إن الشريعة الإسلامية قد يسرت للناس سبل التعامل بالحلال لكى تكون أجواء المحبة سائدة بين الأفراد، ولكى تبقى الحياة سعيدة نقية، لا يعكر صفوها كدر ولا ضغينة.
وحتى يحيا الناس حياة طيبة بلا كدر ولا عكر حرم الإسلام الربا: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (سورة البقرة:275)، وحرم أكل أموال الناس بالباطل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (سورة النساء:29)، وحرم أكل مال اليتيم (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (سورة النساء:10)، وحرم الغش (مَن غَشَّنا فليسَ مِنَّا) (صحيح مسلم:101)، وحرم الاحتكار لما فيه من التضييق على خلق الله.
ولما كان الاحتكار، ركيزة من ركائز النظام الرأسمالى الحديث، وسمة من سمات التعامل الاقتصادي فى معظم الشركات، وكان يحمل فى طياته بذور الهلاك والدمار لما يسببه من ظلم وعنت وغلاء وبلاء، ولما فيه من إهدار لحرية التجارة والصناعة، وسد لمنافذ العمل وأبواب الرزق أمام غير المحتكرين، رأيت أن أجعله مدار للقائنا نبين معناه في اللغة والاصطلاح ونبين حكمه وحكمته.
تعريف الاحتكار

ذكر ابن منظور فى لسان العرب مادة حكر يتضح يما يلى:
أولاً: الحَكر بفتح الحاء وسكون الكاف، ادخار الطعام للتربص وصاحبه محتكر.
ثانياً: الحَكر والحُكر بفتح الحاء فى الأول وضمها فى الثانى، وفتح الكاف فيها بمعنى ما احتكر تقول: إنهم ليحتكرون فى بيعهم ينظرون ويتربصون، وأنه يحِكْر بكسر الحاء وسكون الكاف – لا يزال يحبس سلعته والسوق مادة – أى ملأى حتى يبيع بالكثير من شدة حَكْره – بفتح الحاء وسكون الكاف الاسم من الاحتكار.
وأصل الحكرة الجمع والإمساك.
وهكذا اتضح أن معانى مادة حكر تعنى كلها جمع الطعام ونحوه وحبسه عن الناس وهذا يؤدى إلى ظلم الناس وإساءة معاشرتهم.
تعريف الاحتكار اصطلاحا

هو حبس مال أو منفعه أو عمل، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد، بسبب قلته، أو انعدام وجوده فى مظانه، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه.
حكم الاحتكار

الاحتكار منهي عنه بالكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). (سورة الحج:25)
ذكر الإمام الطبري في تفسيره ﻋﻦ ﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺛﺎﺑﺖ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ﻗﺎﻝ: ﻫﻢ اﻟﻤﺤﺘﻜﺮﻭﻥ اﻟﻄﻌﺎﻡ ﺑﻤﻜﺔ.
وقال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية:
روى أبو داود بإسناد ضعيف عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (احتكارُ الطِّعامِ في الحَرَمِ إلحادٌ فيه). (سنن أبي داود:2020)
فالاحتكار من الظلم وداخل تحته فى الوعيد.
وأما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة فى السنة النبوية على تحريم الاحتكار ومنها:
١/ ما روى مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَحْتَكِرُ إلَّا خاطِئٌ). (صحيح مسلم:1605)
قال الإمام الشوكانى رحمة الله فى كتابه(نيل الأوطار): والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ مذنب عاصى.
وقال الصنعانى رحمة الله: الخاطئ هو العاصى الآثم.
٢/ ما رواه أحمد في مسنده بإسناد جيد عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن دخلَ في شيءٍ من أسعارِ المسلمينَ ليُغْليَهُ علَيهِم فإنَّ حقًّا علَى اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى أن يُقْعِدَهُ بعِظَمٍ منَ النَّارِ يومَ القيامةِ). (تخريج المسند:20313)
وجه الدلالة من الحديث: دل هذا الحديث على معاقبة من يقدم على ذلك بمكان في النار، ولا يكون ذلك إلا لارتكابه المحرم.
٣/ ومنها ماروى أحمد في مسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنِ احتَكَرَ حُكْرةً يُريدُ أنْ يُغلي بها على المسلمين؛ فهو خاطِئٌ). (تخريج المسند:8617)
ويقول ابن القيم: ومن أقبح الظلم أن يلزم الناس ألا يبيعوا الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منعوه، وهذا يمكن تسميته احتكار الصنف.
وقال الفقهاء: إذا خيف الضرر على العامة، أجبر المحامى على بذل ما احتكره، ويتم بيعه للعامة، ويعطيه المثل عند وجوده، أو قيمته، وهذا قدر متفق عليه بين الأئمة، ولا يعلم خلاف فى ذلك.
ولولي الأمر أن يعزر المحتكر عند الامتناع عن البيع بما يراه زاجراً له ودافعاً للضرر عن الناس، ولو بتأديب المحتكر و بإحراق أمواله المحتكرة.
وهذا من سياسة الولاة فى اتخاذ ما يرونه نافعاً لتحقيق الصالح العام ومقاومة البغي والفساد،، وهذا يؤكد أن الإسلام قد جاء بإصلاح يوافق مصلحة البشر فى كل زمان ومكان.
أحاديث ضعيفة في الاحتكار

روى ابن ماجه فى سنته عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من احتكرَ على المسلمين طعامًا ضربه اللهُ بالجذامِ والإفلاسِ). (ضعيف ابن ماجه:424)
حديث بن عمر عند الحاكم وابن أبى شيبة والبراز وأبو يعلى يلفظ: (مَن احتَكَرَ الطَّعامَ أربعينَ لَيلةً فقد بَرِئَ مِن اللَّهِ وبَرِئَ اللَّهُ منهُ) (غاية المرام:324)، زاد الحاكم (وأيُّما أهْلِ عَرْصَةٍ أصْبحَ فِيهِمْ امْرؤٌ جائِعًا؛ فقدْ بَرِئَتْ مِنهُمْ ذِمَّةُ اللهِ تبارك وتعالى). (ضعيف الترغيب:1100)
وما رواه ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (مَنِ احتَكَرَ طَعامًا أربَعينَ لَيلَةً، فقد بَرِئَ من اللهِ تَعالى، وبَرِئَ اللهُ تَعالى منه، وأيُّما أهْلِ عَرصَةٍ أصبَحَ فيهم امْرُؤٌ جائِعٌ، فقد بَرِئَتْ منهم ذِمَّةُ اللهِ تَعالى). (تخريج المسند:4880)
ومنها ما رواه عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من احتكرَ على المسلمين طعامًا ضربه اللهُ بالجذامِ والإفلاسِ). (ضعيف ابن ماجه:424)
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (الجالبُ مرزوقٌ، والمحتكِرُ ملعونٌ). (ضعيف ابن ماجه:423)
روى مالك في موطئه بإسناد ضعيف عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: (لا حكرة في سوقنا لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله). (موطأ مالك:2/651)
روى ابن ماجه بإسناد ضعيف أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة.
فالاحتكار بصفة عامة من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب وبين غيره مما نهى عنه الشرع الحنيف.
الحكمة من تحريم الاحتكار

إتفق الفقهاء على أن الحكمة فى تحريم الاحتكار هي رفع الضرر عن عامة الناس، ولذا فقد أجمع العلماء على أنه لو احتكر إنسان شيئاً، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره، وأجبر على بيعه، دفعاً لضرر الناس، وتعاوناً في حصول العيش فعل.
شبهة:
قد يقول قائل: إن الناس مسلطون على أموالهم وتحريم التصرف حجر عليهم.
أجيب عن هذا: بأن حرية المالك فى ملكه مطلقة ما لم يترتب على ذلك إضراراً بالآخرين إذ لا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فمن سولت له نفسه في استغلال الأزمات باحتكار ما يحتاجه الناس لأنفسهم ودوابهم من وسائل الحياة فقد شاق عليهم، ومن شاق شاق الله عليه ومن ضار ضار الله به، ومن شاق وضار وقع في العار واستمراء العار يسلمه إلى النار.