قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه للحديث -الشريط الثامن/ ب- كتاب التوحيد في صحيح البخاري:
" (وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).

في هذه الجمل الثلاث بيان فضل الله -عز وجل- وأنه يعطي أكثر مما فُعل من أجله، أي يعطي العامل أكثر مما عمل.

وهذه هي القاعدة في ثواب الله عز وجل أنه يعطي أكثر مما فعل من أجله، جاء في القرآن { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل }.

هذه الجمل الثلاث تدل على هذا المعنى العظيم وأن عطاء الله وثوابه أكثر من عمل العبد وكدحه يقول جل وعلا (إن تقرب إلى بشبر تقربت إليه ذراعاً)، الشبر مسافة ما بين طرف الخنصر إلى طرف الإبهام عند مد اليد والذراع مسافة ما بين طرف الأصبع الوسطى إلى عظم المرفق وهذا هو الذي كان يقدر به سابقاً الشبر والذراع والباع وما أشبه ذلك.

وقوله : (إن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً )، اختلف العلماء في معنى هذه الجملة وما بعدها اختلف العلماء في معنى هذه الجملة وما بعدها:

فقيل إن هذا على حقيقته وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه ذراعاً، وعلى هذا فيكون هذا القول في العبادات التي تحتاج إلى مشي كالسعي إلى المساجد والسعي إلى الحج وما أشبه ذلك، ويخرج العبادات التي لا يكون فيها مشي ولكنها كالتي تحتاج إلى مشي؛ إي أن الله يعطي العامل أكثر مما عمل.

وقيل أن هذا على سبيل المثال، وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله بقلبه تقرب الله إليه على كيفية لا نعلمها، نحن بأنفسنا نعلم كيف نتقرب إلى الله ولكن كيفية تقرب الله إلينا لا نعلمه، فالمعنى إذا تقرب الإنسان بيقلبه إلى الله فإن الله يتقرب إليه على كيفية لا تُعلم، وذلك إن الإنسان يشعر بتقربه إلى الله بالقلب، يشعر بتقربه إلى الله بالقلب، أحيانا يكون قلبه ذاكرا لله عز وجل، فيشعر بأنه قريبٌ من الله عز وجل وأحيانا يكون غافلاً.

فالمعنى إذا تقرب العبد إلى ربه بالقلب ومن المعلوم أن العبادات تكون سببا لتقرب القلب إلى الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ولهذا تشعر وأنت ساجد بأنك قريب من الله وأن الله في السماء، فيكون على هذا القول ... يكون هذا من باب ضرب المثل وليس على الحقيقة.

وهذا القول أحسن من الأول لأنه يشمل بدلالة المطابقة جميع العبادات، والأول أختص بالعبادات ذات السعر والمشي.

وكذلك أيضاً يقال (من تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً).

أما قوله (وإن أتاني يشمي أتيته هرولة) فهذا أيضاً اختلف فيه العلماء، هل هو على حقيقته أو لا؟

فقيل أنه على حقيقته ونحن إذا مشينا نعلم كيف نمشي، أما الله فإننا لا نعرف كيفية مشيه، ولا مانع من أن الله يمشي يقابل المتجه إليه، فيقابله ... إذا أتاه يمشي يقابله هرولة. ويقال إن الذي يأتي سيأتي على صفة ما ولابد.

فإذا كان الله يأتي حقيقة فإنه لابد أن يأتي على صفته (هرولة أو غير هرولة) فإذا قال عن نفسه (أتيته هرولة) قلنا ما الذي يمنع أن يكون إتيانه هرولة إذا كنا نؤمن بأنه يأتي حقيقة؛ ونحن نؤمن بأنه يأتي حقيقة فإذا كان إتيانه حقيقة فلابد أن يكون إتيانه على صفة من الصفات. فإذا أخبرنا بأنه يأتي هرولة قلنا: آمنا بالله.

لكن كيف هذه الهرولة؟ لا يجوز لنا أن نكيفها ولا يمكن أن نتصورها، هي فوق ما يتصور وفوق ما يتكلم به.

ولكن هذا القول يخص هذا الحكم بالعبادات التي يأتي إليها الإنسان مشياً وتبقى العبادات الأخرى التي يفعلها الإنسان وهو قائمٌ في مكانه تبقى غير مذكورة في هذا الحديث لكنها بمعناها.

على القول الثاني نقول هذا من باب التمثيل؛ أي من أسرع إلى رضاي وإلى عبادتي أسرعت إلى ثوابه سرعةً أكثر من سرعة عمله وهذا القول يشمل جميع العبادات؛ لأن الإنسان يسرع إلى العبادة إسراعاً بالبدن وإحياناً يسرع بالقلب فقط وهو ثابت في مكانه.

فالمهم أن للعلماء في هذه المسألة قولين -لعلماء السلف-، هل نبقيها على ظاهرها وإن كان سيخرج عنا بعض العبادات إلا أنها تثبت بالقياس، أو نقول أن هذا كناية عن أن فضل الله عز وجل أكثر عن عمل العامل وكأن شيخ الإسلام رحمه الله يميل إلى هذا الرأي الأخير أنه من باب ضرب المثال.

ويؤيد هذا بأنه ليست جميع العبادات تحتاج إلى سعي ومشي، وإبقاء الحديث على عمومه المعنوي في جميع العبادات أولى من كوننا نخصه في بعض العبادات التي لا تكون ولا عشر إلى العبادات الأخرى؛ يعني أن العبادات التي تحتاج إلى مشي قليلة بالنسبة للعبادات الأخرى فكوننا نبقي الحديث على عموم العبادات ونجعل هذا من باب ضرب المثل.

وما زال الناس يضربون المثل بهذا، يقولون: أنا إذا رأيتك تقبل علي فإنني سأعطيك بالخطوة خطوتين، أو إذا أقبلت مشياً أُقبل إليك مسرعاً أو إذا مشيت إلي بالأقدام أمشي إليك بالجفون.

نعم فهذا أسلوب عربي معروف ولا زال إلى يومنا هذا.

وبهذا يزول الإشكال إشكال الحديث، إن حملناه على الحقيقة لم يفتنا على هذا الحمل إلا شيءٌ واحد، وهو؟

العبادات التي لا تحتاج إلى مشي ولا إلى مسافة، وإن حملناه على ضرب المثل عم جميع العبادات، وهذا المثل معروف من أساليب اللغة العربية." اهـ

منقول