..

السؤال :
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار .
وبين قوله : من قُتل دون ماله فهو شهيد ؟
وقوله : أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : فلا تعطه مالك . قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله . قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد . قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار . ؟؟؟
وجزاك الله خيراً .



الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيراً .

أولاً : ينبغي أن يُعلَم أنه لا تعارُض بين الأحاديث ، ولا بين الآيات والأحاديث .. لأن الكلّ من عند الله .. أعني القرآن والسُّنَّة ..
قال عليه الصلاة والسلام : ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه " رواه الإمام أحمد .
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – يكتب كل شيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه ، فقال : أكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق . رواه ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم .

ثانياً : بالنسبة لهذه الأحاديث :
فالحديث الأول : " إذا الْتَقَى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " يُفسِّره آخر الحديث ، وفيه سؤال الصحابي : يا رسول الله هذا القاتل ! فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قَتْلِ صاحبه . رواه البخاري ومسلم .

فهذا القتال والمقاتَلة لم يَكن أحدهما يُدفِع عن نفسه ، ولا عن ماله ، ولا عن عِرضه .. بل كلٌّ منهما يُريد قَتْل صاحبه ! ويَحرص على ذلك ..

قال الإمام النووي : " إذا الْتَقى المسلمان بسيفيهما " في المقاتلة الْمُحَرَّمَة ؛ كالقتال عَصبية ونحو ذلك ، فالقاتل والمقتول في النار . اهـ .

كما حُمِل هذا على القِتال بين المسلمين ، ولذا فإن أبا بكرة رضي الله عنه حَدَّث بهذا الحديث الأحنَف بن قيس حين أراد الخروج إلى القتال مع عليّ رضي الله عنه .
فقد روى الإمام مسلم من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس قال : خَرَجْتُ وأنا أريد هذا الرجل ، فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريد يا أحنف ؟ قال : قلت : أريد نصر ابن عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني عليا - قال : فقال لي : يا أحنف ارجِع ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تَواجَه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قال : فقلت - أو قِيل - : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه قد أراد قَتْل صاحبه .

أما الأحاديث الأخرى ، فإن فيها الحث على الدِّفاع عن النفس ، وعن العِرض ، وعن المال ..
فهذا من باب دَفْع العدوّ الصائل ، فإن دَفْعَه مشروع .
فالْمُدَافِع لم يَكن حريصا على قَتْل الصائل بِقَدْر ما كان يُريد الدِّفاع عن نفسه أو عن عرضه أو عن ماله ..
وقد نصّ العلماء على أن دَفْع الصائل لا يكون بالقَتْل ما استطاع الْمُدَافِع إلى ذلك سبيلا ..
فإذا كان يستطيع إصابته بِرجْلِه أو في جزء من جسده بحيث لا يَقتله فهذا هو المتعيِّن ..
أما إذا لم يندفع إلا بالقتل ، فيجوز قتل الصائل واللصّ - إذا لم يندفع إلا بالقتل - ويدل عليه

ومثل هذه الأحاديث ما جاء في كفِّ اليد عن القتال في الفتنة ، وما جاء في كسر غِمد السَّيف ، وأن يكون المسلم عبد الله المقتول ، ولا يكون عبد الله القاتِل .

فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر ! قلت :لبيك يا رسول الله وسعديك . قال : كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ؟ قلت : الله ورسوله أعلم - أو قال : ما خَارَ الله لي ورسوله - قال : عليك بالصبر - أو قال : تَصْبِر - ثم قال لي : يا أبا ذر ! قلت : لبيك وسعديك . قال : كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غَرِقَتْ بالدَّمَ ؟ قلت : ما خَارَ الله لي ورسوله . قال : عليك بمن أنت منه . قلت : يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي ؟ قال : شاركت القوم إذن ! قلت : فما تأمرني ؟ قال : تَلْزَم بيتك . قلت : فإن دُخِلَ على بيتي ؟ قال : فإن خشيت أن يَبهرك شعاع السيف فَـأَلْقِ ثوبك على وجهك ، يبوء بإثمك وإثمه .
وفي رواية لأحمد : يا أبا ذر ! أرأيت إن قَتَلَ الناس بعضهم بعضا - يعنى حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء - كيف تَصنع ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : اقعد في بيتك ، وأغلق عليك بابك . قال : فإن لم أُتْرَك ؟ قال : فأتِ من أنت منهم ، فكن فيهم . قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : إذا تشاركهم فيما هم فيه ! ولكن إن خَشِيتَ أن يَروعك شعاع السيف فَـأَلْقِ طَرَفَ ردائك على وجهك ، حتى يبوء بإثمه وأثمك .

فإن هذا محمول على تَرْك القِتال في الفِتن ..
قال القرطبي عن حديث أبي ذر هذا : وحَمَلَه العلماء على تَرْكِ القتال في الفتنة ، وكَفّ اليَدِ عند الشبهة . اهـ .

وهذا بِخلاف ما إذا كان الداخل على الإنسان عدوّ صائل أو لِصّ ، فَلَه أن يُدافِعه ، وله قَتله إن لم يَندفع إلا بِه .

فائدة :
ذَكْر السّيف على الأغلب من أحوال المتقاتِلين ، فلو تقابلا بالسكاكين ، أو بأي سِلاح كان ، فقد وقعا في المحذور .

والله تعالى أعلم .