بسم الله الرحمن الرحيم
****ذنوب الخلوات أنواعها وعلاجها****

إخواني في الله: الذنوب مهلكات، وهي أنواع فبحسب ما يغفره الله وما لا يغفره الله تنوعت إلى ثلاثة أنواع: ذنب لا يغفره الله -جل وعلا- وهو الشرك به، أعاذني الله وإياكم من الشرك به.
وذنب يغفره الله -جل وعلا- ما استغفر صاحبه وهو الذنب الذي بينك وبينه جل جلاله.
وذنب لا يغفره الله حتى يقتص من صاحبه وهو الظلم والظلم ظلمات، ونسأل الله -جل وعلا- أن يعافيني وإياكم.
وهناك تقسيم آخر للذنوب، وهي
ذنوب لا يغفرها الله -جل وعلا- إن مات صاحبها عليها وهي دون الشرك، إلا إن عفا -جل وعلا- وهي الذنوب التي يجاهر بها أصحابها "فكل أمتي معافى إلا المجاهرون".
كلُّ أمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرينَ ، وإنَّ منَ المُجاهرةِ أن يعمَلَ الرَّجلُ باللَّيلِ عملًا ، ثُمَّ يصبِحَ وقد سترَه اللَّهُ ، فيقولَ : يا فلانُ ، عمِلتُ البارحةَ كذا وَكذا ، وقد باتَ يسترُه ربُّهُ ، ويصبِحُ يَكشِفُ سترَ اللَّهِ عنهُ
الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري
المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6069 خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
وذنوب يخطئ العبد فيها ويذل بينه وبين ربه ويستره الله فيفرح بستر الله ويستغفر ويؤوب وهذه يغفرها جل جلاله وتقدست أسمائه.

واليوم أتحدث عن نوع آخر من الذنوب، نوع يختلف عن هذه الأنواع، نوع يعتبر من أشد أنواع الذنوب خطرًا على فاعله، لم يشرك بالله صاحبه، لم يجاهر، ولكن هذا الذنب وهذا النوع من الذنوب يعتبر أصل الانتكاسات في العبد.
انتبه.. أصل الانتكاسات، الانتكاسة في الدين، الانتكاسة في التقوى، الانتكاسة في الرزق، يرزق العبد فينتكس حاله بسبب هذا النوع من الذنوب، الانتكاسة في العافية والصحة بسبب هذا النوع من الذنوب، الانتكاسة في الأمانة، الانتكاسة فيما شئت أن تفكر فيه بسبب هذا النوع من الذنوب والعياذ بالله.
أي نوع هذا..؟ إنها
ذنوب الخلوات..
ذنوب الخلوات.. تلك الذنوب التي يتعمدها المرء تعمدا فيتجرأ على محارم الله أين كانت ويجعل الله -جل جلاله، وعز وجل- أهون الناظرين إليه.

من قواعد الشريعة أن الحسنات يذهبن السيئات، ولكن لا يخطر على بال بعض الناس ومن طلاب العلم أيضا أن هناك سيئات تبطل الحسنات، سيئات تذهب بالحسنات.

في سورة هود في الآية الرابعة عشر بعد المائة يقول الله (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114]
ولكن هل ورد أن السيئات تذهب الحسنات؟
نعم في أكثر من نص ومنها النصوص التي سنسمعها اليوم في الحديث الذي تفرد بإخراجه ابن ماجه -رحمه الله- وهو من أمثلة الأحاديث الصحاح ورجالها ثقات متصلة السند عند ابن ماجة عن ثوبان -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا – خالصة فيها إخلاص- فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا" قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. وهم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ –حتى قيام الليل يقومون- وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا".
الراوي : ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المحدث : الألباني
المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 3442 خلاصة حكم المحدث : صحيح
فهم هذا الحديث على وجهين كلاهما صحيح.
الوجه الأول والأكثر والأشهر عند العلماء أن هؤلاء مراءون وليست أعمالهم خالصة وإنما البياض الذي وصف في الحديث هو كناية إلى أصل الحسنات أنها كثيرة والحسنات بيضاء، ولكنهم كانوا يراءون ويقولون ما لا يعملون، فلذلك بطلت هذه الحسنات ويشهد لذلك حديث الذي يجر أقتابه في النار في جهنم فيقول له الناس: "ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى كنت أأمرك بالمعروف ولا آتاه وأنهاكم عن المنكر وآتيه".

وهذا كهذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل أبيض وصاحبه صاحب وجه أبيض ولذلك إذا كان لغير الله فإن صاحبه يوم القيامة وجهه أسود ويجر أقتابه في النار. عافاني الله وإياكم.
الوجه الثاني: الذي فهم به الحديث أنهم يعملون أعمالاً خالصة لا يراءون، ولكنهم يأتون محارم الله ويفعلون أفعالاً تُبطل هذه الحسنات، وهو ظاهر لفظ الحديث، تبطل هذه الحسنات وتذهبها، ويشهد لهذا أحاديث أن من السيئات ما يبطل الحسنات كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".
صلاة العصر من تركها عامدا متعمدا حبط كل العمل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.

إذاً هناك من السيئات ما تبطل الحسنات والعياذ بالله.
إن داء انتهاك محارم الله في مكان لا يعرفك ولا يراك فيه إلا الله داء خطير، بنظرة تنظر إليها، بشاشة تقلبها، إلى بلد تسافر إليها، إلى مكان لا يعرفك فيه أحد ولا يعرفك إلا الله فتتجرأ على محارم الله ويكأن الله لا ينظر إليك، وكأنك نسيت الآية التي تحفظها وأجزم أن كل من يسمعها الآن يحفظها في هذا الجامع وغيره الآية الرابعة عشر من سورة "اقرأ" (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) كأنك نسيتها أو تناسيتها.
(أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) .. إن الذين ينتهكون محارم الله يأكلون الحرام، وكأنهم أمام الناس لا يفعلون، ينظرون إلى الحرام والواحد منهم أمام الناس قديس وفي خلوته صاحب لإبليس، إلا من شاء الله..
كثير أولئك الذين يضعفون إذا كانوا لوحدهم، ولا يرقبون الله -جل وعلا- في أعمالهم ومن جعل الله -جل وعلا- نصب عينيه ارتقى إلى أعظم درجات الإيمان وأعظم درجات المعاملة مع الله كما سماها العلماء، وهي درجة الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

إحسان في الصلاة، إحسان في الزكاة، إحسان في الصوم وفي الحج، إحسان في الطرقات، إحسان في الخلوات، وإحسان في الجلوات.
موافقة بين السر والعلن بين الظاهر والباطن، ولذلك فهم حديث عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- في المتفق على صحته بهذا المعنى الذي نقوله في هذه الخطبة: "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة" انظر إلى خطورة هذا الحديث طوال عمره هذا الرجل وهذا العبد يعمل بعمل أهل الجنة، "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".
في لفظ للحديث: "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس -أو- فيما يبدو للناس" أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخلها" والعياذ بالله.
الراوي : سهل بن سعد الساعدي المحدث : البخاري

المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2898 خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "أجمع العارفون -أي العارفون بالله العلماء- على أن أصل الانتكاسات
ذنوب الخلوات".

والسلف لم يكونوا يخافون شيئا أكثر من خشيتهم من خاتمة السوء، يا إخوة نسأل الله أن يختم لي ولكم بالعافية والصحة ويختم لنا بلا إله إلا الله.
سفيان الثوري في يوم من الأيام بكى حتى اشتد بكاؤه وهو أمير المؤمنين في الحديث، فقيل له: أكل هذا من الذنوب؟ فأخذ حفنة تبن بيده قال: إنما الذنوب كهذه ولكنها خاتمة السوء؛ لأنهم كانوا يحفظون أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فاللهم أحينا في سبيلك وأمتنا في سبيلك يا رب العالمين.
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وخاتمة السوء سببها خبيئة سوء للعبد لم يطلع عليها الناس"، دسيسة سوء للعبد لا يطلع عليها الناس، فانظر إلى دسائسك، وانظر إلى خلواتك يا عبد الله واستيقظ.

هذا الداء له علاج -أعاذنا الله وإياكم منه وتاب علي وعليكم وغفر لنا جميعا-، هذا الداء له علاج فعليك بالعلاج، ما هو علاجه؟
تعظيم الله -جل وعلا- في القلب أن تعظّم الله، أن تجعل الله -جل وعلا- أعظم من كل شيء في قلبك، وتعظيم الله لا يأتي هكذا من غير تعب وجد، إنما له أسبابه ومن أعظم أسبابه العلم بالله -سبحانه وتعالى-، أعلم الناس بالله أشدهم له خشية، فكم تحفظ من أسماء الله -جل وعلا- وصفاته وكم تعرف منها! وكم تعرف من معانيها! للجبار ثلاث معاني

أتعلمها؟ ما الفرق بين الجبار والقهار، ما الفرق بين الرحمن والرحيم، ما الفرق بين العالم والعليم والعلام، ما الفرق بين الغافر والغفور والغفار، ما الفرق بين العليم واللطيف، واللطيف والخبير، ما معنى القابض والباسط، الأول والآخر، الظاهر والباطن، ما معنى القدوس، ما معنى المؤمن وما معنى المهيمن بل معاني المهيمن؟
للصمد خمسة معاني ما معناها؟
أشياء كثيرة لا تعرفها عن خالقك الله فكيف تعظمه؟
من أسباب تعظيم الله -جل وعلا- أن تركز في هذا الموضوع بالذات في مسألة علم الله -جل وعلا- وأنه يعلم كل شيء، ويسمع كل شيء، ويرى كل شيء -سبحانه وتعالى-.

في سورة الأنعام في الآية التاسعة والخمسين يقول الله -جل وعلا- اقرأها من التاسعة والخمسين إلى الثانية والستين (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ...) [الأنعام: 59- 61] إلى آخره.

انظر إلى علم الله -جل وعلا- هذا هو الله الذي نجعله إلا من شاء الله فينا، ونسأل الله أن يعصمنا وأن يرحمنا، نجعله أهون الناظرين إلينا، بل قد نستحي من صبية صغار من أن نرى أو نفعل أشياء أمامهم ولا نستحي من الجبار.


سورة يونس الآية الحادية والستين يقول الله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس:61].
من حقق الآية الحادية والستين في سورة يونس آية المراقبة هذه تحققت له الآية الثانية والستين من سورة يونس: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:62]
هم أهل الولاية، أهل المراقبة وأهل التقوى.
نسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا منهم.

قال الله (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [البقرة:77]
اللهم عظِّم قدرك في قلوبنا يا رب العالمين، اللهم اجعل قدرك أعظم من كل شيء، واجعل مراقبتك نصب أعيننا يا رب العالمين.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إن ربي غفور رحيم.
وإن من أعظم أسباب تعظيم الله -جل وعلا- في القلوب كثرة ذكر الله، فمن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، عرفه وقت ما تتزين له المعصية
فيقول (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فيتوقف ويتذكر ويقول: حاشا لله، معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي.
هذا حال المراقبين، كثرة قراءة القرآن، مصاحبة الصالحين، دعاء الله -جل وعلا- أن يجعلني وإياكم من المتقين ومن أوليائه المقربين.
جزا الله خيرا كل من ساهم فى نشرها وكانت فى ميزان حسناته