الزمر الجماعات المختلفة من الناس، ولم ترد هذه الكلمة إلا فى السورة التى سميت بها. والواقع أن السورة تضمنت أحوالا شتى لأفواج متباينة من الخلق، قوبلت كل زمرة بأخرى حتى تكونت من هذا السرد بضع عشرة مقابلة شملت السورة كلها، وتدور حول التوحيد وخصائصه وآثاره. فالشرك رذيلة شاعت بين الأولين والآخرين، وشانت سلوكهم. ألا تعجب لرجل عاقل يسجد لحجر ويتهيبه؟ ألا تعجب لطيار يظن نجاته مربوطة بحدوة حصان فيها سعده أو نحسه؟ إن المآخذ على مسالك البشر كثيرة، وأولها الجهل السيئ بالله! وكان المفروض أن نحسن الظن بخالقنا. وأن ننسب إليه الكمال! المطلق، لكننا جعلنا لله شركاء مغموصين، وصنعنا لها تماثيل ترمز إليها، وقال التائهون الذين فعلوا ذلك " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " . إن هذه الأصنام أصفار جسدها الوهم، ومكانتها أن ترمى فى زاوية القمامات. إن شأن الألوهية أعلى من هذا الإسفاف ولو صنع الله شيئا يكون وسيطا بينه وبين خلقه، لاختار بديلا أرقى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار " . ليس بين البشر وربهم وسيط، إن اتصالهم به مباشر، إن كل امرئ يستطيع مناجاة ربه فى أى وقت وفى أى مكان. ولو حدث - فرضا لمستحيل - أن يتخذ الله ولدا، لاختار من خلقه بشرا كريما أو ملكا كريما، وسيكون هذا المختار مخلوقا لا خالقا ومربوبا لا ربا، ومحكوما عليه لاحاكما على أحد. إن للألوهية أوجها العالى، وللمخلوقين كلهم مكان العبودية الضارعة الخاشعة. ولكن المشركين – وثنيين أو كتابيين - يتجاوزون هذه الحقيقة، ولا يعرفون الفارق بين المخلوق والخالق، ولا يصح التوحيد إلا بتصور إله واحد، ماعداه عبد له..!
ص _357
والقرآن الكريم سيد الكتب التى حررت هذه الحقيقة، وأطالت النفس فى توكيدها.. وفى سورة الزمر تنويه متكرر بهذا المعنى 1 - " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين " . 2 - " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.. " . 3 - " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " . 4 - " إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه... " . 5 - " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب.. " . 6 - " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين " . وفى صدر سورة الزمر حديث طويل عن الله الخالق، وعن مظاهر خلقه فى السموات والأرض، والإنسان والحيوان. وهذا الحديث تمهيد لما بعده من مقابلات بين أصناف الناس توضح سائرهم ووجهاتهم. وأولى هذه المقابلات قوله تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى... " . والواقع أن البشر مغمورون بنعمة الله، فهم يعيشون على أرضه، ويتنفسون فى هوائه ويأكلون من خيره، ثم ينسون كل هذه الأفضال ويتصرفون معه كأنه لم يسد إليهم جميلا!! وقد تمر بهم محنة فيجأرون طالبين النجدة، فإذا أنقذهم من ورطتهم سرعان ما ينسون الإنقاذ الذى ظفروا به " وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ". إن شكران النعمة دليل بصر سليم وطبيعة مستقيمة، وقد ذكر الله نوحا فقال إنه كان عبدا شكورا " . وذكر إبراهيم بأنه كان " شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " . وقال نبينا يتحدث عن سر اجتهاده فى العبادة " أفلا أكون عبدا
شكورا " ؟

ص _358
والمطلوب من الناس أن يعرفوا هذه الحقائق، فلا يستخدموا أنعم الله فى معصيته... والمقابلة الثانية فى قوله تعالى: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. ". وظاهر أن الطرف الآخر فى المقابلة محذوف تقديره هل يستوى قائم الليل ونائمه؟ أو هل يستوى من يشغل ليله بالعبادة، ومن يشغله باللهو والبحث عن اللذة الحرام؟ وسنرى فى المقابلات القادمة أنه كثيرا ما يحذف أحد الطرفين مراعاة لبلاغة الأداء وترغيبا فى قيام الليل. قال الرسول الكريم " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد " . وفى صدق النية على القيام، روى أبو الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم "من أتى فراشه وهو ينوى أن يقوم يصلى من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه ! " . وقيام الليل من النوافل المؤكدة. وأحسب أن ما ورد فى السورة هنا قد يكون المعنى به السهر فى أداء الفرائض المكتوبة ورفض النوم عنها.. وربما كان - إلى جانب رعاية الفرائض - أن يختار المرء بعض ليالي يسهرهن فى الدراسة والدعاء والترتيل، ويعطى البدن حقه فى ليال أخرى. وقدرات الناس تختلف جدا فى هذا المجال. وأعرف من يسهر الليل، ثم يكتفى برقاد ساعة ويصحو ناشطا. وأعرف من لا يملك وعيه إلا بعد نوم مستغرق! ولله فى خلقه شئون. والمقابلة الثالثة بين صنفين متباعدين. الأول الأتقياء المحسنون الذين أخلصوا دينهم ومشوا فى آثار نبيهم وتأسوا به وهو يقول: " قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " ، فسجنوا هواهم وأسلموا لله وجوههم.. وبين صنف عبد الحياة الدنيا وعاش يلهث وراء شهواتها ناسيا لقاء ربه ومكرسا عمره للحاضر المنقضى.. وفى هؤلاء يقول الله: " قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين " ! إن ألوفا من الناس يكدحون بجبروت ليرتفعوا مع أسرهم فى هذه الحياة، ويوفروا ما استطاعوا من مال وجاه، فإذا جاء يوم البعث حشروا عرايا صعاليك، لم يغن عنهم ما كسبوا شيئا.

ص _359
وقد لُخصت هذه المقابلة فى قوله تعالى: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه... " . والمقابلة الرابعة ذكرت أحد الطرفين وطوت الآخر لأنه مفهوم من السياق. قال تعالى: " أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار " ؟ والمعنى: أفمن أساء فاستحق الهوان كمن اتقى فاستحق التكريم، إن من حقت عليهم كلمة ربك لا ينقذه أحد!! وعرف الطرف الثانى فى المقابلة من قوله تعالى مباشرة " لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد " . والمقابلة الخامسة تشبه سابقتها فى حذف أحد طرفيها. قال تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله..". وتقدير الكلام أفمن انشرح بالحق صدرا كمن ضاق صدره بالحق وكره الدخول فيه والعمل به؟ والصدر إذا انشرح أقبل المرء بشغف على العمل، كما قال البوصيرى: وإذا حلت الهداية روحا نشطت للعبادة الأعضاء! أما المنحرفون عن الله فهم يستثقلون الصلاة ويستكثرون الزكاة ويفرون من الجهاد. وقد شرحت الآية التالية هذه المقابلة الخامسة " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " . فالقرآن الكريم مصدر الذكر الحكيم والهدى المستقيم والعصمة من الباطل والارتباط بالحق. والمقابلة السادسة تراها فى الآية الكريمة " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون " . والمعنى أفمن صان وجهه عن عذاب القيامة بالإيمان والإحسان كمن نصب وجهه لتلقى هذا العذاب بكفره وظلمه؟ وطبيعة البشر أن يباعدوا السوء عن وجوههم، ولكن العذاب المحيط الذى يتعرض الظلمة له يفجؤهم بما لا يستطيعون رده. وقد زادت الآية التالية بأن العذاب قد يعجل لهم فى هذه الدار " فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " .

ص _360
والمقابلة السابعة بين التوحيد والإخلاص، بين من يعملون ابتغاء وجه ربهم ومن يطلبون وجوه الآخرين من أصنام أو رؤساء أو جماهير. وعبادة غير الله تشمل أولئك جميعا. بل أستطيع الجزم بأن هناك أقواما خلت قلوبهم من الله كل الخلو وامتلأت باسترضاء هذا أو اصطناع ذاك! ومبدأ " عبادة البطل " يدخل فى هذه الدائرة. وكذلك مبدأ " كسب الأصوات ". إن المؤمن حين يصلى يخضع لله وحين يزكى يعطى لله، وحين يجاهد يفنى فى الله. لقد توحدت وجهته واستراح ضميره " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون". وقد شرح الشاعر ذلك بقوله: اعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه..!! والمقابلة الثامنة فى قوله تعالى: " فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " . ظهر الأرض حافل بالأوهام والأباطيل، وما أشد غربة الحق فى هذه الدنيا. وأجدر الناس بالتقدير والتكريم من عرف الحق وعرفه لغيره، وقال الصدق وأيد الصادقين. أما شرار الناس فهم الذين يفترون على الله الكذب، وإذا قادهم أحد إلى الصدق تمردوا عليه ورفضوا اتباعه. وقد وعد الله حزب الحق بأنهم " لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون". ولم أر بشرى أعذب وقعا وألطف أثرا من هذه البشرى الندية السخية. ويجىء فى سورة الزمر هذا التساؤل المثير " أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه " . إن الله هو الخافض الرافع الضار النافع المعز المذل الذى لا معقب على حكمه، ولا راد لأمره ولا مجير عليه، فكيف لا يكفى عبدا توكل عليه ؟ وبمن يحتمى الناس دونه؟ وهذا المعنى أساس المقابلة التاسعة فى السورة، فإن غير الله لايستطيع إصدار أمر ولا إمضاء

ص _361
حكم، بل لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فكيف يحمى الآخرين " قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " . ومن ثم يردد الموحدون - فى وجه المشركين - هذا النداء " قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم " . أما المقابلة العاشرة فتصف بعد الشقة بين الموحدين والمشركين، ونحن نحسب أن المخطئ يعرف أنه مخطئ، وأن عابد الوثن يعرف أنه عاكف على قطعة حجر. إن جماهير المخطئين تحسب نفسها على صواب " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " . وهى تذود عن باطلها بضراوة، وتعتقد أن غيرها هو المبطل! وتدبر هذه الآيات فى وصفهم " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون " ! ماذا يصنع الرسول مع هؤلاء؟ " قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " . وأغلب سكان هذه الكرة غرقى فى أوهامهم، ولذلك فإن العبء على دعاة الحق ثقيل. فلتكن خدمتهم له شكر ما هداهم الله إليه ومهد لهم الطريق! والمقابلة الحادية عشرة تفهم من قوله تعالى: " فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " . هذه مقابلة بين الإنسان ونفسه على حاليه من بأساء ونعماء، إنه إذا أحرج جأر بالدعاء وسأل الله النجدة وأحس بعجزه، وكان عبدا منيبا! فإذا تغيرت الأيام وتكاثرت لديه النعم، شعر بحوله وطوله وقال: هذا النجاح وليد ما لدى من ذكاء! فأين كان هذا الذكاء بالأمس؟! ولم لم تعتمد عليه فى إذهاب ما تشكو؟

ص _362
إن هذا الذهول والعقوق باب الضياع، فليلزم المرء حدود عبوديته.. والإسراع فى التوبة من عزائم الإيمان، أما تسويفها والإبطاء فيها فهو دليل عجز عن جبر ما انكسر، أو هو صحو مشوب بنوم واسترخاء! وفى تنشيط القدرة على الخير يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " أتبع السيئة الحسنة تمحها " . وقد ييأس الإنسان من نفسه، ويستسلم للشيطان، ويستكثر أخطاءه ويستبعد النجاة منها، وإطفاء لهذه الفتنة جاء فى هذه السورة " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.. " . وعقدت المقابلة الثانية عشرة بين من يحدوهم الأمل فى عفو الله فيمضون فى طريقه ويسارعون فى مرضاته، وبين من يتقاعسون ويتكاسلون فيفوتهم الخير ويندمون حين لا يجدى ندم " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " . وعندئذ يقال له " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين". ويقول الله تعالى مقابلا بين الصدق والكذب فى العقائد والمسالك والأخلاق: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين * وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ". وهذه هى المقابلة الثالثة عشرة، وقد عبر عن التقوى بالصدق فى قوله تعالى: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم... " . وعبر بالتقوى والصدق معا عن معالم البر كلها " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " . والحقيقة واحدة فى هذه الآيات جميعا. وتختم السورة بهذه المقابلة الحاسمة، فبعد الحساب العدل والمساءلة الدقيقة يرسل كل فريق من الناس إلى مستقره العتيد " وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا.... " . " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا... " . أما أهل جهنم فسيعلمون بعد فوات الأوان أنهم نسوا الله فنسيهم. وأما أهل الجنة فسيستأنفون فى ديار النعيم ما شغلوا به فى الدنيا من ذكر وشكر " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . وفى ظلال النعمة الوارفة والسعد المقيم يتجاوب هتاف الملائكة مع تسبيح المؤمنين " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " .


ص _363



موخوذ من كتاب نحْوَ تفسير مَوْضوعيّ.
الشيخ محمد الغزالي.