هيا نتعلّم

العلم مطلب شرعي وحاجة إنسانيّة ، ومن لم يتعلم كل يوم يعش على هامش الحياة .

كل فرد منا دخل المدرسة ثمّ الجامعة فتعلم ، ولكن هذا التعلم يحتاج إلى تذكر، وهذا التذكر قد يحصل بممارسة المهنة التي تستدعي من الفرد أن يراجع ما تعلم وأن يطلع على ما استجد ، وكذلك حياة الفرد وتقلبات ظروفه تدعوه إلى التعلم في مجالات عديدة حسبما يقتضيه الحال .

ولم يعد التفاضل بين الناس بالاطلاع في وقت الفراغ وحسب الرغبة ، بل أصبح العلم بحراً زاخراً يجب الاغتراف منه وتصيد لآلئه ، وذلك لعزارته وتنوعه وكثرة مجالاته .

والتعلم المجدي هو الذي يولّد في المجتمع حالة من الانتعاش وفهماً للحياة ، وقدرة على البناء .

وحينما كانوا يقولون : ( إنّ العلم بحر) لم يبالغوا ، ولو عاشوا عصرنا لسموه محيطا ًلغزارة العلوم وتنوع الفنون ، و قد أوجد الله في هذا الكون ما يدعونا إلى التعلم والتأمل فيما حولنا حتى نستفيد ، ونسخر العلم لنعيش حياة أفضل ، فها هو أحد العلماء يستفيد من جهاز السمع عند الذبابة ليطور أجهزة للسمع ، ويفيد باختراعه كثيراً من الناس ، وها هم علماء الاجتماع يقومون بدراسة أحوال الإنسان ويفسرون لنا تلك الظواهر الإنسانية والنفسيّة ، ليستفيد منها كل مربّ حسب اختصاصه .

ولئن كان عصرنا عصر تفجّر علميّ فإن هذا يدعونا على الأقل إلى الاطلاع على تلك العلوم ، وليس الاطلاع بكاف ، بل علينا أن نعرف ما هي قدراتنا ، وننشطها ، ونستخدمها كي نساهم في بناء صرح حضاريّ .

وأول الخطوات تحسس المشكلة ثمّ البحث عن حلّ لها ....... قرأت عن كاتبة قصصيّة بريطانيّة آلمها أن المساهمة في فن القصة القصيرة في بريطانيا نسبته قليلة فوجدت أن هذه الظاهرة نذير شؤم ، وخشيت على هذا الفن !!!

فبدأت تدرس سبب الظاهرة وتتحسس سبب الضعف ، وحقيقة وجوده ، وتوصلت إلى التحقق من وجود المشكلة ، ثمّ أشعرت غيرها على صفحات الجرائد بهذه المشكلة ، وجعلتها قضية للنقاش ، وشارك معها أصحاب دور النشر ، وأدلوا بآرائهم المفيدة حيث أنّ لهم علاقة بالجمهور القارئ ، ثمّ قامت بحملة لتنشيط هذا الفن خوفاً عليه وعلى مستواه الوطنيّ ، وقام أحد الأثرياء بتبني مشروعها لينفق عليه ....... وهذه الحملة الدعائية ، وهذا الدعم سيثمران أعمالاً أدبيّة في هذا الفن وستصل إلى نتيجة مرضية وسيكتب لها التاريخ البريطانيّ جهودها المخلصة في إنقاذ فن القصة القصيرة في بلدها .

وعكفت على نفسي بعد قراءة الخبر أسائلها : ما الذي دعا مواطنة عادية إلى دراسة حالة أمتها وتفقد أحوالها ؟ لا بل قلقت لوجود ظاهرة ، وفكرت ، ودبرت لإنقاذ هذا الفن الأدبيّ ، ثمّ هناك جمهور قارئ يقرأ الخبر ، ويتفاعل معه ، ويدلي بدلوه ، فالوطن للجميع ، والهناء مشترك ، والجرح واحد ، والكل يشعر بالمسؤولية ، وإن لم يكن في موقع مسؤول ، وهناك تعاون حسب القدرات فالتي فكرت طرحت الفكرة ، والذي قرأها شارك إما بالرأي أو بالدعم المادي ، أتراهم على قلب واحد ؟ أترى مستواهم الثقافيّ متقارب ومتجانس ؟

نحن نرى على صفحات الجرائد تجاوباً نشطاً حين ينتقص فلان من رأي فلان ، وحين يختلف على القضية اثنان وكأن حواراتنا لها لونان الأبيض والأسود بينما يأتي تفاعل غيرنا مع الأحداث ملوناً مشكلاً لوحة تعبيرية متناسقة تسر الناظر وتريح الخاطر .