الرئيسية  I  المنتديات  I  الفتاوى  I  المكتبة  I  المقالات  I  الدروس العلمية  I  البحوث العلمية  I  سجل الزوار  I  اتصل بنا

العودة   مُنْتَدَيَاتُ مِشْكَاة الأَقْسَامُ الرَّئِيسَـةُ مِشْكَاةُ الْكُتُبِ وَالْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12شعبان1425هـ, 02:42 صباحاً
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
علي بن نايف الشحود
باحث في القرآن والسنة علي بن نايف الشحود غير متواجد حالياً
682
03-05-2004
الخلاصة في أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
فهذه خلاصة لأحكام الأسرى في الفقه الإسلامي المقارن استقيتها من موسوعة الفقه الإسلامي حتى يكون المسلم على بينة من أمر دينه ولا سيما وأنها قضية حيوية ونحتاج إليها في كل زمان ومكان
وكذلك يسهل حفظها بسهولة للقاصي والداني
قال تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (67) سورة الأنفال
**************
والأسرى قد يكونون من الكفار وقد يكونون من المسلمين
وما يجري اليوم من عمليات اختطاف هو نوع من الأسر وتنطبق عليه أحكامه كاملة

*****************
راجيا من الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره في الدارين
قال تعالى :
{ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } (12) سورة إبراهيم

13 شعبان 1425 هـ الموافق 26/9/2004 م

****************
وفي الموسوعة الفقهية :

أسرى *
التعريف :
1 - الأسرى جمع أسيرٍ ، ويجمع أيضاً على أسارى وأسارى .
والأسير لغةً : مأخوذٌ من الإسار ، وهو القيد ، لأنّهم كانوا يشدّونه بالقيد . فسمّي كلّ أخيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به . وكلّ محبوسٍ في قيدٍ أو سجنٍ أسيرٌ . قال مجاهدٌ في تفسير قول اللّه سبحانه : { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } الأسير : المسجون .
2 - وفي الاصطلاح : عرّف الماورديّ الأسرى بأنّهم : الرّجال المقاتلون من الكفّار ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً . وهو تعريفٌ أغلبيٌّ ، لاختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال ، لأنّه بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على كلّ من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم ، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها ، أو من غير حربٍ فعليّةٍ ، ما دام العداء قائماً والحرب محتملةٌ .
من ذلك قول ابن تيميّة : أوجبت الشّريعة قتال الكفّار ، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ، بل إذا أسر الرّجل منهم في القتال أو غير القتال ، مثل أن تلقيه السّفينة إلينا ، أو يضلّ الطّريق ، أو يؤخذ بحيلةٍ فإنّه يفعل به الإمام الأصلح . وفي المغني : هو لمن أخذه ، وقيل : يكون فيئاً . ويطلق الفقهاء لفظ الأسير أيضاً على : من يظفر به المسلمون من الحربيّين إذا دخلوا دار الإسلام بغير أمانٍ ، وعلى من يظفرون به من المرتدّين عند مقاتلتهم لنا . يقول ابن تيميّة : ومن أسر منهم أقيم عليه الحدّ . كما يطلقون لفظ الأسير على : المسلم الّذي ظفر به العدوّ . يقول ابن رشدٍ : وجب على الإمام أن يفكّ أسرى المسلمين من بيت المال ... ويقول : وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين ، وأطفالٌ من المسلمين ... إلخ .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - الرّهينة :
3 - الرّهينة : واحدة الرّهائن وهي كلّ ما احتبس بشيءٍ ، والأسير والرّهينة كلاهما محتبسٌ ، إلاّ أنّ الأسير يتعيّن أن يكون إنساناً ، واحتباسه لا يلزم أن يكون مقابل حقٍّ .
ب - الحبس :
4 - الحبس : ضدّ التّخلية ، والمحبوس : الممسك عن التّوجّه حيث يشاء ، فالحبس أعمّ من الأسر .
ج - السّبي :
5 - السّبي والسّباء : الأسر ، فالسّبي أخذ النّاس عبيداً وإماءً ، والفقهاء يطلقون لفظ السّبي على من يظفر به المسلمون حيّاً من نساء أهل الحرب وأطفالهم . ويخصّصون لفظ الأسرى - عند مقابلته بلفظ السّبايا - بالرّجال المقاتلين ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً .
صفة الأسر : حكمه التّكليفيّ :
6 - الأسر مشروعٌ ، ويدلّ على مشروعيّته النّصوص الواردة في ذلك ، ومنها قول اللّه سبحانه : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ... } ولا يتنافى ذلك مع قول اللّه تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } لأنّها لم ترد في منع الأسر مطلقاً ، وإنّما جاءت في الحثّ على القتال ، وأنّه ما كان ينبغي أن يكون للمسلمين أسرى قبل الإثخان في الأرض ، أي المبالغة في قتل الكفّار .
الحكمة من مشروعيّة الأسر :
7 - هي كسر شوكة العدوّ ، ودفع شرّه ، وإبعاده عن ساحة القتال ، لمنع فاعليّته وأذاه ، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به .
من يجوز أسرهم ومن لا يجوز :
8 - يجوز أسر كلّ من وقع في يد المسلمين من الحربيّين ، صبيّاً كان أو شابّاً أو شيخاً أو امرأةً ، الأصحّاء منهم والمرضى ، إلاّ من لا يخشى من تركه ضررٌ وتعذّر نقله ، فإنّه لا يجوز أسره على تفصيلٍ بين المذاهب في ذلك .
فمذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا يؤسر من لا ضرر منهم ، ولا فائدة في أسرهم ، كالشّيخ الفاني والزّمن والأعمى والرّاهب إذا كانوا ممّن لا رأي لهم . ونصّ المالكيّة على أنّ كلّ من لا يقتل يجوز أسره ، إلاّ الرّاهب والرّاهبة إذا لم يكن لهما رأيٌ فإنّهما لا يؤسران ، وأمّا غيرهما من المعتوه والشّيخ الفاني والزّمن والأعمى فإنّهم وإن حرم قتلهم يجز أسرهم ، ويجوز تركهم من غير قتلٍ ومن غير أسرٍ .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يجوز أسر الجميع دون استثناءٍ .
9 - ولا يجوز أسر أحدٍ من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عهد موادعةٍ ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان ، وبالأمان لا تصير الدّار مستباحةً ، وحتّى لو خرج قومٌ من الموادعين إلى بلدةٍ أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ ، فغزا المسلمون تلك البلدة ، فهؤلاء آمنون ، لا سبيل لأحدٍ عليهم ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان لهم ، فلا ينتقض بالخروج إلى موضعٍ آخر . وكذا لو دخل في دار الموادعة رجلٌ من غير دارهم بأمانٍ ، ثمّ خرج إلى دار الإسلام بغير أمانٍ ، فهو آمنٌ لا يجوز أسره ، لأنّه لمّا دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحدٍ منهم . ومثله ما لو وجد الحربيّ بدار الإسلام بأمانٍ فإنّه لا يجوز أسره ، وما لو أخذ الحربيّ الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيّين .
الأسير في يد آسره ومدى سلطانه عليه :
10 - الأسير في ذمّة آسره لا يد له عليه ، ولا حقّ له في التّصرّف فيه ، إذ الحقّ للتّصرّف فيه موكولٌ للإمام ، وعليه بعد الأسر أن يقوده إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى ، وللآسر أن يشدّ وثاقه إن خاف انفلاته ، أو لم يأمن شرّه ، كما يجوز عصب عينيه أثناء نقله لمنعه من الهرب . فمن حقّ المسلم أن يمنع الأسير من الهرب ، وإذا لم يجد فرصةً لمنعه إلاّ قتله فلا بأس ، وقد فعل هذا غير واحدٍ من الصّحابة .
11 - وجمهور الفقهاء على أنّ الأسير إذا صار في يد الإمام فلا استحقاق للآسر فيه إلاّ بتنفيل الإمام ، لا بنفس الأسر ، وذلك بأن ينادي في العسكر : من أصاب منكم أسيراً فهو له ، فإن قال ذلك فأعتق الرّجل أسيره فإنّه ينفذ عتقه . ولو أصاب ذا رحمٍ محرمٍ منه عتق ، لأنّه إذا ثبت الاستحقاق لهم بالإصابة صار الأسير مملوكاً لآسره واحداً أو جماعةً . بل قالوا : لو قال الأمير : من قتل قتيلاً فله سلبه . فأسر العسكر بعض الأسرى ، ثمّ قتل أحد الأسراء رجلاً من العدوّ ، كان السّلب من الغنيمة ، إن لم يقسّم الأمير الأسراء ، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسّلب لمولى الأسير القاتل . وقد فرّق المالكيّة بين من أسر أسيراً أثناء القتال مستنداً إلى قوّة الجيش ، وبين من أسر أسيراً من غير حربٍ ، وقالوا : إن كان الآسر من الجيش ، أو مستنداً له خمسٌ كسائر الغنيمة ، وإلاّ اختصّ به الآسر .
حكم قتل الآسر أسيره :
12 - ليس لواحدٍ من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه ، إذ الأمر فيه بعد الأسر مفوّضٌ للإمام ، فلا يحلّ القتل إلاّ برأي الإمام اتّفاقاً ، إلاّ إذا خيف ضرره ، فحينئذٍ يجوز قتله قبل أن يؤتى به إلى الإمام ، وليس لغير من أسره قتله ، لحديث جابرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله » .
فلو قتل رجلٌ من المسلمين أسيراً في دار الحرب أو في دار الإسلام ، فالحنفيّة يفرّقون بين ما إذا كان قبل القسمة أو بعدها ، فإن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من ديةٍ أو كفّارةٍ أو قيمةٍ ، لأنّ دمه غير معصومٍ ، إذ للإمام فيه خيرة القتل ، ومع هذا فهو مكروهٌ ، وإن كان بعد القسمة ، أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل ، لأنّ دمه صار معصوماً ، فكان مضموناً بالقتل ، إلاّ أنّه لا يجب القصاص لقيام الشّبهة . ولم يفرّقوا في ذلك بين ما إذا كان هو الآسر أو غيره كما يفيده الإطلاق . والمالكيّة يتّجهون وجهة الحنفيّة من ناحية الضّمان ، غير أنّهم جعلوا التّفرقة فيما إذا كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم ، أو بعد أن صار مغنماً ، وينصّون على أنّ من قتل من نهي عن قتله ، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر اللّه ، وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته .
والشّافعيّة أيضاً يلزمون القاتل بالضّمان ، فإذا كان بعد اختيار رقّه ضمن قيمته ، وكان في الغنيمة . وإذا كان بعد المنّ عليه لزمه ديته لورثته . وإن قتله بعد الفداء فعليه ديته غنيمةً ، إن لم يكن قبض الإمام الفداء ، وإلاّ فديته لورثته . وإن قتله بعد اختيار الإمام قتله فلا شيء عليه ، وإن كان قبله عزّر .
وعند الحنابلة : إن قتل أسيره أو أسير غيره قبل الذّهاب للإمام أساء ، ولم يلزمه ضمانه .
معاملة الأسير قبل نقله لدار الإسلام :
13 - مبادئ الإسلام تدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وتوفير الطّعام والشّراب والكساء لهم ، واحترام آدميّتهم ، لقوله تعالى { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيماً وأسيراً } ، وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ : « أحسنوا إسارهم ، وقيّلوهم ، واسقوهم » وقال : « لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح ... » وقال الفقهاء : إن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له ألاّ يعذّبهم بالعطش والجوع ، ولكنّه يقتلهم قتلاً كريماً . ويجوز حبس الأسرى في أيّ مكان ، ليؤمن منعهم من الفرار ، فقد جاء في الصّحيحين أنّ « الرّسول حبس في مسجد المدينة »
التّصرّف في الأسرى قبل نقلهم لدار الإسلام :
14 - يرى جمهور الفقهاء جواز التّصرّف في الغنائم - ومنها الأسرى في دار الحرب - وقبل نقلهم لدار الإسلام . قال مالكٌ : الشّأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب ، وروى الأوزاعيّ أنّ رسول اللّه والخلفاء لم يقسموا غنيمةً قطّ إلاّ في دار الشّرك ، قال أبو سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه : « خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة المصطلق ، فأصبنا سبياً من سبي العرب ، فاشتهينا النّساء ، واشتدّت علينا وأحببنا العزل ، فأردنا العزل وقلنا : نعزل ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله ، فسألناه عن ذلك فقال : ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنةٌ » فإنّ سؤالهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن العزل في وطء السّبايا دليلٌ على أنّ قسمة الغنائم قد تمّت في دار الحرب ، ولما في ذلك من تعجيل مسرّة الغانمين وغيظ الكافرين ، ويكره تأخيره لبلد الإسلام ، وهذا إذا كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كرّ العدوّ عليهم .
وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ للغانمين التّملّك قبل القسمة لفظاً ، بأن يقول كلٌّ بعد الحيازة ، وقبل القسمة : اخترت ملك نصيبي ، فتملّك بذلك . وقيل : يملكون بمجرّد الحيازة ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء . وقيل : الملك موقوفٌ . والمراد عند من قال يملكون بمجرّد الحيازة : الاختصاص ، أي يختصمون .
وصرّح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب ، وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر وأبي ثورٍ لفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء .
15 - وعند الحنفيّة لا تقسم الغنائم إلاّ في دار الإسلام ، لأنّ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، لأنّ سبب ثبوت الحقّ القهر ، وهو موجودٌ من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّهم قاهرون يداً مقهورون داراً ، فلا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم - ومنها الأسرى - أو يبيعها حتّى يخرجها إلى دار الإسلام ، خشية تقليل الرّغبة في لحوق المدد بالجيش ، وتعرّض المسلمين لوقوع الدّبرة عليهم ، بأن يتفرّقوا ويستقلّ كلّ واحدٍ منهم بحمل نصيبه . ومع هذا فقالوا : وإن قسم الإمام الغنائم في دار الحرب جاز ، لأنّه أمضى فصلاً مختلفاً فيه بالاجتهاد . وقد روي أنّ « الرّسول صلى الله عليه وسلم أخّر قسمة غنائم حنينٍ حتّى انصرف إلى الجعرانة » .
تأمين الأسير :
16 - يتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للإمام إعطاء الأمان للأسير بعد الاستيلاء عليه ، لأنّ عمر لمّا قدم عليه بالهرمزان أسيراً قال :" لا بأس عليك ، ثمّ أراد قتله ، فقال له أنسٌ : قد أمّنته فلا سبيل لك عليه ، وشهد الزّبير بذلك "فعدّوه أماناً ، ولأنّ للإمام أن يمنّ عليه ، والأمان دون المنّ ، ولا ينبغي للإمام أن يتصرّف على حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ، فما عقده أمير الجيش من الأمان جاز ولزم الوفاء به ، وأمّا آحاد الرّعيّة فليس لهم ذلك ، لأنّ أمر الأسير مفوّضٌ إلى الإمام ، فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنع ذلك كقتله . وذكر أبو الخطّاب أنّه يصحّ أمان آحاد الرّعيّة ، لأنّ « زينب بنت الرّسول صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ، فأجاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمانها » . وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمانٌ ) .
حكم الإمام في الأسرى :
17 - يرجع الأمر في أسرى الحربيّين إلى الإمام ، أو من ينيبه عنه .
وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك ، وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين ، في أحد أمورٍ : فقد نصّ الشّافعيّة والحنابلة على تخيير الإمام في الرّجال البالغين من أسرى الكفّار ، بين قتلهم ، أو استرقاقهم ، أو المنّ عليهم ، أو مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ .
أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلاثة أمورٍ فقط : القتل ، والاسترقاق ، والمنّ عليهم بجعلهم أهل ذمّةٍ على الجزية ، ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ ، ولا الفداء بالمال إلاّ عند محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير ، أو إذا كان المسلمون بحاجةٍ للمال . وأمّا مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع خلافٍ عندهم .
وذهب مالكٌ إلى أنّ الإمام يخيّر في الأسرى بين خمسة أشياء : فإمّا أن يقتل ، وإمّا أن يسترقّ ، وإمّا أن يعتق ، وإمّا أن يأخذ فيه الفداء ، وإمّا أن يعقد عليه الذّمّة ويضرب عليه الجزية ، والإمام مقيّدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة الجماعة .
18 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأصل في السّبايا من النّساء والصّبيّة أنّهم لا يقتلون . ففي الشّرح الكبير للدّردير : وأمّا النّساء والذّراريّ فليس فيهم إلاّ الاسترقاق أو الفداء . وتفصيله في ( سبيٌ ) . كما يتّفقون على أنّ الأسير الحربيّ الّذي أعلن إسلامه قبل القسمة ، لا يحقّ للإمام قتله ، لأنّ الإسلام عاصمٌ لدمه على ما سيأتي .
19 - ويقول الشّافعيّة : إن خفي على الإمام أو أمير الجيش الأحظّ حبسهم حتّى يظهر له ، لأنّه راجعٌ إلى الاجتهاد ، ويصرّح ابن رشدٍ بأنّ هذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين ، إذا لم يكن يوجد تأمينٌ لهم .
20 - وقال قومٌ : لا يجوز قتل الأسير ، وحكى الحسن بن محمّدٍ التّميميّ أنّه إجماع الصّحابة . والسّبب في الاختلاف تعارض الآية في هذا المعنى ، وتعارض الأفعال ، ومعارضة ظاهر الكتاب لفعله عليه الصلاة والسلام ، لأنّ ظاهر قول اللّه تعالى : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب } أنّه ليس للإمام بعد الأسر إلاّ المنّ أو الفداء . وقوله تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } والسّبب الّذي نزلت فيه يدلّ على أنّ القتل أفضل من الاستبقاء .
وأمّا فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم :« فقد قتل الأسارى في غير موطنٍ »، فمن رأى أنّ الآية الخاصّة بالأسارى ناسخةٌ لفعله قال : لا يقتل الأسير ، ومن رأى أنّ الآية ليس فيها ذكرٌ لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل بالأسارى قال بجواز قتل الأسير .
21 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأسرى من نساء الحربيّين وذراريّهم ، ومن في حكمهم كالخنثى والمجنون ، وكذا العبيد المملوكون لهم يسترقّون بنفس الأسر ، ويتّفقون على أنّ من أسلم من الحربيّين قبل الاستيلاء والأسر لا يسترقّ ، وكذا بالنّسبة للمرتدّين ، فإنّ الحكم بالنّسبة لهم الاستتابة والعودة إلى الإسلام ، وإلاّ فالسّيف .
22 - أمّا الرّجال الأحرار المقاتلون منهم . فقد اتّفقوا أيضاً على جواز استرقاق الأعاجم ، وثنيّين كانوا أو أهل كتابٍ . واتّجه الجمهور إلى جواز استرقاق العرب على تفصيلٍ بينهم . والحنفيّة لا يجيزون استرقاق مشركي العرب .
الفداء بالمال :
23 - المشهور في مذهب المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من فقهاء الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في غير روايةٍ عن الإمام أحمد : جواز فداء أسرى الحربيّين الّذين يثبت الخيار للإمام فيهم بالمال . غير أنّ المالكيّة يجيزونه بمالٍ أكثر من قيمة الأسير ، وعن محمّد بن الحسن - كما نقل السّرخسيّ عن السّير الكبير - تقييد ذلك بحاجة المسلمين للمال ، وقيد الكاسانيّ هذا بما إذا كان الأسير شيخاً كبيراً لا يرجى له ولدٌ . وأجازه الشّافعيّة بالمال دون قيدٍ ، ولو لم تكن ثمّة حاجةٌ للمال ، ونصّوا على أنّه للإمام أن يفدي الأسرى بالمال يأخذه منهم ، سواءٌ ، أكان من مالهم أم من مالنا الّذي في أيديهم ، وأن نفديهم بأسلحتنا الّتي في أيديهم . أمّا أسلحتهم الّتي بأيدينا ففي جواز مفاداة أسرانا بها وجهان ، أوجههما عندهم الجواز . واستدلّ المجيزون بظاهر قوله تعالى { فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً } ، و«بفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم ، فقد فادى أسارى بدرٍ بالمال وكانوا سبعين رجلاً ، كلّ رجلٍ منهم بأربعمائة درهمٍ »، وأدنى درجات فعله الجواز والإباحة .
24 - ويرى الحنفيّة ، في غير ما روي عن محمّدٍ ، وهو روايةٌ عن أحمد وقول أبي عبيد القاسم بن سلاّمٍ عدم جواز الفداء بمالٍ . ويدلّ على عدم الجواز أنّ قتل الأسارى مأمورٌ به ، لقوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق } وأنّه منصرفٌ إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق ، وقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } والأمر بالقتل للتّوسّل إلى الإسلام ، فلا يجوز تركه إلاّ لما شرع له القتل ، وهو أن يكون وسيلةً إلى الإسلام ، ولا يحصل معنى التّوسّل بالمفاداة بالمال ، كما أنّ في ذلك إعانةً لأهل الحرب ، لأنّهم يرجعون إلى المنعة ، فيصيرون حرباً علينا ، وقتل المشرك عند التّمكّن منه فرضٌ محكمٌ ، وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض ، وقد روي عن أبي بكرٍ أنّه قال في الأسير :" لا تفادوه وإن أعطيتم به مدّين من ذهبٍ " ولأنّه صار بالأسر من أهل دارنا ، فلا يجوز إعادته لدار الحرب ، ليكون حرباً علينا ، وفي هذا معصيةٌ ، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز ، ولو أعطونا مالاً لترك الصّلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة ، فكذا لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة .
وعلى القول بأنّ للإمام حقّ المفاداة بالمال ، فإنّ هذا المال يكون للغانمين ، وليس من حقّه أن يسقط شيئاً من المال الّذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إلاّ برضى الغانمين .
فداء أسرى المسلمين بأسرى الأعداء :
25 - ذهب الجمهور من المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وصاحبا أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل الأسرى ، مستدلّين بقول النّبيّ « أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكّوا العاني » وقوله « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ، ويؤدّوا عن غارمهم » و « فادى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرّجل الّذي أخذه من بني عقيلٍ » . « وفادى بالمرأة الّتي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناساً من المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة » ولأنّ في المفاداة تخليص المسلم من عذاب الكفّار والفتنة في الدّين ، وإنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر .
ولم يفرّقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة أو بعدها . أمّا أبو يوسف فقد قصر جواز المفاداة على ما قبل القسمة ، لأنّه قبل القسمة لم يتقرّر كون أسيرهم من أهل دارنا حتّى جاز للإمام أن يقتله ، وأمّا بعد القسمة فقد تقرّر كونه من أهل دارنا حتّى ليس للإمام أن يقتله . أي فلا يعاد بالمفاداة إلى دار الكفر . ولأنّ في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه . ونصّ المالكيّة على مثل قول أبي يوسف أيضاً ، ومحمّد بن الحسن أجازه في الحالتين لأنّ المعنى الّذي لأجله جوّز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم ، وهذا موجودٌ بعد القسمة ، وحقّ الغانمين في الاسترقاق ثابتٌ قبل القسمة ، وقد صار الأسير بذلك من أهل دارنا ، ثمّ تجوز المفاداة به لهذه الحاجة ، فكذلك بعد القسمة .
وقد نقل الحطّاب عن أبي عبيدٍ أنّ النّساء والذّراريّ ليس فيهم إلاّ الاسترقاق ، أو المفاداة بالنّفوس دون المال . وأمّا الرّواية الأخرى عن أبي حنيفة فهي منع مفاداة الأسير بالأسير ، ووجهه : أنّ قتل المشركين فرضٌ محكمٌ ، فلا يجوز تركه بالمفاداة .
26 - ولو أسلم الأسير لا يفادى به لعدم الفائدة ، أي لأنّه فداء مسلمٍ بمسلمٍ ، إلاّ إذا طابت به نفسه وهو مأمونٌ على إسلامه :
27 - ويجوز مفاداة الأكثر بالأقلّ والعكس كما قال الشّافعيّة ، ولم يصرّح بذلك الحنابلة ، لكن في كتبهم ما يوافق ذلك ، لاستدلالهم بالأحاديث المتقدّمة . أمّا الحنفيّة فقد نصّوا على أنّه لا يجوز أن يعطى لنا رجلٌ واحدٌ من أسرانا ، ويؤخذ بدله أسيران من المشركين . جعل الأسرى ذمّةً لنا وفرض الجزية عليهم :
28 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للإمام أن يضع الجزية في رقاب الأسرى من أهل الكتاب والمجوس على أن يكونوا ذمّةً لنا ، وفي وجهٍ عند الشّافعيّ أنّه يجب على الإمام إجابتهم إلى ذلك إذا سألوه ، كما يجب إذا بذلوا الجزية في غير أسرٍ . واستدلّوا على جواز ذلك بفعل عمر في أهل السّواد وقالوا : إنّه أمرٌ جوازيٌّ ، لأنّهم صاروا في يد المسلمين بغير أمانٍ ، وكيلا يسقط بذلك ما ثبت من اختيارٍ . وهذا إن كانوا ممّن تؤخذ منهم الجزية .
وهذا يتّفق مع ما حكاه ابن رشدٍ حيث قال : وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ، واختلفوا فيما سواهم من المشركين ، فقال قومٌ : تؤخذ من كلّ مشركٍ ، وبه قال مالكٌ . وأجاز الحنفيّة ذلك للإمام بالنّسبة للأسارى من غير مشركي العرب والمرتدّين ، ووضعوا قاعدةً عامّةً هي : كلّ من يجوز استرقاقه من الرّجال ، يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذّمّة ، كأهل الكتاب وعبدة الأوثان من العجم ، ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز أخذ الجزية منه ، كالمرتدّين وعبدة الأوثان من العرب .
رجوع الإمام في اختياره :
29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال : والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل بالكلّيّة .
ما يكون به الاختيار :
30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ، ولا يكفي فيه مجرّد الفعل ، وكذا الفداء ، نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض الإمام له من غير لفظٍ ، بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرّد الفعل .
إسلام الأسير :
31 - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإمام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ، فإنّه لا يقتل إجماعاً ، لأنّه بالإسلام قد عصم دمه .
أمّا استرقاقه ففيه رأيان : فالجمهور ، وقولٌ للشّافعيّة ، واحتمالٌ للحنابلة أنّ الإمام فيه مخيّرٌ فيما عدا القتل ، لأنّه لمّا سقط القتل بإسلامه بقيت باقي الخصال .
والقول الظّاهر للحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ، لأنّ سبب الاسترقاق قد انعقد بالأسر قبل إسلامه ، فصار كالنّساء والذّراريّ ، فيتعيّن استرقاقه فقط ، فلا منّ ولا فداء ، ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرّقّ .
أموال الأسير :
32 - الحكم في مال الأسير مبنيٌّ على الحكم في نفسه ، فلا عصمة له على ماله وما معه ، فهو فيءٌ لكلّ المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ، أو كان الأسر مستنداً لقوّة الجيش ، ولو أسلم بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ، أمّا لو كان إسلامه في دار الحرب قبل أخذه ، ولم يخرج إلينا حتّى ظهرنا على الدّار ، عصم نفسه وصغاره وكلّ ما في يده من مالٍ ، لحديث « من أسلم على مالٍ فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ، وكذا العقار عند المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : وخرج عقاره لأنّه في يد أهل الدّار وسلطانها فيكون غنيمةً . وقيل : إنّ محمّداً جعله كسائر ماله . وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئاً فله من ذلك الرّبع ، وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ، فخرج فأصاب شيئاً فذلك كلّه للمسلمين ، لأنّ الأسير فيءٌ لهم وكسب العبد لمولاه .
33 - وإذا وقع السّبي في سهم رجلٍ من المسلمين ، فأخرج مالاً كان معه لم يعلم به ، فينبغي للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ، لأنّ الأمير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإنّ ذلك لم يكن معلوماً له ، وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ، وإنّما يتحقّق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلاّ ما كان معلوماً . ويروى أنّ رجلاً اشترى جاريةً من المغنم ، فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّاً كان معها ، فقال الرّجل : ما أدري هذا ؟ وأتى سعد بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال : اجعله في غنائم المسلمين . لأنّ المال الّذي مع الأسير كان غنيمةً ، وفعل الأمير تناول الرّقبة دون المال ، فبقي المال غنيمةً .
وهذا الحكم يصدق أيضاً على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذمّيٍّ . فإن كانت لدى حربيٍّ فهي فيءٌ للغانمين .
34 - وإذا كان على الأسير دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ، فإنّ حقّ الدّين مقدّمٌ على حقّ الغنيمة ، إلاّ إذا سبق الاغتنام رقّه .
ولو وقعا معاً فالظّاهر - على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة - تقديم الغنيمة ، فإن لم يكن مالٌ فهو في ذمّته إلى أن يعتق .
بم يعرف إسلامه :
35 - روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالإسلام دون اعترافٍ جازمٍ ، بيّن اللّه أمرهم بقوله : { يا أيّها النّبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم } . وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض الأسرى لرسوله ، فإنّ المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النّيّات ، ولقد حدّث المقداد بن الأسود أنّه قال :« يا رسول اللّه ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها ، ثمّ لاذ منّي بشجرةٍ فقال : أسلمت للّه ، أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله . قال فقلت : يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ، ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » .
وبمثل ذلك قال الرّسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ : « أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا » . ولذا فإنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم ، فقال رجلٌ منهم : أنا مسلمٌ ، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه عن الإسلام ، فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ، وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له ، ثمّ يقولوا له : هل أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلمٌ ، ولو قال : لست بمسلمٍ ولكن ادعوني إلى الإسلام حتّى أسلم لم يحلّ قتله .
أسرى البغاة :
36 - البغي في اللّغة : مصدر بغى ، وهو بمعنى علا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال . ومنه قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } .
والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على الإمام الحقّ بغير حقٍّ ولهم منعةٌ . ويجب قتالهم لردعهم لا لقتلهم وسنتصدّى للكلام عن حكم أسراهم .
37 - أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » .
38 - وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم . بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر الأسر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ، وقد روي أنّ عليّاً رضي الله عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ، قرّر عليٌّ عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ، فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ، فقال ابن عبّاسٍ لهم : أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها . فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ، لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم : إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ، لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } . فلا يستباح منهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّرّيّة على أصل العصمة . ولفقهاء المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة .
39 - ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ، لأنّ الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ، وقد روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل :" لا يقتل أسيرهم ، ولا يكشف سترٌ ، ولا يؤخذ مالٌ " أي لا يسترقّون ولذا فإنّه لا تسبى نساؤهم ولا ذراريّهم . والأصل أنّ أسيرهم لا يقتل لأنّه مسلمٌ ، وقد نصّ على تحريم ذلك كلٌّ من الشّافعيّة والحنابلة ، حتّى قال الحنابلة : وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أساراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل الأسرى .
غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل . وقيل : يؤدّب ولا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله . ولو كانوا جماعةً ، إذا خاف أن يكون منهم ضررٌ . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة فئةٌ ، وبين ما إذا لم تكن لهم فئةٌ ، فقالوا : لو كان للبغاة فئةٌ أجهز على جريحهم ، واتّبع هاربهم لقتله أو أسره ، فإن لم يكن له فئةٌ فلا ، والإمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئةٌ : إن شاء قتله لئلاّ ينفلت ويلحق بهم ، وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ، قال الشرنبلالي : وهو الحسن ، لأنّ شرّه يندفع بذلك ، وقالوا : إنّ ما قاله عليٌّ رضي الله عنه من عدم قتل الأسير مؤوّلٌ بما إذا لم يكن لهم فئةٌ ، وقالوا : إنّ عليّاً كان إذا أخذ أسيراً استحلفه ألاّ يعين عليه وخلاّه ، أمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ فلا يقتل أسيرهم . والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ولا تقتل ، إلاّ في حال مقاتلتها . وكذا العبيد والصّبيان .
40 - ويتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز فداؤهم نظير مالٍ ، وإنّما إذا تركهم مع الأمن كان مجّاناً ، لأنّ الإسلام يعصم النّفس والمال ، كما أنّه لا يجوز للإمام موادعتهم على مالٍ ، وإن وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يردّه عليهم ، وصرف الصّدقات في أهلها ، والفيء في مستحقّيه ، وإن كان من خالص أموالهم وجب ردّه عليهم .
41 - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ، ليتوصّلوا إلى تخليص أساراهم ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ويطلقون ، لأنّ المترتّب في أسارى أهل العدل لغيرهم .
42 - وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ، فإنّهم يحبسون ولا يخلّى سبيلهم ، إن كان فيهم منعةٌ ، ولو كان الأسير صبيّاً أو امرأةً أو عبداً إن كانوا مقاتلين ، وإلاّ أطلقوا بمجرّد انقضاء الحرب ، وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة الإمام . ولو كانوا مراهقين وعبيداً ونساءً غير مقاتلين أو أطفالاً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإمام .
وفي وجهٍ عند الحنابلة يحبسون ، لأنّ فيه كسراً لقلوب البغاة . وقالوا : إن بطلت شوكتهم ويخاف اجتماعهم في الحال ، فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه .
أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة :
43 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب وأمّنوهم ، أو لم يؤمنوهم ، فظهر أهل العدل عليهم ، فوقعوا في الأسر عند أهل العدل ، أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ، واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال الأسير : ظننت جواز إعانتهم ، أو أنّهم على حقٍّ ولي إعانة المحقّ ، وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ، ثمّ يقاتل كالبغاة .
الأسرى من أهل الذّمّة إذا أعانوا البغاة :
44 - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذّمّة ، فوقع أحدٌ منهم في الأسر ، أخذ حكم الباغي عند الحنفيّة ، فلا يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ، ويخيّر الإمام إذا كانت له فئةٌ ، ولا يجوز استرقاقه . وقال المالكيّة : إذا استعان الباغي المتأوّل بذمّيٍّ فلا يغرم الذّمّيّ ما أتلفه من نفسٍ أو مالٍ ، ولا يعدّ خروجه معه نقضاً للعهد .
أمّا إن كان الباغي معانداً - أي غير متأوّلٍ - فإنّ الذّمّيّ الّذي معه يكون ناقضاً للعهد ، ويكون هو وماله فيئاً . وهذا إن كان مختاراً ، أمّا إن كان مكرهاً فلا ينتقض عهده ، وإن قتل نفساً يؤخذ بها ، حتّى لو كان مكرهاً . وقول الشّافعيّة في ذلك كقول المالكيّة . قالوا : لو أعان الذّمّيّون البغاة في القتال ، وهم عالمون بالتّحريم مختارون انتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بالقتال . أمّا إن قال الذّمّيّون : كنّا مكرهين ، أو ظننّا جواز القتال إعانةً ، أو ظننّا أنّهم محقّون فيما فعلوه ، وأنّ لنا إعانة المحقّ وأمكن صدقهم ، فلا ينتقض عهدهم ، لموافقتهم طائفةً مسلمةً مع عذرهم ، ويقاتلون كبغاةٍ . ومثلهم في ذلك المستأمنون ، على ما صرّح به الشّافعيّة . وللحنابلة قولان في انتقاض عهدهم ،
أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم . ويصيرون كأهل الحرب في قتل مقبلهم واتّباع مدبرهم وجريحهم .
والثّاني : لا ينتقض ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . ويكون حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم ، والكفّ عن أسرهم ومدبرهم وجريحهم .
وإن أكرههم البغاة على معونتهم ، أو ادّعوا ذلك قبل منهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . وكذلك إن قالوا : ظننّا أنّ من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته ، لأنّ ما ادّعوه محتملٌ ، فلا ينتقض عهدهم مع الشّبهة . وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم . والفرق بينهما أنّ أهل الذّمّة أقوى حكماً ، لأنّ عهدهم مؤبّدٌ ، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ، ويلزم الإمام الدّفع عنهم ، والمستأمنون بخلاف ذلك . وإذا أسر من يراد عقد الإمامة له ، وكان لا يقدر على الخلاص من الأسر ، منع ذلك من عقد الإمامة له .
أسرى الحرابة :
45 - المحاربون طائفةٌ من أهل الفساد ، اجتمعت على شهر السّلاح وقطع الطّريق ، ويجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله ، ومن ظفر بالمحارب فلا يلي قتله ، ويرفعه إلى الإمام . قال المالكيّة : إلاّ أن يخاف ألاّ يقيم الإمام عليه الحكم .
ولا يجوز للإمام تأمينه ، وإن استحقّوا الهزيمة فجريحهم أسيرٌ ، والحكم فيهم للإمام ، مسلمين كانوا أو ذمّيّين عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأحد قولين عند الحنابلة . وكذلك المستأمن عند أبي يوسف والأوزاعيّ . وموضع بيان ذلك مصطلح ( حرابةٌ ) .
أسرى المرتدّين وما يتعلّق بهم من أحكامٍ :
46 - الرّدّة في اللّغة : الرّجوع ، فيقال : ارتدّ عن دينه إذا كفر بعد إسلامٍ .
وتختصّ الرّدّة - في الاصطلاح الفقهيّ - بالكفر بعد الإسلام . وكلّ مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن لم يتب ، إلاّ المرأة عند الحنفيّة فإنّها تحبس ، ولا يترك المرتدّ على ردّته بإعطاء الجزية ولا بأمانٍ ، ولا يجوز استرقاقه حتّى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب ، بخلاف المرأة فإنّها تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، على تفصيلٍ بين المذاهب موضعه مصطلح ( ردّةٌ ) .
47 - وإذا ارتدّ جمعٌ ، وتجمّعوا وانحازوا في دارٍ ينفردون بها عن المسلمين ، حتّى صاروا فيها ذوي منعةٍ وجب قتالهم على الرّدّة بعد مناظرتهم على الإسلام ، ويستتابون وجوباً عند الحنابلة والشّافعيّة ، واستحباباً عند الحنفيّة ، ويقاتلون قتال أهل الحرب ، ومن أسر منهم قتل صبراً إن لم يتب ، ويصرّح الشّافعيّة بأنّنا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا بنحو حصنٍ .
ولا يجوز أن يسترقّ رجالهم ، ولكن تغنم أموالهم ، وتسبى ذراريّهم الّذين حدثوا بعد الرّدّة ، لأنّها دارٌ تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حربٍ ، ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة ، ولا يصالحوا على مالٍ يقرّون به على ردّتهم ، بخلاف أهل الحرب .
وقد سبى أبو بكرٍ رضي الله عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ، وسبى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بني ناجية . وإن أسلموا حقنت دماؤهم ، ومضى فيهم حكم السّباء على الصّبيان والنّساء ، فأمّا الرّجال فأحرارٌ لا يسترقّون ، وليس على الرّجال من أهل الرّدّة سبيٌ ولا جزيةٌ ، إنّما هو القتل أو الإسلام . وإن ترك الإمام السّباء وأطلقهم وعفا عنهم وترك لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعةٍ .
48 - ويصرّح المالكيّة بعدم استتابة المرتدّين إن حاربوا بأرض الكفر أو بأرض الإسلام ، يقول ابن رشدٍ : إذا حارب المرتدّ ثمّ ظهر عليه فإنّه يقتل بالحرابة ، ولا يستتاب ، كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلاّ أن يسلم ، فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالكٍ كالحربيّ يسلم ، لا تباعة عليه في شيءٍ ممّا فعل في حال ارتداده . وأمّا إن كان حرابته في دار الإسلام فإنّه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصّةً . وعن ابن القاسم قال : إذا ارتدّ جماعةٌ في حصنٍ فإنّهم يقاتلون ، وأموالهم فيءٌ للمسلمين ، ولا تسبى ذراريّهم . وقال أصبغ : تسبى ذراريّهم وتقسم أموالهم . وهذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكرٍ رضي الله عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ، فقد سبى أبو بكرٍ النّساء والصّغار ، وأجرى المقاسمة في أموالهم ، فلمّا ولي عمر نقض ذلك .
49 - ويتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الأسير المرتدّ يقتل إن لم يتب ويعد إلى الإسلام ، ولا فرق بين رجلٍ وامرأةٍ عند الأئمّة الثّلاثة . وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعليٍّ ، وبه قال الحسن والزّهريّ والنّخعيّ ومكحولٌ ، لعموم حديث : « من بدّل دينه فاقتلوه » .
50 - ويرى الحنفيّة أنّ المرأة لا تقتل ، وإنّما تحبس حتّى تتوب .
أمّا لو كانت المرأة تقاتل ، أو كانت ذات رأيٍ فإنّها تقتل اتّفاقاً . لكنّها عند الحنفيّة تقتل لا لردّتها ، بل لأنّها تسعى بالفساد .
ويستدلّ الحنفيّة على عدم قتل المرأة المرتدّة إذا أخذت سبياً بما روي من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « الحق بخالد بن الوليد ، فلا يقتلنّ ذرّيّةً ولا عسيفاً » ، ولا فرق بين الكفر الأصليّ والكفر الطّارئ ، فإنّ الحربيّة إذا سبيت لا تقتل .
51 - ويتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّه لا يجوز أخذ الفداء من الأسرى المرتدّين ، ولا المنّ عليهم بأمانٍ مؤقّتٍ أو أمانٍ مؤبّدٍ ، ولا يترك على ردّته بإعطاء الجزية . كما يتّفقون على أنّ المرتدّ من الرّجال لا يجري فيه إلاّ : العودة إلى الإسلام أو القتل ، لأنّ قتل المرتدّ على ردّته حدٌّ ، ولا يترك إقامة الحدّ لمنفعة الأفراد .
52 - والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّقّ لا يجري على المرتدّة أيضاً ، وإن لحقت بدار الحرب ، لأنّه لا يجوز إمرار أحدٍ من المرتدّين على الكفر بالاسترقاق ، بينما يرى الحنفيّة أنّ المرتدّة تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، ولا تسترقّ في دار الإسلام ، كما في ظاهر الرّواية ، وعن أبي حنيفة في النّوادر : أنّها تسترقّ في دار الإسلام أيضاً .
وقالوا في تعليل ذلك : إنّه لم يشرع قتلها ، ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلاّ مع الجزية أو مع الرّقّ ، ولا جزية على النّساء ، فكان إبقاؤها على الرّقّ أنفع .
وقد استرق الصّحابة نساء من ارتدّ .
53 - وبالنّسبة لأصحاب الأعذار من الأسرى المرتدّين ، فإنّهم يقتلون أيضاً . ونقل السّرخسيّ قولاً بأنّ حلول الآفة بمنزلة الأنوثة ، لأنّه تخرج به بنيته ( هيئته وجسمه ) من أن تكون صالحةً للقتال ، فعلى هذا لا يقتلون بعد الرّدّة ، كما لا يقتلون في الكفر الأصليّ . وعلى قول من يرى وجوب قتل المرتدّة - إذا كانت الأسيرة المرتدّة ذات زوجٍ ، وهي من ذوات الحيض - فإنّها تستبرأ بحيضةٍ قبل قتلها خشية أن تكون حاملاً ، فإن ظهر بها حملٌ أخّرت حتّى تضع ، فإن كانت ممّن لا تحيض استبرئت بثلاثة أشهرٍ إن كانت ممّن يتوقّع حملها ، وإلاّ قتلت بعد الاستتابة .
أسرى المسلمين في يد الأعداء :
استئسار المسلم وما ينبغي لاستنقاذه عند تترّس الكفّار به :
أ - الاستئسار :
54 - الاستئسار هو تسليم الجنديّ نفسه للأسر ، فقد يجد الجنديّ نفسه مضطرّاً لذلك .
وقد وقع الاستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعلم به الرّسول صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم . روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال : « بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرةً رهطاً عيناً ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ الأنصاريّ ، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بالهدأة - موضعٌ بين عسفان ومكّة - ذكروا لبني لحيان ، فنفروا لهم قريباً من مائتي رجلٍ كلّهم رامٍ ، فاقتصّوا أثرهم ، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى فدفدٍ - موضعٍ غليظٍ مرتفعٍ - وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتل منكم أحداً ، قال عاصمٌ : أمّا أنا فواللّه لا أنزل اليوم في ذمّة كافرٍ ، اللّهمّ خبّر عنّا نبيّك ، فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصماً في سبعةٍ ، فنزل إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق ، منهم خبيبٌ الأنصاريّ ، وزيد بن الدّثنة ، ورجلٌ آخر . فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم ، فقال الرّجل الثّالث : هذا أوّل الغدر ، واللّه لا أصحبكم ، إنّ لي في هؤلاء لأسوةً - يريد القتلى - فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم - أي مارسوه وخادعوه ليتبعهم - فأبى فقتلوه ، وانطلقوا بخبيبٍ وابن الدّثنة حتّى باعوهما بمكّة ... » فعلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما حدث ، وعدم إنكاره يدلّ على أنّ الاستئسار في هذه الحالة مرخّصٌ فيه ، وقال الحسن : لا بأس أن يستأسر الرّجل إذا خاف أن يغلب . وإلى هذا اتّجه كلٌّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
55 - وقد نصّ الشّافعيّة على شروطٍ يلزم توافرها لجواز الاستئسار هي : أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال ، وألاّ يكون المستسلم إماماً ، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود ، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة . والأولى - كما نصّ عليه الحنابلة - إذا ما خشي المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتّى يقتل ، ولا يسلم نفسه للأسر ، لأنّه يفوز بثواب الدّرجة الرّفيعة ، ويسلم من تحكّم الكفّار عليه بالتّعذيب والاستخدام والفتنة ، وإن استأسر جاز ، لما روي عن أبي هريرة في الحديث المتقدّم .
ب- استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم :
56 - إذا وقع المسلم أسيراً فهو حرٌّ على حاله ، وكان في ذمّة المسلمين ، يلزمهم العمل على خلاصه ، ولو بتيسير سبل الفرار له ، والتّفاوض من أجل إطلاق سراحه ، فإذا لم يطلقوا سراحه تربّصوا لذلك . وقد كان الرّسول صلوات الله وسلامه عليه يتحيّن الفرصة المناسبة لتخليص الأسرى . روت كتب السّيرة أنّ « قريشاً أسرت نفراً من المسلمين ، فلمّا لم يجد الرّسول صلى الله عليه وسلم حيلةً لإنقاذهم كان يدعو اللّه لإنقاذهم دبر كلّ صلاةٍ ، ولمّا أفلت أحدهم من الأسر ، وقدم المدينة ، سأله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفيقيه فقال : أنا لك بهما يا رسول اللّه ، فخرج إلى مكّة فدخلها مستخفياً ، فلقي امرأةً علم أنّها تحمل الطّعام لهما في الأسر فتبعها ، حتّى استطاع تخليصهما ، وقدم بهما على الرّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة » .« وقد استنقذ رسول اللّه كلاًّ من سعد بن أبي وقّاصٍ وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما ، وقد أسرهما المشركون ، بأن فاوض عليهما ، وحبس اثنين منهم حتّى يطلقوا سراحهما »،« وكذلك فعل في استنقاذ عثمان وعشرةٍ من المهاجرين رضي الله عنهم بعد صلح الحديبية ». وقد روى سعيدٌ بإسناده أنّ رسول اللّه قال : « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسراهم » . ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال : لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفّار أحبّ إليّ من جزيرة العرب .
57 - ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسوراً ، فإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذّراريّ والنّساء ، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين ، ولهم عليهم قوّةٌ ، فالواجب عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار الإسلام ، فإن دخلوا بهم دار الحرب ، فالواجب على المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم ، فإن شقّ عليهم القتال لتخليصهم فتركوه كانوا في سعةٍ من ذلك ، فإنّا نعلم أنّ في يد الكفّار بعض أسارى المسلمين ، ولا يجب على كلّ واحدٍ منّا الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسرى .
58 - والاستنقاذ إذا لم يتيسّر عن طريق القتال فإنّه يصحّ أن يكون عن طريق الفداء بتبادل الأسرى ، على ما سبق بيان القول فيه ، كما يصحّ أن يكون بالمال أيضاً ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أطعموا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكّوا العاني » لأنّ ما يخاف من تعذيب الأسير أعظم في الضّرورة من بذل المال ، فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما . والحنفيّة على وجوب ذلك في بيت المال ، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه . ونقل أبو يوسف عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : " كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين " . وهو ما ذهب إليه المالكيّة ، كما نقله الموّاق عن ابن بشيرٍ من أنّه يجب في بيت المال ، فإن تعذّر فعلى عموم المسلمين ، والأسير كأحدهم ، فإن ضيّع الإمام والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله ، وهو ما رواه ابن رشدٍ أيضاً .
وفي المهذّب أنّه وجهٌ عند الشّافعيّة . والوجه الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ بذل المال لفكّ أسرى المسلمين - إن خيف تعذيبهم - جائزٌ عند الضّرورة ، ويكون في مالهم ، ويندب عند العجز افتداء الغير له ، فمن قال لكافرٍ : أطلق هذا الأسير ، وعليّ كذا ، فأطلقه لزمه ، ولا يرجع على الأسير ما لم يأذن له في فدائه .
61 - وأسر المسلم الحرّ لا يزيل حرّيّته ، فمن اشتراه من العدوّ لا يملكه ، وإن اشتراه مسلمٌ بغير أمره فهو متطوّعٌ فيما أدّى من فدائه ، وإن اشتراه بأمره فإنّه يرجع عليه بالثّمن الّذي اشتراه به ، والقياس لا يرجع عليه إلاّ أن يشترط ذلك نصّاً .
ويرى المالكيّة - كما يروي الموّاق - أنّ للمشتريّ أن يرجع عليه ، شاء أو أبى ، لأنّه فداءٌ ، فإن لم يكن له شيءٌ اتّبع به في ذمّته . ولو كان له مالٌ وعليه دينٌ ، فالّذي فداه واشتراه من العدوّ أحقّ به من غرمائه . أمّا إن كان يقصد الصّدقة ، أو كان الفداء من بيت المال فلا يرجع عليه ، وكذا إن كان الأسير يرجو الخلاص بالهروب أو التّرك .
62 - ولو خلّى الكفّار الأسير ، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه ، أو يعود إليهم ، فإن كان هذا نتيجة إكراهٍ لم يلزمه الوفاء ، وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء لزمه ، وبهذا قال عطاءٌ والحسن والزّهريّ والنّخعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ ، لوجوب الوفاء ، ولأنّ فيه مصلحة الأسارى ، وفي الغدر مفسدةٌ في حقّهم . وقال الشّافعيّ : لا يلزمه ، لأنّه حرٌّ لا يستحقّون بدله . وأمّا إن عجز عن الفداء ، فإن كانت امرأةً فإنّه لا يحلّ لها الرّجوع إليهم ، لقوله تعالى { فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار } ، ولأنّ في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً .
وإن كان رجلاً ، ففي روايةٍ عند الحنابلة لا يرجع ، وهو قول الحسن والنّخعيّ والثّوريّ والشّافعيّ . وفي الرّواية الثّانية عندهم يلزمه ، وهو قول عثمان والزّهريّ والأوزاعيّ ،
« لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين صالح قريشاً على ردّ من جاء منهم مسلماً أمضى اللّه ذلك في الرّجال ، ونسخه في النّساء ».
ج - التّترّس بأسارى المسلمين :
63 - التّرس بضمّ التّاء : ما يتوقّى به في الحرب ، يقال : تترّس بالتّرس إذا توقّى به ، ومن ذلك تترّس المشركين بالأسرى من المسلمين والذّمّيّين في القتال ، لأنّهم يجعلونهم كالتّراس ، فيتّقون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ، لأنّ رمي المشركين - مع تترّسهم بالمسلمين - يؤدّي إلى قتل المسلمين الّذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من الأسر .
وقد عني الفقهاء بهذه المسألة ، وتناولوها من ناحية جواز الرّمي مع التّترّس بالمسلمين أو الذّمّيّين ، كما تناولوها من ناحية لزوم الكفّارة والدّية ، وإليك اتّجاهات المذاهب في هذا :
أ - رمي التّرس :
64 - من ناحية رمي التّرس : يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ محقّقٌ على جماعة المسلمين ، فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس ، لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ عن بيضة الإسلام ، وقتل الأسير ضررٌ خاصٌّ . ويقصد عند الرّمي الكفّار لا التّرس ، لأنّه إن تعذّر التّمييز فعلاً فقد أمكن قصداً ، ونقل ابن عابدين عن السّرخسيّ أنّ القول للرّامي بيمينه في أنّه قصد الكفّار ، وليس قول وليّ المقتول الّذي يدّعي العمد .
أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء ، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضاً ، وتسقط حرمة التّرس .
ويقول الصّاويّ المالكيّ : ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة لا يجوز ، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم ، كما أنّه لا يجوز عند المالكيّة إذا كان الخوف على بعض الغازين فقط .
65 - وأمّا في حالة الحصار الّذي لا خطر فيه على جماعة المسلمين ، لكن لا يقدر على الحربيّين إلاّ برمي التّرس ، فجمهور الفقهاء من المالكيّة ، والشّافعيّة ، وجمهور الحنابلة ، والحسن بن زيادٍ من الحنفيّة على المنع ، لأنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ . ألا يرى أنّ للإمام ألاّ يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر .
وذهب جمهور الحنفيّة ، والقاضي من الحنابلة إلى جواز رميهم ، وعلّل الحنفيّة ذلك بأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ ، وأنّه قلّما يخلو حصنٌ عن مسلمٍ ، واعتبر القاضي من الحنابلة أنّ ذلك من قبيل الضّرورة .
ب - الكفّارة والدّية :
66 - ومن ناحية الكفّارة والدّية عند إصابة أحد أسرى المسلمين نتيجة رمي التّرس ، فإنّ جمهور الحنفيّة على أنّ ما أصابوه منهم لا يجب فيه ديةٌ ولا كفّارةٌ ، لأنّ الجهاد فرضٌ ، والغرامات لا تقرن بالفروض ، لأنّ الفرض مأمورٌ به لا محالة ، وسبب الغرامات عدوانٌ محضٌ منهيٌّ عنه ، وبينهما منافاةٌ ، فوجوب الضّمان يمنع من إقامة الفرض ، لأنّهم يمتنعون منه خوفاً من لزوم الضّمان ، وهذا لا يتعارض مع ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه « ليس في الإسلام دمٌ مفرجٌ » - أي مهدرٌ - لأنّ النّهي عامٌّ خصّ منه البغاة وقطّاع الطّريق ، فتخصّ صورة النّزاع ، كما أنّ النّهي في الحديث خاصٌّ بدار الإسلام ، وما نحن فيه ليس بدار الإسلام .
67 - وعند الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة وجمهور الحنابلة والشّافعيّة تلزم الكفّارة قولاً واحداً ، وفي وجوب الدّية روايتان :
إحداهما : تجب ، لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، فيدخل في عموم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } .
الثّانية : لا دية ، لأنّه قتل في دار الحرب برميٍ مباحٍ ، فيدخل في عموم قوله تعالى { وإن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ } ولم يذكر ديةً . وعدم وجوب الدّية هو الصّحيح عند الحنابلة .
68 - ويقول الجمل الشّافعيّ : وجبت الكفّارة إن علم القاتل ، لأنّه قتل معصوماً ، وكذا الدّية ، لا القصاص ، لأنّه مع تجويز الرّمي لا يجتمعان . وفي نهاية المحتاج تقييد ذلك بأن يعلم به ، وأن يكون في الإمكان توقّيه . وينقل البابرتيّ من الحنفيّة عن أبي إسحاق أنّه قال : إن قصده بعينه لزمه الدّية ، علمه مسلماً أو لم يعلمه ، للحديث المذكور . وإن لم يقصده بعينه بل رمى إلى الصّفّ فأصيب فلا دية عليه . والتّعليل الأوّل أنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ ، لأنّ للإمام أن يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان تركه لعدم قتل المسلم أولى ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر .
69 - ولم نقف للمالكيّة على شيءٍ في هذا إلاّ ما قاله الدّسوقيّ عند تعليقه على قول خليلٍ : وإن تترّسوا بمسلمٍ ، فقال : وإن تترّسوا بأموال المسلمين فيقاتلون ولا يتركون . وينبغي ضمان قيمته على من رماهم ، قياساً على ما يرمى من السّفينة للنّجاة من الغرق ، بجامع أنّ كلاًّ إتلاف مالٍ للنّجاة .
مدى تطبيق بعض الأحكام الشّرعيّة على أسرى المسلمين
حقّ الأسير في الغنيمة :
70 - يستحقّ من أسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم قبل الأسر ، إذا علم حياته أو انفلت من الأسر . لأنّ حقّه ثابتٌ فيها ، وبالأسر لم يخرج من أن يكون أهلاً ، لتقرّر حقّه بالإحراز . ولا شيء له فيما غنمه المسلمون بعد أسره ، لأنّ المأسور في يد أهل الحرب لا يكون مع الجيش حقيقةً ولا حكماً ، فهو لم يشاركهم في إصابة هذا ، ولا في إحرازه بالدّار . وإذا لم يعرف مصير هذا الأسير في يد الحربيّين قسمت الغنائم ، ولم يوقف له منها شيءٌ . وإن قسمت الغنائم ثمّ جاء بعد ذلك حيّاً لم يكن له شيءٌ ، لأنّ حقّ الّذين قسم بينهم قد تأكّد بالقسمة وثبت ملكهم فيها ، ومن ضرورته إبطال الحقّ الضّعيف .
والمذهب عند الحنابلة أنّه إذا هرب فأدرك الحرب قبل تقضّيها أسهم له ، وفي قولٍ لا شيء له . وإن جاء بعد إحراز الغنيمة فلا شيء له .
71 - ومن أسر بعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو بيعها ، وكان قد تخلّف في دار الحرب لحاجة بعض المسلمين ، فإنّه يوقف نصيبه حتّى يجيء فيأخذه ، أو يظهر موته فيكون لورثته ، لأنّ حقّه قد تأكّد في المال المصاب بالإحراز . وفي بداية المجتهد : أنّ الغنيمة إنّما تجب عند الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين : إمّا أن يكون ممّن حضر القتال ، وإمّا أن يكون ردءاً لمن حضر القتال . وتفصيل الكلام في هذا موضعه مصطلح ( غنيمةٌ ) .
حقّ الأسير في الإرث وتصرّفاته الماليّة :
72 - أسير المسلمين الّذي مع العدوّ يرث إذا علمت حياته في قول عامّة الفقهاء ، لأنّ الكفّار لا يملكن الأحرار بالقهر ، فهو باقٍ على حرّيّته ، فيرث كغيره . وكذلك لا تسقط الزّكاة عنه ، لأنّ تصرّفه في ماله نافذٌ ، ولا أثر لاختلاف الدّار بالنّسبة له . فقد كان شريحٌ يورّث الأسير في أيدي العدوّ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك مالاً فلورثته ... » فهذا الحديث بعمومه يؤيّد قول الجمهور أنّ الأسير إذا وجب له ميراثٌ يوقف له . وعن سعيد بن المسيّب أنّه لم يورّث الأسير في أيدي العدوّ ، وفي روايةٍ أخرى عنه أنّه يرث .
73 - والمسلم الّذي أسره العدوّ ، ولا يدرى أحيٌّ هو أم ميّتٌ ، مع أنّ مكانه معلومٌ وهو دار الحرب ، له حكمٌ في الحال ، فيعتبر حيّاً في حقّ نفسه ، حتّى لا يورث عنه ماله ، ولا تزوّج نساؤه ، وميّتاً في حقّ غيره حتّى لا يرث من أحدٍ . وله حكمٌ في المآل ، وهو الحكم بموته بمضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، فهو في حكم المفقود . انظر مصطلح ( مفقودٌ ) .
74 - ويسري على الأسير في تصرّفاته الماليّة ما يسري على غيره في حال الصّحّة من أحكامٍ ، فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائزٌ ، ما دام صحيحاً غير مكرهٍ . قال عمر بن عبد العزيز :" أجيز وصيّة الأسير وعتاقه وما صنع في ماله ما لم يتغيّر عن دينه ، فإنّما هو ماله يصنع فيه ما يشاء ". أمّا إن كان الأسير في يد مشركين عرفوا بقتل أسراهم ، فإنّه يأخذ حكم المريض مرض الموت ، لأنّ الأغلب منهم أن يقتلوا ، وليس يخلو المرّة في حالٍ أبداً من رجاء الحياة وخوف الموت ، لكن إذا كان الأغلب عنده وعند غيره الخوف عليه ، فعطيّته عطيّة مريضٍ ، وإذا كان الأغلب الأمان كانت عطيّته عطيّة الصّحيح .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( مرض الموت ) .
جناية الأسير وما يجب فيها :
75 - يتّجه جمهور الفقهاء : الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، إلى أنّه إذا صدر من الأسير حال الأسر ما يوجب حدّاً أو قصاصاً وجب عليه ما يجب في دار الإسلام ، لأنّه لا تختلف الدّاران في تحريم الفعل ، فلم تختلف فيما يجب من العقوبة . فلو قتل بعضهم بعضاً ، أو قذف بعضهم بعضاً ، أو شرب أحدهم خمراً ، فإنّ الحدّ يقام عليهم إذا صاروا إلى بلاد المسلمين ، ولا تمنع الدّار حكم اللّه . ويقول الحطّاب : إذا أقرّ الأسير أنّه زنى ، ودام على إقراره ولم يرجع ، أو شهد عليه ، قال ابن القاسم وأصبغ : عليّة الحدّ .
وإذا قتل الأسير أحداً منهم خطأً ، وقد كان أسلم ، والأسير لا يعلم ، فعليه الدّية والكفّارة . وقيل الكفّارة فقط . وإذا قتله عمداً ، وهو لا يعلمه مسلماً فعليه الدّية والكفّارة . وإن كان قتله عمداً وهو يعلم بإسلامه قتل به . وإذا جنى الأسير على أسيرٍ مثله فكغيرهما .
76 - وقال الحنفيّة - وهو قولٌ عند المالكيّة ، قاله عبد الملك - في جريمة الزّنى - بعدم إقامة الحدّ عليه ، لقوله عليه السلام « لا تقام الحدود في دار الحرب » لانعدام المستوفي ، وإذا لم يجب عليه حين باشر السّبب لا يجب عليه بعد ذلك ، وقالوا : لا حدّ على من زنى وكان أسيراً في معسكر أهل البغي ، لأنّ يد إمام أهل العدل لا تصل إليهم . وقالوا : لو قتل أحد الأسيرين المسلمين الآخر فلا شيء عليه سوى الكفّارة ، وهذا عند أبي حنيفة ، لأنّه بالأسر صار تبعاً لهم ، لصيرورته مقهوراً في أيديهم ، ولهذا يصير مقيماً بإقامتهم ومسافراً بسفرهم . وخصّ الخطأ بالكفّارة ، لأنّه لا كفّارة في العمد ، وبقي عليه عقاب الآخرة .
وقال الصّاحبان بلزوم الدّية أيضاً في الخطأ والعمد ، لأنّ العصمة لا تبطل بعارض الأسر وامتناع القصاص لعدم المنفعة ، وتجب الدّية في ماله الّذي في دار الإسلام .
أنكحة الأسرى :
77 - ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّ الأسير لا يحلّ له التّزوّج ما دام أسيراً ، وهذا قول الزّهريّ ، وكره الحسن أن يتزوّج في أرض المشركين ، لأنّ الأسير إذا ولد له ولدٌ كان رقيقاً لهم ، ولا يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم ، وسئل أحمد عن أسيرٍ اشتريت معه امرأته أيطؤها ؟ فقال : كيف يطؤها ؟ فلعلّ غيره منهم يطؤها ، قال الأثرم : قلت له : ولعلّها تعلق بولدٍ فيكون معهم ، قال : وهذا أيضاً . ويقول الموّاق : الأسير يعلم تنصّره فلا يدري أطوعاً أم كرهاً فلتعتدّ زوجته ، ويوقف ماله ، ويحكم فيه بحكم المرتدّ ، وإن ثبت إكراهه ببيّنةٍ كان بحال المسلم في نسائه وماله . وتفصيل ذلك في موضع ( إكراهٌ ) ( وردّةٌ ) .
إكراه الأسير والاستعانة به :
78 - الأسير إن أكرهه الكفّار على الكفر ، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، لا تبين منه امرأته ، ولا يحرم ميراثه من المسلمين ، ولا يحرمون ميراثهم منه ، وإذا ما أكره على أكل لحم الخنزير أو دخول الكنيسة ففعل وسعه ذلك لقاعدة الضّرورات . ولو أكرهوه على أن يقتل مسلماً لم يكن له ذلك ، كما لا يرخّص له في أن يدلّ على ثغرةٍ ينفذ منها العدوّ إلى مقاتلتنا ، ولا الاشتراك مع العدوّ في القتال عند كثيرٍ من العلماء ، وأجاز ذلك الأوزاعيّ وغيره ، ومنعه مالكٌ وابن القاسم . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( إكراهٌ ) .
الأمان من الأسير وتأمينه :
79 - لا يصحّ الأمان من الأسير عند الحنفيّة ، لأنّ الأمان لا يقع منه بصفة النّظر منه للمسلمين ، بل لنفسه حتّى يتخلّص منهم ، ولأنّ الأسير خائفٌ على نفسه ، إلاّ أنّه فيما بينهم وبينه إن أمنوه وأمنهم ، فينبغي أن يفي لهم كما يفون له ، ولا يسرق شيئاً من أموالهم ، لأنّه غير متّهمٍ في حقّ نفسه ، وقد شرط أن يفي لهم ، فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم . وهو ما قاله اللّيث . ووافقهم كلٌّ من : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إذا ما كان الأسير محبوساً أو مقيّداً ، لأنّه مكرهٌ ، وأعطى الشّافعيّة من أمّن آسره حكم المكره ، وقالوا : إنّ أمانه فاسدٌ . أمّا إذا كان مطلقاً وغير مكرهٍ ، فقد نصّ الشّافعيّة على أنّ أسير الدّار - وهو المطلق ببلاد الكفّار الممنوع من الخروج منها - يصحّ أمانه . قال الماورديّ : وإنّما يكون مؤمّنه آمناً بدارهم لا غير ، إلاّ أن يصرّح بالأمان في غيرها . وسئل أشهب عن رجلٍ شذّ عن عسكر المسلمين ، فأسره العدوّ ، فطلبهم المسلمون ، فقال العدوّ للأسير المسلم : أعطنا الأمان ، فأعطاهم الأمان ، فقال : إذا كان أمّنهم ، وهو آمنٌ على نفسه ، فذلك جائزٌ ، وإن كان أمّنهم ، وهو خائفٌ على نفسه ، فليس ذلك بجائزٍ ، وقول الأسير في ذلك جائزٌ .
ويعلّل ابن قدامة لصحّة أمان الأسير إذا عقده غير مكرهٍ ، بأنّه داخلٌ في عموم الخبر الّذي رواه مسلمٌ بسنده من أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « ذمّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم ... » كما أنّه مسلمٌ مكلّفٌ مختارٌ .
صلاة الأسير في السّفر ، والانفلات ، وما ينتهي به الأسر :
80 - الأسير المسلم في أيدي الكفّار إن عزم على الفرار من الأسر عند التّمكّن من ذلك ، وكان الكفّار أقاموا به في موضعٍ يريدون المقام فيه المدّة الّتي تعتبر إقامةً ، ولا تقصر بعدها الصّلاة ، لزمه أن يتمّ الصّلاة ، لأنّه مقهورٌ في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقّه نيّتهم في السّفر والإقامة ، لا نيّته . وإن كان الأسير انفلت منهم ، وهو مسافرٌ ، فوطّن نفسه على إقامة شهرٍ في غارٍ أو غيره قصر الصّلاة ، لأنّه محاربٌ لهم ، فلا تكون دار الحرب موضع الإقامة في حقّه ، حتّى ينتهي إلى دار الإسلام .
وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( صلاة المسافر ) .
81 - والأسر ينتهي بما يقرّر الإمام ، من قتلٍ أو استرقاقٍ أو منٍّ أو فداءٍ بمالٍ ، أو عن طريق تبادل الأسرى على ما سبق بيانه ، كما ينتهي الأسر بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه ، وكذلك فإنّه قد ينتهي بفرار الأسير ، يقول الكاسانيّ : لو انفلت أسيرٌ قبل الإحراز بدار الإسلام والتحق بمنعتهم يعود حرّاً ، وينتهي أسره ، ولم يعد فيئاً ، لأنّ حقّ أهل دار الإسلام لا يتأكّد إلاّ بالأخذ حقيقةً ، ولم يوجد .
82 - ويصرّح الفقهاء بأنّه يجب على أسرى المسلمين الفرار إن أطاقوه ، ولم يرج ظهور الإسلام ببقائهم ، للخلوص من قهر الأسر ، وقيّد بعضهم الوجوب بعدم التّمكّن من إظهار الدّين ، لكن جاء في مطالب أولي النّهي : وإن أسر مسلمٌ ، فأطلق بشرط أن يقيم في دار الحرب مدّةً معيّنةً ، ورضي بالشّرط لزمه الوفاء ، وليس له أن يهرب لحديث : « المؤمنون عند شروطهم » وإن أطلق بشرط أن يرجع إليهم لزمه الوفاء ، إن كان قادراً على إظهار دينه ، إلاّ المرأة فلا يحلّ لها الرّجوع . واختار ابن رشدٍ - إذا ائتمن العدوّ الأسير طائعاً على ألاّ يهرب ، ولا يخونهم - أنّه يهرب ولا يخونهم في أموالهم .
وأمّا إن ائتمنوه مكرهاً ، أو لم يأتمنوه ، فله أن يأخذ ما أمكنه من أموالهم ، وله أن يهرب بنفسه . وقال اللّخميّ : إن عاهدوه على ألاّ يهرب فليوفّ بالعهد ، فإن تبعه واحدٌ منهم أو أكثر بعد خروجه فليدفعهم حتماً إن حاربوه وكانوا مثليه فأقلّ ، وإلاّ فندباً .


التوقيع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 7رمضان1433هـ, 09:41 مساء
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
محمد طيب
مشكاتي فعّال محمد طيب غير متواجد حالياً
75
26-11-2011
جزاك الله خيرا


التوقيع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 8رمضان1433هـ, 11:05 صباحاً
اسم العضو وصف الحالة التواجد عدد المشاركات تاريخ الانتساب النجوم
عيسى محمد
شخصية مهمة عيسى محمد غير متواجد حالياً
13,994
02-11-2006
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله فيك ونفعك بك، ووفقني وإياك لما يحب ويرضى.


التوقيع
رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.


الرئيسية  I  المنتديات  I  الفتاوى  I  المكتبة  I  المقالات  I  الدروس العلمية  I  البحوث العلمية  I  سجل الزوار  I  اتصل بنا