تِلك والله هي الْمَحبَة الصادِقة ، وغاية العَدل والإنصاف ، والولاء لله تبارك وتعالى ولِرسوله صلى الله عليه وسلم .

🔶 تأمّل ما قالَه عمر رضي الله عنه عن ابنَتِه .. وتأمّل صِدْق مَحبّته لِرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حَلَف لَو أمَرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَقتُل ابْنَتَه حَفْصَة ؛ لَقَتَلها !!
وقوله بعد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يَشُقّ عليك مِن شأن النساء ؟ فإن كنتَ طَلّقْتَهنّ ، فإن اللهَ مَعك ، وملائكتَه ، وجبريلَ ، وميكائيلَ ، وأنا ، وأبو بكر ، والمؤمنون مَعَك .
فلَم يَقِف عُمر رضي الله عنه في صَفّ ابْنَتِه ، بل وقَف في صَفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضِدّ ابْنَتِه !

🔵 قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لَمّا اعتَزَل نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، دَخلتُ المسجد ، فإذا الناس يَنْكُتُون بِالْحَصَى ، ويقولون : طَلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يُؤمَرْن بِالْحِجاب ، قال عمر ، فَقُلتُ : لأعْلَمَنّ ذلك اليوم ، قال : فَدَخَلتُ على عائشة ، فقلت : يا بنت أبي بكر ، أقد بَلَغ مِن شأنك أن تُؤذِي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : ما لي وما لك يا ابن الخطاب ؟ عَلَيْك بِعَيْبَتِك ، قال : فدَخَلتُ على حفصة بنت عمر ، فقلتُ لها : يا حفصة ، أقد بَلَغ مِن شأنك أن تُؤذِي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ، لقد علِمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحِبُّك ، ولولا أنا لَطَلّقَك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبَكَتْ أشدَّ البُكاء ، فقلتُ لَها : أين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالتْ : هو في خِزَانته في الْمَشْرَبَة ، فَدَخلتُ ، فإذا أنا بِرَبَاح غُلامِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعِدا على أسْكُفّة الْمَشْرَبَة ، مُدَلٍّ رِجْلَيْه على نَقِير مِن خَشَب - وهو جِذْع يَرقَى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويَنْحَدِر – فنادَيتُ : يا رَبَاح ، استأذِن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنَظر رَباح إلى الغُرفة ، ثم نَظر إليّ ، فلم يَقُل شيئا ، ثم قلتُ : يا رباح ، استأذِن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنَظر رَباح إلى الغُرفة ، ثم نَظَر إليّ ، فلم يَقُل شيئا ، ثم رَفَعتُ صَوتي ، فقلت : يا رباح ، استأذِن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنّ أني جئتُ مِن أجلِ حَفصة ، والله لئن أمَرَنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بِضَرْب عُنُقِها ، لأضْرِبَنّ عُنُقَها ، ورَفَعتُ صَوتي ، فأومأ إليّ أن ارْقَه . قال : ودخَلتُ عليه حين دَخَلت ، وأنا أرى في وَجْهِه الغَضَب ، فقلت : يا رسول الله ، ما يَشُقّ عليك مِن شأن النساء ؟ فإن كنتَ طَلّقْتَهنّ ، فإن اللهَ مَعك ، وملائكتَه ، وجبريلَ ، وميكائيلَ ، وأنا ، وأبو بكر ، والمؤمنون مَعَك ، وقلّمَا تَكلّمتُ - وأحْمَد الله - بِكَلامٍ إلاّ رَجَوْتُ أن يكون الله يُصدّق قَولِي الذي أقُول ، ونَزَلَت هذه الآية ، آية التخيير : (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) ، (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) ، وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تَظاهَرَان على سائر نِساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ : يا رسول الله أطلقْتَهنّ ؟ قال : لا ، قلتُ : يا رسول الله ، إني دَخَلتُ المسجد والمسلمون يَنْكُتُون بِالْحَصَى ، يقولون : طَلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، أفأنْزِل فأُخبُرهم أنك لم تُطَلّقْهُن ؟ قال : نعم ، إن شئتَ ، فلم أزَل أُحَدّثه حتى تَحَسّر الغضب عن وَجْهه ، وحتى كَشَر فضَحِك ، وكان مِن أحسَن الناس ثَغْرًا ، ثم نَزَل نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم ونَزَلتُ ، فَنَزَلْت أتَشَبّث بِالْجِذْع ، ونَزَل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يَمَسّه بِيدِه ، فقلت : يا رسول الله إنما كنتَ في الغرفة تِسعَةً وعِشرين ، قال : إن الشهر يكون تسعًا وعِشرين ، فقُمْتُ على باب المسجد ، فنَادَيْتُ بأعلى صَوتي : لَم يُطلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه . ونَزَلَت هذه الآية : (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، قال عمر رضي الله عنه : فكنت أنا اسْتَنْبَطْتُ ذلك الأمر ، وأنْزَل الله عَزّ وَجَلّ آية التّخْيِير . رواه البخاري ومسلم .

✅ ومَوقِف عُمر رضي الله عنه ليس بِمُستَغرَب ؛ فقد قاتَل الصحابة آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم ، ووَقَفوا ضِد الْمُبْطِل ولو كان أقرب قريب ، كما وَقف عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ ضِد أبِيه ، نُصْرَة لِرَسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد أن قال عبد الله بن أُبَيّ : ليُخرِجَنّ الأعَزّ مِنها الأذَلّ .

💎 ولَمّا غَدَرَت اليَهود ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مَن ظَفِرْتُم بِه مِن رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ " ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بن مَسْعُودٍ عَلَى سُنَيْنَةِ [ويُقال : شبِيبَة ] رَجُلٍ مِن تُجّارِ الْيَهُود ، كَان يُلابِسُهم وَيُبَايِعُهم ، فَقَتَلَه ، وَكَان حُوَيِّصَة بن مَسْعُودٍ إذْ ذَاك لَم يُسْلِم ، وَكَان أَسَنّ مِن مُحَيِّصَة ، فَلَمّا قَتَلَه جَعَل حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُه وَيَقُول : أيْ عَدُوّ اللّه ! قَتَلْتَه ؟ أمَا وَاللَّه لَرُبّ شَحْم فِي بَطْنِك مِن مَالِه .
قال مُحَيِّصَة : وَاللّه لَوْ أمَرَنِي بِقَتْلِك مَن أمَرَنِي بِقَتْلِه ؛ لَضَرَبْتُ عُنُقَك ! قال : لَو أَمَرَك مُحمّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي ؟ قال : نَعَم ! قال : وَاللّه إنّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا لَعَجَب ! فَأَسْلَم حُوَيِّصَة .
(السّيرَة ، لابن إسحاق ، والاستيعاب ، لابن عبد البر ، ومعالِم التّنْزِيل، للبغوي)
ورواه أبو داود مُختَصَرا .