قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس في المسجد.


مقطع من كتابي: تنبيه العقلاءفي الرد على أبي بكر جابر الجزائري.


فقد قال: عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم (في رسائله، آخر رسالة الحج المبرور: 1/180) تحت عنوان: "شرف الوقوف على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من قرب.."،: "ولا ننسى أن هذا المسجد فاز بمَزِيَّة، وتسامى بمنقبة عالية"، إلى أن يقول: "هو قبر محمد صلى الله عليه وسلم...".
قلت: لاشك ولا ريب في فوز المسجد النبوي بمزية عالية من الله الذي هذا الدين من عظيم فضله - سبحانه - على هذه الأمة، ولكن ليس ذلك لما زعمه الجزائري وهذا الزعم إنما هو غلو صارخ أملته عاطفة جامحة غير موزونة بميزان الشرع الحنيف وغير مقيدة به وبقيوده...ففي قوله: "لا ننسى أن هذا المسجد فاز بمَزِيَّة، وتسامى بمنقبة عالية.."!! محادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة للقبورية التي نهى عنها وحذر من فتنتها، ولعن أصحابها، وأمر بتسويتها، وبين ما يوجبه الشرع وينهى عنه ويتوعد عليه، وموقف المسلم منها وعقيدته تجاهها، وما شرعت له زيارتها بدون شد رحل: فقد قال صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري ومسلم -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وفي رواية للبخاري: قالت عائشة:ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
وفي البخاري ومسلم - أيضاً -: أن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذر ما صنعوا .
وقال صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، رواه مسلم، وفي رواية في مسلم - أيضاً -: «فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»؛فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور خشية الافتتان بها، حماية لجناب التوحيد والعقيدة، فقد كانت النفوس في الجاهلية تتعلق بها، فلما تمكنت العقيدة من نفوس المؤمنين بعد نهيهم عن زيارتها؛ لتعليمهم، أجاز لهم زيارتها؛ لأنها تذكر الموت؛ وبقي النهي فيما ورد النهي عنهعلى بابه ومورده.
وللأسف فقد عادت تلك الجاهلية منذ قرون إلى بلاد الإسلام لما ابتعد المسلمون عن دينهم بسبب اندراس العلم وجهلهم بكتاب الله - تعالى - وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح مسلم ما بعث عليه رسول الله علي بن أبي طالب ألا يدعه, وبعث عليه علي أبا الهياج الأسدي، وفيه:«ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»،وذلك خوف الفتنة.
وفي صحيح البخاري ومسلم:«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى».
والجزائري قد جعل قبر النبي مزاراً مقصوداً بالنية استقلالاً، ولم يقصره على ما كان عليه السلف لمن كان في المدينة أو وصل إليها، ولا يكون شد الرحل لأجل القبر، ويفهم من كلامه أن المساجد التي فيها القبور تَشْرُف وتتسامى على غيرها؛ لكون القبور فيها!، وأن تربة قبر النبي صلى عليه وسلم أفضل من العرش والكرسي؛ لقوله: "أقدس بقعة في العالمين وأشرف مكان في السموات والأراضين" وفيه - أيضاً - تفضيل البقعة أو التربة على الكعبة والبيت المعمور والمسجد الحرام والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى!!!. يُقْضَى على المرء في أيام محنته حتى يَرَى حسناً ما ليس بالحسن ومعلوم أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما كانت في حجرة عائشة رضي الله عنها وهي وحجرات أزواجه الأخريات رضي الله عنهن خارج المسجد، ولم تُدخل القبور الثلاثة في بنيانه أي: لم يكن البنيان محتوياً لها إلا في دولة بني أمية: في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان، بعد التسعين من الهجرة، وقد توفي الصحابة الذين كانوا في المدينة جميعاً فلم يبق منهم أحد، وقد ذُكر أن التابعي الجليل سعيد بن المسيب أنكر فعل الوليد. وبقي البنيان على حاله بعد ذلك مما يوهم أن القبور الثلاثة في المسجد، وليس الأمر كذلك، وإنما أدخلت في البنيان، ولم تَدخل البقعة التي فيها القبور أصلاً، وما يفهم من كلام الجزائري أن القبور كانت في المسجد، وذلك غير صحيح. وكانت سماء القبور مكشوفة - بعد إدخالها في البنيان - إلا في دولة المماليك، أيام السلطان المملوكي: (المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي): في القرن السابع الهجري،عام: (676هـ): ستة وسبعين وستمئة؛ حيث جعلت عليها قبة من خشب الزان، ويجدد ما يتلف منها بفعل عامل التقادم والرطوبة وغير ذلك إلى أن بنيت عليها القبة الحالية في حكم الدولة التركية في ولاية السلطان: محمود الثاني، وهي متقدمة عن بناء المسجد الحالي: البناء التركي؛ فقد بناه السلطان: عبد المجيد الأول، مابين: (1265-1277هـ) مئتين وخمسة وستين وألف، إلى مئتين وسبعة وسبعين وألف من الهجرة النبوية.ويفهم من كلام الجزائري - أيضاً - مشروعية الدفن في المساجد وذلك باطل, وهو بعض ما يتعلق به القبوريون وبعض تحججهم على دفن الموتى في المساجد، وبناء المساجد على القبور، وهو تعلق وتحجج باطل شرعاً، وبالنسبة لقبر النبي صلى عليه وسلم وصاحبيه وأنها في المسجد باطل واقعاً، وهي كغيرها فيما عدا ذلك.ولولا خوف الفتنة لأبرز قبره - كما تقدم فيه قول عائشة -.ولخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر:سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما نسيته، قال: «ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» فدفنوه في موضع فراشه".قال علامة الحديث محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - (في أحكام الجنائز وبدعها ص: 173): "والسنة الدفن في المقبرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر - أيضاً - أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها"، أي: حديث أبي بكر السابق، فأورده، وقد قال عنه قبل ذلك: صحيح، وقال عنه هنا: "حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد".فبقاء هذه الحال في المسجد النبوي بعد فعل الوليد بن عبد الملك، وفي الدولة السعودية إلى هذا الوقت كان لثلاثة أسباب: الأول: هدم البناء - ليعود الأمر كما كان - يخشى منه التلاعب بالمسجد، فيأتي حاكم يهدم، ويأتي آخر يبني، وهكذا، كما خشي في رد الكعبة المشرفة كما بناها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على قواعد إبراهيم، لما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم»، وكان قد أصابها التصدع في حرب ابن الزبير والحجاج، ولما بلغ هارون الرشيد أو أبوه المهدي حديث عائشة وكان عبد الملك بن مروان قد أمر أن تعاد الكعبة على أساسها قبل بناء ابن الزبير فأعيدت، قال: "وددنا أنا تركناه وما تولى" يعني: ابن الزبير. فأشار عليه الإمام مالك بعدم هدمها وبنائها من جديد حتى لا تكون لعبة للملوك.و ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - أنه من السنة، ولو ترك بناء ابن الزبير لكان جيداً، وأنه بعد هدم الحجاج زيادة ابن الزبير كُرِه إعادة البناء. فقد قال (في تفسيره: 1/220)، عند قوله - تعالى -: }وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت{ الآية: "وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما؛ لأنه هو الذي ودَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خُشِيَ أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم بالكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وددنا أنا تركناه وما تولى)"، وبعد أن أورد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء». قال: "فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة؛ لأنه رويَ عنها من طرق صحيحة متعددة عن: الأسود بن يزيد، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيداً.ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي أنه سأل الإمام مالكاً عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير، فقال له الإمام مالك :(يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله ملعبةً للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها)، فترك ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي".قلت: فيكون عبد الملك وهارون أو أبوه تمنوا أنهم تركوا البيت على ما بناه ابن الزبير، بعد أن بلغتهم السنة - رحمهم الله -.وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يعتذر للحجاج أنه ما أراد رمي أو هدم الكعبة، ولا يفعله مسلم، وإنما أراد المتحصنين حولها وكان الرمي يطيش فيصيبها عن غير قصد.والثاني: كون النبي يقبض في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه وهو صلى الله عليه وسلم قبض في بيته: في حجرة زوجته عائشة وهي خارجة عن المسجد، ولم تكن فيه أصلاً. والثالث: الخوف من أن يتخذ مسجداً؛ لقول عائشة - المتقدم -: "ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً"، ولعل هذا كان قبل أن يبلغهم حديث أبي بكر المتقدم - أيضاً -.
لاسيما وقد قال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -: "ولا يظن ظان أن هذا من جنس البناء على القبور أو اتخاذها مساجد؛ لأن هذا بيت مستقل أدخل في المسجد؛ للحاجة للتوسعة، وهذا من جنس المقبرة التي أمام المسجد مفصولة عن المسجد لا تضره، وهكذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم مفصول بجدار وقضبان"، ويأتي قريباً.
وقال سماحته (في مجموع فتاواه: 4/337): "قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق على صحته. وثبت عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا،ً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» متفق عليه. وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وروى مسلم - أيضاً - عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه». فهذه الأحاديث الصحيحة، وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، كما تدل على تحريم البناء على القبور، واتخاذ القباب عليها وتجصيصها؛ لأن ذلك من أسباب الشرك بها، وعبادة سكانها من دون الله، كما قد وقع ذلك قديماً وحديثاً، فالواجب على المسلمين أينما كانوا أن يحذروا مما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وألا يغتروا بما فعله كثير من الناس، فإن الحق هو ضالة المؤمن متى وجدها أخذها، والحق يعرف بالدليل من الكتاب والسنة لا بآراء الناس وأعمالهم. والرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصاحباه رضي الله عنهما لم يدفنوا في المسجد، وإنما دفنوا في بيت عائشة، ولكن لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك أدخل الحجرة في المسجد في آخر القرن الأول، ولا يعتبر عمله هذا في حكم الدفن في المسجد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لم ينقلوا إلى أرض المسجد، وإنما أدخلت الحجرة التي هم بها في المسجد من أجل التوسعة، فلا يكون في ذلك حجة لأحد على جواز البناء على القبور، أو اتخاذ المساجد عليها، أو الدفن فيها، لما ذكرته - آنفاً - من الأحاديث الصحيحة المانعة من ذلك. وعمل الوليد ليس فيه حجة على ما يخالف السنة الثابتة عن رسول الله".وقال - أيضاً - (10/ 199): "هنا شبهة يشبه بها عباد القبور، وهي: وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده .
والجواب عن ذلك : أن الصحابة رضي الله عنهم لم يدفنوه في مسجده ، وإنما دفنوه في بيت عائشة رضي الله عنها ، فلما وسع الوليد بن عبد الملك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في المسجد ، وقد أساء في ذلك ، وأنكر عليه بعض أهل العلم ، ولكنه اعتقد أن ذلك لا بأس به من أجل التوسعة".
وقال (10/ 206): "أما احتجاج بعض الجهلة بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه في مسجده فلا حجة في ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دفن في بيته وليس في المسجد، ودفن معه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ولكن لما وسع الوليد بن عبد الملك بن مروان المسجد أدخل البيت في المسجد؛ بسبب التوسعة، وغلط في هذا، وكان الواجب أن لا يدخله في المسجد؛ حتى لا يحتج الجهلة وأشباههم بذلك، وقد أنكر عليه أهل العلم ذلك، فلا يجوز أن يقتدى به في هذا.
ولا يظن ظان أن هذا من جنس البناء على القبور أو اتخاذها مساجد؛ لأن هذا بيت مستقل أدخل في المسجد؛ للحاجة للتوسعة ، وهذا من جنس المقبرة التي أمام المسجد مفصولة عن المسجد لا تضره، وهكذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم مفصول بجدار وقضبان.
وينبغي للمسلم أن يبين لإخوانه هذا؛ حتى لا يغلطوا في هذه المسألة".

وسئل العلامة محمد بن صالح بن عثيمين (كما في مجموعة فتاواه: 1/232): "كيف نجيب عباد القبور الذين يحتجون بدفن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي؟".
فأجاب بقوله: "الجواب عن ذلك من وجوه : الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن صلى الله عليه وسلم في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صلى الله عليهم وسلم، ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام أربعة وتسعين هجرية تقريباً، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك وممن خالف - أيضاً - سعيد بن المسيب .
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله؛ لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنياً عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي: أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى؛ لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة".

وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: (في التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص: 260) عن خروج عائشة رضي الله عنها وما حدث فيما بعد: "ولما دفن عمر رضي الله عنه تركت الحجرة رضي الله عنها، ثم أُغلقت الحجرة، فلم يكن ثم باب فيها يدخل منه إليها..ولما زيد في بناء المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك، وكان أمير المدينة يوم ذاك عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وأخذوا بعضاً من حجر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام: بقيت حجرة النبي عليه الصلاة والسلام كذلك، فأخذوا من الروضة جزءاً، وبنوا عليه جداراً آخر غير الجدار الأول، بنوه من ثلاث جهات، وجعلوا جهة الشمال مسنمة أي: مثلثة، فصار عندنا الآن جداران: الجدار الأول: مغلق تماماً، وهو جدار حجرة عائشة، والجدار الثاني: الذي عمل في إمرة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - زمن الوليد بن عبد الملك وقد جعلوه من جهة الشمال - وهي عكس القبلة - مسنماً؛ لأنه في تلك الجهة جاءت التوسعة، فخشوا أن يكون ذلك الجدار مربعاً، يعني: مسامتاً للمستقبل، فيكون إذا استقبله أحد فقد استقبل القبر، فجعلوه مثلثاً، يبعد كثيراً عن الجدار الأول، وهو: جدار حجرة عائشة؛ لأجل أن لا يمكن لأحد أن يستقبل القبر؛ لبعد المسافة؛ ولأجل أن الجدار صار مثلثاً.
ثم بعد ذلك بأزمان جاء جدار ثالث - أيضاً - وبني حول ذينك الجدارين، وهو الذي قال فيه ابن القيم - رحمه الله - في النونية في وصف دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد»، قال:
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصـــيانفأصبح قبر النبي عليه الصلاة والسلام محاطاً بثلاثة جدران، وكل جدار ليس فيه باب، فلا يمكن لأحد أن يدخل ويقف على القبر بنفسه؛ لأنه صار ثم جداران، وكل جدار ليس له باب، ثم بعد ذلك وضع الجدار الثالث، وهذا الجدار - أيضاً - ليس له باب، وهو كبير مرتفع، وهو الذي وضعت عليه القبة فيما بعد، فلا يستطيع أحد الآن أن يدخل إلى القبر، أو أن يتمسح به، أو أن يرى مجرد القبر، ثم بعد ذلك: وضع السور الحديدي بينه وبين الجدار الثالث نحو متر ونصف في بعض المناطق، ونحو متر في بعضها، وفي بعضها نحو متر وثمانين إلى مترين، يضيق ويزداد، لكن من مشى: فإنه يمشي بين ذلك الجدار الحديدي، وبين الجدار الثالث.
فالحاصل: أن المسلمين عملوا بوصيته عليه الصلاة والسلام، وأُبعد قبره، بحيث لا يمكن لأحد أن يصل إليه؛ ولهذا لما جاء الخرافيون في عهد الدولة العثمانية فتحوا في التوسعة التي هي من جهة الشرق ممراً؛ لكي يمكن من يريد أن يطوف بالقبر، أو أن يصلي في تلك الجهة، أو أن يطوف، أو يصلي!! وذلك الممر الشرقي - الذي هو قدر مترين أو يزيد قليلاً - قد منعت الصلاة فيه في عهد الدولة السعودية الأولى، وما بعدها، فكأنه أخرج من كونه مسجداً؛ لأنه إذا كان من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام: فلا يجوز أن يمنعوا أحداً من الصلاة فيه، فلما منعوا الصلاة فيه جعلوا له حكم المقبرة، ولم يجعلوا له حكم المسجد، فلا يمكن لأحد أن يصلي فيه، بل يغلقونه وقت الصلاة، أما وقت السلام أو وقت الزيارة فإنهم يفتحونه للمرور .
فتبين بذلك أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ مسجداً، وإنما أدخلت الغرف بالتوسعة في عهد التابعين في المسجد، ولكن جهته الشرقية خارجة عن المسجد، فصارت كالشيء الذي دخل في المسجد، ولكن الحيطان المتعددة - وهي الجدران الأربعة التي تفصل بين القبر والمسجد - تمنع أن يكون القبر في داخل المسجد، يعني مكان الدفن.
ومما يدل على أخذ الصحابة والتابعين ومن بعدهم بوصية النبي عليه الصلاة والسلام هذه، وسد الطرق الموصلة إلى الشرك به عليه الصلاة والسلام، وعدم اتخاذ قبره مسجداً، أنهم أخذوا من الروضة الشريفة التي هي روضة من رياض الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» قدر ثلاثة أمتار، لكي يبنوا الجدار الثاني، ثم الجدار الثالث وأخذوا أكثر من ثلاثة أمتار لإقامة السور الحديدي، فهذا من أعظم التطبيق والعمل بوصيته عليه الصلاة والسلام؛ حيث إنهم أخذوا من الروضة، وأجازوا أن يأخذوا من المسجد؛ لأجل أن يحمى قبر النبي عليه الصلاة والسلام من أن يتخذ مسجداً، وهذا - ولا شك - يدل على عظيم فقه من قاموا بذلك العمل، ففصل القبر عن المسجد بهذه الكيفية التي وصفت هومن رحمة الله - جل وعلا - بهذه الأمة، ومن إجابة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد».
إذن فلقوله عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، لم يتخذ قبره مسجداً.
والموجود اليوم في المسجد النبوي قد تكون صورته عند من لم يحسن التأمل، وعند غير الفقيه صورة قبر في داخل مسجد، وليست الحقيقة كذلك؛ لوجود الجِدارِين المختلفة التي تفصل بين المسجد وبين القبر؛ ولأن الجهة الشرقية منه ليست من المسجد؛ ولهذا لما جاءت التوسعة الأخيرة، كان مبتدؤها من جهة الشمال بعد نهاية الحجرة بكثير، حتى لا تكون الحجرة في وسط المسجد؛ فيكون ذلك من اتخاذ قبره مسجداً عليه الصلاة والسلام .
فالمقصود من هذا البيان: أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام ما اتخذ مسجداً، وأن وصيته عليه الصلاة والسلام في التحذير قد أخذ بها في مسجده وفي قبره".
قلت: ومما يذكر فيشكر للدولة السعودية المباركة، دولة التوحيد - حرسها الله -: العمل بتلك السنة الثابتة؛ فإنه عندما وسعت المسجد النبوي الشريف لم تجعل التوسعة في الجهة الشرقية التي تحاذي القبور، بل أخرتها إلى الجهة الشمالية وجعلت امتدادها في محاذاتها شرقاً وغرباً وإلى الشمال؛ حتى لا تكون شريكة في الخطأ الذي وقع فيه الوليد بن عبد الملك الأموي - رحمه الله - بضم البقعة التي فيها القبور إلى بنيان المسجد, بل ستكون حينئذ وسط المسجد، متحملة تكلفة تلك المساحات الواسعة المهدرة مرتفعة الأثمان، أخذاً بما كتب به إليها بعض العلماء، وكنت مطلعاً وشاهداً عليه في حينه، وهو ما أشار إليه الشيخ صالح في آخر كلامه، وذلك من ثمرات التوحيد والسنة، وقبول ولاة الأمر لنصح الناصحين من العلماء، وهو بلا شك سنة حسنة وخير عظيم، جزاهم الله على ذلك عن النبي عليه الصلاة وسلم وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.قلت: وسئل العلامة ابن عثيمين (كما في فتاواه: 2/188): "هل يشرع للإنسان أن يقول: "اللهم اجعلني لقبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من الزائرين أو يقول: لمسجد نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من الزائرين؟" .
فأجاب قائلاً: "المشروع أن يقول: لمسجده صلى الله عليه وسلم من الزائرين؛ لأن مسجده هو الذي تشد إليه الرحال وليس قبره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
وها هنا نقطة أحب أن أنبه عليها وهي: أن كثيراً من الناس يتشوقون إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يتشوقون إلى زيارة مسجده، بل أكثر مما يتشوقون إلى زيارة الكعبة بيت الله - عز وجل - وهذا من الضلال البين، فإن حق النبي صلى الله عليه وسلم لا يشك أحد أنه دون حق الله - تعالى - فالرسول عليه الصلاة والسلام بشر مرسل من عند الله.
ولولا أن الله اجتباه برسالته لم يكن له من الحق هذا الحق الذي يفوق حق كل بشر.
أما أن يكون مساوياً لحق الله - عز وجل - أو يكون في قلب الإنسان محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزيد على محبة الله؛ فإن هذا خطأ عظيم؛ فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له صلى الله عليه وسلم تابع لتعظيم الله - عز وجل - وهو دون تعظيم الله - تعالى -.
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نغلو فيه، وأن نجعل له حقاً مساوياً لحق الله - عز وجل - فقد قال له رجل مرة: ما شاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله نداً؛ بل ما شاء الله وحده».
والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله - تعالى - ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول صلى الله عليه وسلم وحق الله - تعالى - فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم". فالح بن نافع المُخَلَّفِي الحربي
في 23/11/ 1435هـ