في ليلة غُدَافِيَّة الإهاب، سوداء مدلهمة، حالكة الجلباب، مطموسٌ نجمُها، يَتَلَفَّعُ فيها المهمومُ بهمه، ويَلْتَحِفُ المكروبُ بكربه، جلستُ أفكرُ في الوداع.
نعم إنه الوداع، فقد حان حين اللقاء الأخير.
فغدا يأتي الصباح لأودع حبيبتي.
نعم إنها حبيبتي، تلك الجميلة الحسناء، التي تَتَّشِحُ بالسواد المدبَّج بالذهب، تخطف العيون، بل والقلوب معا.
ومن عادتي أني لا آتيها وحدي، بل يكون معي من الأصدقاء من شاء الله أن يكون –ولا تعجل على حبيبتي فتظن أنها من اللاتي لا ترد يد لامس-.
لكني في هذه المرة، وأنا ذاهب للوداع، آثرت أن أزورها وحدي، حتى لا يرى أحد من أترابي تلك اللحظة القاسية، لحظة الوداع!
نعم إنه الوداع!
مرت ساعات الليل ملؤها الكآبة، وأنا جالس على سريري لا أهنأ بنوم، أتقلب يمنة ويسرة، ما إنْ أغمض عيني حتى أفتحها، أبحث عن النوم فلا أجده، فكان القلق سميري، والسهر جليسي.
حتى مر على خاطري ما قاله أبو ذؤيب على لسان زوجته:
أمْ مَا لِجِسْمِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعَاً ... إلا أقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ

بتُّ هذه الليلة طاويا من غير فقر، أشتهي ما يطفيء لوعتي، ويذهب وحشتي، وبعد لَأْيٍ وعناء غلبتني عيناي فنمت مرغما، وهّدّأّتْ نفسي بعدما سلبها النوم سلبا بلا تدخل مني.
أتى الصباح، وأي صباحٍ؟!
لأن قالوا قديما في المثل العربي: وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى.
فإن أرى هذا المثل ينقلب عليَّ –وحدي- فيكون: وعند الصباح يلتاعُ القلبُ من الجَوى!
آتى الصباح، فتجهزت وتهيأت للِّقاء الأخير، والوداع المرير.
وعلى عكس الليل الذي مر بطيئا -كأن سير الزمان توقف أو كاد-، مر الوقت في الصباح سريعا كأنه يسوقني إلى الوداع سوقا، ويلجأني إلى الفراق إلجاءً.
مر الوقت سريعا وها أنا ذا قد وصلت لجميلتي وحبيبتي.
حبيبتي التي منحها الله حسنا وبهاءً؛ يجعل كل من نظر إليها ورآها وقف أمامها هائبا لها من غير خوف، مستعظما إياها في غير ذلة، مشدوها منها من غير ذهول.
ما إن رأيتُها إلا وقد استرجعتُ من ذاكرتي تلك الأوقات التي قضيتها في محراب حسنها كالأشياء المسجلة التي تسطيع بكل يسر أن تعيدها من أولها إذا جئت على آخرها، كم جئتها فوجدت منها ما يَسُرُ قلبي، ويُطْرِبُ فؤادي، ويجعلني أطير بغير جناح، وأسبح في غير ماء، وكم تكحَّلتْ عيني برؤيتها، والنظر إليها، وكم وكم.

إلا أنه قد نغَّصَ عليَّ تلك الذكريات أن حالي معها كحال الموج، لا يصل أوله إلى الشاطيء حتى يأتي عليه آخره، فيتلاشى كأن لم يكن! لا أشبع من رؤيتها، ولا يُزِيلُ مسغبتي وصلُها المرة بعد المرة، ولا يَنْقَعُ غُلَّتِي كؤوس الحب التي أرتويها منها الفينة بعد الفينة.
هذه هي المرة الأخيرة، هذا هو اللقاء الذي ليس بعده لقاء.
خفق قلبي خفقان الملتاع من ألم الفراق، وتزايد نبضه كأنه بين مطرقة وسندان، وأصبحت روحي بين شقي الرحى، وانهمرت الدموع تجري من مقلتَيَّ، حتى خِلْتُ أنَّ نهرا يجري بأدمعي.
حانت اللحظة القاسية، الآن جاء وقت الوداع، وحان حين الفراق، وآن أوان الرحيل بلا عودة، وقدماي تمشيان في جهة، وقلبي يسبح عكس التيار في جهة، كلما خطوتُ خطوة وقفتُ واستدرت نحوها، أنظر إليها، أتأملها، وأتَضَوَّرُ من ألم الفراق كما يَتضَوَّرُ الجائع الذي تطوق نفسه للقمة أو لقيمة يقيم بها صلبه، ويجم بها فؤاده.
فاستدرت نحوها ودمعي يسيل على خدي، فطفقت أنظر إليها وأنشأت أقول: سلام الله عليك يا حبيبتي التي ما أحببت شيئا مثلما أحببتك، وما اشتقت لأحد مثلما اشتقت لك، وما تمنيت شيئا كما تمنيت جوارك.
لله أنتِ ماذا وضع الله بك لتستميلي القلوب والأرواح؟!
وأي بهاء زينك الله به حتى صَمَدَتْ عيونُ الناظرين إليك.
وأي جذب أعطاكيه الله لتجذبي الأفئدة إليك كما يجذب المغناطيس برادة الحديد.
الناس في محرابك ينتظمون كخرزات منظومات في عقد فريد، وفي وصالك طامحين إلى مزيد.
آه من دورة الفلك الدائر، والنجم السيَّار، وكر الليل وتكرار النهار، لا تلبثُ لحظات الهناء بالقرب إلا أنْ تنقلبَ إلى شقاءٍ بالبعد.
وارحمتاه للصَّبِ المعذب، والدَّنِفِ العليل، لا يستطيع القرار بجوار حبيبته، ولا في البعد عنها على سكون مهجته، وإراحة قريحته من الشوق إليها، وإلى الوقوف بين يديها.
تمنيت في هذه اللحظات لو أني قعيد لا أمشي، أو ساكن لا أتحرك، أو أنني طير حر في جو السماء لا تقيدني قيود، ولا تحدني حدود.
ما زلت أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وألتفتُ مرة وأمضي لسبيلي مرة، والدمع شلالٌ هادرٌ، ونهرٌ جارٍ.
ظللت هكذا ما شاء الله أن يكون، وأنا أتمنى لو أستطيع أنْ أمسكَ الشمسَ عن الجريان، والوقتَ عن السريان، لِأَنْعَمَ بأطول وقت ممكن قبل الرحيل، ولكن هيهات من ذا الذي يستطيع ذلك من البشر!
مشيت حتى اختفتْ عن ناظري، وفي صدري أزيزٌ كأزيز المِرجَل، وقلبي ينفطر من الجوى، وانقضى ما كان بيني وبينها واقعا، ولم ينقض ما لها في قلبي وبين جوانحي وسوانحي.
آه من الحنين، نارٌ تَحْرِقُ، وسيلٌ يُغرِقُ، وخطرٌ يُقلِقُ.
الحنين سلطان جائر، إذا وجد ما يسرك سلبك إياه، وإذا وجد ما يضرك وهبه لك بيمناه، يستأثر بالنعمة، ويدع لك البأساء والضراء والشقاء.
وما لنا سبيل للخروج عليه، فما حيلتنا إلا الصبر مهربا، أو الجزع ولا مرحبا!

رباه هل من لقاء بعد وداع، أم أنه حقا اللقاء الأخير؟!

لا أملك إلا أن أردد مع أبي الطيب –المتنبي-:
ما ذا الوَداعُ وَداعُ الوامِقِ الكَمِدِ ... هذا الوَداعُ وَداعُ الرّوحِ للجَسَدِ

.....

اللهم جد علينا بلقاء الكعبة المشرفة بعد فراق طال

سلام الله عليك من كعبةٍ حبيبةٍ لكل مؤمن.

....
أبو ريحانة كريم أبو القمصان