بسمِ الله الرّحمن الرّحيم

وقفاتٌٌ مع حرّ الصّيف!


تُركي بن إبراهيم الخنيزان.



رأى عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ - رحمَه اللهُ - قومًا في جنازةٍ قدْ هَربُوا مِن الشَّمْسِ إلى الظِّلِ، وتَوقَّوا الغُبَارَ، فأَبْكَاه حَالُ الإنسانِ يَأْلَفُ النَّعيمَ والبَهْجَةَ، حتى إذا وُسِّدَ قَبْرَه فَارَقَهُمَا إلى التُّرابِ والوَحْشَةِ، وأَنْشَدَ:


مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ

أَوِ الْغُبَارُ يَخَافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثَا

وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُ
فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثًا

فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍ

يُطِيلُ فِي قَعْرِهَا تَحْتَ الثَّرَى لُبْثَا

تَجَهَّزِي بِجَهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ

يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا



إنَّ اللهَ تعالى هو وحدَهُ الذي يُصرِّفُ أَمرَ هذا الكون، ويُقَلِّبُهُ كيفَ يشاءُ، ومِن تَقلِيبِهِ إياه: أنْ خَلَقَ الحرَّ والبَردَ والصَّيْفَ والشِّتَاءَ لتحقِيقِ مَصالِحِ العِبادِ في دِينهِم ودُنياهُم وأبدانِهِم ومعايِشِهِم.

قال اللهُ تعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]، وقال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم: 33].

وإذا كُنَّا هَذِهِ الأيام في صَيْفٍ قَائِضٍ وحرٍّ لافِحٍ؛ فإنَّهُ ينبغي أنْ يَكونَ لنا فِيهِ عِظَةٌ وذِكْرَى، وذلكَ أنَّ حَرَّ الصيفَ يُذَكِرُ المسلمَ الحيَّ القلبَ بِحَرِّ جهنَّمَ؛ فيزداد خَوفُهُ مِن رَبِّهِ؛ فيُبَادِرُ إلى فِعلِ طاعاتِهِ واجتنابِ معاصِيهِ.. فإنَّ النارَ حرُّها شديد، وإنَّ المنافقينَ لمَّا قالوا: ﴿ لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ ردَّ الله عليهم بقوله ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81].

وحين نرى نارَ الدُّنيا كيفَ تُذيبُ صُلبَ الحديدِ والصخرَ الشَّدِيدَ؛ فَلْنَتَذَكَّر أنَّها جُزءٌ واحِدٌ مِن سَبعِينَ جزءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ والعياذُ بالله.
قال صلى الله عليه وسلم: «نارُكُمْ هذِه الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ، قالوا: واللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَةً يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فإنَّها فُضِّلَتْ عليها بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّها مِثْلُ حَرِّها ».

كما أنَّ أشدَّ الحرِّ الذي نَجِدُهُ في الدنيا هُوَ في الحَقِيقَةِ مِن فَيْحِ جَهنَّمَ؛ كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّهَا، فَقالَتْ: يا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فأَذِنَ لَهَا بنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ؛ فَهْوَ أَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ".

فإذا كانَ هذا نَفَسُهَا؛ فكيفَ بِنَفْسِ عَذَابِها!!.. نعوذ بالله من حالِ أهلِ النار.

إنَّ أَعظَمَ أسبابِ النجاةِ من النارِ ومِن أهوالِ يومِ القيامة: هُوَ تَحقِيقُ توحيدِ اللهِ تعالى؛ فإنَّ مَنْ حَقَّقَهُ وَكَمَّلَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ ولا عَذَاب.

ومِن أعظمِ أسبابِ النجاةِ مِنها: التمسكُ بالسُّنَّةِ واجتنابِ البِدَعِ.

ومِنْ أسبابِ السَّلَامَةِ مِنْ حَرِّ النارِ: بذلُ الصَّدَقَاتِ ولو كانَتْ قَلِيلة؛ فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ".

فاستكثروا - رحمكم اللهُ - مِن فِعلِ الخيراتِ، واجتنبوا المُنكرَاتِ، واستَعِدُّوا للآخرةِ بِصالِحِ الأقوالِ والأعمال.


................................................
باختصار يسير من المصدر/ موقع الألوكة.



في أمانِ الله.