ أن يفعل فعلاً يصلُ به إلى منزلةِ من كتب الله له أن يشهدَ مع النبي محمد صلى الله عليه و سلم أُولى مشاهده ـ وهي أعظمُ المشاهد وهي غزوةُ بدر ـ فقال : ( لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أًصنع ) يعني بذلك : أنه سوفَ يُبلي بلاء حسناً ، وقد عاهدَ الله عزوجل على ذلك . وقد صدق في عهده مع الله .

    ( فلما كان يومُ أحد ) ؛ كان هنا يسميها أهلُ العلم : كان التامة . يعني : وُجِدَ يومُ أحد وحصلَ يومُ أحد ليس لها خبرٌ . فلما كان يومُ أحد وانهزم المسلمون ؛ وتعلمون ما حدث في يوم أحد ولا أريدُ أن نطيلَ في التفاصيل ـ حصل أن انشغلَ بعضُ المسلمين بجمع الغنائم ـ وهم الرماةُ الذين جعلهم النبي محمد صلى الله عليه و سلم على الجبل ـ فلما نزلوا وأخذَ المشركون منهم غرةً ورجعوا عليهم انهزم المسلمون وهرب منهم كثيرٌ . فلما رأى ذلك أنسُ بن النضر قال : ( اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ) يعني : ما حصل من الفرارِ من بعضِ الصحابة لهولِ المفاجأة التي حصلت . ثم قال : ( وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ) يعني : المشركين ، فتبرأ من فعلِ المشركين الذين جاءوا لحربِ الله ورسوله . ( ثم تقدم ) أي : أقدمَ على القتال وقد فَرَّ الناسُ ولم يبقَ إلا قلةٌ قليلة ، فكان هو ممن صمد وألقى بنفسه في صفوف المشركين . وفي طريقِ تَقَدُّمه استقبلَه سعدُ بنُ معاذ فقال له : ( يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر ) يقول له : إني أريدُ الجنة ، وأقسَمَ بربِّ النضرِ الذي هو أبوه أو ابنُه فإن له ابناً يسمى النضر ، فأقسم برب النضر يشير بذلك إلى معزته لوالده أو لولده ، وهو يقسم بربه أنه يجدُ ريحَ الجنةِ دونَ أُحُد .

    وهذا قد يحصلُ حقيقةً كرامةً من الله تعالى لهؤلاءِ الرجال الصادقين ، وقد يكون يعبر بذلك أنه قد نوى الاستشهادِ وسوف يغمس نفسَه في وسطِ صفوفِ العدوِّ لينالَ الشهادةَ فيصل إلى الجنة فكأنه يستشعر ريح الجنةِ من دونِ أحد .
    نظر سعدٌ إليه عندما انغمسَ في صفوف المشركين ، فيأتي سعد لرسولِ الله محمد صلى الله عليه و سلم ويصف هذا الموقفَ منه ويقول ( فما استطعت يا رسول الله ما صنع ) يعني : ما تمكنتُ أن أفعلَ مثلَ ماصنع بحالٍ من الأحوال لأن الذي فعله لا يستطيعُه أحد .

    قال أنس ـ يعني بعد أن انقطعتْ المعركة وانتهت ـ ( وجدنا به بضعاً وثمانين ضربة... ) يعني : أنه قد غمس نفسه تماماً في وسطِ السيوفِ والرماحِ ، فيقول : وجدنا في جسده بضعاً وثمانينَ ضربةً ... وصلت إلى هذا العدد إما بالسيف وإما طعن بالرمح وإما رمية سهم رمي به ، ووجدوه قد مَثَِّلَ به المشركون . ( والمثلة ) : ما يفعله القاتلُ في القتيلِ من جدعِ أنفٍ أو قطعِ أذنٍ أو نحوِ ذلك من تشويه .
    يقول ( فما عرفه أحد ) لأن وجهَه قد تغيرَ بسبب المثلة ، ( إلا أختُه ) عرفته أخته وكانت تسمى الرُّبَيِّع ( ببنانه ) عرفته ببَنانه أي : بأطرافِ أصابعه ؛ لأن أصابعَه كانت جميلةً ـ هكذا يقال ـ وكانت تعرفُ ذلك منه فعرفته ببنانه .
    فيقول أنس : (كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" إلى آخر الآية . لا شك في ذلك فإنه قد صدق ما عاهد الله عليه حيث قال ( لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع ) فكان كما قال ووفى بعهده رضي الله عنه .

    وهذا الحديثُ يجرنا إلى مسألةٍ ذاتِ أهميةٍ بالغةٍ وقد كَثُرَ الحديثُ عنها ، وهي من الأمورِ المستجدة التي جَدَّتْ في زماننا ولم تكن معروفةً في سابق العصور ، وهي عن العمليات التي يُطلق عليها العمليات الاستشهادية أو ما يسميها البعض الانتحارية أو الفدائية ولا مشاحة في الاصطلاح ، ولكن الأصحَّ أنها يطلَق عليها العمليات الاستشهادية حتى وإن لم يكنِ الفعلُ الذي فعله صاحبُها مشروعاً ، فإن كثيراً ممن يقوم بهذه العملياتِ إنما يقصد بذلك الاستشهادَ ، فحتى وإن لم يُكتَبْ له ذلك أو لم يكن ذلك مشروعاً فإن إطلاقَ اسمِ العملياتِ الاستشهاديةِ لهذا المسمى إنما هو متعلقٌ بقصدِ الفاعل ولا يعني ذلك أنه يكون شهيداً حقيقة ، فقد يطلب الرجلُ الشهادةَ ، فهذا استشهادٌ ، ولا يُعطاها أو لا يؤتاها لموانعَ ، فلا رابطَ بين صحة هذا العمل وبين إطلاقِ هذا المسمى عليها أنها عملياتٌ استشهاديةٌ ، والعبرةُ بمراد الشخصِ منها .

    هذا من حيثُ المسمّى ، وأما من حيث المشروعية فاختلافُ أهلِ العلم في زمانِنا حولَ هذه العملياتِ مرجعُه إلى تأمُّلِ أمرٍ هام ، وهو : هل هناكَ فرقٌ بينَ تعريضِ الشخصِ نفسَه للقتلِ بيدِ غيرِه وبين أن يَقتلَ هو نفسَه إذا كانت النتيجةُ واحدةً ، فمثلاً إذا أرادَ شخصٌ أن ينتحرَ فتقدم إلى سيارةٍ تمشي بسرعةٍ فصدمَتْه هذه السيارةُ ، فهل هو يستوي مع من أخذ سكيناً فطعن نفسه أو شرب سماً أو خنق نفسه أو فجر نفسه ...

    إذا كان الأمران متساويين فإن هذه العملياتِ تستوي مع هذا الفعلِ الذي ذكرناه الآن من فعل أنسِ بن النضر رضي الله عنه ومن فعلِ كثيرٍ من السلف الصالحِ الذين نزل فيهم قوله تعالى "و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله"، وقد توهم البعضُ أن هذا من إلقاءِ النفس إلى التهلكةِ فرد عليهم كبارُ الصحابة بأن هذا ليس بصحيح وأن الذي يحمِلُ على العدو ولو كان واحداً وقد غلبَ على ظنه أنه سيُقتل لا محالةَ إنما باعَ نفسه لله تعالى ولا يُعتبَر بذلك قاتلاً لنفسه .
    ثم إن المقصدَ الذي يقصدُه من يفعل ذلك هل هو التخلصُ من الدنيا أو هو إرضاءُ الله تعالى والنكايةُ في العدو ؟ فرقٌ كبيرٌ في النية ، فإن الله تعالى يقول : "و لا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما ، و من يفعل ذلك عدوانا و ظلما فسوف نصليه نارا" ، فإذا كان القتلُ ليس من باب العدوانِ وليس من باب الظلمِ فليس ذلك مستوياً مع القتل الذي يكون لله عزوجل . فلا بدَّ من التفريقِ ؛ لا يظن الظان أن هذا يشبِه الانتحارَ بل إن ذلك أشبهَ بالحملِ على العدو وإلقاءِ المسلم بنفسه تحتَ السيوف وهو يعلمُ أنه مقتولٌ لا محالةَ وقد ينجو ، هذا هو الفارقُ الوحيدُ ولكن النيةَّ التي نواها ودخل بها تجعلُ العملَ مستوياً ، وكما قلتُ لا فرقَ في الإثم بين من يقتلُ نفسَه بالرصاص أو يطلب من غيره أن يطلقَ عليه الرصاصَ ليقتلَه .

    وهنا أيضاً نتعرضُ للحديثِ المشهورِ والقصةِ العجيبةِ التي ذكرها النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم في مسألةِ أصحابِ الأخدودِ فإن الغلامَ الذي فَشِلَ الملكُ بقتله بمحاولاتٍ عدةٍ ثم بعد ذلك يَدُلّه الغلامُ على الطريقة التي يمكنُ أن يَقتُلَه بها ويعطيه سهماً من سهامه ويقول له : إذا أردتَ أن تقتلني فافعلْ كذا وكذا وقل بسم الله ربِّ الغلام . فهذا لو فُعِل بغير المقصدِ الشرعي وهو أن يُسْلِمَ الناسُ وأن يصلَ بذلك إلى مقصده من هدايةِ الناس لما جازَ ذلك أبداً ؛ أن يَدُلَّ الشخصُ آخرَ على طريقةِ قتله وأن يُمَكِّنَه من ذلك . فالمقصدُ اعتُبِرَ هنا ولم يُعتبر ذلك من باب الانتحار وإنما هو من بابِ بذل النفسِ في سبيل الله محمد صلى الله عليه و سلم .
    أيضاً ؛ قتلُ النفس محرَّمٌ وقتل غيره أعظم ، فإن المسلمَ إذا قتلَ نفسَه فإنه قد فعلَ إثماً عظيماً ، وإذا قتلَ غيره فعلَ إثماً عظيماً بل هو أعظمُ . ولكنَّ أهلَ العلمِ يتفقون على جوازِ قتلِ المسلم إذا كان لذلك حاجةٌ ماسةٌ لهذا القتل كما في مسألةِ التترس ؛ فإذا تَتَرّسَ الأعداءُ ببعض المسلمين جازَ عند أهل العلمِ أن يقتُلَ المسلمُ أخاه المسلمَ حتى يصلَ لهؤلاء الكافرين ، ولا يَجعلْ حمايةَ شخصٍ أو شخصين أو ثلاثةٍ أو مائةٍ سبباً لاستباحةِ بلادِ المسلمين وتمكنِ الكفارِ منهم ، فكذلك الذي يُفَجر نفسَه في المشركين إنما هو يفجر نفساً لأجل النكايةِ في هؤلاءِ الأعداء ، وهذا أقلُّ مستوى وأقل درجةٍ من مسألة التترسِ التي تَكَلّم فيها أهلُ العلم كثيراً .

    فهذه المسألةُ لأنها مسألةٌ الآن يدور حولَها الكلامُ أحببتُ أن أبينَ وجهةَ نظرِ الفريقين ، ولا شكَّ أن الفريقَ الذي يرى أنها عملياتٌ انتحارية إنما نظر إلى الأصلِ وهو أن قتلَ المسلم لنفسه لا يجوزُ وحرامٌ ، ولكنه لم يلتفتْ إلى النية ، والنيةُ كما قدمنا لها حظٌ كبيرٌ في هذا الأمرِ ، ثم إن الآثارَ الواردةَ في الحملِ على المشركين وفي غير ذلك تُقَوّي القولَ بأن هذه العمليات ليست عملياتٍ تُشبِه الانتحارَ بل هي أشبهُ بشراءِ النفسِ من الله تعالى ، وهذا ليس ترجيحاً لمسألةٍ على أخرى أو لقولٍ على آخرَ ولكن لتوضيحِ المسألةِ ، والله تعالى أعلم .

    وأُحِبُّ هنا أن أقرأَ عليكم كلماتٍ قليلةً ذكرها الحافظُ ابنُ حجر تعليقاً على هذا الحديثِ تشير إلى ما ذكرتُه الآن من وجهِ النظر التي تُدَلل على أن مثلَ هذه العملياتِ ليست أشبهَ بالانتحارِ بل هي أشبهُ بمن شرى نفسَه من الله . فيقول الحافظ رحمه الله :
    ( وفي قصةِ أنسِ بن النضرِ من الفوائدِ جوازُ بذلِ النفسِ في الجهادِ ، وفضلُ الوفاء بالعهدِ ولو شقَّ على النفسِ حتى يصلَ إلى إهلاكِها ) تأملوا هنا كلمة ( حتى يصلَ إلى إهلاكها ) ولم يقل ( حتى يصل إلى هلاكها ) ففيه بيانُ أنه أهلكَ نفسَه بانغماسِه في وسط المشركين ، ثم يقول : ( وأن طلبَ الشهادةِ في الجهاد لا يتناوله النهيُ عن الإلقاءِ إلى التهلُكَةِ ) على اعتبارِ عمومِ اللفظِ بالإلقاءِ إلى التهلكةِ طلب الشهادةِ وهو الاستشهادُ لا يتناوله هذا النهيُ ، وهذا لا يكون إلا في مثلِ هذه الحالاتِ التي فيها غلبةُ الظنِّ أن يُقتَلَ الشخصُ وهو يعلمُ أنه سوف يُقتل ، فكما قلنا الحكمُ بالنسبةِ للمنتحرِ سواءٌ إذا قتلَ نفسَه بنفسِه أو طلبَ من غيره أن يقتلَه ، فهو في كلتا الحالتين منتحرٌ. وهذا سواءٌ قَتَلَ نفسَه بنفسه أو قتل نفسه بغيره فهو طالبٌ للشهادةِ .

    أيضاً قصةٌ أحبُّ أن أضيفَها إلى كلامنا السابق في العمليات الاستشهادية ، وهي القصةُ التي حكاها سلمةُ بنُ الأكوعِ مع عامرٍ ، وهو عمٌّ لسلمة . ففي غزوةِ خيبرَ أراد عامرٌ أن يضربَ أحدَ المشركين فرجع السيفُ عليه فقطعَ أكحُلَه فمات ، فقال بعضُ الصحابة : قتل عامر نفسه قد حبطَ عملُه ، فجاء سلمةُ بنُ الأكوعِ إلى رسولِ الله محمد صلى الله عليه و سلم وهو متأثرٌ فقال : يا رسول الله ! قيل إن عامراً قتَلَ نفسه فحبَط عملُه ، فقال رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم : " من قالَ هذا " ؟ قال : أصحابُك . قال : " كذبَ من قال هذا ، بل له أجرُه مرتين " . وفي هذا بيانٌ للنظرِ إلى كيفيةِ القتلِ وليستِ العبرةُ فقط بحصولِ القتل ، فإن عامراً أرادَ أن يضربَ الكافرَ فجاء السيفُ عليه فقتله ، فلا يعتَبَرُ هذا قاتلاً لنفسِه ، وإنما الذي يُعتبر قاتلاً لنفسه الذي ورد فيه الحديثُ الآخرُ حينما رآه الصحابةُ لا يترك شاذّة ولا فاذّة للكفارِ وأبلى بلاءً حسناً ، فقالوا : ما أبلى أحدٌ مثلَ فلان ، فقال النبي عليه الصلاة و السلام : " هو في النار " ، فسمِعَه أحدُ الصحابةِ فقال : أنا صاحبُه ، يعني : لنْ يتركَه حتى يعرفَ كيف مع هذا الجهادِ والبلاءِ يكون في النارِ ، فيقولُ إنه أصيبَ واشتدَّتْ به الجراحُ فوضعَ نصلَ سيفِه بين ثَدْيَيْه واتَّكَأَ عليه فمات ، فقال : صدق رسولُ الله محمد صلى الله عليه و سلم ، وجاء وأخبرَ النبيَّ عليه الصلاة و السلام بذلك فقال : " إن الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ الجنة حتى لا يكونَ بينها وبينَه ذراعٌ ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهلِ النار فيدخل النار " . فهذا قد قَتَلَ نفسَه جَزَعاً وتخَلُّصاً من هذا الألمِ الذي يراه ، وهذا دليلٌ على عدم إيمانِه وعدمِ صدقِ جهادِه في سبيلِ الله . والثاني وهو عامرٌ إنما جاءتْه الضربةُ من غيرِ قصدٍ منه أن يقتَل نفسَه ، ولكن كانتْ النتيجةُ أن قتلَ نفسَه ، فلا يؤاخذُ بذلك ، وإنما ذكرَ النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم أن الصحابةَ أخطأوا بهذا الفهم وقال : " كذبَ من قالَ ذلك ، بل له أجران " . فالمقصودُ النيةُ وليستِ العبرةُ بحصولِ القتلِ . فلا بدَّ من الفقهِ والفهمِ ، والله تعالى أعلم .
    يقول البخاري رحمه الله : ( إن أختَه ـ وهي تسمى الرُّبَيِّعُ ـ كسرَتْ ثنيةَ امرأة ) يعني : حصل بينها وبين امرأة شيءٌ من المنازعةِ والمضاربةِ ، وهذا فيه أن الناسَ ولو بلغوا إلى أعلى الدرجاتِ في الفضلِ قد يحصُل منهم مثلُ هذه الأمور ، فإن النفسَ البشريةَ ليست معصومةً . فيقول إن الربيع كسرت ثنية امرأةٍ عندما ضربَتْها ، والثنايا هي الأسنانُ المتقدمةُ ، فكسرت سناً منها ، فأمر النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم بالقِصاص ، والقصاصُ كما تعلمون هو فعلُ نفسِ الشيء الذي فعله الجاني ، فكان القصاصُ أن تُكسَرَ ثنيةُ الربيع ، والسنُّ بالسنِّ ، فقال أنسٌ : ( يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها ) ، فأنسٌ رضي الله عنه تألَّمَ كثيراً أن تُكسَرَ ثنيةُ أختِه الربيع فأمَلُه بالله وثقتُه بالله جعَلَتْه يُقسِم أن لا تُكسَرَ هذه الثنيةُ وأن يرضى الناسُ بالأَرْشِ ، والأرشُ هو ما يُدفَعُ مقابِلَ الجنايةِ من المالِ فيما دون النفس وأحياناً يُطلَقُ على الدِّيَة ولكنَّ أكثرَ استعمالِ الأرشِ هو ما يُدفَع من المالِ على الجناية فيما دون النفس .

    فلما أقسمَ أنسٌ رضي الله عنه رضيَ أهلُ المرأةِ بالأرش وتركوا القصاصَ فقال النبي محمد صلى الله عليه و سلم بذلك تزكيةً لأنسٍ رضي الله عنه وبياناً لهذه الحادثة : " إن من عبادِ الله من لو أقسمَ على الله لأبَرَّه " ، فإن أنساً قد أقسَمَ على ربِّه أن لا تُكسَرَ ثنيةُ الربيع فوفى الله له هذا القَسَمَ وأبرَّ قسَمَه وأمالَ قلوبَ أهلِ المرأةِ إلى قَبولِ الأرش .

    ثم ذكرَ حديثَ زيدِ بنِ ثابتٍ في كتابته للمصاحفِ ؛ فإن زيداً هو الذي اختِيرَ لكتابة المُصحف لأنه حَضَرَ العرضةَ الأخيرةَ التي عرضها جبريلُ على النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، وهو يذكر أنه حينما كان يكتب المصحف افتقد آيةً هو يعرف أن النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم كان يقرأُ بها ، والمرادُ أنه كان يبحث عنها مكتوبةً وإلا فهو يحفظها ويعلمُ أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم كان يقرأُها ، وكذلك كان يحفظُ القرآنَ ثلةٌ من الصحابة ويحفظون هذه الآية ، والدليلُ على ذلك أنه كان يبحثُ عنها ، فالآية محفوظةٌ لديهم ولكنهم كانوا يبحثونَ عنها مكتوبةً بين يدي النبي محمد صلى الله عليه و سلم بشهادةِ رجلين على أن هذه الآيةَ كُتِبَت بين يدي النبي عليه الصلاة و السلام ، فإن القرآنَ كان يُحفظ في عهدِ النبي محمد صلى الله عليه و سلم في الصدورِ ويُحفَظ أيضاً في السُّطورِ بشهادة رجلين عند كتابته ، فبحثَ عن هذه الآيةِ مكتوبةً فلم يجدْها إلا عند خزيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاري كان قد أخذها من النبي محمد صلى الله عليه و سلم أو كتبها بين يديه لكي يحفظَها ، فلم يجدْها إلا عنده ، وكان الأمرُ يحتاجُ إلى الشاهدَيْنِ حتى يُدخِلَ هذه الآيةَ في المصحف فإذا هي عند رجلٍ جعلَ النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم في حادثةٍ أخرى شهادتَه بشهادة رجلين ، وقد ذكر أهلُ العلم في ذلك رواية ؛ وهي أن النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم بايع رجلاً فحصل منه إنكارٌ فقال النبي عليه الصلاة و السلام : " من يشهدُ لي " ، فشهِدَ له خزيمةُ ولم يكن قد رأى المبايعةَ ، فلما سأله عن ذلك ؛ كيف تشهد ولم تر ؟ فقال : إنه يصدق النبي محمد صلى الله عليه و سلم في أعظم من ذلك ، فسبحان الله ، جعل النبي محمد صلى الله عليه و سلم شهادتَه بشهادة رجلين إكراماً له وجزاءً له على هذا اليقينِ وعلى هذا التصديقِ البالغِ للنبي محمد صلى الله عليه و سلم ، وهذه الآيةُ هي هذه الآية التي بدأ بها الإمام البخاري الباب وهي قوله تعالى "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" إلى آخر الآية . وجاء في بعض الرواياتِ أن الآية التي بحثَ عنها هي آيةٌ أخرى وهي قوله تعالى : "لقد جآءكم رسول من أنفسكم" ولا مانعَ أن تكونَ الآيتان قد كان يبحث عنهما ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب عملٌ صالحٌ قبلَ الجهادِ ، وقال أبو الدرداء : إنما تقاتِلون بأعمالِكم . وقوله تعالى : "يأيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ملا تفعلون، إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنّهم بنيان مرصوص"
    .
    25 ـ حدثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيم ، حدثنا شبّابَةُ بنُ سوّارٍ الفزاري ، حدثنا إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ قال : سمعتُ البراءُ رضي الله عنه يقول : " أتى النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم رجلٌ مُقَنّعٌ بالحديدِ فقال : يا رسولَ الله ، أقاتِلُ أو أسلِمُ ؟ قال : أسلِمْ ثم قاتل . فأسلمَ ثم قاتل فقُتِلَ . فقال رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم : عمل قليلاً وأُجِرَ كثيراً " [/align]


    يقول الإمامُ البخاري رحمه الله في هذا الباب : ( باب عمل صالح قبل الجهاد ) وهذا لأن الأعمالَ بالخواتيمِ ، والقتالُ إنما هو من خِيرةِ الأعمالِ ، ويَطلُبُ فيه المسلمُ نصرَ الله تعالى ، فالذي ينبغي على المجاهدِ أن لا يُقدِمَ على الجهاد إلا وقد فَرّغَ قلبَه وقالبَه لله تعالى ، فهو مقبِلٌ على بذلِ مهجته في سبيل الله فعليه بالتوبة والإنابة والعزم على طاعة الله عزوجل إن أبقاهُ الله تعالى في هذه الحياة ، فيُقَدِّم الخيرَ والعملَ الصالح قبل أن يقدم إلى القتال . وذكر أثراً عن أبي الدرداءِ رضي الله عنه وهو من المعلَّقاتِ التي أشرْنا إليها أن أبا الدرداء قال ( إنما تقاتلون بأعمالكم ) ، والمعصيةُ سببٌ في ضياعِ النصرِ من الله تعالى فإن الله عزوجل يقول : "إن تنصروا الله ينصركم و يثبّت أقدامكم" فالنصرُ من عند الله تعالى ، إذا حصلَ من الشخصِ الصدقُ والطاعةُ لله عزوجل ، ولا يعني ذلك أن المعصيةَ سببٌ لازمٌ للهزيمةِ ، فالله تعالى قد يَنصرُ العاصي وقد يَكتبُ الهزيمةَ للمطيعِ ، فكما قلنا ( الحربُ سجالٌ والأيامُ دُوَلٌ ) ، ولكنَّ المسلمَ إذا أقبلَ إلى الجهادِ لا بد أن يضعَ بعَيْنِ اعتبارِه أن يُقَدمَ العملَ الصالحَ توسلاً إلى الله تعالى لعله يَكتُب له النصرَ أو الشهادةَ على طاعةٍ وخيرٍ .

    فكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : ( إنما تقاتلون بأعمالكم ) يعني : كلما أحسنتَ العملَ وأحسنتَ الصلةَ بالله تعالى فإن الله سبحانه يكتُبُ لكَ الخيرَ ويكتب لك النصر ، والله تعالى يقول : "و ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله" فذكر أن الذي أصابَهم إنما هو من عندِ أنفسهم ، فهذا كان بسببِ مخالفتهم لأمرِ النبي محمد صلى الله عليه و سلم وعدمِ التزامِهم ببقائِهم بالموقِعِ الذي أمرهم به النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم .

    ثم ذكر فيه حديثاً ؛ وهذا الحديثُ في رجلٍ أتى النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم وهو مُقَنَّعٌ بالحديدِ ، وهذا الرجلُ كانت قصتُه في يوم أحد ، وذُكر أنه عمرو بنُ ثابتٍ بن وقش ، وعمروٌ رضي الله عنه كان يأبى الإسلامَ متعلقاً بالربا الذي كان له في الجاهليةِ ، ثم لما خرج المسلمونَ إلى أُحُدٍ حدثَتْه نفسُه بالإسلامِ ، فخرج فلقيَ النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم وكان يريدُ أن يقاتِلَ معه من غيرِ إسلامٍ ، فلما سأل النبي محمد صلى الله عليه و سلم ( أقاتل أو أسلم ) ؟ ذكر له النبي محمد صلى الله عليه و سلم أن الواجبَ عليه أن يسلمَ أولاً ثم بعد ذلك يقاتل . وهذه القصةُ تجرنا إلى مسألةِ الاستعانةِ بالمشركين ؛ فإن فيها تَعَلُّقٌ بهذه المسألةِ لأن هذه القصةَ جاءتْ بلفظٍ فيه أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم جاءه رجلٌ ليقاتلَ معه ، فقال له النبي عليه الصلاة و السلام : " إنا لا نستعين بمشرك " فذهبَ فأسلمَ ثم جاء فقاتلَ مع النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، فهذا الرجلُ كذلك أمرَهُ النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم بالإسلامِ أولاً ثم القتالِ ، فقاتلَ رضي الله عنه ولم يسجدْ لله سجدةً واحدةً ، فقال النبي محمد صلى الله عليه و سلم بعد أن وُجِدَ مقتولاً : " عمل قليلاً وأُجِر كثيراً " ، فهذا الحديثُ الشاهدُ فيه أنه قَدَّمَ عملاً صالحاً قبل القتالِ وهو الإسلامُ ، فكان ذهابُه إلى القتال أو دخولُه في القتالِ بعدَ إقلاعِهِ عن أكبرِ الذنوبِ وهو الشركُ بالله تعالى . والآيةُ التي ذكرها الإمامُ البخاري رحمه الله فيها تعلقٌ بذلك أيضاً لأنه قال : "إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنّهم بنيان مّرصوص" فالصفُّ قبل القتالِ من العملِ الصالحِ الذي يُطلب من المجاهِد .

    نعودُ إلى قضيةِ الاستعانةِ بالمشركينَ ؛ النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم قال للرجلِ : " إنا لا نستعين بمشرك " ، فقولُه هذا أَخَذَ منه بعضُ أهلِ العلمِ عدمَ جوازِ الاستعانةِ بالمشركين في الحربِ . والأصحُّ أن هذا راجعٌ إلى المصلحةِ والمفسدةِ ، وكذلك راجعٌ إلى حال الضرورةِ وعَدَمِها ، فهذا الذي جاء النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم لم يكن المسلمونَ بحاجةٍ إليه ، ولأجلِ ذلك قال له النبي محمد صلى الله عليه و سلم " إنا لا نستعين بمشرك " . كما أن الذي يظهرُ من الرواياتِ أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم توسَّمَ فيه الإسلامَ وإلا فلا يُعقَلُ أن رجلاً يخرجُ بنفسه مختاراً ليقاتِلَ في وَسَطِ المسلمينَ وهو ليس في قلبِه رغبةٌ في الإسلام ، فالنبي محمد صلى الله عليه و سلم توسم فيه الإسلامَ ولذلك قال له " أسلم ثم قاتل " أو قال له " إنا لا نستعين بمشرك " ، وكان ذلك هو الواقعُ فأسلمَ الرجلُ فعلاً . هذا هو التوجيهُ لهذه الروايةِ .
    ثم إن كلمةَ ( إنا لا نستعين بمشرك ) لا تُدَلِّلُ على المنعِ ، فالنبي عليه الصلاة و السلام ذكر ذلك في مواضعَ أخرى ليس فيها ما يدلل على المنع ، كما في قوله صلى الله عليه و سلم " إني لا آكل متكأ " ، فقوله هذا ليس فيه دليلٌ على تحريمِ الأكلِ متكأ وإنما فيه أن هذا هو الأولى والأفضلُ أن لا يأكلَ الرجلُ متكأً ، فكذلك الأولى والأفضلُ أن لا يستعينَ المسلمون بالمشركين . ومثله قوله صلى الله عليه و سلم : " إنا لا نولي على شيء من عملنا هذا من حَرِصَ عليه أو من طَلَبَهُ " ، فقوله ( إنا لا نولي ) : لا يعني تحريمَ استعمالِ من طلب العملَ ، وكما تعلمون الكلُّ الآن يتقدم بطلبٍ للعملِ ويُوَظَّفُ ، فليس في ذلك تحريمٌ وإنما هذا خلافُ الأولى ، فكذلك قوله ( إنا لا نستعين بمشرك ) ليس فيه دلالةٌ على التحريمِ ، وإنما ذلك يرجعُ إلى المصلحةِ والمفسدةِ .

    ففي الجهادِ إذا أَمِنَ المسلمُ المشركَ واحتاجَ إليه فيُمكِنُ له أن يستعينَ به مع الحذَرِ ، وقد ثبتَ أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم أمِنَ المشركَ في أمرٍ هو من أعظمِ الأمورِ ، وهو الهجرةُ . فقد كانت قريشٌ قد جعلَتْ للنبيِّ محمد صلى الله عليه و سلم الديةَ كاملةً ، ولما خرج النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم كان دليلُه الذي دَلَّهُ في الطريقِ ليتجنبَ قريشاً وعيونَها رجلٌ من المشركين .
    وجاءتْ آثارٌ في السيرةِ ورواياتٌ تدللُ على حصولِ الاستعانةِ بالمشركينَ ، وكان بينَ النبي محمد صلى الله عليه و سلم وبينَ اليهودِ عهْدٌ ، وهذا العهدُ فيه أنهم يناصِرون المسلمينَ ، فالعبرةُ ليستْ بالمنعِ على الإطلاقِ أو الإباحةِ على الإطلاقِ وإنما ذلك راجعٌ للحاجةِ ، ولا يكون ذلك في حالِ ضربِ المسلمِ لأخيه ، وإنما يكون ذلك في الأمرِ المشروعِ ، وذلك كمَن يسْطُو على بيتِك ولكَ جارٌ نصرانيٌّ فإن استَعَنْتَ به في دفعِ الذي سطا عليكَ في منزلِكَ أو في ردِّ الذي جاء ليسرِقَ مالَك فهذا لا حرجَ فيه بالاتفاقِ ، فكذلك الأمرُ بالنسبةِ للاستعانةِ في حالِ الحاجةِ ، والله تعالى أعلم .

    تنبيهات :

    الأخ باركَ اللهُ فيه ، يذكرُ إشكالاتٍ على قضيةِ العملياتِ الاستشهاديةِ فيقول :
    أولاً ، هذه العملياتُ غيرُ مشروعةٍ ، والنيةُ لا تُبَرِّرُ العملَ غيرَ المشروعِ ، فلا بُدَّ أن يكونَ العملُ مشروعاً والنيةُ لا تؤثِّرُ في هذهِ الحالِ .
    ويقول : إن حديثَ الغلامِ عليه ملاحظاتٌ ، فيقولُ :
    إن هذا الغلامَ كان فيمنْ كان قبلَنا ، وهل شرعُ من قبلَنا شرعٌ لنا ؟
    ثم كيف عَلِمَ الغلامُ أنه يموتُ بهذه الطريقةِ ؟ هل هو نبيٌّ أم كان متصلاً بنبي ؟
    ثم يقول : إن هذه العملياتِ تتسببُ أحياناً في قتلِ الشخص نفسَه من غيرِ فائدةٍ ، كما يترتبُ على ذلك تدميرٌ للمنازلِ وقتلٌ لأعدادٍ كبيرةٍ من الناس .
    وأيضاً ، إن الحديثَ الواردَ في الرجلِ الذي قتل نفسَه وقَطَعَ براجمَه ، إنما هو خاصٌّ بهذا الرجلِ ، والنبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم اختَصَّه بالدعاءِ ( اللهم وليديه فاغفر ) .
    وكذلك فإن بعضَ أهلِ العلمِ أجازَ مثلَ هذه العملياتِ إذا كانتْ للضرورةِ ، يعني : لا يوجد مجالٌ للشخصِ أن يفعلَ إلا مثلَ هذه العملياتِ مضطراً ، فقد يكون هذا مخرجاً .
    ثم يقول : والنصوصُ الشرعيةُ الكثيرةُ تُؤَكَّدُ تحريمَ قتلِ المسلمِ لنفسِهِ .
    هذا ملخصُ ما ذكره الأخ .

    ونقول له :
    أولاً : قولُك إن العملَ غيرُ المشروعِ لا تُصَحَّحُه النيةُ ولا تجعلُه مشروعاً ، هذا كلامٌ جميلٌ جداً . ولكنكَ جزمتَ بعدمِ مشروعيةِ العملِ قبلَ أن تبحثَ المسألةَ . يعني : الحكمُ على هذا العملِ أنه غيرُ مشروعٍ هو الخلاصةُ ، فكيف تَحْتَجُّ به على عدمِ مشروعيته ؟ نحن الآن نريدُ أن نصلَ : هل هذا العملُ مشروعٌ أم غيرُ مشروعٍ ، فكيف يكون احتجاجُك على عدم المشروعيةِ يتضمن أنه غيرُ مشروعٍ ؟
    هذا العملُ لا يُحكَمُ عليه بغيرِ المشروعيةِ حتى نُثبِتَ ذلك ، ونحن نقول : إن هذا العملَ مختلفٌ في مشروعيته ، ومشروعيتُه متعلقةٌ بالنيةِ ، يعني : إن كانت النيةُ صالحةً فهو مشروعٌ ، وإن لم تكنِ النيةُ صالحةً فهو غيرُ مشروعٍ . إذاً ، النقطةُ الأولى غيرُ معتبرةٍ بتاتاً .
    والذين قالوا بمشروعيتِها من أهلِ العلمِ إنما قالوا : إذا كانت بنيةِ الجهادِ في سبيلِ الله وبيعِ النفسِ لله تعالى فهي مشروعةٌ ، وإذا كانت بنيةِ الخروجِ من الدنيا بُغْضاً للحياةِ أو عدمِ صبرٍ وجزعِ أو غير ذلك فهي غيرُ مشروعةٍ . إذاً النقطةُ الأولى لا تُعْتَبَرُ .
    ثم يُقال : إذا كان القتلُ غيرَ مشروعٍ ، فكيف يُقال إن قتلَ المسلمينَ في مسألةِ التترسِ مشروعٌ ؟ إذا كانت النيةُ لا دَخْلَ لها في العملِ وفي بيان مشروعيتِه وعدم مشروعيته ؛ فكيف يجوزُ أن أقتُلَ أخي المسلمَ إذا تَتَرَّسَ به العدوُّ ؟ إنما جازَ ذلك لأجلِ الحالةِ والنيةِ التي حصلَتْ بهذا القتلِ ، فأنا أقتلُ المتترَّسَ به حفاظاً على دماءِ المسلمينَ الآخرين . إذا النيةُ أصبحَ لها دورٌ كبيرٌ في ذاتِ العملِ ، واختلَف من كونِه عملٌ غيرُ مشروعٍ إلى عملٍ مشروع .
    أيضاً ، أي من النقاطِ التي تُذكَرُ مسألةُ الغلامِ الذي دلَّ الملكَ على قتلِ نفسِه . هل دلالةُ الشخصِ لآخَرَ أن يقتلَه أمرٌ مشروعٌ ؟ الأصلُ فيه أنه غيرُ مشروعٍ ولكن النيةّ أثرتْ فيه بغض النظر عن كثرةِ المؤمنين وغير ذلك فكل هذا لا علاقةَ له في أصلِ المسألةِ . المهم أن النيةَ أثَّرَتْ وجعلَتْ عملَ الغلامِ من أفضلِ الأعمالِ عند الله تعالى حيث ضَحّى بنفسه في سبيلِ أَنْ آمنَ الناسُ .

    ـ الحالاتُ الاستثنائيةُ لا يُقال بخصوصيتِها إلا بدليلٍ قاطعٍ على هذه الخصوصيةٍ ، والأصلُ أن الحالةَ التي استُنبِطَ منها حكمٌ تكونُ شاملةً لكل ما يندرجُ تحتَ هذا الحكم . فلا يقاسُ عليها في غيرِها وإنما يقاسُ عليها في مثلها وما شابهها .
    ـ بقِيَتْ نقطةٌ أريدُ أن ألفِتَ النظرَ إليها ، وهي : هل هناك فرقٌ عند أهلِ العلمِ بينَ من يقتُلُ نفسَه وبين من يُعَرِّضُ نفسَه لمن يقتُلُه ؟ الذي أعرفُه أنه في كلتا الحالتين يُعتبَر منتحراً . فمثلاً : الذي يضعُ نفسَه تحتَ سيارةٍ مندفعةٍ مِثْلُه مثلُ من يضرِبُ نفسَه بطلقةِ رصاصٍ في رأسِهِ . في كلتا الحالتين منتحرٌ .

    فمسألةُ التعرضِ وإلقاءِ النفسِ في وسطِ السيوفِ وتحتَ رماحِ الأعداءِ لا تختلفُ كثيراً إلا مجردَ أن هذه فيها احتمالٌ ضئيلٌ للنجاةِ والأخرى ليس فيها احتمالٌ للنجاة . يعني : هناك احتمالٌ لهذا الذي رمى نفسه تحت السيارةِ أن السيارةَ يمكن أن تتجنبَه ، ويمكن أن تصدمَه فلا يموتُ ، ولكنه إذا ماتَ فهو قاتلٌ لنفسِه وكذلك الذي ضربَ نفسَه بالرصاصةِِ في رأسِهِ فهو ميتٌ لا محالةَ ، وفي هذه الحالِ فهو يستوي تماماً مع الذي رمى نفسَه تحتَ السيارةِ ، مع أن الحالةَ الأولى يُحتمَلُ فيها أنه ينجو .
    ـ بقيتْ نقطةٌ أخيرةٌ أو قبلَ الأخيرةِ وهي : ما يترتَّبُ على ذلك ؟
    هذا راجعٌ لاجتهادِ الشخصِ ونيتِهِ ، وكذلك الذي يرمي نفسَه في وسطِ العدوِ فيقاتِلُ حتى يُقتَلَ أو يَحمِلَ على العدوِّ قد لا يستفيدُ شيئاً ولا يقتلُ ولا رجلاً ، ويُقتَلُ هو ويُمزَّقُ بسيوفِ الأعداءِ ولا يكونُ قد قتلَ منهم أحداً إطلاقاً ، فهذا نفسُ الأمرِ ؛ الأولُ باتفاقِ السلفِ شَرَى نفسَه لله وهو من خيرِ الشهداءِ ، فالقيدُ بالنظرِ إلى النتائجِ لا عبرةَ له ولا قيمةَ له إطلاقاً ، فكذلك الذي يفجرُ نفسَه لو قُدِّرَ أنه لم يقتلْ أحداً فيكفي أنه أفزَعَ العدوَّ وأرعبَهم كما حصلَ من هذا الذي حملَ عليهم ، بل هذا الذي يُفجِّرُ نفسَه تأثيرُه أقوى بكثيرٍ جداً من الذي يحملُ على العدوِ كما هو مشاهدٌ ومعلومٌ .
    ـ يلتحقُ بهذه النقطةِ مسألةُ أنه يترتَّبُ على ذلك أنهم يَهْدِمونَ كثيراً من البيوتِ ويقتلون كثيراً من الناس ، فنقول : لو أن هذا الشخصَ لم يقتلْ نفسَه بالمتفجراتِ وإنما أخذَ رشاشاً وأقدم على مغتصبَةٍ من مغتصباتِ اليهودِ وضربَهم وقتلَهم فسوف يفعلونَ نفسَ الأمرِ ، فهل يُقالُ إن فعلَه هذا غيرُ مشروعٍ ؟
    عند بحثِ المسائلِ العلميةِ لا يُنظَر للملابساتِ الخارجيةِ ، فالملابساتُ الخارجيةُ قائمةٌ في العملِ المتفقِ عليه والعملِ المختلفِ فيه ، فالذي يقاتلُ بطريقةٍ متفقٍ عليها أيضاً اليهودُ يعاملونَه بنفس الأسلوبِ ، ثم هذا العقابُ لا بدَّ منه ، فلا يكون أبداً الحلُّ أننا سوفَ نستسلمُ لأنهم يهدِمون بيوتَنا ويقتلون أفرادَنا ، بالعكسِ هذا يجعلُنا نكثرُ مما نفعلُ لأن هذا الذي يفعلونه دليلٌ على تأثيرِ هذه العملياتِ تأثيراً عظيماً جداً فيهم .

    ـ بقيت النقطةُ الأخيرةُ وهي : هل شرعُ من قبلَنا شرعٌ لنا ؟ فهذه مسألةٌ أصوليةٌ مختلفٌ فيها ، والراجحُ فيها أن شرعَ من كان قبلَنا إذا ذُكِرَ بمدحٍ وثناءِ وما يُشبِهُ التقريرُ فهو شرعٌ لنا ، هذا هو الصحيحُ ، وقصةُ الغلامِ إنما ذكرها النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم في معرضِ المدحِ والثناءِ والتقريرِ فليسَ في ذلك ما يجعلُها من الشرعِ الذي لا نأخَذَ به ، وعلى كلِّ حالٍ إذا كان المسألةُ من المسائلِ الخلافيةِ فالخلافُ معتبَرٌ ، ولا يُقالُ إن ذلكَ غيرُ مشروعٍ لأنَّ الخلافَ المعتبرَ له وجهةٌ والحمد لله .
    وأما كونُ الغلامِ كان نبياً أم لا ؟ فالصوابُ أنه ليس بنبيٍّ لأنه لم يَرِدْ نصٌّ يثبت ذلك وإنما هو غلامٌ صغيرٌ تعلَّمَ السحرَ أولاً ثم تعلم من الراهبِ وأصبحَ من أولياءِ الله الصالحين ، ففِعْلُه من بابِ الكراماتِ وليس من بابِ النبوة .

    وأما كونُه كان مُتَّصِلاً بنبيٍّ فلم يردِ قطُّ أيضاً ما يُدلِّلُ على ذلك ، ولكن النبيَّ محمد صلى الله عليه و سلم يقول : " إنه كان يكونُ في كلِّ أمةٍ محدَّثون ، وإن كان في أمتي أحدٌ فعمرُ " ، فكان عمرُ رضي الله عنه مشهوراً بالفراسَةِ وكان يتكلَّمُ بالشيء فيوافقُه القرآن ، فهذا الغلامُ تعلمَ العلمَ ، وكان هذا العلمُ كرامةً له ورفَعَه إلى منزلةٍ يحصلُ له فيها شيءٌ من الإلهامِ من الله تعالى ليسَ على سبيلِ النبوةِ ولا الرسالةِ وإنما على سبيلِ الإلهامِ الموفَّقِ فكان ذلك كذلك أُلْهِمَ له أن الرجلَ لو قال بسم الله فهذه الحالةُ الوحيدةُ التي يستطيعُ أن يقتلَه فيها لأنه يكون قد استعانَ بالله تعالى ، وهذا من الإلهامِ الموفَّقِ ، فكان هذا كذلك ، والله تعالى أعلم ، نسأل الله التوفيق .

    -------------------------- جزاكم الله خيرا
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    17-11-2005
    الدولة
    مُنْتَدَيَاتُ مِشْكَاة
    المشاركات
    558
    احسن الله اليك اخي ابو البراء وحفظ الله الشيخ الفاضل ونصر الله اخواننا المجاهدين

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    20-09-2003
    المشاركات
    493

    Thumbs up



    http://www.kasralsanam.com/hadia2/
    ----------------------------------
    موقع البرهان دليل الباحثين عن الحقيقه
    http://www.albrhan.com/
    ---------------------------------
    خفايا المذهب الشيعى مالم تشاهده من قبل او تسمع به
    http://www.kasralsanam.com/webp.htm

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    02-01-2006
    الدولة
    في الدنيا الفانية
    المشاركات
    113

    جزيت خيرا يا ابو البراء

    بارك الله فيك على مجهودك الطيب



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    31-10-2005
    المشاركات
    50
    بارك الله فيك ياأبا البراء ولكن .............
    ...............اين البقية؟؟

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587

    المحاضرة الرابعة ( فضلُ الشهداءِ والحالُ في العراقِ وجهادُ الدفع )

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ،
    فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه و سلم وشرَّ الأمور محدثاتُها ، وكلَّ محدثة بدعةٌ وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

    أخبرني أبو عبد الله التويجري عن العنقري عن ابن عتيق عن حسين الأنصاري عن محمد الحازمي عن محمد عابد السندي عن صالح الفلاني عن ابن سنة عن أحمد العجل عن ابن مكرم الطبري عن جده محب الدين الطبري عن البرهان الدمشقي عن عبد الرحمن عن ابن شاذبخت الفارسي عن ابن شاهان الختلاني عن الفربري عن البخاري رحمه الله قال :

    [align=center]باب من أتاه سهمٌ غَرْبٌ فقتَلَهُ .[/align]

    [align=center]26 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الله ، حدثنا حسينُ بنُ محمدٍ أبو أحمد ، حدثنا شيبانُ عن قتادةَ ، حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ أن أمَّ الرُّبَيِّعِ بنتَ البراءِ وهي أمُّ حارثةَ بنِ سراقةَ أتتِ النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقالت : يا نبيَّ الله ألا تحدثُني عن حارثة ـ وكان قُتل يومَ بدرٍ أصابَهُ سهمٌ غَرْبٌ ـ فإن كان في الجنة صبرتُ ، وإن كان غيرَ ذلك اجتهدتُ عليه في البكاءِ . قال : " يا أمَّ حارثةَ ، إنها جنانٌ في الجنة ، وإن ابنَكِ أصابَ الفردوسَ الأعلى " .[/align]

    هذا الحديثُ يواصل فيه الإمامُ البخاريُّ كلامَه عن فضلِ الجهادِ والمجاهدينَ فيُبَيِّنُ أنه يَلْحَقُ بالشهداءِ من قُتِلَ في هذه الحالِ ( من أصابه سهم غرب ) والسهمُ الغرب هو : السهمُ الذي يُطلَقُ خطأً أو يطلقُ على غِرَّةٍ والشخصُ ليس في القتال .
    فحارثةُ بنُ النعمان وأمه هي الربيع بنتُ النضرِ التي ذكرناها في حديثِ مقتلِ أنسِ بنِ النضر واستشهادِه في سبيل الله ، فهذه هي أمُّ حارثةَ ، وقد حصلَ وَهْمٌ في هذا الإسنادِ في اسمِها فقيل فيها ( أم الربيع بنتِ البراء ) والصوابُ أنها ( الربيع بنت النضر ) كما جاء ذلك في طرق أخرى لهذا الحديث .

    فلما قُتِلَ حارثةُ وقد كان ذهبَ إلى بئرٍ يَسْتَقِي منه فرآهُ رجلٌ من المشركينَ فرماهُ بسهمٍ على غِرَّةٍ فقَتَلَه ، فحزِنَتْ عليه أمُّ حارثةَ وأرادتَ أن تتأكدَ هل لولدِها منزلةُ الشهيد لأنه لم يُقتَلْ في معركةٍ وجهاً لوجهٍ مع الكافرِ وإنما رماه الكافرُ على غرةٍ وكان قد خرج ليشربَ ، فقالت : ( يا نبي الله ! ألا تحدثني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت ) بمعنى أنها تتصبرُ ، لأن ولدَها كُتِبَتْ له الشهادةُ وهي أعلى المنازلِ وأفضلُها ، وصاحبُ الإيمانِ الصادقُِ لا يحزنُ إذا قُتِلَ من يُحِبُّ في سبيلِ الله لأن هذه منزلةً عاليةً جداً ، وكلُّ من يُحِبُّ يرغَبُ أن تكونَ تلكَ المنزلةُ لحبِيبِه ، فتقول له ( فإن كان في الجنة صبرت ) ، أي : تصبَّرْتُ واحتَسَبْتُ ذلك عندَ الله عزَّ وجلَّ ، وإن كان غيرَ ذلك ، يعني : ليس له هذا الأجرُ ولا يُكتَبُ له الشهادةُ ( اجتهدت عليه في البكاء ) يعني : ليس هناك ما يُسَلِّيها ويُواسِيها في هذا المُصابِ فتطلقُ لنفسِها العنانَ فتَبْكيهِ ، وبعضُ أهلِ العلمِ حَمَلَ ذلك على النياحةِ وقالوا : إن ذلك كان قبلَ تحريمِ النياحةِ . وفي المسألةِ نظرٌ لأن النبيَّ صلى الله عليه و سلم عندما بايعَ المؤمناتِ بايَعْهُنَّ في أوَّلِ الهجرةِ عندما قَدِمَ المدينةَ وكان فيما بايعهن عليه ( ولا يَعْصِينَكَ في معروفٍ ) ومن ذلك عدمُ النياحةِ . فالمرادُ هنا واللهُ أعلمُ البكاءُ الجائزُ الذي رَخَّصَ فيه النبيُّ صلى الله عليه و سلم فإنه ذَكَرَ أن اللهَ لا يُعَذِّبُ بدمعِ العينِ ولكن يعذبُ بهذا وأشار إلى لسانِه عليه الصلاة والسلام .

    فبشرَّها النبيُّ صلى الله عليه و سلم بمنزلةِ حارثةَ وقال لها : " يا أمَّ حارثةَ ! إنها جنانٌ في الجنةِ " ، ليستَ جنةً واحدةً ، وإنما الجنةُ جنانٌ متعددةٌ تتفاوتُ في منازِلِها ، وقد ذكرْنا في لقاءٍ سابقٍ أن للشهداءِ عندَ الله مائةٍ درجةٍ في الجنةِ وأنَّ أعلى هذه الدرجاتِ الفردوسَ ، فالنبيُّ صلى الله عليه و سلم أكْمَلَ بُشْراهُ لها وقال : " وإنَّ ابْنَكَ أصابَ الفردوسَ الأعلى " يعني : وَصَلَ إلى أعلَى درجاتِ الجنةِ التي تُكْتَبُ لأفْضَلِ الشُّهداءِ وكان حارثةُ منهم ، وفي ذلكَ دليلٌ على أنَّ من أصابَهُ سهمٌ غَرْبٌ وكان خرجَ إلى معركةٍ من المعارِكِ فإنما يُكتَبُ له أجرُ الشهيدِ ، ومن ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ كمن قَتَلَه العدُوُّ ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا .[/align]


    [align=center]27 ـ حدثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ ، حدثنا شعبةُ ، عن عمروٍ ، عن أبي وائلٍ ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم فقال : الرجُلُ يقاتِلُ للمغنَمِ ، والرجلُ يقاتِلُ للذِّكْرِ ، والرجلُ يقاتل ليُرى مكانَه ، فمنْ في سبيلِ الله ؟ قال : " من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيلِ الله " .[/align]

    هذا الحديثُ العظيمُ الذي ذكرَه الإمامُ البخاريُّ رحمه الله من أهمِّ الأحاديثِ التي في بابِ الجهادِ ، فإنه كما ذكرْنا أهمُّ شيءٍ في العملِ الإخلاصُ ؛ فإذا فُقِدَ الإخلاصُ فالعملُ مردودٌ على صاحبِهِ . واللهُ عزوجل لا يَقْبَلُ من العملِ إلا ما كان خالِصاً لوجْهِهِ .

    والجهادُ فيه بذْلُ النفسِ والنفيسِ ، وفيه بذلُ الإنسانِ روحَه ودمَهُ ، فلا بُدَّ أن يَنْتَبِهَ للغَرَضِ الذي يَبْذُلُ فيه مهجَتَه . ولذا قال الإمامُ البخاريُّ ( باب من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا ) يعني : أن الذي يفعلُ ذلك هو المجاهِدُ الحقُّ الذي يُجاهِدُ في سبيلِ الله تعالى .

    ثم ذَكَرَ فيه حديثَ أبي موسى رضي الله عنه وفيه ( أن رجلاً جاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم فسأَلَهُ عن أصنافِ توجَدُ في ساحةِ القتالِ ؛ الكلُّ يقاتِلُ ولكن هناكَ اختلافٌ في النوايا التي تكونُ في صدورِ العبادِ ، فمن الناسِ من يقاتِلُ للمَغْنَمِ أي إنما جاءَ حِرْصاً على الغنيمةٍ ، فَهَمُّهُ أن يُحَصِّلَ المغانِمَ التي تترتبُ على هذا القتال . وصِنْفٌ يقاتِلُ حتى يذكرَه الناسُ بأنه شُجاعٌ ومُجاهِدٌ ولا يَهابُ الحربَ ونحو ذلك . وهناك رجلٌ يقاتل ليُرى مكانَه ، يعني : أن يقاتِل رياءً فهو يريدُ الذكرَ أيضاً فهو مشابِهٌ لما قبلَه . وجاء في بعضِ الرواياتِ ( الذي يقاتِلُ حَمِيَّةً ) وجاء في بعضها ( الذي يقاتِل غضباً ) . فالذي يقاتلُ حميةً إنما يقاتِلُ لأنَّ قومَه يقاتلون ، فإذا وجد قومَه يقاتِلون قوماً قاتَلَ معهم ، لا يدري على أي شيءٍ يقاتِلُ وليستْ له نية بهذا القتالِ إلا نصرةَ قومَهُ . وهناك من يقاتِلُ غَضَباً ، أي : شَعَرَ بالغضبِ فكان ردَّ الفعلِ الانتقامُ فقط بغيرِ نيَّةٍ صالحةٍ في قتالِهِ وإنما مُجَرَّدُ تأثُّرٍ بهذا الغضبِ الذي ألَمَّ به .

    فهذه الأمورُ سألَ عنها هذا الرجلُ النبيَّ صلى الله عليه و سلم فكانَ ردُّ رسولِ الله صلى الله عليه و سلم كلاماً جامعاً مانعاً فلم يَقُلْ له ( هؤلاءِ ليسوا في سبيلِ الله ) وذلك لأن بعضَ ما ذُكِرَ قد يدخُلُ في القتالِ في سبيلِ الله تعالى ؛ فقد يغضبُ الرجلُ للهِ تعالى فيكونُ غضبَه في سبيلِ الله ولأجلِ إعلاءِ كلمةِ الله فيكونُ قتالُه في سبيلِ الله فلا يُذَمُّ في قتالِهِ غَضَباً . كذلك قد يقاتِلُ الرجلُ حميَّةً ولكن حميةً لدينِ الله ولأعراضِ المسلمينَ ولانتهاكِ أراضيهِم ، فقتالُه في هذه الحالِ يكونُ في سبيلِ الله . فكان جوابُ النبيِّ صلى الله عليه و سلم أن قالَ الحديثَ السابقَ . ثم إنَّ النبيَّ صلى الله عليه و سلم لو قال له : ليس قتالُ هؤلاءِ في سبيلِ الله لظنَّ الناسُ أن غيرَ هؤلاءِ كلَّهم قتالُهم يكونُ في سبيلِ الله ، فكان جوابُه صلى الله عليه و سلم من جوامعِ الكلم ، فيه من البلاغةِ والإيجازِ ما فيه .


    ـ مسألة : إذا قاتَلَ الشخصُ وهو يريدُ إعلاءَ كلمةِ الله وفي نفسِ الوقتِ في نيتِه أن يُحَصِّلَ المغنمَ الذي يترتبُ على هذا الجهادِ ، فهل هو في سبيلِ الله ؟ وهل يُكتَبُ له الأجرُ ؟
    هذه المسألةُ تنقَسِمُ إلى خمسةِ أقسامٍ :
    إما أنْ يقاتِلَ في سبيلِ الأمرَيْنِ معاً على حدٍّ سواءٍ .
    وإما أن يَقْصِدَ واحداً منهما ويحصلَ له الآخرُ ضِمناً من غيرِ قَصْدٍ منه أساساً .
    فالممنوعُ من ذلكِ ، أن يقصُدَ غيرَ إعلاءِ كلمةِ الله ، يعني يريدُ المغنمَ أساساً ، فهذا محذورٌ حتى وإن حَصَلَ إعلاءٌ لكلمةِ الله ضِمناً .
    وإما أن يقصِدَهما معاً على حدٍّ سواءٍ ، فهذا ممنوعٌ أيضاً . وقد جاء في الحديثِ أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقال له : يا رسولَ الله ! أرأيتَ رجلاً غزا يلتمسُ الأجرَ والذكرَ ما لَهُ ؟ قال : " لا شيءَ له " ، فأعادَ عليه ذلكَ ثلاثَ مراتٍ وفي كلِّ مرة يقول : " لا شيءَ له " ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه و سلم : " إن اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ العملِ إلا ما كانَ له خالِصاً وابتُغِي به وجهَه " .
    فالذي دلَّ عليه هذا الحديثُ الذي قَصَدَ الأمرين معاً .
    إذا ً ، ما هو المطلوبُ والذي يكونُ في سبيلِ الله ؟
    المطلوبُ والذي يكونُ في سبيلِ الله أن يقصِدَ إعلاءَ كلمةِ الله تعالى أساساً سواءٌ أصابَ مغنَماً أم لمْ يُصِبْ . فإن حصلَ له إصابةُ المغنَمِ فهذا خيرٌ ونعمةٌ ، وإن لم يحصلْ له إصابةُ المغنَمِ فإنما قَصَدَ إعلاءَ كلمةِ الله .
    وهذا الذي يَدُلُّ عليه فعلُ النبيِّ عليه الصلاة و السلام عندما حَثَّ أصحابَه على الاجتهادِ في القتالِ للمغنَمِ والسَّلَبِ ، فالنبيُّ صلى الله عليه و سلم كان يُشَجِّعُ أصحابَه ويحثُّهم على الجهادِ في سبيلِ الله بِجَعْلِ سَلَبِ كلِّ قتيلٍ لقاتِلِهِ ، فكان يقولُ لهم : " من قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه " ، وكان يُنَفِّلُ أصحابَه أنفالاً حتى يشجعَهم على الاجتهادِ في القتالِ .

    فأصلُ خروجِ الصحابةِ رضي الله عنهم مع النبيِّ صلى الله عليه و سلم هو إعلاءُ كلمةِ الله ، والمغنمُ يأتي تَبَعاً لذلك .
    هذا هو الوجهُ الصحيحُ والمطلوبُ والذي يُعتبَرُ في سبيلِ الله جلَّ وعَلا .
    تأتي نقطةٌ وهي : مسألةُ القتالِ تحتَ رايَةٍ عُمِّيَّة أو عِمِّيَّة ( هكذا يقال عمية أو عمية ) ، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام كانَ يقولُ : " مَنْ قاتَلَ تحتَ رايةٍ عُمِّيَّة فمِيتَتُه ميتةٌ جاهليةٌ " . والمرادُ بالرايةِ العميةِ القتالُ لأجلِ الحَمِيَّةِ هذا النوعُ الذي ذكرناه في هذا الحديثِ ، فليس المرادُ كما يَفهَمُ البعضُ قيادةَ الجيشِ كما هو الحالُ في العراقِ الآن ، وكما تكلمنا في ذلك عدةَ مراتٍ ؛ إذا كان القائدُ أو السلطةُ بيدِ رجلٍ فاجرٍ ليسَ على دينِ الله تعالى إما فِسْقاً وإما كُفْراً . فالمقصودُ أن رايتَه ليستْ لإعلاءِ كلمةِ الله ، ولكنَّ الذي يقاتِلُ إنما يقاتِلُ في حالٍ يكونُ فيها القتالُ مشروعاً ؛ إما نيتُه لإعلاءِ كلمةِ الله ، وإما أن تكونَ نيتُه ليستْ مشروعةً فيكون قتالُه حميةً . فالنظرُ إلى ذاتِ الشخصِ وليس إلى القائدِ .

    وقد كان في صفوفِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم وهو خيرُ القادةِ وإمامُ المتقينَ من كان يقاتِلُ لغيرِ الله تعالى ، فلا يُعتبَرُ الذي قاتَلَ في صفِّ النبيِّ صلى الله عليه و سلم وهو لا يريدُ وجهَ الله ، لا يعتبَرُ مقاتِلاً في سبيلِ الله عزوجل ، وإنما يحاسَبُ بغضِّ النظرِ عن هذه الرايةِ الصالحةِ النبويةِ . وكذلك الذي يقاتلُ تحتَ رايةٍ فاسدةٍ ولكن قتالُه لأجلِ إعلاءِ كلمةِ الله ولأمرٍ مشروعٍ ، فلا عبرةَ بهذه الرايةِ التي بِيَدِ زَعِيمِهِ ، وإنما العبرةُ بنيتِه .
    فهذه نقطةٌ مهمةٌ لا بُدَّ من الانتباهِ لها في هذه الظروفِ التي نَمُرُّ بها ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    بابُ من اغبَرَّتْ قدماهُ في سبيلِ الله [/align]
    .

    [align=center]وقولُ الله تعالى : "ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رّسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نّفسه، ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدوّ نّيلا إلاّ كتب لهم به عمل صالح ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين"

    28 ـ حدثنا إسحاقُ ، أخبرنا محمدُ بنُ المبارَكِ ، حدثنا يحيى بنُ حمزةَ قال : حدثني يزيدُ بنُ أبي مريمَ ، أخبرنا عبايةُ بنُ رفاعةَ بنِ رافعِ بنِ خُدَيجٍ قال : أخبرني أبو عبسٍ هو عبدُ الرحمنِ بنُ جَبْرٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما اغْبَرَّتا قدما عبدِ في سبيلِ الله فتمَسَّه النارُ " .
    [/align]


    هذا الحديثُ أيضاً يستكملُ فضلَ الجهادِ في سبيلِ الله وما للمجاهِدِ ، ويتحدثُ عن جزئيةٍ من العملِ الذي يعملُه المجاهدُ ، وهي أمرٌ قليلٌ جداً ومع ذلك فالأجرُ الذي عليها أجرٌ عظيمٌ جداً ، وهي اغبرارُ القدمِ في المَسيرِ في سبيلِ الله .

    فيقول ( باب من اغبرت قدماه في سبيل الله ) يعني : أجرَه وفضلَه .
    وذكر فيه قولَ الله تعالى " ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رّسول الله" إلى قوله "، إن الله لا يضيع أجر المحسنين" والشاهدُ في هذه الآيةِ ما جاء في وسَطِها من قوله تعالى " ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدوّ نّيلا إلاّ كتب لهم" قوله ( ولا يطؤون موطئاً ) هذا هو معنى اغبرارِ القدمِ في سبيلِ الله ، لأن وطئَ القدمِ على الأرضِ يتسببُ في حدوثِ الغبارِ عليها ، وهذا هو المرادُ من الباب .

    ثم ذكر حديثَ عبدِ الرحمنِ بن جَبْرٍ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار " ، وفي ذلك تحريمُ النارِ على المجاهدِ الذي خرج في سبيلِ الله حتى وإن لمْ يقاتِلْ بلْ لمجرَّدِ اغبرارِ قدمِه في سبيلِِ الله ، فقد يخرجُ المجاهدونَ ولا يَلْقَونَ كيداً كما حدثَ ذلك كثيراً مع النبيِّ صلى الله عليه و سلم فتعودُ السريةُ أو يعودُ الغزاةُ ولم يقاتِلوا ، فمسيرُهُم هذا الذي اغبرَّتْ فيه أقدامُهم في سبيلِ الله يؤجَرون عليه أن النارَ لا تمسُّهم يومَ القيامة .

    وهنا في قوله ( ما اغبرتا قدما عبدٍ ) هذا خلافُ الأصلِ في اللغة ؛ فالأصلُ أن يُقالَ ( ما اغبرتْ قدما عبدٍ ) لأن الفاعلَ موجودٌ وهو ( قدما ) . ولكنْ هذه لغةٌ عندَ العربِ قليلةٌ يسمونَها لغةَ ( أكلوني البراغيثُ ) ، وقد جاءتْ بها بعضُ الأحاديثِ كما في قوله صلى الله عليه و سلم : " يتعاقَبونَ فيكم ملائكةٌ " ، فالأصلُ أن يقالَ ( يتعاقب فيكم ملائكة ) ، وهكذا هنا في حديثِنا ، وقد جاءتْ في بعضِ الرواياتِ على اللغةِ المشهورةِ من غيرِ إثباتِ ألفِ الفاعلَين .
    هناك أيضاً من الآثارِ ما يتعلقُ بذلك ، فكما تعلمون عندما سارَ أبو بكر رضي الله عنه يودِّعَ بعثَ أسامةَ ؛ فكان يمشي وأسامةُ راكبٌ ، فطلب منه أسامةُ أن يركبَ فقال : ( ما عليَّ أن أُغَبِّرَ قدماي في سبيلِ الله ) ، فالصحابةُ رضي الله عنهم كانوا أكثرَ الناسِ امتثالاً لأوامرِ الله ورسولِه وتعظيماً لشعائرِ الله ولدينِ الله وتطبيقاً لتوجيهاتِ رسولِ الله صلى الله عليه و سلم ، فكان أبو بكرٍ وهو من هو يحرِصُ على أن يُغَبِّرَ قدميه في سبيلِ الله ليتَحَصَّلَ على هذا الأجرَ العظيمَ .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب مسحِ الغبارِ عن الرأسِ في سبيلِ الله .[/align]


    [align=center]29 ـ حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى ، أخبرنا عبدُ الوهّاب ، حدثنا خالدٌ عن عكرمةَ أن ابنَ عباسٍ قال له ولعليِّ بنِ عبدِ الله : ائتيا أبا سعيدٍ فاسمعا من حديثِه : فأَتَيَاهُ وهو وأخُوه في حائطٍ لهما يسقيانِه ، فلما رآنا جاء فاحتَبى وجلسَ فقال : " كنا ننقُل لبِنَ المسجدِ لَبِنَةً لبنة ، وكان عمارُ ينقلُ لبنتين لبنتين ، فمر به النبيُّ صلى الله عليه و سلم ومسحَ عن رأسهِ الغبارَ وقال : " ويحَ عمارٍ تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ ، عمارٌ يدعوهم إلى الله ويدعونَه إلى النارِ " . [/align]

    [align=center]قال البخاري :
    باب الغُسلِ بعد الحربِ والغُبارِ .[/align]


    [align=center]30 ـ حدثنا محمدٌ ، أخبرنا عبدةُ ، عن هشامِ بنِ عروةَ ، عن أبيهِ ، عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : " أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه و سلم لما رَجَعَ يومَ الخندَقِ ووَضَعَ السلاحَ واغتَسَلَ ، فأتاهُ جبريلُ وقد عَصَبَ رأسَهُ الغبارُ فقال : وضعتَ السلاحَ ؟ فوالله ما وضعتُه . فقال رسولُ الله صلى الله عليه و سلم : فأينَ ؟ قال : ها هنا ـ وأومأَ إلى بني قريظةَ ـ قالتْ : فخرجَ إليهم رسولُ الله صلى الله عليه و سلم " .[/align]

    هذا الحديثُ وهو في بابِ ( مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله ) يعني : حكمُ ذلك ، هل هو جائزٌ أم مكروهٌ ؟ لأن البعضَ قد يتوهمُ أن مسحَ الغبارِ وغسلَ الغبارِ عن الجَسَدِ والرأسِ الذي نتجَ في سبيلِ الله فيه كراهةٌ للفضلِ السابقِ الذي ذكرناه ؛ أن من اغبرتْ قدماه في سبيلِ الله لم تمسَّه النارُ .
    والأجرُ المترَتِّبُ على اغبرارِ القدمينِ أو اغبرارِ الجسدِ والرأسِ ليسَ مستلزِماً استمراريةَ هذا الغبارِ على الجسد ، وقد دفعَ الإمامُ البخاريُّ توهمَ ذلك لأن بعضَ السلفِ كره التنشيفَ بعدَ الوضوءِ ، والنبيُّ صلى الله عليه و سلم ثبتَ عنه في السُّنَّةِ أنه أُتِيَ له بمنديلٍ عندما توضأَ فلم يُرِدْهُ ، وليس في ذلك دليلٌ على كراهيةِ التنشيفِ ، وإنما النبي صلى الله عليه و سلم لم يحتجْ لهذا المنديلِ ، فلو نَشَّفَ المتوضئُ فلا حرجَ عليه ، ولكن هناك فرقٌ بينَ الوضوءِ وبين الغبارِ المترتبِ عن الجهادِ في سبيلِ الله ؛ لأن الوضوءَ إنما يُرادُ لأجلِ الصلاةِ وهي ـ أي الصلاةُ ـ تابعةٌ للوضوءِ ، فبقاءُ أثرِ الوضوءِ له اعتبارُه هنا ، أما بالنسبةِ للجهادِ فلا حاجةَ لبقاءِ الغبارِ بعد انتهاءِ الجهادِ لأنَّ الطاعةَ قد انتهتْ والغبارَ ليس مقصوداً للجهادِ وإنما هو نتيجةٌ عنه ، هذا هو الفارقُ . فلو سُلِّم بكراهةِ التنشيفِ لماءِ الوضوءِ فلا كراهةَ في غسلِ ومسحِ الغبارِ عن الرأس .

    واستدَلَّ الإمامُ البخاري بهذا الحديثِ وهو الذي رواه عن ابنِ عباسٍ وفيه أن ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما قال لعكرمةَ ولعلي بنِ عبد الله : ( ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه ) ؛ كان الصحابةُ رضي الله عنهم يحُثُّونَ طلبةَ العلمِ على الذهابِ لأهلِ العلمِ الذين عندهم أحاديثُ النبيِّ صلى الله عليه و سلم لكي يسمعوها منهم ويستَفِيدوا ويتعلَّموا ، فحثَّ ابنُ عباسٍ وهو حبرُ الأمة ، مولاه عكرمةَ وعليَّ بنَ عبدِ الله بنِ العباسِ أن يذهبا إلى أبي سعيد الخدري ليسمعا من حديثه ، فذهبا إلى أبي سعيد وهو في حائطٍ له ، يعني : في مزرعةٍ له ومعه أخوه يسقيانِ هذه المزرعةَ ، فلما رآهما أبو سعيدٍ رحَّبَ بهما لمنزلتِهما من العلمِ ومن الفضلِ فجلس معهما ( واحتبى ) والاحتباءُ هي : جلسةُ القُرفُصاءِ ، فبدأ يروي لهما شيئاً من الأحاديثِ التي يحفظُها ، فقال لهما ( كنا ننقُلُ لبِِنَ المسجدِ لبنة لبنةً ) ؛ النبي صلى الله عليه و سلم أمرَ ببناءِ مسجده ، فكان الصحابةُ ومعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ينقلون هذا اللبنَ لبناءِ المسجدِ ، فكان الناس ينقلون لبِنَةً لبنة ، وكان عمارٌ رضي الله عنه لأنه رجلٌ قويٌ وشديدٌ ينقُلُ لبنتين لبنتين ، فمر به النبي صلى الله عليه و سلم فسُرَّ باهتمامِه وبعملِه وبفعله ، فكان يمسحُ عن رأسِه الغبارَ الذي جاء من أثرِ بناءِ المسجدِ وحملِ اللبِن ، وقال وهو يمسحُ هذا الغبارَ عن رأسِه : " ويحَ عمارٍ تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ " . ( ويح ) : كلمةٌ تُقالُ للتَّوَجُّعِ والتألم ، وهي في الخير . ( تقتله الفئة الباغية ) : هذه من علاماتِ النبوةِ ومما أخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه و سلم من الأمورِ الغيبيةِ ، فذكر أن عَمّاراً سوف يدخُلُ حرباً بين فِئتينِ ؛ فئةٌ منهما تكونُ فئةً باغيةً وفئةٌ أخرى بُغِيَ عليها ، فكان ذلك كما أخبرَ عنه صلى الله عليه و سلم ، وقاتَلَ عمارٌ مع عليٍّ رضي الله عنه ضدَّ معاويةَ رضي الله عنه ، وكانت الفئةُ الباغيةُ هي فئةُ معاويةَ صلى الله عليه و سلم لأنه كان مخالِفاً لإمامِ المسلمينَ في ذلك الوقتِ وهو عليٌّ رضي الله عنه ، وكان خلافُه رضي الله عنه إنما هو تَأَوُّلاً واجتهاداً منه وظناً أنه على صواب .

    ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " عمارٌ يدعوهُم إلى الله ويدعونَه إلى النارِ " ، يعني : عمارٌ يدعوهم إلى طاعةِ الإمامِ وهذا ما أمَرَ به الله تعالى ، ويدعونه إلى النار ، أي : إلى معصيةِ الإمام ، ومعصيةُ الإمام تؤدي إلى النار إن لم يكن الفاعلُ لذلك متأولاً ومجتهداً وأخطأَ في هذا الاجتهادِ ، والله تعالى أعلم .

    والشاهدُ في هذا الحديثِ وإن لم يكن له علاقةٌ بالجهاد ، ولكنْ بناءُ المسجدِ من الأمورِ التي يُبتغَى بها وجهُ الله ، فهي في سبيلِ الله . فالنبيُّ صلى الله عليه و سلم كان يمسحُ أثرَ الغبارِ الذي نشأَ عن بناءِ المسجدِ عن عمارٍ رضي الله عنه ، وهذا فيه دليلٌ على أن مسحَ الغبارِ المترتبِ عن الطاعةِ لا حَرَجَ فيه ولا إشكالَ ولا كراهةَ ، فكذلك مسحُ الغبارِ الذي يكونُ في الجهادِ في سبيلِ الله لا كراهةَ فيه ، هذا هو الشاهدُ ، وسيأتي في البابِ القادمِ ما يتعلقُ بذلك والله تعالى أعلم .
    والبابُ الثاني متعلقٌ بالبابِ السابق ، وهو قوله ( باب الغسلِ بعد الحربِ والغبارِ ) فهذا متعلقٌ أيضاً بما قبلَه ، وهو ألصَقُ ، لأن فيه إزالةَ أثرِ الحربِ من غبارٍ ووَسَخٍ ونحوِ ذلك بالغسلِ

    وفيه ذَكَرَ حديثَ عائشةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما رجع يومَ الخندقِ ووضعَ السلاحَ واغتسلَ و الشاهدُ فيه ، هو قولُه ( واغتسل ) لأن الاغتسالَ سوف يُزيلُ أثرَ الغبارِ وغيرِه .

    تقول عائشةُ ( فأتاه جبريلُ وقد عصبَ رأسَه الغبارُ ) ؛ وجبريلُ عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه و سلم أحياناً بهيئةِ رجلٍ غريبٍ ، وأحياناً كان يأتيه في هيئةِ دِحْيَةَ بنِ خليفةَ الكِلْبي ، وكان رجلاً جميلاً .
    فجبريلُ عليه السلام عندما كان يتمثَّلُ للنبي صلى الله عليه و سلم في هيئةِ رجلٍ كان يراه الصحابة .

    فتقول عائشةُ ( أن جبريل أتاه وقد عصبَ رأسه الغبار ) ؛ يعني : ما زالَ عليه أثرُ الحربِ ، والملائكةُ كانت تقاتلُ مع النبي صلى الله عليه و سلم في غزواتِه ، فكانت معه في غزوةِ الخندق ، فلما رجعَ النبي صلى الله عليه و سلم واغتسلَ ووَضَعَ سلاحَه ؛ أتاه جبريلُ ولما يزولُ عنه أثرُ الحربِ ، ( فالغبارَ قد عصبَ رأسَه ) يعني : لفَّها كأنها عصابةٌ حولَ رأسه ، وهذا دليلٌ على أنه ما زال لم ينتهِ من القتالِ أو من الحربِ بعد . فقال للنبيِّ ( وضعتَ السلاح ؟ ) يعني : يستنكرُ على النبي صلى الله عليه و سلم كيف وضعَ السلاحَ . ( فوالله ما وضعتُه ) يعني : ما زلتُ في انتظارِ القتالِ مرةً أخرى مع المشركين .

    وكما تعلمون ؛ الحربُ في غزوةِ الخندق ، كان من الأسبابِ التي جعلتْ المسلمينَ في ضيقٍ شديدٍ في هذه الغزوةِ ما نقضَه اليهودُ من عهدٍ مع النبي صلى الله عليه و سلم ، وهم بنو قريظةَ الذين كانوا على عهدٍ مع النبي صلى الله عليه و سلم ، ولكنهم تمالأوا مع كفارِ قريشٍ وكان لهم دورٌ في التضييقِ على المسلمينَ في هذه الغزوةِ التي ذكرها الله تعالى ذكراً عظيماً في كتابه فقال : "و بلغت القلوب الحناجر و تظنّون بالله الظّنونا ، هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا . وبالمناسبةِ يا أخوان ؛ انظروا هذا خيرُ خلقِ الله ، ومعه خيرُ الناسِ بعد الأنبياءِ وهم صحابةُ النبي صلى الله عليه و سلم ، وقد وصل بهم الحالُ إلى حالٍ شديدةٍ جداً في غزوةِ الخندقِ ، وقد وصفَ الله تعالى هذه الحالَ بهذا الوصفِ البليغِ يُبيِّنُ حالَهم فيقول تعالى "وبلغت القلوب الحناجر و تظنّون بالله الظّنونا" ثم يقول "هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا" ، فنحن في هذه الأيامِ وما نمُرُّ به من صعابٍ ومن أمورٍ يَشيبُ لها الوِلدان ، لا بد أن ننظرَ أن ذلك كان في خيرِ القرونِ وتحتَ رايةِ خيرِ الناس ، فهل نحنُ نخالفُ سنةَ الله التي لم يَسْلَمْ منها أولياؤه وأحباؤه ؟
    فالصبرُ يا أخوان ؛ هذه نصيحةٌ لا بدَّ أن نلتزِمَ بها جميعا ، الصبرَ الصبرَ وعدمَ العجلةِ وانتظارَ الفرجِ من الله تعالى .

    فتقول ( فلما قال له جبريل : فوالله ما وضعتُه ) ؛ عَلِمَ النبيُّ صلى الله عليه و سلم أن الحربَ لم تنتَهِ بعدُ . فقال له ( إلى أين ؟ ) فأشار له جبريلُ إلى بني قريظةَ ؛ أومأَ إليه إلى جهةِ بني قريظةَ وهي في أعالي المدينةِ فأشارَ إلى هذه الجهة ، فعلمَ أن الله تعالى يريدُ أن يؤدِّبَ هؤلاءِ الذين نقضوا العهدَ ويكِرَّ عليهم رسولُ الله صلى الله عليه و سلم وجنودُ الله حتى يهزِمُوهم شرَّ هزيمةٍ لأنهم نقضوا العهدَ .

    قالت ( فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ) ؛ والشاهدُ فيه كما قلتُ هو اغتسالُ النبيِّ صلى الله عليه و سلم بعد الحربِ والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :

    باب فضلِ قولِ الله تعالى : "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياء عند ربّهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم و لا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله و فضل و أنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين" [/align]


    [align=center]31 ـ حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله قال : حدثني مالكٌ عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ ، عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال : " دعا رسولُ الله صلى الله عليه و سلم على الذين قتلوا أصحابَ بئرِ معونةَ ثلاثينَ غداةً ، على رِعْلٍ وذكوانَ وعصيةََ عصتِ اللهَ ورسولَه . قال أنسٌ : أُنزِلَ في الذين قُتلوا ببئرِ معونةَ قرآناً قرأناه ثم نُسِخ بعدُ : بلِّغُوا قومَنا أن قد لَقينا ربَّنا فرضي عنا ورضينا عنه " .
    32 ـ حدثنا عليُّ بنُ عبدِ الله ، حدثنا سفيانُ ، عن عمروٍ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول : " اصطبَحَ ناسٌ الخمرَ يومَ أُحُدٍ ، ثم قُتِلوا شهداءَ ، فقيل لسفيانَ : مِن آخرِ ذلك اليوم ؟ قال : ليس هذا فيه " .
    [/align]


    قول الإمام البخاري ( باب فضل قول الله تعالى ) ؛ إنما يعني به فضلَ من جاء فيه قولُ الله تعالى "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله" لأن الفضلَ لمن ذُكِرَ في هذه الآيةِ وليس الفضلُ لنفس الآية
    وفي بعضِ النسخ ( باب قول الله تعالى ) لا يوجد كلمةُ ( فضل ) .
    هذه الآيةُ العظيمةُ تَذْكُرُ ما أعدَّ الله تعالى للشهداءِ في سبيله ، فذَكَرَ أن لهم حياةً برزخيةً خاصةً لا تكون لغيرهم ، فأرواحُهم في أجسادٍ خاصةٍ وهي طيورٌ خضرٌ تسرحُ في الجنة حيث شاءت .

    هذه هي حياتُهم البرزخيةُ ؛ فأرواحُهم حيةٌ بأجسادٍ في جنةِ الله تعالى يُنَعَّمون ويُرزَقون ويَفرَحون بما آتاهم الله من فضلِه وينتظرون الذين لم يلحقوا بهم ، وينتظرون أن يلحَقوا بهم ، وأذهبَ اللهُ عنهم الخوفَ والحزنَ ، فهم لا يخافون على من خلفَهم ممن تركوهم من أهلٍ وعيالٍ ، ولا يحزنون ، وإنما هم في سرورٍ وبهجةٍ دائماً .

    ثم ذكر فيه حديثَ أنسِ بنِ مالكٍ الذي شرحناه قبل ذلك في قصةِ غَدْرِ هؤلاءِ الأقوامِ من رِعْلٍ وذكوانَ وعُصَيةَ ، وهي قبائلُ من بني سليم ، غدروا بالقراءِ السبعين فقتلوهم ببئرِ معونةَ فكان النبي صلى الله عليه و سلم من حزنِه عليهم يقنُت ويدعو على هؤلاءِ ويلعنُهم في صلاته أربعينَ يوماً . والتعبيرُ بثلاثينَ على سبيلِ أنها في بعضِ الرواياتِ جاءت ( شهر ) وإنما قُصِدَ جبرُ الأيامِ التي فوقَ الشهرِ وهذا جائزٌ في اللغةِ وله شواهدُ عدةٌ . ثم ذكرَ القرآنَ الذي أُنزِل فيهم وهو من منسوخِ التلاوةِ باقي الحكمِ ، وهو قِسْمٌ من أقسامِ المنسوخِ . والذي نزل ونُسِخَ هو قوله ( بَلِّغوا قومَنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ) وفي بعض الألفاظِ ( وأرضانا ) ، وهذا نُسِخَ لفظُه كما قلتُ .

    ثم ثَنّى بحديثِ جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه حيث ذكرَ أن أناساً من الصحابةِ شرِبوا الخمرَ صبيحةَ أحد وكان ذلك قبلَ تحريمِ الخمرِ فإن الخمرَ لم تُحَرَّمْ إلا بعدَ ذلك ، فهم شرِبوها وهي مباحةٌ . وقد كان بعضُ أهلِ الجاهليةِ حَرَّمَ على نفسه الخمرَ قبلَ أن يحرِّمَها اللهُ تعالى ، ومن هؤلاءِ أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه وعثمانُ رضي الله عنه لم يشربوها لا في جاهليةٍ ولا في إسلامٍ .

    وهؤلاءِ الذين شرِبوا الخمرَ يومَ أحد قُتلوا من آخرِ النهارِ شهداءَ . وقوله ( فقيل لسفيانَ : مِِْن آخرِ ذلك اليوم ) يعني : في لفظِ الحديثِ كلمةُ من آخر ذلك اليوم ؟ ( قال : ليس هذا فيه ) والصوابُ أن هذا فيه ، ولكنَّ سفيان رحمه الله وَهِمَ في ذلك ونَسي ، وإلا فقد روى هذا الحديثَ وأثبتَ فيه لفظةَ ( من آخر ذلك اليوم ) .

    والشاهدُ في الحديثِ الأولِ أن القرآنَ الذي أُنزِل ونُسِخَ فيه دليلٌ على أن الله تعالى رضي عن هؤلاء وأرضاهم ، وهذا يطابقُ الترجمةَ وهو ( فضلُ الشهداءِ في سبيلِ الله ) .

    وكذلك الحديثُ الثاني ؛ الشاهدُ فيه أن هذه الآياتِ إنما نَزَلَتْ أصلاً في شهداءِ أحد ، فالحديثُ يتكلم عن شهداءِ أحدٍ والآيةُ نزلت في هؤلاءِ الشهداءِ ، فهذا هو الرابطُ .

    وبعضُ أهلِ العلمِ ذَكَرَ أنه قد يكونُ الرابطُ أنهم مع شُرْبِهم الخمرَ في أولِ النهارِ فإن الله تعالى قد رضي عنهم وغفر لهم بجهادهم في آخر النهار . وهذا التوجيهُ لا أراه سديداً لأن الخمرَ لم تكنْ حُرِّمَتْ بعدُ ؛ فلا مؤاخذةَ عليهم وهذه هي القاعدةُ المستنبطةُ من قوله تعالى : "و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا" ومن قوله تعالى : "لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم" فإن الله تعالى لا يعذِّبُ حتى يُشَرِّعَ ويأمرَ وينهى ، وهذا لم يكن قد جاء فيه النهيُ بعدُ ، فالرابطُ ما ذكرتُه ، والله تعالى أعلم .

    جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم ، ونكتفي بهذا القدر من الدورةِ الليلةَ ، نسألُ الله تعالى أن يتقبلَ منا ومنكم صالحَ العمل ، ونفسحُ المجالَ الآن للأسئلة .

    ـ أسئلة :

    ما موقفُ المسلمِ مما يحدث الآن في العراق ، وهل هناك جهادٌ أم لا ؟ وما هو الضابطُ ؟

    الذي يحدث الآن في العراقِ لا نعرفُه بالضبطِ ؛ أقصدُ بذلك اللحظاتِ الحاليةَ وما تَمُرُّ به الأزمةُ الآن ، وأما الأصلُ وهو الحربُ القائمةُ على العراقِ فهي حربٌ صليبيةٌ تستهدفُ الإسلامَ والمسلمينَ ، وذكرنا ذلك عدةَ مرات ، ودَفْعُ هذه القواتِ الغازيةَ عن بلادِ المسلمينَ ومحاربتُهم وقتالُهم إنما هو جهادٌ في سبيلِ الله يُؤْجَرُ عليه صاحبُه بنيتِه ، فمن استطاعَ أن يجاهدَهم بنفسه ومالِه وما يمكنه فهو في سبيل الله بغضِ النظر عن حكومةِ البلادِ هل هي قائمةٌ أم غيرُ قائمةٍ وهل هي كافرةٌ أم غيرُ كافرةٍ ، وإنما العبرةُ كما قلتُ بنيةِ المجاهدِ الذي يجاهدُ للدفعِ ، لا شرطَ لجهادِ الدفعِ إطلاقاً ، فإن الجهادَ في حالِ الدفعِ لا يُنظَرُ فيه لشيءٍ غيرُ دفعِ المعتدي فقط بكل ما يملكُ المسلمُ ولو قاتَلَ وحدَه ، قال الله تعالى : "فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك" ، وسيأتي تفصيلُ ذلك في بابٍ من الأبوابِ التي سنتعرضُ لها بالدورةِ إن شاء الله تعالى .

    وأما ما يحدثُ الآن ، فأريد أن أنصحَ إخواني بنصيحة ؛

    أولاً ، أمريكا وأذنابُها عليهم لعائنُ الله المتتابعةُ إلى يومِ القيامةِ استخدمتْ إجرامَها في دفنِ الإعلامِ ، وأصبح الإعلامُ في يدِها هي ، فليس هناك أيُّ مجالٍ لكي نعرفَ الحقيقةَ الآن بعدما حصلَ منهم من قتلٍ للصحفيين وترويعٍ لهم حتى تركوا أماكنَهم ، وأصبح الآن كلُّ ما يذاعُ وكل ما يعرفُ وكل ما يقال إنما هو من مصدرٍ واحدٍ فقط ، وهو ما تريدُه أمريكا . وإلا ما الذي دعاها إلى قتل الصحفيين وترويعِهم وتهديدِهم حتى أصبحوا يستغيثونَ للرجوعِ إلى بلادِهم . هذا أمرٌ لا بدَّ أن يوضعَ في الحسبانِ .

    الأمر الثاني ؛ أن العراقَ ليست بغداد ، فبغدادُ منطقةٌ وبلدةٌ من عشراتِ المناطقِ والبلادِ داخلَ العراق ، لا نعرفُ شيئاً عن بقيةِ البلادِ .
    إذا كانت بغدادُ لا يوجدُ فيها شرطةٌ ولا مسؤولين ولا حكومةٌ ولا ولا .. فما الذي حصلَ في بقيةِ البلاد ؟ هل بقيةُ البلادِ لا يوجدُ فيها شرطةٌ الآن ولا يوجد فيها مسؤولون ولا أحدٌ من الجيش ؟ وأين ذهب صدامُ وأتباعُه ؟ وأين ذهبَ الجنودُ المدججةُ بالسلاحِ ؟ جيشٌ قوامُه سبعةُ ملايين رجل ، أين ذهبوا ؟ هل ابتلعتهم الأرضُ ؟ ثم أين هذه الأسلحةُ والعتادُ والآلافُ المؤلفةُ من الدباباتِ والمدرعاتِ والأسلحةِ الثقيلةِ ومضاداتِ الطائراتِ ؟ لا شكَّ أن الأمرَ فيه لعبةٌ كبيرةٌ .

    وعلى كل حالٍ ، سواءٌ كان هناك اتفاقياتٌ سريةٌ وغيرُ ذلك فلا يعنينا ، بل المهمُ عندنا أن هؤلاءِ الكفارِ دخلوا إلى بلادِ الإسلامِ ويجبُ على المسلمينَ أن يحاربُوهم وأن يقاتلوهم حتى يُخرجُوا آخرَ واحدٍ منهم من ديارِهم أو يُدفَنوا في أرضِ المسلمين نكالاً لغيرهم . ونسألُ الله تعالى أن يُمَكِّنَ المسلمينَ من ذلك . والذين تَرَوْنَهم على شاشاتِ التلفازِ والقنواتِ هم عصابةٌ وقلةٌ من كلابِ الروافضِ ، وهم قلةٌ قليلةٌ لا يُمَثِّلون لا الشعبَ ولا الناسَ الذين يعيشون في بغدادَ ، وإنما بغدادُ بلدةٌ كبيرةٌ جداً فيها الملايين ، وهؤلاء العشراتُ الذين ظهروا هم حثالةُ ورعاعُ الناسِ ولا يمثلون شيئاً ، وإلى الآن لم تسقطْ بغدادُ وإنما الذي صُوِّرَ جانبٌ منها فقط ولن تسقطَ بإذنِ الله لأن القتالَ مستمِرٌّ . ولكم فيما يحصُلُ في أفغانستانَ الآن أكبرُ عبرةٍ وأكبرُ مثالٍ ؛ فإن طالبانَ قد تركوا كابُلَ للأمريكان فنزلوا لحتوفِهم ، وكلُّ يومٍ يُقتَلُ منهم العشراتُ ولم تَرَ أمريكا أماناً ولم يرَ حلفاؤُها في هذه البلادِ أماناً ، بل إن هذا الذي وضعوه المسمى كرزاي لم ينعَمْ بأمنٍ لحظةً ولم يملِكِ السيطرةَ حتى على أهلِ بيتِه الذي يسكُنُ فيه ، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

    ـ السؤالُ متكررٌ ، يا أخوان ؛ الجهادُ باتفاقِ العلماءِ ولا خلافَ فيه بأن جهادَ الدفعِ لا يلزمُ فيه أيُّ شرطٍ وإنما كلٌّ يدفَعُ بقدرِه وقوتِه ما يستطيعُه ، حتى المرأة حتى العبد وحتى الشيخ الكبير وكل من يسقط عنه جهادُ الطلبِ لا يسقط عنه جهادُ الدفع طالما أنه قادرٌ أن يفعلَ ، وليس هناك شيءٌ من الشروطِ في جهادِ الدفع ، ومن أراد مرجعاً في ذلك فعليه بكتاب الجهادِ من مجموعِ الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد نص على أن جهادَ الدفعِ لا يُشتَرَطُ فيه شرطٌ ، وهذا هو قولُ جميع العلماء لا أعلمُ أحداً يشترطُ شرطاً لجهادِ الدفعِ . والذي يَشترِطُ شرطاً لجهادِ الدفع أظنه لا يعي ما يقول ، لأنه لا يمكنُ أن يُشترَطَ شرطٌ لكي أدفعَ عن نفسي من أرادَ أن يستبيحَ أرضي وديني وعرضي . هذا هُراءٌ ، فالذي يَشترطُ لذلك شرطاً إنما يهذي ، والذين قالوا : لا يقاتِلُ تحت رايةٍ كفريةٍ إنما قالوا يقاتل تحتَ رايةِ نفسه ، فالمهم أنه لا بدَّ أن يقاتِلَ ويدفَعَ . ولا تُعتبَرُ المفسدةُ والهلاكُ في مثلِ حالِ القتالِ مع الأمريكان أو غيرهم ، لأن اعتبارَ المفسدةِ والهلاكِ هنا معناه أننا سنبقى عبيداً وأذلاءَ طوال حياتِنا ، وهذا لا يقولُ به عاقلٌ ، وإنما "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" والله تعالى يقول : "و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل" فالذي نستطيعُه هو الذي نُعِدُّه والنصرُ من عند الله والله تعالى يقول "و لينصرنّ الله من ينصره" فنحن ننصرَ الله تعالى ولسنا ننتصرِ بعملنا وإنما ننتصر بالله تعالى وبإيماننا به ، وكما قال أبو الدرداءِ وذكرنا ذلك في المحاضرة السابقة ( إنما تقاتلون بأعمالكم ) فلنعملْ عملاً صالحاً ولْنُحاولْ أن نصدقَ مع الله تعالى ثم بعد ذلك ننتظرُ النصرَ من الله ، هذا هو الذي علينا . وأما المذلةُ وأما الانقيادُ وأما الخنوعُ والخضوعُ فهذا ليس من شِيَمِ المسلمِ وإنما هو دليلٌ على ضعفِ إيمانِه وعدمِ توكله على الله تعالى .

    ـ يا أخوان ، قليلٌ من الريحِ والغبارِ دمرَّتْ الجيش تدميراً لم يحلُموا به ، فكل إمكاناتِهم تعطلت بقليلٍ من الريحِ والغبارِ ، فلو أراد الله تعالى لسلَّطَ عليهم ريحاً لمدةِ أسبوعٍ أو عشرةِ أيام وتنظرون ما الذي يحصل لهذه القواتِ الهائلةِ ؛ فلا طائرةَ يمكنها أن تطيرَ ولا أجهزةَ ردارٍ تعملُ ، ولا قنابلَ ذكيةً بقي عندها شيء من الذكاء ، ونسأل الله تعالى النصرَ والتمكين .

    ـ سؤال : جهادُ الدفعِ هل يجبُ على أهلِ البلدِ فقط أم لغيرهم كذلك ؟
    جهادُ الدفعِ باتفاقِ العلماءِ يجب على أهلِ البلدِ أولاً ، فإن استطاعوا وإلا فيجب على من جاورَهم بصورةٍ دائريةٍ حولَهم حتى يستوعبَ جميعَ بلادِ المسلمين إن لم يستطِعْ أهلُ البلدِ الدفعَ أو من يليهم وهكذا
    ـ استكمالاً لسؤال الأخ يقول : فالقولُ بوجوبِ التطوعِ للجهادِ في العراقِ غيرُ صحيحٍ إذاً ؟

    هذا الكلامُ فيه تفصيلٌ : ففَتْحُ بابِ التطوعِ للجهادِ في العراقِ صحيحٌ ، فمن أرادَ أن يذهبَ فليذهب ويؤجَرُ إن شاء الله تعالى ، وإن قُتِلَ فنرجو له الشهادةَ وأجرَها إن شاء الله .
    وأما الوجوبُ فلم يظهرْ إلى الآن عجزُ أهلِ العراقِ عن دفعِ هذا العدوانِ .
    وأما استئذانُ الحاكمِ ، فإنه لا يُسْتأذَنُ في جهادِ الدفعِ وإنما يستأذن في جهادِ الطلبِ ، أو جهادِ الدفعِ إذا لم يكنْ واجباً . يعني : إذا كانت البلدُ التي وقع عليها الاعتداءُ قادرةً على الدفعِ فإن الذي تحت إمرةِ وليِّ أمرٍ من المسلمين معتبرةٍ ولايتُه فإنما يستأذنُ وليَّ الأمرِ .
    الذي يذهبُ والبلدُ ليست بحاجةٍ إليه يستأذن ولي الأمر .

    ـ السؤال حولَ من يفتحُ أرضَه لهؤلاءِ المستعمرينَ لضربِ إخوانِه المسلمين .

    فهذا كما قلتُ أولاً بين أمرين :
    إما أن يكونَ فاسقاً بهذا الفعلِ الذي يفعلُه إن كان متأولاً ، وهذا بيْنَهُ وبينَ الله تعالى .
    وإما والعياذُ بالله ، يكفُرُ ويخرجُ من الملةِ بمظاهرتِه للمشركينَ على المؤمنينَ إن كان يناصرُهم محبةً فيهم وموالاةً لهم وتفضيلاً لهم على المسلمين ، ونسأل الله السلامة .

    ـ السؤال : ما حكمُ المسلمِ الذي يقاتِلُ مع الأمريكان ضدَّ المسلمين ؟ هل حكمُه مختلفٌ عمن يُعينُهم فقط بفتحِ أرضِه ؟
    الجواب ؛ كلاهُما بنفسِ المنزلةِ ، وهما بين فاسقٍ وكافرٍ ، حسبَ اعتقادِه ونيتِه فيما يفعل .

    ـ سؤال : هناك أناسٌ يقولون إن النبيَّ صلى الله عليه و سلم لم يقاتِلِ الكفارَ في مكةَ لأن المسلمينَ كانوا ضعفاءَ ، فلذلك ذهبوا إلى المدينة ، وبقي في المدينةِ حتى أصبحَ قوياً ثم بعدَ ذلك قاتلَ الكفارَ ، فنحن كذلك لا نقاتلُ الكفارَ حتى نكونَ أقوياءَ ؟

    والجواب على ذلك ؛ أولاً ، النبي صلى الله عليه و سلم لم يقاتِلِ الكفارَ في مكةَ لأن الله تعالى لم يَشْرَعْ له القتالَ ، ولو كان الله تعالى شرع له القتالَ وجبَ عليه أن يقاتِلَ ولَقاتَلَ الصحابةُ رضي الله عنهم بغضِّ النظر عن الضعفِ وعدَمِه . ولكن الحكمةَ في عدمِ تشريعِ القتالِ في مكةَ متعلقةٌ بأمورٍ عدةٍٍ منها هذا الذي ذُكِرَ وهو الضعفُ ، ولكن بعدَ أن هاجرَ النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة أصبحَ القتالُ واجباً وأذِنَ الله تعالى به ، ولم يربُطْ ذلك بقضية الضعفِ ، بل إن النبيَّ صلى الله عليه و سلم قاتَلَ بفئةٍ قليلةٍ فئةً كثيرةً بعتادِها وعدَّتِها كما فعل ببدرٍ ، فلو نَظَرَ إلى الضعفِ لما جازَ له أن يقاتِلَ ، ولكنه قاتَلَ على الرغم من الضعفِ الظاهرِ الذي كان للمسلمين بالنسبةِ لأعدائِهم من الكافرين .
    وأيضاً ، استمرَّ النبيُّ صلى الله عليه و سلم على ذلك . فكونُ العربِ يقاتِلون الرومَ ويقاتلون الفرسَ كان هذا من عجائبِ الدنيا ، وقد تعجَّبَ جداً الفرسُ والرومُ كيف تجرأَ هؤلاء على أن يُفَكِّروا بمثلِ ذلك ، ولكن نصرهم الله تعالى بنصرٍ من عنده وتأييدٍ من تأييده ، وليس ذلك بعتادٍ وعُدَّةٍ وإنما بالإيمانِ والتوكلِ على الله ، والله تعالى أعلم .

    ـ سؤال : ما رأيُكم في مسألةِ أنه علينا أولاً العملُ على تصحيحِ العقيدةِ قبلَ الجهادِ ، فالمجتمعاتُ التي ينتشرُ فيها عبادةُ القبورِ وغيرُها من الشركياتِ يجبُ على الدعاةِ أن يُطَهّروها من تلكَ الأفكارِ أولاً . والسؤالُ الثاني ، هل يُشترَطُ على من يخرُج في جهادِ الدفعِ تحصيلُ علومِ الفريضةِ أولاً من صلاةٍ وزكاةٍ وتوحيدٍ وصومٍ ونحوِ ذلك ؟

    الجواب : سيأتي هذا الكلامُ أثناءَ الدورةِ ولكن لا بأسَ أن نتعرضَ له على عَجَلٍ ، لأن هذا السؤالَ طويلٌ في الحقيقة .
    أولاً ، بالنسبةِ لتصحيحِ العقيدةِ قبلَ الجهادِ ، لا شكَّ أننا نحرِصُ على ذلك ، وهذا يتعينُ في جهادِ الطلبِ ، وأما في جهادِ الدفعِ فالمطلوبُ دفعُ العدوِّ مباشرةً ولا يوجَدُ وقتٌ لتعليمِ العقيدةِ ومحاربةِ البدعِ ومثلِ هذه الأمور ، لأن الدينَ فيه أولوياتٌ ؛ فلا يتيسَرُ الوقتُ لدفعِ المعتدي وفي نفسِ الوقتِ النظرُ في أحوالِ الناسِ وما يقعون فيه من بدعٍ ومخالفاتٍ شرعيةٍ ، ولكن كلما تيَسَّرَ للشخصِ المدافعِ أن يُعَلِّمَ أحداً وجبَ عليه ذلك ، وأما أن يُوقَفَ جهادُ الدفعِ حتى يَعلَمَ الناسُ الشركياتِ التي يجب أن يجتنبونها ، فهذا من الهُراءِ الذي لا يقولُ به عاقلٌ ، كيف تريدُ أن تُعَلِّمَ شخصاً المخالفاتِ الشرعيةَ التي يقعُ فيها وكيف يعالجُها ، ورجلٌ كافرٌ متوجهٌ إليه يريدُ أن يقتلَه ويستبيح َعِرضِهِ . فهذا لا يقولُه عاقلٌ .
    وأما اشتراطُ تعلمِ علومِ الفريضةِ أولاً على من يخرجُ في جهادِ الدفعِ ، فهذا كذلك ليس بصحيح ، وإنما يكفيه أن يتعلمَ ما يتيسرُ له مما لا يتعارضُ مع جهادِ الدفعِ ، وكما ذكرنا في حديث الرجلِ الذي عمِل قليلاً وأُجِرَ كثيراً ، فقد جاء الرجلُ إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسلمَ ثم قاتَلَ مباشرةً ولم يتعلمْ حتى كيف يصلي ولم يتعلمْ شيئاً من أمورِ الدينِ ، وإنما قاتَلَ مباشرةً بمجردِ دخولِه في الإسلامِ لأنه في الصفِّ مع المسلمينَ ، وكذلك الذي يشهَدُ الشهادتينِ بمجردِ شهادتِه فهو يقاتِلُ في جهادِ الدفعِ ، ولو قاتَلَ وهو كافرٌ فحسابُه على الله تعالى في كفرِه ونحن نسعَدُ بقتالِه ودفعِه مع المسلمين إذا احتاجوا لذلك ، كما ذكرنا في حديثنا عن الاستعانةِ بالمشركين في المحاضرةِ السابقة ، والله تعالى أعلم .
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

  12. #12
    عابر غريب زائر

    السلام عليكم أبو البراء



    أريـــــــد رأيــك بهذا الحديث الصحيح :

    # # عن أبي الدرداء رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه
    وسلم : #
    ألا أنبئكم بخير ((((( أعمالكم ))))) ، وأزكاها عند مليكـكم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة , وخير لكم أن تلقوا ((( عدوكم ))) فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بـلى ، قال : ذكر الله تعالى # رواه الترمذي ، قال الحاكم أبو عبد الله : إسناده صحيح .


    اللهم أغنني بالعلم ، وزيني بالحلم ، وأكرمني بالتقوى ، وجملنـي بالعافية .




  13. #13
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    جزى الله كل من شارك خير الجزاء .

    أخي عابر غريب وفقني الله و اياك

    هذا الحديث مما استشكل على بعض أهل العلم و لكنه لا إشكال فيه بإذن الله تعالى لأن المجاهد في سبيل الله قائم بذكر الله لا ينقطع عنه
    و قد قال شيخنا طرهوني حفظه الله " وإنما المرادُ بيانُ فضيلةِ الذكرِ وأن الأصلَ هو ذكرُ الله تعالى . كما أن الجهادَ ما شُرِعَ إلا لإعلاءِ كلمةِ الله عزوجل وإقامةِ ذكرِه ، فلا تعارضَ إن شاء الله تعالى "

  14. #14
    عابر غريب زائر

    Re: 15 محاضرة في فقه الجهاد "شرح كتاب الجهاد من صحيح البخاري" لشيخنا محمد بن رزق طرهوني

    [align=center]- قد أجبنا على سؤالك و لا داعي للتكرار - [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو البراء ; 01-07-06 الساعة 12:20 AM

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    31-08-2002
    المشاركات
    2,587
    [align=center]المحاضرة الخامسة
    ( كرامةُ الشهيدِ وطلبُ الولدِ للجهادِ والشجاعةُ والتحديثُ بمشاهدِ الحرب ) [/align]


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ،
    فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

    أخبرني أبو عبد الله التويجري عن العنقري عن ابن عتيق عن حسين الأنصاري عن محمد الحازمي عن محمد عابد السندي عن صالح الفلاني عن ابن سنة عن أحمد العجل عن ابن مكرم الطبري عن جده محب الدين الطبري عن البرهان الدمشقي عن عبد الرحمن عن ابن شاذبخت الفارسي عن ابن شاهان الختلاني عن الفربري عن البخاري رحمه الله قال :


    [align=center]باب ظلُّ الملائكةِ على الشهيدِ .
    33 ـ حدثنا صدقةُ بنُ الفضلِ قال : أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ قال : سمعتُ محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ أنه سمعَ جابراً يقول : جيءَ بأبي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد مُثِّلَ به ووُضِع بين يديه ، فذهبْتُ أكشِفُ عن وجهِهِ ، فنهاني قومي ، فسمعَ صوتَ نائحةٍ ، فقيل : ابنةُ عمرو ـ أو أختُ عمرو ـ فقال : " لمَ تبكي ، أو لا تبكي ، ما زالت الملائكةُ تُظِلُّهُ بأجنِحَتِها " . قلت لصدقة : أفيه : حتى رُفِعَ ؟ قال : ربما قاله[/align]


    يقول الإمام البخاري رحمه الله : ( باب ظل الملائكة على الشهيد ) .
    هذا البابُ استكمالٌ لفضائلِ الشهيدِ ، وقد سبقَ في الباب الماضي ما ذَكَرَ اللهُ تعالى مما أعدَّهُ للشهداءِ ، فمن ذلك أن الشهيدَ في الوقتِ الذي يُسْتَشْهَدُ فيه وهو ما زالَ في أوَّلِ لحظاتِ الآخرةِ تَنْزِلُ الملائكةُ وتُظِلُّهُ بأجنحتِها . وقد ذكرنا أن زوجتينِ من الحورِ العينِ تبتدرانه في نفسِ اللحظةِ التي يُستشهدُ فيها .

    فهذا الحديثُ الذي ذكره الإمامُ البخاريُّ فيه هذا الفضلُ وهو ( إظلال الملائكة على الشهيد ) وهذا الإظلالُ لا شكَّ أنه من باب الفضلِ ومن باب التكريمِ والبشارةِ الطيبةِ التي يُبَشَّرُ بها أولَّ ما يُقبَضُ .

    وفيه يقولُ عن جابرٍ رضي الله عنه ( جيء بأبي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد مُثلَ به ) يعني بأبيه : عبدَ الله بنَ عمروٍ بنِ حرام ومعلومٌ أنه استُشْهِدَ في غزوةِ أحد ، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد مُثّلَ به ، وقد ذكرنا هذا في الحديث المتعلقِ به قبلَ ذلك ، ( والمُثْلَةُ ) ، قلنا إنها : ما يفعلُه القاتلُ في القتيلِ من تشويهٍ كقطعِ أنفٍ ونحوِ ذلك ، فوُضِعَ بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم ، فذهب جابرٌ يكشفُ عن وجهِ أبيه فنهاه قومُه ، ولعلَّ ذلك إرفاقاً به حتى لا يَرى هذه المثلةَ التي مُثل بها وجهُه . فسمعَ النبيُّ صلى الله عليه و سلم صوتَ نائحةٍ ، يعني : امرأةً تصيحُ . ( فقيل هي ابنة عمرو أو أختُ عمرو ) يعني : شكَّ الراوي هل هي ابنةُ عمرو أو أختُ عمرو . ( فقال : لم تبكي أو لا تبكي ) أيضاً شكَّ هل قال النبي صلى الله عليه و سلم لمَ تبكي أو قال لا تبكي ، ( ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها ) أي : لا داعي للبكاءِ لأن هناك سلوى تجعلُ المسلمَ كما قلنا يَتَصَبَّرُ ويتحمّلُ ، لأنه عندما يعلمُ الفضلَ العظيمَ الذي نالَهُ هذا الشهيدُ ، أو هذه الدرجةَ العاليةَ التي كتبها الله تعالى له يذهبُ ما في نفسِه من الحُزْنِ والأسى لفراقِه لأنَّ ما هو فيهِ خيرٌ مما كان فيه . ( قلتُ لصدقة : أفيه : حتى رفع ؟ ) يعني : الإمامُ البخاريُّ سأل صدقةَ بنَ الفضلِ : هل في الحديثِ لفظةُ حتى رفع ، قال : ربما قاله . يعني : شكَّ في هذه الروايةِ هل قال حتى رُفِعَ أم لا ، وهي ثابتٌة أيضاً في طُرُقٍ أخرى لهذا الحديثِ ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري : باب تمني المجاهِدِ أن يرجعَ إلى الدنيا .
    34 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّار ، حدثنا غُنْدَرٌ ، حدثنا شعبةُ قال : سمعت قتادةَ قال : سمعت أنسَ بنَ مالكٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ يُحِبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا وله ما على الأرضِ من شيءٍ ، إلا الشهيدُ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتلَ عشرَ مراتٍ ، لما يَرى من الكرامةِ ".[/align]


    هذا الحديثُ أيضاً في فضلِ الشهيدِ ، وبعضُ أهلِ العلمِ يَعتَبِرُ أن هذا أجَلُّ حديثٍ جاءَ في فضلِ الشهادةِ ، لأن مضمونَ الحديثِ يُفيدُ أنه ما من أحدٍ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا ممن يدخلِ الجنةَ إلا الشهيد . لماذا ؟ لأنه يرى من كرامةِ الله تعالى أمراً عظيماً جداً فيتمنى أن يموتَ مراتٍ ومراتٍ في سبيلِ الله لعل هذا الفضلُ العظيمُ والخيرُ الجزيلُ يتضاعفُ له ، وإلا فكلُّ شخصٍ يدخلُ الجنةَ يزهدُ في هذه الدنيا وما يرغبُ أن يعودَ فيها ولو أُعْطِيَتْ له بحذافيرِها .
    فيقولُ البخاريُّ رحمه الله ( باب تمني المجاهدِ أن يرجعَ إلى الدنيا ) يعني بالمجاهدِ : الشهيدَ لأن الحديثَ في الشهيدِ .
    يقول أنسٌ عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ( ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ يحب أن يرجعَ إلى الدنيا وله ما على الأرضِ من شيءٍ إلا الشهيدَ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتَلُ عشرَ مراتٍ ، لما يرى من الكرامةِ ) ، وقد ذكرنا قبلَ ذلك أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم وهو مَنْ هو تَمَنّى أن يُقتَلَ في سبيلِ الله ثم يُحيا ثم يُقتل ثم يُحيا ثم يُقتل وقد حدثَ هذا مع عبدِ الله والدِ جابرٍ فإن الله تعالى كلَّمَه كِفاحاً يعني : بدون واسطة ، وقال له ( يا عبدَ الله تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ ، فقال : يا ربِّ تُحْيِيني فأقتلُ فيك ثانيةً ، فقال : إنه قد سَبَقَ مني أنهم إليها لا يُرجَعون ) فهذا فضلٌ عظيمٌ للشهيدِ ومنزلةٍ عاليةٍ ، نسألُ اللهَ عزوجل أن يجعلَنا جميعاً من الشهداءِ في سبيلِه ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاريُّ رحمه الله :
    باب الجنةِ تحتَ بارقَةِ السُّيوفِ .
    وقال المغيرةُ بنُ شعبةَ : أخبرنا نبيُّنا صلى الله عليه و سلم عن رسالَةِ ربِّنا : " مَنْ قُتِلَ منا صارَ إلى الجنةِ " . وقال عمرُ للنبيِّ صلى الله عليه و سلم : أليسَ قتْلانا في الجنةِ وقتلاهُم في النارِ ؟ قال : بلى .
    35 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ محمد ، حدثنا معاويةُ بنُ عمروٍ ، حدثنا أبو إسحاقَ ، عن موسى بنِ عقبةَ ، عن سالمٍ أبي النضرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله ـ وكان كاتبَه ـ قال : كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه و سلم قال : " واعلموا أن الجنةَ تحتَ ظلالِ السُّيوفِ " .
    تابعه الأُوَيْسيُّ عن ابنِ أبي الزنادِ عن موسى بنِ عُقبةَ .[/align]


    هذا الحديثُ في فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله ، وهو متضَمِّنٌ أيضاً لفضلِ الشهادةِ ، لأن وجودَ المجاهدِ تحتَ بارقةِ السيفِ أو تحتَ ظلِّ السيفِ يترتَّبُ عليه كثيراً أن يُقتَل في سبيلِ الله .
    ولأجلِ هذا بعدما ذَكَرَ الإمامُ البخاريُّ رحمه الله عنوانَ البابِ عَلَّقَ روايتينِ وصلَهُما في غيرِ هذا الموضِعِ من نفسِ الصحيحِ ، فذكرَ قولَ المغيرةِ ( أخبرنا نبيُّنا صلى الله عليه و سلم عن رسالةِ ربِّنا : " من قُتِلَ منا صارَ إلى الجنة " ) وذكر قولَ عمرَ ( أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النار ؟ ) سألَ النبيَّ عليه الصلاة و السلام ذلك ، فقال له : بلى . فذكَرَ القتلَ هنا والعنوانُ ليس فيه القتلُ ، ولكن كما قلتُ : العنوانُ يتضمنُ حصولَ القتلِ .
    ومن بلاغَةِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم أنه قال ( الجنةُ تحتَ ظلالِ السيوف ) ولا يكون الشخصُ مظلَّلاً بالسيوفِ إلا إذا غَمَسَ نفسَه في ساحةِ القتالِ وأصبحتِ السيوفُ من كثرَتِها فوقَ رأسِه كأنها تُظِلُّه . وهذا حثٌ على بذلِ النفسِ في سبيلِ الله ، والحرصِ على الشهادةِ ، والشجاعةِ وعدمِ الجُبْنِ .
    وقولُه ( الجنة تحت بارقة السيوف ) في عنوانِ البابِ ، يشيرُ إلى حديثٍ جاء بنحوِ هذا اللفظِ
    ( وبارقةُ السيوف ) أي : لَمَعانُها ، من البريق .
    وقولُه ( من قتل منا صار إلى الجنة ) وقول النبي صلى الله عليه و سلم لعمرَ ( بلى ) لما سأله ( أليس قتلانا في الجنة ) أخذ منه أهلُ العلم أنه يُطلَق على قتلى المسلمينَ بصفةٍ عامةٍ أنهم في الجنة ، وهذه بشارةٌ طيبةٌ ، ولكن يُحذَرُ من وصفِ شخصٍ بعينه أنه في الجنةِ لأنه ليس من منهجِ أهلِ السنةِ والجماعةِ أن يُقطَعَ لمعيَّنٍ بالجنةِ ولكن يُرجى له ، فيُرجى لكل من قُتِلَ في معركةٍ للمسلمينَ أن يكونَ من أهلِ الجنة ولكن لا يُجزَمُ له بذلك وإنما يُحكَم على وجهِ العموم أن قتلى المسلمينَ في الجنةِ بإذن الله تعالى .
    ثم ذكر هذا الحديثَ الذي فيه أن عبدَ الله بنَ أبي أوفى كتبَ إلى عمرَ بنِ عُبيد الله حديثاً طويلاً ذكر منه البخاريُّ هذا الجزءَ مقتصراً عليه وسوف يأتي بطولِه إن شاء اللهُ تعالى ونتكلمُ عليه في موضعه . وفيه ( واعلموا أن الجنة تحت ظلالِ السيوف ) ، وفيه حثُّ النبيِّ صلى الله عليه و سلم للمسلمينَ على الجهادِ في سبيلِ الله .
    يقول هنا ( تابعه الأويسي) ، الأويسيُّ : من مشايخِ الإمامِ البخاريِّ ، ويعني بذلك متابعةَ عبدِ الله بن محمدٍ عن معاويةَ بنِ عمروٍ ، وذكر أنه تابعه عن ابنِ أبي الزنادِ عن موسى بنِ عقبةَ ، فالتقى الإسنادُ في موسى بنِ عقبةَ الذي رواه عن سالمٍ أبي النضر . وسالمٌ أبو النضرِ كان مولىً لعمرَ بنِ عبيدِ الله وكان يكتب له فَوَصَلَهُ هذا الكتابُ فلعله كان هو الذي قرأه لمولاهُ أو مولاه حدثَه به . فإذا كان قرأه في الكتاب فهذا يُسميه أهلُ العلمِ ( الوِجادَةَ ) ، والوجادةُ معتبرةٌ على الأرجحِ في الروايةِ وفي تَحَمُّلِ الحديثِ ، والله تعالى أعلم .



    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب من طلبَ الولدَ للجهادِ .
    36 ـ وقال الليثُ : حدثني جعفرُ بنُ ربيعةَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ هُرْمُز قال : سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه و سلم قال : " قال سليمانُ بنُ داودَ عليهما السلام : لأطوفَنَّ الليلةََ على مائةِ امرأةٍ ـ أو تسعٍ وتسعينَ ـ كلُّهنَّ يأتي بفارسٍ يجاهدُ في سبيلِ الله . فقال له صاحبُه : قل إن شاء اللهُ ، فلم يقلْ إن شاء الله ، فلم تحمِلْ منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بِشِقِّ رَجُلٍ . والذي نفسُ محمدٍ بيده لو قال إن شاء اللهُ لجاهدوا في سبيلِ الله فرساناً أجمعون " .[/align]


    هذا الحديثُ دليلٌ على عِظَمِ فضلِ الجهادِ أيضاً ، فإنه يَحُثُّ على أن تكونَ النيةُ للمسلمِ الحقِّ أن يطلبَ الولدَ لكي يكونَ مجاهداً في سبيل الله ، فيكون بذلك قد قَدَّمَ ولدَه في أفضلِ ما يُحِبُّ اللهَ تعالى ، ولنا في نبي الله سليمانَ أسوةٌ في هذا الأمرِ . والنبي صلى الله عليه و سلم عندما ذكر ذلك إنما ذكره في معرِضِ المدحِ ومعرضِ الثناءِ ، وكما قلنا في شرعِ من كان قبلَنا : الصوابُ أن شرعَ من كان قبلَنا يُعتبَرُ شرعاً لنا طالما أنه لم يخالِفْ شرعَنا ولم يأتِ ما ينسَخُه من كتابِ ربِّنا وسنةِ نبينا صلى الله عليه و سلم ، فإذا ثبتَ أنه كان شرعاً لمن كان قبلَنا وسيقَ مساقَ المدحِ ولم يخالِفْ ما وردَ لنا فإنه يُعتبَر شرعاً لنا ، والله تعالى أعلم .
    وذكر هنا حديثاً وهو أيضاً من المعلَّقاتِ ، وفيه ( وقال الليثُ ) ، وقد وصلَ هذا الحديثَ الإمام أبو نُعيمٍ في مستخرَجِه على الصحيح ، والحديثُ ثابتٌ والحمد لله .
    يقول فيه النبيُّ عليه الصلاة و السلام : إن سليمانَ بنَ داودَ عليهما السلام قال ذاتَ ليلةٍ : لأطوفَنَّ الليلةَ على مائةِ امرأةٍ ، وكان عليه السلامُ له من الأزواجِ والجواري ما يبلُغ هذا العددَ ، وقيل : كان له ألفُ امرأةٍ ، ولكن الذي ثبت هنا أنه لديه مائةُ امرأةٍ ، فاللهُ أعلمُ هل تثبتُ البقيةُ أم لا تثبتُ ، فلم يأتِ نصٌّ صحيحٌ يُدَلِّلُ على ذلك ( أو تسعٍ وتسعين ) هكذا شكَّ الراوي ، هل قال : ( مائةِ امرأةٍ ) أم قال : ( تسعٍ وتسعين ) . ثم قال ( كلُّهن تأتي بفارسٍ يجاهدُ في سبيلِ الله ) لا شكَّ أن هذه أمنيةً منه عليه السلام ، فليس شرطاً أنه إذا أتى أهلُه أن يَكتُبَ اللهُ حملاً في هذه الليلةِ ثم يكونُ هذا الحملُ مجاهداً في سبيل الله ، ولكنه كما قلنا إنَّ من عبادِ الله من لو أقسمَ على الله لأبَرَّهُ ، فلعله أرادَ بهذه النيةِ الصالحةِ أن يتقبلَ الله عزوجل ذلك ويُحَقِّقَ له هذه الأمنيةَ العظيمةَ أن يُقَدِّمَ من ولدِهِ مائةَ فارسٍ يقاتلُ في سبيل الله . ( فقال له صاحبُه ) أي : الملكُ الذي يكونُ معه ، فكلُّ نبيٍّ له صاحبٌ من الملائكةِ يأتيهِ بالوحي ( قل إن شاء الله فلم يقلْ إن شاء الله ) ، يقول أهلُ العلم : لم يقلْ نسياناً كما جاء في بعضِ الرواياتِ ، وقد يكونُ عليه السلامُ لم يقل إن شاء اللهُ لأنه إنما أرادَ شيئاً تعبدياً محضاً ؛ أن يكونَ هؤلاء الأولادُ كلهم يجاهدون في سبيل الله ، فلم يعلقْ ذلك بالمشيئةِ لهذه الحيْثِيَّة ، ولكن أراد الله تعالى أن يُعَلِّمَه درساً كما علم نبيَّنا صلى الله عليه و سلم ؛ فإن النبيَّ عليه الصلاة و السلام عندما جاءه اليهودُ وسألوه عن أصحابِ الكهف وبقية الأسئلة لم يقل : إن شاء الله ، وقال : " أخبركم غداً " ، فنزل قولُ الله تعالى : "و لا تقولنّ لشاىء إنّي فاعل ذلك غدا، إلاّ أن يشاء الله و اذكر رّبّك إذا نسيت و قل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا" ، فلم تحمِلْ امرأةٌ من هؤلاءِ النسوةِ إلا امرأةٌ واحدةٌ منهن كلِّهن ( جاءت بشق رجل ) حملَت وجاءت بطفلٍ مُشَوَّهٍ غيرِ كامل ، وجاء في بعضِ الآثار التي رُويَتْ في هذه المسألةِ أن هذا الشقَّ عاش وكان يجلسُ عند سليمانَ عليه السلام وكان يحبه . ثم يقول النبي صلى الله عليه و سلم : ( والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون ) وهذا من الوحيِ الذي أوحاه الله عزوجل لنبينا صلى الله عليه و سلم ، فإنه لا أحدَ يستطيعُ أن يعرفَ ذلك إلا بوحي .
    وفي ذلك أن الله تعالى يؤتي أنبياءَه ما أحبُّوا وما تمنَّوا كرامةً منهم عليه ؛ فإن حملَ مائةِ امرأةٍ في ليلةٍ واحدةٍ كلهن يحمِلْنَ بذكورٍ وكلُّ هؤلاء الذكورِ يكونون من المجاهدينِ في سبيل الله هو أمرٌ خارقٌ للعادةِ ، ولكن الله يفعل ما يشاء .
    بقيت نقطةٌ تتعلق بهذا الحديث ؛ البعضُ فَسَّرَ قولَ الله تعالى : "و لقد فتنّا سليمان و ألقينا على كرسيّه جسدا ثمّ أناب" بهذا الحديث ، وهذا التفسيرُ مرجوحٌ عند جمهورِ أهلِ العلم وإنما الآيةُ متعلقةٌ بقِصَّةٍ من الإسرائيليات التي تلقاها علماءُ السلفِ بالقبولِ وفَسَّروا بها كتابَ الله تعالى . وهذا ضابطٌ لقبولِ روايةِ الإسرائيليات ؛ إذا قبلَها السلفُ فمعناها أنها مما يجوزُ أن يُحدَّثَ به وأن يفسَّرَ به كتابُ الله تعالى .
    والقصةُ في مضمونِها أن شيطاناً أخذَ الخاتَمَ الذي كان يلبسُه سليمانُ عليه السلام والذي يتحكمُ به بالإنسِ والجنِ والطيرِ ، فعندما أخذ هذا الخاتمَ سُلِبَ من سليمانَ عليه السلامُ ملكُه ، وجلس هذا الشيطانُ متمثلاً في صورةِ سليمان على كرسِيِّهِ ، ثم ردَّ اللهُ تعالى على سليمانَ الخاتَمَ وعاد له ملكُه وهربَ هذا الشيطانُ وعاقبه سليمان . وتفاصيلُ القصةِ فيها مقالٌ لأنها لا تثبُت إلا بمجموعِ طُرُقِها وكما قلتُ هذا التفسيرِ هو الذي رجَّحَهُ علماءُ المفسرين من الكبارِ كالإمام الطبري ونحوه ، وعليه فسلفُ الأمة لم يفسروا الآيةَ إلا بهذه الروايةِ ولم يفسروها بهذا الحديث ، والله تعالى أعلم .


    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب الشجاعة في الحرب والجبن .
    37 ـ حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملك بنِ واقدٍ ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " كان النبيُّ صلى الله عليه و سلم أحسنَ الناسِ وأشجعَ الناس وأجودَ الناس . ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة ، فكان النبي صلى الله عليه و سلم سَبَقَهم على فرسٍ وقال : وجدناه بحراً " .
    38 ـ حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيبٌ ، عن الزهري قال : أخبرني عمرُ بنُ محمدِ بنِ جبير بن مُطعِم أن محمدَ بنَ جُبير قال : أخبرني جُبيرُ بنُ مطعمٍ أنه بينما هو يسيرُ مع رسولِ الله صلى الله عليه و سلم ومعه الناس مَقفَلُهُ من حُنَين ، فَعَلِقَتِ الناسُ يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ فخطفت رداءَه ، فوقف النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " أعطوني ردائي ، لو كان لي عددُ هذه العِضاهِ نَعَماً لقسمتُه بينَكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً " [/align]


    حديث الباب الأول ، وهو عن أنسٍ رضي الله عنه فيه وصفُه للنبي صلى الله عليه و سلم بأنه كان أحسنَ الناس وأشجعَ الناس وأجودَ الناس ، ولا شكَّ أن النبي صلى الله عليه و سلم اجتمعتْ فيه صفاتُ الحُسْنِ والكمالِ البشري كله ، ومن ذلك الشجاعة والبابُ يتكلمُ عن الشجاعةِ والجبنِ في الحربِ ، والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : " المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ " ، ولا شكَّ أن الجبنَ من أنواعِ الضعفِ والخَوَرِ . فالمؤمنُ القوي يكون شُجاعاً مِقْداماً لأنه متوكِّلٌ على الله تعالى ومعتمِدٌ عليه في كلِّ أموره ، ويعلمُ أن ما أصابَه لم يكن ليخطِئَه ، وما أخطأه لم يكون ليصيبَه . فالنبي صلى الله عليه و سلم كان أشجعَ الناس ، ومن الأمثلةِ التي حَدَثَتْ وتدلُّ على شجاعتِه التامة عليه الصلاة والسلام ؛ أن أهلَ المدينةِ سمعوا هَيْعَةً أو فزعةً في ليلةٍ من الليالي فقَبْلَ أن ينتبِهَ الناسُ ويبدأوا في الاستعدادِ والخروجِ كان النبي صلى الله عليه و سلم قد ذهب ونظر الأمرَ ورجعَ لهم وطَمْأَنَهُم ، وسوف يأتي هذا الحديثُ مرةً أخرى بطوله . فلما سمع النبي صلى الله عليه و سلم ذلك وَجَدَ فرساً عُرياً ـ لا سرجَ عليه ـ فركبه من دون سَرْجٍ وذهب فنظر فوجدَ أنه لا خوفَ على أحدٍ ، فرجع وطمأنهم ثم قال ( إن وجدناه لبحراً ) يعني بذلك : أن الفرسَ فرسٌ قويٌّ سريعُ الجرْيِ ، وبذلك يوصَفُ الفرسُ الذي يكون واسعَ الخطوة بأنه بَحْرٌ .
    ثم ذكر حديثَ جُبيرِ بنِ مُطعم وفيه أنه كان يسيرُ مع النبي صلى الله عليه و سلم وكان الناسُ معه عندما قَفَلَ من حنين ، يعني : رجع من غزوةِ حنين ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم قد مَنَّ الله عليه بالغنائِمِ ، فعلِقَ به الناس يسألونه يريدون منه أن يعطيَهم ، حتى من كثرتِهم عليه اضطروه إلى سمرة ، يعني : ضاق عليه الطريقُ حتى وصلَ إلى سمرة ، ( والسمرة ) واحدة السَّمُر وهو الشجرُ ذو الشوك ـ نوعٌ من الشجرِ له شوكٌ يكون بالبوادي ـ فلما اضطروه إلى هذه السمرة خطفت رداءه ، أي : علِقَ رداءَه صلى الله عليه و سلم بأشواكِ هذه الشجرة ، فوقف النبي صلى الله عليه و سلم وقال : ( أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العِضاه ) والعِضاه : جمع عَضاه ، وهي الأشجارُ ذاتُ الشوكِ التي تكون في الصحراءِ ، فيقول : لو كان عندي عددُ هذا الشجرِ الكثيرِ الذي يملأ البرية ( نعماً ) أي : إبلاً ونياقاً عظيمةً وجميلة ( لقسمتُه بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً ) . ولا شكَّ أن هذه الصفاتِ مُنَزَّهٌ عنها صلى الله عليه و سلم ، والشاهدُ فيها قولُه ( ولا جباناً ) ، لأن الجبنَ صفةٌ رديئةٌ مذمومةٌ يَتَنَزَّهُ عنها النبيُّ صلى الله عليه و سلم وخيارُ المؤمنين .
    وفي ذلك الحثُّ للمؤمنين أن يكونوا في جهادهم وقتالِهم شجعاناً لا يخشَوْنَ في الله لومةَ لائمٍ ، ولا يُرْهِبُهُم عدوُّهم ، وإنما يقدمون كأنما يريدون الموتَ ، فإن من طلبَ الموتَ وُهِبَتْ له الحياةُ .
    والنبيُّ صلى الله عليه و سلم مثالٌ للقائدِ الذي يتقدمُ الصفوفَ لا يكونُ في المؤخِّرةِ يحمي نفسَه بغيره ، وإنما يتقدمُ على جنودِه . وهذا درسٌ للمؤمنين جميعاً ولقوادِهم على وجهِ الخصوص ؛ أن يكونوا هم المثالَ الذي يُحْتَذَى في الشجاعةِ و أن يكونوا المثالَ الذي يُحتَذى في بذلِ النفسِ في سبيلِ الله تعالى . وكان عليٌّ رضي الله عنه يقول : ( إن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا حَمِيَ الوطيسُ كان الناسُ يتقونَ به وإن الشُّجاعَ الذي يُحاذي به عليه الصلاة والسلام ) .

    [align=center]قال البخاري رحمه الله :
    باب ما يُتَعَوَّذُ من الجُبن .
    39 ـ حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ ، حدثنا أبو عوانةَ ، حدثنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ ، سمعتُ عمروَ بنَ ميمونَ الأَوْدِي قال : " كان سعدٌ يُعّلِّمُ بَنِيهِ هؤلاءِ الكلماتِ كما يُعَلِّمُ المعلمُ الغِلمانَ الكتابةَ ويقولُ : إن رسولَ الله صلى الله عليه و سلم كان يتَعَوَّذُ منهنَّ دُبُرَ الصلاةِ : اللهم إني أعوذُ بك من الجبنِ ، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ ، وأعوذ بك من فتنةِ الدنيا ، وأعوذ بك من عذابِ القبر ، فحدَّثْتُ به مُصعباً فصدَّقَه " .
    40 ـ حدثنا مسددٌ ، حدثنا معتَمِرٌ قال : سمعتُ أبي قال : سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ رضي الله عنه قال : كان النبيُّ صلى الله عليه و سلم يقول : اللهم إني أعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَلِ ، والجُبنِ والهَرَمِ ، وأعوذ بك من فتنةِ المحيا والمماتِ ، وأعوذ بك من عذابِ القبرِ " . [/align]


    هذا البابُ مناسبٌ للبابِ السابقِ ، لأن البابَ السابقَ يتكلمُ عن الشجاعةِ والجبنِ ، وبَيَّنَ فيه أن المؤمنَ الذي ينبغي له أن يكونَ شُجاعاً ، وأن الشجاعةَ صفةُ من صفاتِ المؤمنينَ ، والنبيُّ صلى الله عليه و سلم هو أسوتُهم في ذلك . فكان هذا البابُ تكميلاً للبابِ السابقِ ، لأنه قد يُبتَلى الشخصُ بشيءٍ من الجبنِ فيُعتَبَرُ ذلك من المرضِ أو من المصيبةِ أو من البلاءِ الذي عليه أن يعالِجَه ، فكيف تكون طريقةُ العلاجِ ؟
    هذا البابُ يصفُ ذلك، وهو اللجوءُ إلى الله تعالى الذي قَسَّمَ الأخلاقَ كما يُقسِّمُ الأرزاقَ ، فكان التعوذُ من هذا الداءِ هو الطريقُ للتخلصِ منه . ثم ذكر فيه أن سعدَ بنَ أبي وقاص رضي الله عنه حسبَ ما ذَكَرَ ذلك عنه عمروُ بنُ ميمونٍ الأوديُّ رحمه الله ، أن سعداً كان يُعلِمُ بنيهِ هذه الكلماتِ ويحرصُ على تعليمهم إياها . وهذا أيضاً يجعلُنا نحرصُ على ذلك تأَسِّياً بهذا الصحابيِّ الجليلِ خالِ النبي صلى الله عليه و سلم مستجابِ الدعوةِ ، فكان يعلم بنيه هذه الكلماتِ كما يعلم المعلمُ الصبيانَ في الكُتّابِ ، يعني : يكرِّرُ ذلك عليهم تكريراً كثيراً حتى يحفَظوا ذلك منه ويحرِصوا على ذكره . وهذه الكلماتُ كان النبيُّ صلى الله عليه و سلم يتعوذ منهن دُبُرَ الصلاة . و ( دبرُ الصلاة ) تُطلَقُ على ما يكون قبلَ التسليمِ ، وتطلقُ على ما يكون بعدَ التسليمِ . فإن دبرَ الشيءِ يكون قِسماً منه ودبر الشيءِ يكون ما يتبعه وما يعقبه . وهنا الذي يظهرُ أنها من الدعواتِ التي كان صلى الله عليه و سلم يدعو بها قبلَ التسليم ، فإنه قد حثَّ على ذلك وقال للصحابةِ إن ذلك الموضعَ يتخيَّرُ فيه المسلمُ أحبَّ وأقربَّ ما يدعو به إلى نفسه فقال : " فليتخيرْ من الدعاءِ أعجبَه إليه " .
    فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( اللهم إني أعوذ بك من الجبن ) فكان يستعيذُ من هذا الداءِ ، وهذا هو الشاهدُ في البابِ ، وكذلك كان يعطِفُ عليه الاستعاذةَ من أمورٍ أخرى مذمومةٍ ، فيقول : ( وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ ) ، والمرءُ إذا رُدَّ إلى أرذلِ العمر كما ذكر الله تعالى يُصبح لا يَعلَمُ من بعد علمٍ شيئاً . والمقصودُ بأرذل العمر إذا كبر الشخصُ وضاع عقلُه وخَرِفَ فهذا الذي يُستعاذ منه ، وأما من طالَ عُمُرُه وحسُنَ عملُه فهذا من خيرِ الناس كما جاء في الحديث . ثم يقول : ( وأعوذ بك من فتنة الدنيا ) لأن الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ كما ذكر النبيُّ صلى الله عليه و سلم وفتنتُها عظيمةٌ ، فكان يستعيذُ من فتنة الدنيا . ويستعيذُ أيضاً من عذابِ القبرِ كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : " إن هذه الأمةَ تبتُلى في قبورِها " ، فكان يُكثِرُ من الاستعاذةِ من عذابِ القبر . وعذابُ القبرِ واقعٌ حقيقةً وهذا اعتقادُ أهلِ السنةِ والجماعة ، ومن خالفَ في ذلك فهو من المبتدعةِ مخالفٌ لعقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعة .
    ثم يقول ( فحدثت به مصعباً فصدقه ) ، يعني : مصعبُ بنُ سعدٍ صدَّقَ عمروَ بنَ ميمون الأودي فيما ذكر أن سعداً كان يحرصُ على تعليمِ بنيه ذلك .
    ومصعبٌ من أولادِ سعدٍ رضي الله عنه ، وقد رَزَقَ اللهُ سعداً عدداً كبيراً من الأولادِ والبنات ، وهذا من تطبيقِه للسنةِ وحِرْصِهِ على أن يَكْثُرَ نسلُه كما حثَّ على ذلك النبيُّ ؛ فإن النبي صلى الله عليه و سلم يباهي بأمته ويكاثرُ الأممَ يوم القيامة بكثرة أمته . فذُكر أن سعداً كان له من أبنائه الذكورِ أربعةَ عشر ولداً ، وله من الإناثِ سبع عشرة أنثى ، ولا شكَّ أن ذلك في ميزانِ حسناته ، وندعو الإخوةَ والأخواتِ أن يجابِهوا الدعواتِ الباطلةَ التي تدعو إلى تنظيمِ النسلِ وإلى تحديدِ النسل وإلى تقليلِ النسل ونحوِ ذلك لأن هذه مضادةٌ لسنة النبي صلى الله عليه و سلم ومخالِفةٌ لما كان عليه سلفُنا الصالحُ ، وتخيلوا لو أن كلَّ واحدٍ منا قَتَلَ كافراً وماتَ لكان ذلك كافياً لرفعةِ الإسلامِ ، كلما كَثُرَ عددُ المسلمين كلما زادت قوتُهم ، وهذا خيرٌ وفضلٌ عظيمٌ . وقد سبق في الحديث السابق كيف أن سليمانَ عليه السلام كان يطلب مائةَ ولدٍ في ليلةٍ واحدة ولكن ليكونوا مجاهدين في سبيل الله . وكذلك سعدٌ رضي الله عنه كان مهتَماً بأبنائه ؛ يعلِّمُهم السنةَ ويعلمهم الدينَ ويعلمهم الاقتداءَ بالنبي صلى الله عليه و سلم ، وهذا هو المرادُ أن الشخصَ إذا رزقه الله الذريةَ أن يحرِصَ على تعليمهم الخيرَ وتربيتهم التربيةَ الصحيحةَ ، وليس الحرصُ فقط على الطعامِ والشراب وأمورِ الحياة ، وإنما عليه بالحرصِ أولاً على الدين لأنه رأسُ مالِ المرءِ .
    ثم ذكر حديثَ أنسِ بنِ مالكٍ وفيه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم كان يستعيذُ من العجزِ والكسلِ. وقال العلماء: إن الفرقَ بين العجزِ والكسل؛ أن العجزَ هو أن يكون الشخصُ ليس قادراً على فعلِ الشيء، وأما الكسلُ أن يكون قادراً ولكنه يتركُ الفعلَ كَسَلاً، فهذا هو الفرقُ بين العجزِ والكسلِ، وكلاهما مذمومٌ ولا يريدُه الشخصُ لنفسه. ثم يقول ( ومن الجبن والهرم ) وهذا هو الشاهدُ؛ قوله ( الجبن )، وأما ( الهرم ) فهو الكِبَرُ وهو يساوي ما ذكر من الاستعاذة من الردِّ إلى أرذلِ العمر.
    ثم قال ( وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ) ، ففتنةُ الدنيا ذكرناها لأن الدنيا هي فتنةٌ وغَرورةٌ كما ذكر الله تعالى في كتابه . وأما فتنةُ المماتِ فهو ما يحصُلُ عند الاحتضارِ ؛ فإن من أَحْسَنَ الظنَّ بالله لَقِيَ اللهَ تعالى على خير ، والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : " لا يموتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بربِّه " ، والشيطانُ يأتي للإنسانِ قبل وفاتِه يريدُ أن يُغْوِيَهُ ، وهذه اللحظةُ هي أحلَكُ اللحظاتِ ولذا يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله دخل الجنةَ " . نسأل الله تعالى حسنَ الخاتمةِ وأن يرزقَنا هذه الكلمةَ في آخر حياتِنا وأن يختمَ لنا بها ، والله سبحانه وتعالى وليُّ ذلك . ثم يقول ( وأعوذ بك من عذاب القبر ) وهو مثلُ ما وَرَدَ في الحديث السابق ، والله تعالى أعلم .

    [align=center]قال البخاري :
    باب من حدَّثَ بمشاهِدِهِ في الحربِ . قاله أبو عثمان عن سعد .
    41 ـ حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، حدثنا حاتمٌ ، عن محمدِ بنِ يوسفَ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ قال : " صحِبْتُ طلحةَ بنَ عبيدِ الله وسعداً والمقدادَ بنَ الأسود وعبدَ الرحمن بنَ عوف رضي الله عنهم ، فما سمعتُ أحداً منهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إلا أني سمعت طلحةَ يحدثُ عن يومِ أحد " . [/align]


    في هذا الباب يذكر الإمامُ البخاريُّ من تَحَدَّثَ بمشاهده في الحربِ ، وذلك لأن الحديثَ عن المشاهدِ التي تَمُرُّ بالمسلمِ في الحربِ قد يكون فيها شيءٌ من الرياءِ ، وقد يكون فيها الحثُّ والتحديثُ بنعمةِ الله ، فهناك من يحدِّثُ رياءً وتسميعاً ، وهناك من يحدث من باب التشجيعِ للآخرينَ وإثارةِ الشوقِ في نفوسهم إلى الجهادِ في سبيل الله ، فهل يُمنَعُ ذلك أم يسمحُ به ؟ هذا هو المقصدُ من سَوْقِ هذا البابَ .
    ( قاله أبو عثمان عن سعد ) يعني بأبي عثمان : أبو عثمانَ النهدي ، وهو مِنَ المُخَضْرَمِين من التابعينَ ، وكان في حياةِ النبي صلى الله عليه و سلم ولم يُكتَبْ له لقاءُ النبي صلى الله عليه و سلم ، فحدَّث عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ في قوله ( إني لأوَّلُ من رَمى بسهمٍ في سبيل الله ) ، وسوف يأتي هذا الحديثُ ، فإن سعداً رضي الله عنه هو أولُّ مسلمٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله . فهذا دليلٌ على أن من الصحابةِ رضي الله عنهم من كان يُحَدِّثُ بمشاهدِه ، فليس في ذلك حرجٌ إذا خلا من الرياءِ والعجبِ . ويتأكد استحبابُ ذلك إذا كان فيه كما قلتُ تشويقاً للآخرينَ إلى الجهادِ في سبيل اللِه وحثاً على ذلك .
    ثم ذكر فيه حديثَ السائبِ بن يزيدَ ، وهو من الصحابةِ ، والنبيُّ صلى الله عليه و سلم رقاه بالفاتحةِ عندما جاءت به أمه إليه وهو وَقِِعٌ ـ أي : به وجَعٌ من رجلِه ـ فرقاه النبي صلى الله عليه و سلم بالفاتحةِ ، فهو من صغارِ الصحابةِ ويروي عن كبارِهم أمثالِ طلحةَ بنِ عُبيد الله وسعدٍ والمقدادٍ بن الأسود وعبدٍ الرحمن بن عوف وهم من كبارِ الصحابة والسابقين .
    ثم يقول ( صحبت هؤلاء فما رأيت أحداً منهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ) ؛ هذا من حيطةِ هؤلاءِ الصحابةِ ، وكثيرٌ من الصحابة كانوا لا يُحدِّثون عن النبي صلى الله عليه و سلم خشيةَ النقصِ أو الزيادةِ ، وقد ذكرنا هذا في الدورةِ التي عقدناها في علومِ الحديث وأطلنا في بيان ذلك . والمقصودُ أن الحذَرَ في الحديثِ عن النبي صلى الله عليه و سلم متوجب فإن النبي صلى الله عليه و سلم إنما يتكلم بالوحي ، والذي يتحدث عنه صلى الله عليه و سلم إنما يقرر شرعاً وديناً ووحياً ، فحذارِ حذارِ من العجلةِ في الحديثِ عن رسولِ الله صلى الله عليه و سلم ، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام حَذَّرَ من ذلك فقال : " من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن " . فلم يكن يحدث من الصحابةِ إلا الحفاظُ منهم الذين يَثِقُون فيما يروُونَ ويتأكدون مما يسمعون ، وكثيرٌ منهم كان إذا حدثَ عن رسولِ الله صلى الله عليه و سلم تصيبُه حالةٌ من رعدةٍ وخوفٍ ، وبعضُهم يقول ( أو نحو هذا ، أو مثل هذا ) وهذا من حرصِهم واحتياطِهم .
    ثم يقول ( إلا أني سمعت طلحةَ يحدثُ عن يومِ أحد ) ؛ وطلحةُ بنُ عبيدِ الله حدثه بما حصلَ معه يوم أحد ، فقد ظاهَرَ طلحةُ رضي الله عنه بينَ دِرْعَيْنِ من شدةِ القتالِ وهذا مِنْ بأسِهِ في هذه الحربِ ، وكان يقي النبيَّ صلى الله عليه و سلم حتى ذُكِرَ أن يَدَهُ شُلَّتْ لأنه وَقَى بها رسولَ الله صلى الله عليه و سلم ، وجاء في بعضِ الرواياتِ أنه حَمَلَ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم . فمشاهدُ طلحةَ رضي الله عنه وهو من العَشَرَةِ المبشرينَ بالجنةِ كثيرةٌ ، فكان رضي الله عنه يحدِّثُ أحياناً ببعضِ مشاهدِه حثاً وتشويقاً كما ذكرتُ ، وهذا هو الشاهدُ من سَوْقِ الحديثِ في هذا الباب ، والله تعالى أعلم .
    عن العباس بن الوليد قال : حدثنا أبي قال سمعت الأوزاعي يقول : * عليك بآثار من السلف و إن رفضك الناس ، و إياك و آراء الرجال ، و إن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم *.
    اللهم إحدى الحسنيين.
    أحبّتي في الله أدعوا للوالدة و للوالد بالشفاء





    إن شئت أن تحظى بجنَّة ربنا"="وتفوز بالفضل الكبير الخالد
    فانهض لفعل الخير واطرق بابه"="تجد الإعانة من إلهٍ ماجد
    واعكف على هذا الكتاب فإنه"="جمع الفضائل جمع فذٍ ناقد
    يهدي إليك كلام أفضل مرسل"="فيما يقرب من رضاء الواحد
    فأدم قراءته بقلب خالص"="وادع لكاتبه وكلِّ مساعد

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •