بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الأفاضل السلام عليكم، لقد صدر عن كريمكناس79 ناشرون ولأول مرة ضمن سلسلة المباحث الأصولية المقاصدية كتاب بعنوان النظر في مآلات الأفعال وأثره في الفتاوى والأحكام من تأليف الدكتور عمر جبه جي. وتجدون في أسفل الموضوع رابط خال من الفيروسات لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي بشكل قانوني ومجانا بإذن من الناشر والمؤلف.
مقدمة البحث:
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد المبعوث هادياً ومعلماً ورحمةً وكافةً للناس أجمعين، أما بعد:
فهذا بحثٌ جديدٌ من سلسلة المباحث الأصولية، التي تمزج بين الأصول والمقاصد، وبين القاعدة والتطبيق، وهو مبحث النظر في مآلات الأفعال وأثر ذلك في فتاوى المفتين، وأحكام القضاة والمجتهدين.
وهذا الموضوع مهمٌ جداً لكل مُوَقِع ٍعن الشرع الحنيف، ذلك أن الاجتهاد في إعطاء تصرفات المكلفين أحكاماً شرعية يحتاج إلى نظرٍ إلى نتائج هذه التصرفات وعلى ضوء هذه النتائج يحكم المجتهد بمنع التصرف أو السماح به، وذلك بعد موازنةٍ دقيقةٍ بين المصالح والمفاسد الناتجة عن تلكم التصرفات.
وبالأخذ بهذا المبدأ يضع المجتهد الأحكام في مواضعها الصحيحة، حتى تحقق الغاية العظمى التي من أجلها أرسل الله الرسول محمداً r وهي: تحقيق السعادة البشرية في الدارين، وبه تظهر صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمانٍ ومكانٍ ولكل الأفراد والجماعات، إذ إن الأمر قد يكون مشروعاً لمصلحةٍ، ولكنه يؤول إلى مفسدةٍ أعظم من مصلحته، كما قد يكون محظوراً ولكنه يؤول إلى مصلحةٍ أعظم من مفسدته.
و يجب على المجتهد كذلك مراعاة تأثير الواقع والأحوال والظروف أو القصود، فقد قرر العلماء أن الحكم يقدر زماناً ومكاناً وشخصاً ونتيجةً، واعتبار المآلات يحتاج إلى معرفة الزمان والمكان والأشخاص والوقائع لكي يتأتى للمجتهد تقدير مآلات الأفعال وآثار الأحكام عليها، فالأحكام الاجتهادية تتغير بتغير الواقع وأحوال الزمان والمكان، وعلى المفتي والمجتهد أن يكون محيطاً بفقه الواقعة، بصيراً بما يوجب تغير الحكم، مراعياً حال الزمان وأهله، فإن المآلات التي تفضي إليها الأفعال تتبدل بتبدل الواقع والحال، فيجب على المجتهد أن يكون مدركاً للواقع فقيهاً به.
كما أن هذا البحث مهمٌ للدعاة إلى الله فالداعية بحاجةٍ لمعرفة أثر دعوته على المدعوين، فيختار لكل أناسٍ الأسلوب المناسب لحالهم ولبيئتهم الاجتماعية والثقافية والعرفية، فقد يكون أسلوبٌ من الأساليب مفيداً لجماعةٍ يقربهم من الدين ويرغبهم في الالتزام بتعاليمه، بينما ينفر آخرين ويبعدهم عن هدى الله، لذلك على الدعاة الانتباه لتصرفاتهم فلا يكيلوا الناس بمكيالٍ واحدٍ ولا يخاطبوهم خطاباً واحداً، بل يتفننوا بالأساليب، ويخاطبوا الناس على قدر عقولهم وثقافتهم، ويراعوا نتائج تصرفاتهم ووسائلهم.
وهذا البحث الذي بين أيدينا مؤلفٌ من عدة مطالب، فهو يعرف في البداية بمبدأ النظر في مآلات الأفعال، ثم يبين أهميته للمفتي والمجتهد، ثم يذكر أدلة هذا المبدأ من القرآن الكريم، ثم يذكر بعض تطبيقات هذا المبدأ في السنة الشريفة والسيرة المطهرة، ثم يعرض لبعضٍ من تطبيقات هذا المبدأ في فقه الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
وفي هذا البحث يتعرف القارئ على الطرق والوسائل المساعدة على معرفة المآل، وكذلك الأمور التي تجعل للأفعال مآلاً مغايراً لما قصد منها.
كما يتعرف على القواعد الأصولية المتعلقة بمبدأ النظر في المآل وهي: قاعدة الذرائع، وقاعدة الاستحسان، والحيل الشرعية.
والبحث يحتوي في ثناياه على العديد من التطبيقات القديمة والمعاصرة لمبدأ النظر في المآلات، وقد ختم البحث بخاتمةٍ تحتوي ملخصاً للبحث وأهم نتائجه.
هذا وأسأل الله سبحانه أن يكتب القبول لهذا الجهد المتواضع ويجعله في موازين حسناتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
خاتمة البحث وخلاصته:
1 - مبدأ النظر في المآلات: ( هو أن يتحرى المجتهد أفعال المكلفين بحيث لا يحكم عليها بالمشروعية أو عدمها حتى ينظر إلى ما يترتب عليها من نتائج واقعة أو متوقعة، يكون الحكم الشرعي التطبيقي على وفقها من حيث المضادة أو الموافقة لمقاصد التشريع الإسلامي ).
2 - على المجتهد المتعمق في أصول الشريعة ومقاصدها التحقق من المآلات الخاصة لأفعال المكلفين وتصرفاتهم في كل واقعةٍ تتعلق بفردٍ أو جماعةٍ، وينظر فيما يلزم عنها من ثمراتٍ ونتائج أو مآلاتٍ، ليضع الحكم الشرعي بناءً على المآل المترتب عليها، دفعاً لما ينشأ عنها من مفسدةٍ أو ضررٍ، وجلباً للمصلحة المترتبة عليها.
3 - ويجب على المجتهد مراعاة تأثير الواقع والأحوال والظروف أو القصود، فقد قرر العلماء أن الحكم يقدر زماناً ومكاناً وشخصاً ونتيجةً، واعتبار المآلات يحتاج إلى معرفة الزمان والمكان والأشخاص والوقائع لكي يتأتى للمجتهد تقدير مآلات الأفعال وآثار الأحكام عليها.
4 - للنظر في المآلات شواهدٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم وفي السنة والسيرة النبوية لا يمكن لبحثٍ مختصرٍ كهذا الإحاطة بها فهي تملأ مجلداتٍ وقد اكتفيت ببعض الأمثلة المختصرة.
5 - المتتبع لفقه الصحابة الكرام وخاصةً الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، يجد النظر في المآلات حاضراً في فتاويهم وأحكامهم وقد عرض البحث بعضاً من فتاويهم المتعلقة بالنظر في المآل.
6 - هناك أمورٌ خاصةٌ تجعل للفعل أو التصرف مآلاً مختلفاً عن مقصده الأصلي منها: الخصوصية الذاتية والظرفية والعرفية والواقعية، فلابد للمجتهد أن يكون مطلعاً على هذه الخصوصيات لتأثيرها المباشر على المآلات ونتائج التصرفات.
7 - من الطرق التي بها يتعرف على المآل: النظر والتأمل في الفعل المراد الحكم عليه، واستخدام العقل والفكر فيه، والاستقراء الواقعي والتجربة، والاستبصار المستقبلي، والعلم بفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، والعلم بالظروف المحيطة بالواقعة التي هي محل الاجتهاد، والنظر إلى الأسباب المؤدية إلى المسببات المعروفة بالعادة أو العرف، ومعرفة قصد الفاعل.
8 - قسم الباحثون أفعال المكلفين بحسب تأثير القصد والمآل على مشروعيتها إلى:
- أفعالٍ مأذونٍ فيها شرعاً ولا يلزم عنها إضرارٌ بالغير ( مآل غير ممنوع ) فهذه الأفعال لا يمنع عنها المكلف حفاظاً على حريته.
- أفعالٌ مأذونٌ فيها شرعاً وقصد بها المكلف الإضرار بغيره ( مآل ممنوع ).
في هذه الحالة إن أمكن جلب المصلحة له ودفع المضرة عن غيره فهو خيرٌ، وإلا ينظر فإن كان منعه من التصرف يوقع ضرراً كبيراً به وكان الضرر الواقع على الغير أقل أذن له بهذا التصرف مع تعويض المتضرر، أما إذا كان العكس فيمنع من التصرف.
- أفعالٌ مأذونٌ فيها شرعاً ولا يقصد بها المكلف الإضرار بأحدٍ، ولكن يلزم عنها إضرارٌ بالغير ضرراً عاماً أو خاصاً ( مآل ممنوع )، ففي هذه الحالة ينظر في درجة الضرر فإن كان أداؤه للمفسدة قطعياً منع من التصرف وإلا فلا.
9 - من القواعد الأصولية المرتبطة بمبدأ النظر في المآل: قاعدة سد الذرائع وفتحها، وقاعدة الاستحسان، والحيل الشرعية.
10 - هناك أمثلةٌ كثيرةٌ لا تحصى ذكرها الفقهاء في كتبهم لمبدأ مراعاة المآل وقد ذكرت بعضاً منها خلال البحث.
هذا ما وفق الله I إلى إنجازه من هذا البحث، أسأل الله أن يلهمنا الصواب في القول والعمل ويجعل ذلك في ميزان حسناتنا إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ، والحمد لله في البدء والختام والصلاة على سيدنا رسول الله العدنان.
الدكتور: عمر محمد جبه جي
دكتوراه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة
العين – الإمارات.
https://sites.google.com/view/karime...%8A?authuser=0