د. حيدر الغدير


كان للعالم الهندي "عناية الله المشرقي" صلة مودة وصداقة بالعالم الإنكليزي الفلكي المشهور السير "جيمس جينز"، الأستاذ بجامعة كمبردج، وذات يوم كان في زيارة له بمنزله في لندن، يقول الدكتور الهندي عناية الله: وأخذ السير جيمس جينز يلقي محاضرة في تكوين الأجرام السماوية ونظامها المدهش، وأبعادها، وفواصلها الهائلة، وطرقها ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة حتى إنني شعرت بقلبي يهتز أمام هيبة الله تعالى وجلاله.






‏وكان الرجلان عالمين كبيرين، أما عناية الله فهو من أعظم علماء الهند في الطبيعة والرياضيات، وأما العالم الإنكليزي فهو من كبار علماء الفلك العالميين، ويبدو أنهما استغرقا في محاضرة السير جيمس جينز، وشعرا بعظمة الكون الهائلة، وامتداده الشاسع الرحيب، وآفاقه التي كلما اكتشف العلم شيئاً جديداً منها، بدا له بوضوح أن الذي يجهله أكبر بكثير من الذي يعرفه.






‏لقد بدا لهما أن ما يعرفانه وهو قليل، وأن ما يجهلانه وهو كثير، يدل بإتقانه الفائق، وترتيبه الدقيق، وتنسيقه المحكم، وتوازنه المعجز، وما إلى ذلك من ضروب القدرة الهائلة التي تتجاوز مقدرة البشر أجمعين، على أن عظمة الله - عز وجل - كبيرة، وإرادته - جل جلاله - واسعة طليقة فوق القيود والحدود، والسدود والحواجز، فإذا بهما يستشعران الإيمان به في حالة من أصفى وأخشع ما يمر بالكائن البشري، واذا بكل خليّة من خلاياهما غارقة ‏في النور والهيبة والجلال، تسبح بحمد ربها جل شأنه.






‏يقول عناية الله عن العالم الإنكليزي: لقد وجدتُ شعر رأسه واقفاً، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعشان من خشية الله، وتوقف فجأة ثم بدأ يقول: يا عناية الله، عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال والهيبة، وعندما أركع بين يديه قائلاً له: "إنك لعظيم" أجد كل جزءٍ في كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة، ‏أحس بسعادة تفوق سعادة ‏الآخرين ألف مرة، أفهمت يا عناية الله لماذا أنا مؤمن؟
‏ويضيف العلامة الهندي قائلاً: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفاناً في عقلي، فقلت للسير: لقد تأثرت جداً بالتفاصيل العلمية التي رويتها لي، ‏وتذكرت بهذه المناسبة آية في كتابي المقدس "القرآن الكريم" لو سمحت لي قرأتها عليك، فهز رأسه قائلاً: بكل سرور. فقرأت عليه قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: ٢٧ – ٢٨].
‏ ‏هنا صرخ السير جيس قائلاً:
‏ماذا قلت! ﴿ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ﴾ ، مدهش وغريب وعجيب جداً، إنه الأمر الذي كشفتُ عنه بعد دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة. مَن أنبأ محمداً به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقاً؟ قلت: نعم. إنها موجودة في القرآن الكريم. قال السير جيمس جينز: إذن فاكتبْ شهادة مني بأن القرآن كتاب موحى به من عند الله. واستطرد الفلكي الإنكليزي المشهور قائلاً: لقد كان محمد أمياً، ولا يمكن أن ‏يكشف عن هذا السر بنفسه، ولكن الله علّمه ذلك، إنه لأمر مدهش، ‏وغريب وعجيب جداً.
‏ها هو الموقف الصحيح للعلم يظهر على لساني اثنين من كبار العلماء، أحدهما غربي مسيحي ‏هو السير جيمس جينز الفلكي الذي طبقت شهرته الآفاق. والآخر شرقي مسلم، هو الدكتور عناية ‏الله المشرقي الذي كان من أعظم علماء بلاده في الطبيعة والرياضيات. يظهر موقف العلم من خلال هذين الرجلين، لينكشف أن علم الإنسان مهما زاد وعظم واتسع، قليل ضئيل بالقياس إلى أسرار هذا الكون الواسع، وأن الإنسان الذي يغوص في المعارف والعلوم، ويتوسع فيها هو الذي يعرف الله - عز وجل -، ويرهبه ويخشاه، ذلك أنه لمس قدرته الهائلة الطليقة الشاسعة، وعرف عظمته الجبارة الكبيرة، فإذا بالرهبة تخالجه، ومشاعر الخوف ‏والخشية تسيطر عليه، واذا بالدموع تنهمر من مقلتيه.
‏وحين سارع العالم المسلم يقرأ على زميله الإنكليزي الآية الكريمة التي تحصر خشية الله تعالى في العلماء، وجدنا هذا الأخير يستوثق ويتأكد من أن الآية وردت في القرآن الكريم، فلما كان الجو اب إيجابياً، سارع بشجاعة أدبية ليقرر بأن القرآن الكريم موحى به من عند الله - عز وجل -، وليس من عمل محمد؛ كما يزعم المسيحيون.


إن لنا إذن أن نقول: إن العلم اليقيني، العميق البصير، الذي يطيل الدرس والفحص، ويغوص في المعارف والأسرار، إنما هو علم مؤمن بالله، مقر بوجوده، معترف بعظمته وتدبيره للكون، وهيمنته عليه، مسبح بقدرته. أما دعاة الشك والإلحاد باسم العلم، فهم جهلة مدعون، يبرأ منهم العلم، كما يبرأ منهم الدين، وتسخر منهم الحقيقة، كما يسخر منهم الإيمان.