د. ريمه الخاني
يقول الدكتور علي الوردي في كتابه" أسطورة الأدب الرفيع" في صفحته العاشرة:
إني تاجر، ولابأس عليّ في ذلك، هناك فرق كبير بين التاجر الأمين، والتاجر الغشّاش، الذي يبيع الناس أغلفة برّاقة لاتحتوي في داخلها على شيء مفيد، ثم يقول في الصفحة التالية: وصفني أحد الادباء في العام الماضضي باني تاجر، وظنّ أنه وصمني بذلك وصمة لاخلاص لي منها، حيث ستسير بها الركبان في كل مكان، ويتحدث عنها الرواة كما كانوا يفعلون بشتائم جريروالفرزدق.
وهو لايدري بأن الزمان قد تغير، وأني أفتخربأن أكون في كتبي تاجرا، إذ لاأستحي أن أكون كصانع الأحذية وبائع البطيخ، أقدم للناس مايرغبون به أو ينتفعون...
وعندما تصل للصفحة الخامسة عشرة، نفاجؤك حقيقة إنسانية يقدمها تقول:
إنهم يريدون من القارئ، أن يكدح طوال يومه، ليشتري مايكتبون، أو يتحذلقون، فإذا وجدوه يفضل شراء مجلات السيقان العارية على شراء مجلاتهم، أنحو عليه باللائمة وأمطروا عليه الويل والثبور، ومادروا أنهم أولى باللائمة منه.
ماورد ليس متناقضا بقدر ما يصور الواقع من جانب واحد، فحتى الكتب القيمة، لايصل إليها إلا الباحث الحذق والقارئ النهم، وذو الهدف الواضح، وهؤلاء قلة، يكدحون أيضا، ولايستطيعون الحصول عليها غالبا، إلا من مؤسساتهم الثقافية مجانا، بعد دهن الكلام بالعسل.
وهذا ماجعلني جاهزة للرد عمن سألني لماذا توقفتِ عن النشر والطباعة بعيد الأزمة السورية؟، لذا فالجواب غدا الآن واضحا تماما، فإن كان هناك قارئ واحد لكل ألف من البشر، فالآن غدا لدينا ربع قارئ لكل عشرة آلاف منهم، ولست تاجرة للأسف.
********************
من طرف الخيط الأدق، ناقشت يوما مع الدكتورة "سوسن سكاف" المحاضرة في جامعة زايد العريقة: قضية المنطق والموضوعية، وحالة خاصة واجهتها أثناء التدريس، من متابعة معلمة لطالب لها كل مراحل تعليمه، حتى تبقى معلمته ويبقى طالبها..هذا من المواضيع المعوجة في التعليم، والتي تجعلنا نقول:
-أترك الطالب يعب من كل مدرس تجربته الخاصة مهما كانت...
وحتى على صعيد العائلة، هناك أنانية مرضية لدى الأم يجعلها متأزمة نفسيا لدى تزويجها لأولادها، يبدأ خفيا ليظهر مرضيا، فطلق الأولاد زوجاتهم وعادوا لحض الأم بعد مضي السنين!!!.
من ضمن الأمثلة مثال يوتوبي:
https://youtu.be/7r_UgNcJtzQ
لاتكمل المقال قبل أن تمر بالفيديو للنقاش:
وإذن:
-ماعلاقة الاستهلاك بالظروف السيئة للعامل؟
-وماهذه الدموع المثرة التي لم تنتج فعلا مناسبا؟.
ولعل عامل الاستهلاك له علاقة برب العمل وحمى الربح، بينما المستهلك تنتابه حمى الإنفاق وتوفيره لايعني ارتفاع وتحسن ظروف العمل هذا شيئ والثاني شيئ آخر...
فعلا معالجة البشر من التسمم، وترك النهر جاريا بسمه من المصب، كارثة حقيقية، ويوتوبية مضحكة.
من جهة أخرى، هناك خداع منطقي كما هناك خداع فلسفي، يدخلك في متاهات عقلانية غريبة لتخرجك من حيث أتيت، بمصطلحات مبهمة، أو مقصدة الإبهام، لتدفعك لفهمها بطريقتك أنت:
1-يقول المهندس فراس الحكيم: صديقك أنت، ولو أنه في الظاهر غيرك...
هل تسرب إليك من خلال تلك الجملة معنى ما ؟
فمن يئس من صدق الصداقات سيقول:
- نعم صحيح أنا صديق نفسي أولا، ومن كان منطلقا في الحياة شبه متوازن، فسوف يقول:
-عليك االبحث عن صديق مطابق أو قريب إليك، لروحك وطبعك، بقدر الإمكان، لكن الحقيقة أن المثل عبارة عن تورية فلسفية، يقصد بها ، تصالح مع نفسك أولا، ثم ابحث عن صديق.
وإذن للمنطق عدة وجوه، إن كان للجملة عدة معانٍ...
2-وتقول المهندسة ش خ : لاتبهرني العمارات الشاهقة الارتفاع التي لاتحوي سوى كما كبيرا من الحديد والإسمنت، بل الإبداع الإنساني والواجهة الإنسانية، ويعتبر برج العرب، من أروع بل من أكثرها إتقانا ودقة في المقاييس والتصميم.
ماذا يعني هذا ؟ يعني أننا غير منطقيي وعلميي التفكير، بقدر انبهارنا الساذج بالشكل العام، دون النظرة النقدية العلمية والواعية الدقيقة، وعليه فعلينا لتشكيل رأينا المقنع، معرفة جوانب الموضوع الذي نتكلم عنه قبل أن نعطي وجهة نظرنا المندفعة.وإذن للمنطق عمق معرفي ليكون مقنعا بجدارة..
**************
3-كان عظيم الجثة، عريض المنكبين، جهم الوجه مرفوع الجبين، لايرى أحدا أمامه سواه، أشقرا كجميع البشر هناك، ذو عضلات مفتولة، لو ارتدى بذة عسكرية لناسبته تماما، كنت في بلد عربي معروف، أتسوق لملئ ثلاجتي الجوعى، وعندما اقتربنا من الصندوق المعدني الخاص بالحساب كنت الأولى، فحاجياتي محدودة كانت يومذاك، كان ورائي، ومن خلفه لبث أحد الأنيقين من الشرق الأقصى الهندي..قائلا:
-لو[1]...
التفت التفاتة المغضب، صرخ وأوقع رفوفا كان عليها أنواعا من الشوكولاه والعلك، كاد يطيح بكل من حوله، تخليته فيلما سينمائيا، يعرض فجأة، أو وهما حلما بثوب الحقيقة، فتجمدت مكاني، ملتفة على نفسي، وقد تجمد الجميع قربي، ةبت اسأل نفسي:
ماهو التصرف المنطقي الآن؟.
صمت المكان، وبات للشرطة طريق جديد، وحادثة جديدة تتلهى بها،أمسكه من عقنه، صرخ في وجهه، وتوعده خارجا للقصاص، فك الرجل يديه من عنقه ذاك الأنيق الهادئ، ببذته السوداء الداكنة حتى بالكاد تراه فيها، دفع ماعليه من ثمن حاجيات بهدوء المترقب، وذلك بعد انتهائي من دوري كذلك، هرع إلى سيارته ومضى..وسط ذهولي ، لجبني وعدم دخولي معمعة قد أكون فيها خاسرة تماما ...لكني لمَ أدخلها أصلا؟!.
ركبت ُسيارتي بدوري ومضيت أحدث نفسي، ماهو المنطق هنا وماهي الموضوعية؟ وهل هناك مالم أره في هذا المشهد؟، قد يكون جنديا مأمورا لاتثريب عليه، وقد يكون عدوا مرتديا ثوب صديق، وقد يكون الموقف فعلا لايستدعي تلك الكلمة التي نخرت في كرامته مثلا،وربما كان بين الرجلين أمرا ما لانعرفه وقد يكون هذا الأنيق قد لمس شيئا ما وفي هذا المكان، أو تراكم في ذهنه مالانعرف، أو كان أمرا تراكميا من جراء أخبار لاتعرف منها سوى تأزيم الأمور المنتهية ضمنا أصلا، لذا قد يكون تدخلي تورطا وجبني حذقا!...
لكن أمر الموضوعية والمنطقية دوما، أمرا نسبيا دقيقا جدا، قد يظهر من نفسه مالا يبطن،و يملك وجهان ظاهريا وباطنيا، إن لم تمسك بتلابيب الدليل اللصيق والضمني الحقيقي، فلن تصل لما تبحث عنه أبدا.للمنطق عدة وجوه، فهل يظهر لك بغير ماتتوقع؟.وإذن كيف ترى نفسك؟.
الخميس 28-2-2019




[1] بالغربية تعني بولا..نعني البول..وهذه مسبة وتحقير : أنت كالبول.