اسلُلْ سَخيمةَ قلبي
حديثنا في هذا اللقاءِ عن دعوةٍ عظيمةٍ مباركةٍ ، مأثورةٍ عن نبينا الكريمِ صلوات اللهِ وسلامه وبركاته عليه ، جَمَعَت خيرًا عظيمًا ومطالب جليلة ومنافعَ جمةً ومصالحَ متعددةً للعبدِ في دنياه وأُخراه ؛ فهي دعوة من جوامعِ الدعاءِ ، فنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم قد آتاه اللهُ جوامعَ الكلمِ ، وتميزتْ دعواتُه عليه الصلاة والسلام بأنها كوامل جوامع.
قالَ صلى الله عليه وسلم"بُعِثْتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبيْنا أنا نائِمٌ أُتِيتُ بمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ فَوُضِعَتْ في يَدِي ".الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري.
الشرح:فَضَّلَ الله سبحانه نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم على سائرِ الأنبياءِ والرُّسُل، وخَصَّه بخصائصَ كثيرةٍ، ومِنها ما في هذا الحَديثِ، حيثُ يُخبِرُ أبو هُريرَةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: بُعِثتُ، أيْ: أُرسِلتُ بجَوامعِ الكَلِمِ، أيْ: بالقُرآنِ؛ جَمَعَ اللهُ تَعالى في الْألْفاظِ اليَسيرةِ مِنهُ المَعانيَ الكَثيرَةَ، وَكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَتكلَّمُ بجَوامعِ الكَلمِ قَليلةِ الْألْفاظِ كَثيرَةِ المَعاني. ونُصِرتُ بالرُّعبِ، أيِ: الْخَوفِ وَالفَزعِ، فَكانَ يَقعُ ذلِك في قُلوبِ أعدائِه مَسيرةَ شَهرٍ، قال" وَبَيْنا أنا نائِمٌ رَأيتُني أتيتُ بمَفاتيحِ خَزائنِ الْأرْضِ فَوُضِعتْ في يَدي" أيْ: ما يُفتَحُ لأُمَّتهِ مِن بَعدِه مِنَ الفُتوحِ كَخَزائنِ كِسرَى وقَيصرَ. .الدرر.

وهكذا كانت أدعيتُه كلُّها كواملَ جوامعَ ، جَمَعتِ الخيرَ كلَّهُ ، ثم هي في الوقت نفسه أدعية معصومة لا خطأ فيها لأنها من دعاء المعصوم عليه الصلاة والسلام ، فهي أدعية معصومة ليس فيها خطأ ، يكفي أن يُعرف أنها ثابتة عنه ، بينما تلاحظ كثيرًا ما يسأل بعض الناس عن بعض الأدعية هل هي صحيحة أو لا ؟ هل هي سليمة أو لا ؟هل هي مناسبة أو لا ؟هل فيها خطأ أولا ؟بينما إذا علم أن هذا دعاء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع هذا السؤال ، لماذا؟ لأنها أدعية معصومة ؛فإضافة إلى كونها كاملة فهي أيضًا معصومة لا خطأ فيها ولا زلل . أمرٌ ثالث ألا وهو أنها قد اشتملت على أعلى المطالب وأجلّ المقاصد وأنبل الأهداف في الدنيا والآخرة بألفاٍظ معدودات وكلماتٍ موجزات ،لكنها حوت الخير كله والبركة أجمعها .ولهذا يؤكد أهل العلم أن المسلم ينبغي أن يحفظ بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تيسر له من ذلك ويعتني بدعاء الله سبحانه وتعالى بها ، وتكون في دعواته التي يكرر الدعاء بها والإلحاح على الله سبحانه وتعالى .الشيخ عبد الرزاق البدر.
ومن هذه الأدعية الجامعة تخيرنا هذا الحديث:

"كانَ يقولُ في دعائِهِ: ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرني ولا تنصُرْ عليَّ، وامكُر لي ولا تَمكُر عليَّ، واهدِني ويسِّرِ الهدى لي، وانصُرني على من بغَى عليَّ، ربِّ اجعَلني لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مُطيعًا، إليكَ مُخبتًا، إليكَ أوَّاهًا مُنيبًا، ربِّ تقبَّل تَوبَتي، واغسِل حَوبَتي، وأجِب دعوَتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، وثبِّت حجَّتي واسلُلْ سَخيمةَ قلبي"الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه-الصفحة أو الرقم: 3103 - خلاصة حكم المحدث : صحيح= الدرر =
وفي متن آخر
"واسلُل سخيمةَ صدري"
أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يدعُو يقولُ "ربِّ أَعِنِّي ولاَ تُعِنْ عليَّ ،وانصُرنِي ولاَ تنصرْ عليَّ ،وامْكُرْ لِي ولاَ تمْكُرْ عليَّ، واهدنِي ويسِّرِ الْهدَى لِي، وانصرنِي على منْ بغَى عليَّ، ربِّ اجعلني لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا ،لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا ،لَكَ مُخْبِتًا ، إليْكَ أوَّاهًا مُنِيبًا ،ربِّ تقبَّلْ تَوْبَتِي، واغسلْ حَوْبَتِي، وأجبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وسدِّدْ لِسَاِني، وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي"الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي. الصفحة أو الرقم: 3551 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.


الشرح:
الدُّعاءُ والتَّذلُّلُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بكلِّ ما يَليقُ بذاتِه مِن مَفاتيحِ تَفْريجِ الكُروبِ، وفيه يُظهِرُ العبدُ تَضرُّعَه وانقيادَه للهِ سبحانه؛ لعِلْمِه بأنَّه سبحانه هو القادرُ على إجابةِ دُعائِه.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كان يقولُ في دُعائِه
"رَبِّ أعِنِّي" أي: أطلُبُ مِنك العونَ، والتَّوفيقَ لطاعتِك، وعبادتِك على الوجهِ الأكملِ الَّذي يُرْضيك عنِّي, وأطلُبُ مِنك العونَ على جميعِ الأمورِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ والأُخرَويَّةِ، وفي مُقابلةِ الأعداءِ أمِدَّني بمَعونتِك وتوفيقِك.الدرر.

؛أعني على نفسي الأمارة بالسوء، أعني على الشيطان أن لا يكون له مدخل علي ، أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ؛ هذه كلها داخلة في هذا اللفظ الموجز في هذا الدعاء "رَبِّ أعِنِّي"، ففيها طلب العون من الله .والله تبارك وتعالى وحده المستعان ، والمعان من عباد الله من أعانه الله ، والموفق من وفقه الله ، فالأمر بيد الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . البدر.
"ولا تُعِنْ علَيَّ" ولا تَجعَلْ عونَك لِمَن يمنَعُني عن طاعتِك مِن النَّفْسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، ومِن شَياطينِ الإنسِ والجِنِّ.

هذا فيه دعاء الله سبحانه وتعالى أن لا يعين عليه من أراد به ضرًا أو أراد به شرًا أو أراد به نوعًا من أنواع الأذى؛فيدخل عدم إعانة النفس الأمارة بالسوء ، وعدم إعانة كل من أراده بسوء أو أراده بشر ، "ولا تُعِنْ علَيَّ" أي اصرف عني شر الأشرار وأذى المعتدين ولا تعن علي .البدر.
"وانصُرْني"، وهذا طلَبٌ للنُّصْرةِ في كلِّ الأحوالِ، وقيل: مَعْناه: انصُرْني على نَفْسي الأمَّارةِ بالسُّوءِ؛ فإنَّها أَعْدى أعدائي، كما قال سبحانَه"إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي"يوسف: 53، ولا مانِعَ مِن إرادةِ الجَميعِ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لم يُخصِّصْ نوعًا مُعيَّنًا.
"ولا تَنصُرْ علَيَّ" أيْ: ولا تَجعَلْني مَغلوبًا، فتُسلِّطْ علَيَّ أحَدًا مِن خَلقِك, ولا تَنصُرِ النَّفسَ الأمَّارَةَ بالسُّوءِ علَيَّ، فأتَّبِعَ الهَوى وأترُكَ الهُدى.الدرر.
وهذا فيه سؤال الله سبحانه وتعالى الحفظ والوقاية والسلامة من الأعداء.البدر.
"وامْكُرْ لي"، والْمَكْرُ هو الخِداعُ، وهو مِن اللهِ إيقاعُ بَلائِه بأعدائِه مِن حيثُ لا يَشعُرون في قابلة مكرهم، وهو صِفةُ كَمالٍ في حَقِّه تعالى، أي: أنزِلْ مَكْرَك بمَن أراد بي شَرًّا وسوءًا، وارزُقْني الحيلةَ السَّليمةَ، والطَّريقةَ الْمُثْلى في دَفْعِ كَيْدِ عدوِّي، فأَسْلَمَ مِن كَيدِهم وشَرِّهم.
"ولا تَمكُرْ علَيَّ" أي: ولا تَهْدِ عدُوِّي إلى طريقِ دَفْعِه إيَّاي عن نفسِه, ولا تُعامِلْني بسُوءِ نيَّتي، فأغتَرَّ وأتجاوَزَ الحَدَّ مِن حيثُ لا أشعُرُ فأَهلِكَ، والمكرُ مِن صفاتِ اللهِ تعالى الفِعليَّةِ المقيَّدةِ الَّتي تقَعُ بمَشيئتِه، فلا تُطلَقُ على اللهِ تعالى إلَّا في سبيلِ المقابَلةِ والجزاءِ لِمَن يَمكُرُ به تعالى وبأوليائِه.الدرر.

قال تعالى"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"الأنفال:30 ؛ فهذا فيه سؤال الله سبحانه وتعالى أن يمكر له؛ أن يدبر له من أسباب التوفيق الخفية التي يَسْلَم وينجو بها من مكر الأعداء وكيدهم ، امكر لي ولا تمكر علي : أي هيء لي من أسباب التوفيق الخفية التي تكون بها نجاتي وجَنِّبني ضد ذلك وسلِّمني منه ، ولا تمكر علي .

ثم سأل الله عز وجل المعونة والتيسير لمطالب جليلة جدًا هي كلها من عبادة الله وتحقيق الذل له والانكسار بين .البدر.
"واهْدِني"، أي: أرشِدْني ووَفِّقْني بالهدايةِ مِن عندِك، ولا أَزيغَ عنها حتَّى ألْقاك.
الهداية نوعان

هداية دلالة وإرشاد .
وهداية توفيق وتثبيت، والعبد حينما يسأل اللَّه تعالى الهداية ينبغي أن يستحضر هذه المعاني، فيقول: دلّني، ووفّقني لطرق الهداية والمعرفة، ووفّقني لها، ولا أزيغ عنها حتى ألقاك، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى فعل الخيرات من الأعمال الصالحات، والعلم النافع، واجتناب المحرّمات .منقول.
"ويَسِّرِ الهُدى لي"، أي: سَهِّل لي اتِّباعَ الهدايةِ، وسُلوكَ طَريقِها، وهَيِّئْ لي أسبابَ الخيرِ، حتَّى لا أستَثقِلَ الطَّاعةَ، ولا أنشَغِلَ عن العبادةِ.
"وانصُرْني على مَن بَغى علَيَّ"، أي: وانصُرْني على مَن ظلَمَني وتَعدَّى علَيَّ, وهذا تخصيصٌ بعدَ العُمومِ في قولِه أوَّلًا "وانصُرْني ولا تَنصُرْ علَيَّ".

قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه"دعاء عادل، لا دعاء معتدٍ....." الرد على البكري، 1/ 207، نقلاً من فقه الأدعية، ص 488. فيه: الثقة بالظَّفْرِ على من اعتدَى وبغَى بغيرِ حقٍّ؛ لما في ذلك من سرور القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال من وقاية الأعداء، والثقة بقدرة اللَّه تعالى ونصره .
*ثم سأل الله عز وجل المعونة والتيسير لمطالب جليلة جدًا هي كلها من عبادة الله وتحقيق الذل له والانكسار بين .البدر.

بعد: أن توسَّل إليه تعالى فيما ينفعه في تعامله وسيره مع خلقه، شرع في التوسل إلى اللَّه تعالى فيما ينفعه ويقرّبه، ويصلح أحواله مع عبادته لربه تعالى، وأن هذه المطالب هي الأعظم والأهمّ عنده، كما دلّ على ذلك صيغ المبالغة، وتقديم الجار والمجرور
قال صلَّى الله عليه وسلَّم "ربِّ اجعَلْني لك شَكَّارًا أي: كثيرَ الشُّكرِ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وفي القولِ والعمَلِ، وفي السِّرِّ، وفي العلَنِ، وفي تقديمِ الجارِّ والمجرورِ "لك" دَلالةٌ على الاختِصاصِ، أي: أخُصُّك بالشُّكرِ؛ لأنَّك خالِقُ النِّعَمِ، ومُعْطيها، نسأَل اللهَ التَّوفيقَ إلى الشُّكرِ؛ لأنَّ به تَدُومُ النِّعمُ.الدرر.
قال تعالى"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ " البقرة: 152.

*إن الشكر للنعمة حافظٌ للنعمِ الموجودةِ، وجالبٌ للنعمِ المفقودةِ، فإن النعمة إذا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فَرَّتْ.
قال تعالى"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "إبراهيم:7.
فَلْنَحْرِص على شُكْرِ ربِّنَا على نَعْمَائِهِ وحَمْدِهِ - جلَّ فِي عُلَاه - على فضلِهِ وعطائِهِ، ونسأله سبحانه أن يوزعنا شكر نعمه، وأن يعيذنا من تبديل النعمة كفرًا؛ فإن ذلك موجب للعقوبة وحلول النقمة ".
جامع للمؤلفات والرسائل :266 - 12.
وقوله " شَكَّارًا"
يتناول الشكر بالقلب اعترافًا بالنعم ،والشكر باللسان حمدًا وثناءً على المنعم ، والشكر بالجوارح استعمالًا لها في الطاعة؛ وهذا من معاني الشكر وهو داخل في قوله شكارًا، قال الله تعالى "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا"سبأ:13؛
أي اعملوا شكرًا لله على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين .وفيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية .
هذا جزء من شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه .
والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى ؛ إذ لولا توفيقُ اللهِ لعبدِهِ ، وإعانُتُهُ : َلماَ حصلَ الشكرُ ، ولذا شُرِعَ في السنَّةِ الصحيحةِ طلبُ الإعانةِ مِنَ اللهِ على شكرِهِ تعالى .
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ " يَا مُعَاذُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " .
رواه أبو داود : 1522 - والنسائي : 1303 ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود "

"لك ذَكَّارًا" أي: كثير الذِّكرِ لك في كلِّ الأوقاتِ والأحوالِ، وفي سُؤالِه تعالى التَّوفيقَ إلى الذِّكرِ؛ لأنَّه هو أفضلُ الأعمالِ.الدرر.
"أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأفضَلُ الدُّعاءِ الحمدُ للهِ"الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.


فذِكر الله بالكثرة هذا من المطالب العظيمة ، فَسَأَلَ اللهَ سبحانه وتعالى أن يجعلَهُ ذَكَّارًا للهِ أي كثير الذكر لله سبحانه وتعالى ، وقد قال العلماء : يكون العبد ذكارًا لله كثير الذكر لله إذا واظب على الأذكار المقيدة واعتنى بها بشكل يومي؛ أذكار الصباح ، أذكار المساء ، أذكار النوم ، أذكار الدخول، أذكار الخروج ، أذكار النوم، أذكار الطعام ،إلى غير ذلك من الأذكار المأثورة الموظفة في عمل اليوم ووظيفته اليومية، وهو ما يسميه أهل العلم عمل اليوم والليلة ، فإذا كان مواظبًا على ذلك معتنيًا به وعلى لسانه متى ما تيسير أذكارًا مطلقة كان بذلك من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات .
"لك رَهَّابًا"، أي: خائِفًا منك في كلِّ أحوالي.الدرر.
من الرهبة وهي الخوف من الله والخشية من الله سبحانه وتعالى ، وهذا يتولد عنها مجانبة ما يسخط الله والابتعاد عن الآثام وحسن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، وهي ثمرة حسن المعرفة بالله، كما قال الله تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"فاطر:28. فهي ثمرة حسن المعرفة بالله سبحانه وتعالى .البدر.
"لك مُطيعًا"، وفي روايةٍ: "لك مِطْواعًا"، أي: كثيرَ الطَّوْعِ، وهو الانقيادُ والامتِثالُ والطَّاعةُ لأوامِرِك، والبعدُ عن نَواهيك.الدرر.

والمطواع :هو الملازم للطاعة ؛ يقال مطواع ، ويقال مطيع ، ويقال طائع ، فالمطواع هو الملازم لطاعة الله وأيضًا طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي من طاعة الله سبحانه وتعالى. قال "لك مِطْواعًا" أي ملازمًا لطاعة الله عز وجل . تأمل هنا وأنت تقول هذا الدعاء.
"لك مُخبِتًا"، أي: كثيرَ الإخباتِ، وعلامَتُه: أن يَذِلَّ القلبُ بينَ يدَيِ اللهِ تعالى إجلالًا وتذَلُّلًا، أي: لك خاشِعًا متواضِعًا خاضِعًا.

والإخبات: هو الخضوع والذل لله عز وجل "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ"هود:23 ، قال تعالى "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ"الحج:34؛ فالمخبِت: هو المتذلل الذي لانت نفسه وذلت مقبلةً على الله وعلى طاعته والتقرب إليه ، ولهذا لما ذكر الإخبات في هذه السورة سورة الحج ذكر أوصاف المخبتين الذين ذلت نفوسهم وخضعت لله .البدر.
"إليك أوَّاهًا مُنيبًا"، والأوَّاهُ هو: كثيرُ التَّضرُّعِ - والإلحاحِ - والدُّعاءِ والبُكاءِ للهِ عزَّ وجلَّ، والمنيبُ كثيرُ الرُّجوع إلى اللهِ مِن الذُّنوبِ والخَطايا.
"مُنيبًا" أي إلى الله" وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ"الزمر:54. الإنابة : هي الرجوع إلى الله عز وجل بترك المعاصي والإقبال على الطاعات ، فالمنيب إلى الله سبحانه وتعالى هو المقبل على الله بفعل العبادة واجتناب المعاصي والآثام وما حرمه الله سبحانه وتعالى ونهى عباده عنه.

"رَبِّ تقَبَّلْ توبَتي" أي: اجعَلْها صَحيحةً بشَرائِطِها وآدابِها، وتَقبَّلْها منِّي.
توبة العبد إلى الله يفتقر فيها العبد إلى توبتين من الله عليه ؛ الأولى: توفيق الله العبد أن يتوب إلى الله ؛ فهذا التوفيق إلى التوبة هو نفسه توبة ، قال الله عز وجل " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا"التوبة:118، فتوبة العبد فيها افتقار أولا إلى الله أن يوفقه للتوبة وأن يجعله تائبًا ، وإلا كم من الناس منغمسين في معاصي وفي ذنوب لكنه محروم أن يوفقه الله عز وجل للتوبة ، إذًا العبد بحاجة إلى أن يتوب الله عليه بأن يوفقه للتوبة وأن يتوب عليه بأن يقبل توبته ، فلما قُلت قبلها "اجعَلني لَكَ شَكَّارًا ذَكَّارًا مُنيبًا أوَّاهًا " إلى آخره هذه فيها توبتك إلى الله وإقبالك على الله سبحانه وتعالى ؛ فناسب أن تسأل الله أن يتقبل منك توبتك وإنابتك ورجوعك إلى الله سبحانه وتعالى وإخباتك، اللهم تقبل توبتي ، وقد قال الله سبحانه وتعالى " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ"الشورى:25. الله جل وعلا تواب واسمه "التواب" يدل على أمرين : التوفيق للتوبة ، والقبول للتوبة ؛ التوفيق للتوبة هذا قبل توبة العبد ، والقبول للتوبة هذا بعد توبة العبد ، ولهذا كل توبة من العبد مسبوقةٌ بتوبة من الله ومتبوعة أيضًا بتوبة من الله ، توبة الله الأولى التوفيق والثانية القبول .البدر.
"واغسِلْ حَوبَتي"أيِ: امْسَحْ ذَنبي وإثمي، وذَكَر الغَسْلَ لِيُفيدَ إزالتَه بالكُلِّيَّةِ.
"وأجِبْ دَعْوتي" أي: استَجِبْ كلَّ دُعائي.الدرر.
هذا يتضمن أنك تسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل دعوتك دعوة مستجابة ، لأن ليس كل دعوة مستجابة ، هناك دعوات مردودة على الداعي وهناك أمور تمنعه من قبول الدعاء كلها جاءت بها السنة ، ولهذا الدعاء المستجاب هو الذي توفرت فيه الشروط وانتفت موانع ، وإلا السنة جاءت بشروط لقبول الدعاء وأيضًا موانع تمنع قبول الدعاء ؛ "يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي."الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري.
في هذا الحديثِ إلى أَدبٍ مِن آدابِ الدُّعاءِ: وهو أنْ يُلازِمَ العبدُ الطَّلَبَ في دُعائِه ولا يَيْئَسَ مِن الإجابةِ؛ لِمَا في ذلك مِن الانقِيادِ والاستِسلامِ وإظهارِ الافتِقارِ.الدرر.

"لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ قيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما الاسْتِعْجَالُ؟ قالَ: يقولُ: قدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذلكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم. الدرر.


"ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟"الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم.

هذا مانع من إجابة الدعاء . إذًا أنت لما تقول "أجِبْ دَعْوتي" تضمن قولك أجب دعوتي أي وفقني لأن تكون دعوتي دعوة مستجابة مستوفية لما يكون به قبول الدعاء وعدم رد الدعاء .البدر.

"وثَبِّتْ حُجَّتي"، أي: ثبِّتْ حُجَجي وبَراهيني في الدُّنيا على أعدائِك بالحجَّةِ الدَّامِغةِ، أي ثبتني على المحجة البيضاء على الحق على الهدى، أيضًا ثبت حجتي بحسن البيان للحق ورد الباطل وإزهاق الضلال والرد على أهله ، والدَّعوةِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المنكَرِ بالأدلَّةِ البيِّناتِ السَّاطعةِ، كل هذا من المعاني الذي يشمله قوله وثبت حجتي .
وثبِّتْ قَولي في الآخرةِ عِندَ سُؤالِ الملَكَينِ في القَبْرِ، والحُججُ هي البيِّناتُ والدَّلائلُ.


وهذه الأعمال الجليلات لن يكون فيك شيء منها إلا إذا جعلك الله كذلك.البدر.
ثم خَتم صلَّى الله عليه وسلَّم دُعاءَه بقولِه:

"واهْدِ قَلْبي" أي: أرشِدْه ووفِّقْه إلى مَعرِفتِك، ومعرفةِ الحقِّ والهُدى والصِّراطِ المستقيم.

"وسَدِّدْ لِساني"
جمع بين دعوة للسان والقلب ؛اللسان بالسداد ، والقلب بالهداية واهد قلبي . لهذا كثير ما يأتي في الأدعية الجمع بين اللسان والقلب "وأَسألُك قَلْبًا سليمًا، ولِسانًا صادِقًا"
الراوي : شداد بن أوس - المحدث : الألباني - المصدر : تخريج مشكاة المصابيح -الصفحة أو الرقم: 915 - خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره.
هذا فيه دعاء ثابت عن نبينا حديث شداد ، فيأتي الجمع بينهما ، فالقلب السؤال الذي يتعلق به الهداية ، واللسان السؤال الذي يتعلق به السداد بأن يكون قول المرء صوابًا سليمًا لا زلل فيه ولا انحراف، والدعوة التي تتعلق بالقلب الهداية ؛ أن يهدى قلبه إلى الخير وأن يوفق إلى ما فيه الصلاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة .
"وسَدِّدْ لِساني" أي: صَوِّبْ لِساني؛ حتَّى لا يَنطِقَ إلَّا بالحقِّ، ولا يَقولَ إلَّا الصِّدْقَ. تسديد اللسان بأن يكون قول اللسان دائمًا السداد ، أي القول الصحيح السليم القويم ، قال عليه الصلاة والسلام "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" صحيح البخاري؛ يعينك على ذلك أن تسأل الله أن يسدد لسانك ، وإلا اللسان والعياذ بالله إذا أرخي له فإنه شرٌ على صاحبه ، قد جاء في الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ اتَّقِ اللَّهَ فينا فإنَّما نحنُ بِك فإن استقمتَ استقمنا وإن اعوججتَ اعوججنا"الراوي : أبو سعيد الخدري - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.
. فهنا سأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد لسانه ثم أتبعه بقوله :

"اسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي" أي: أخرِجْ مِن قَلْبي: الحِقْدَ والغِلَّ، والحسدَ والغِشَّ.

وهذه مهمة جدًا ؛ الصدور لا تخلو من سخائم، فسأل الله عز وجل أن يسلل هذه السخائم التي في صدره ، والسخائم التي في القلب هي الغل الحقد الحسد الضغائن وأمراض القلوب ؛ هذه كلها أدواء تصاب بها القلوب فكم هو جميل بالمرء أن يلح على الله سبحانه وتعالى أن يسلل سخيمة صدره بحيث يكون صدره تجاه المسلمين صدرًا سليمًا.
وفي الحديثِ: الدُّعاءُ بما فيه أسبابُ الصَّلاحِ والسَّعادةِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.الدرر
.

*شرح الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر:

-هنا - وهنا - ومصادر أخرى.