النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074

    نداءا ت الرحيم الرحمن لاهل الايمان ( متجدد)

    النداء الاول:
    قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) (البقرة:104)
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره:
    .{ 104 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا } فأرعها سمعك . يعني استمع لها .؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(2). وهذه الآية من النهي: { لا تقولوا راعنا} يعني لا تقولوا عند مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم راعنا؛ و{ راعنا } من المراعاة؛ وهي العناية بالشيء، والمحافظة عليه؛ وكان الصحابة إذا أرادوا أن يتكلموا مع الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: "يا رسول الله، راعنا" ؛ وكان اليهود يقولون: "يا محمد، راعنا"؛ لكن اليهود يريدون بها معنى سيئا؛ يريدون "راعنا" اسم فاعل من الرعونة؛ يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم راعن؛ ومعنى "الرعونة" الحمق، والهوج؛ لكن لما كان اللفظ واحدا وهو محتمل للمعنيين نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوه تأدبا، وابتعادا عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان . مثل المنافقين . فربما يقول: "راعنا" وهو يريد ما أرادت اليهود؛ فلهذا نهي المسلمون عن ذلك..
    قوله تعالى: { وقولوا انظرنا } يعني إذا أردتم من الرسول أن ينتظركم فلا تقولوا: { راعنا }؛ ولكن قولوا: { انظرنا }: فعل طلب؛ و"النظر" هنا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، أي ما ينتظر هؤلاء..
    قوله تعالى: { واسمعوا } فعل أمر من السمع بمعنى الاستجابة؛ أي اسمعوا سماع استجابة، وقبول، كما قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] يعني اسمعوا ما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه..
    قوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم }؛ المراد بـ "الكافرين" هنا اليهود؛ و{ عذاب } بمعنى عقوبة؛ و{ أليم } بمعنى مؤلم..

    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: أنه ينبغي استعمال الأدب في الألفاظ؛ يعني أن يتجنب الألفاظ التي توهم سبا، وشتما؛ لقوله تعالى: { لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا..
    .2 ومنها: أن الإيمان مقتض لكل الأخلاق الفاضلة؛ لأن مراعاة الأدب في اللفظ من الأخلاق الفاضلة..
    .3 ومنها: أن مراعاة الأخلاق الفاضلة من الإيمان..
    .4 ومنها: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء أن يدل الناس على بدله المباح؛ فلا ينهاهم، ويجعلهم في حيرة..
    .5 ومنها: وجوب الانقياد لأمر الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ( واسمعوا )
    .6 ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وأنها من أعمال الكافرين؛ لقوله تعالى: (وللكافرين عذاب أليم )

    النداء الثاني :
    { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (البقرة:153)
    التفسير:


    { 153 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }؛ سبق أن الكلام إذا صدر بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه؛ وسبق بيان فوائد تصدير الخطاب بوصف الإيمان(3).
    قوله تعالى: { استعينوا بالصبر والصلاة } أي اجعلوا الصبر عونا لكم؛ وكذلك استعينوا بالصلاة؛ وسبق الكلام على نظير هذه الجملة(4).
    قوله تعالى: { إن الله مع الصابرين }: هذه بشرى عظيمة لمن صبر؛ وقال تعالى: { مع الصابرين } لوجوه ثلاثة:
    الوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله.
    الوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مر:
    الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فهو مر يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض.
    الوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قبل وجهه(1) - وهو على عرشه سبحانه وتعالى.
    الفوائد:
    1ــــ من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا... }.
    2ــــ ومنها: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة؛ لقوله تعالى: { استعينوا بالصبر والصلاة }.
    3ــــ ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره.
    4ــــ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه؛ لقوله تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة وجاء في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة»(2).
    5ــــ ومنها: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا... } إلخ.


    6ــــ ومنها: فضيلة الصبر؛ لأنه يعين على الأمور؛ والصبر ثقيل جدا على النفس؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي (ص): { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } [هود: 49] ؛ فقال تعالى: { فاصبر } إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى صبر، وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد؛ ونظيره قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا } [الإنسان: 23، 24] ؛ إذا الصبر شاق على النفوس؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير؛ والذي يصبر أيضا غالبا ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسرا»(3)؛ لأنه إذا كان منتظرا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيرا؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون؛ ولهذا جعل الله الصبر عونا.

    7ــــ ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطا على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: { إن الله مع الصابرين }؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطا، وثباتا؛ وكون الله سبحانه وتعالى مع الإنسان مسددا له، ومؤيدا له، ومصبرا له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم»(4).
    8ـ ومن فوائد الآية: إثبات معية الله سبحانه وتعالى؛ ومعيته تعالى نوعان:
    النوع الأول: عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علما، وقدرة، وسلطانا، وسمعا، وبصرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ لقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} [المجادلة: 7] .
    والنوع الثاني: خاصة؛ ومقتضاها مع الإحاطة: النصر، والتأييد؛ وهي نوعان: مقيدة بوصف ، كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] ؛ و مقيدة بشخص ، كقوله تعالى لموسى، وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] ، وقوله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] .


    النداء الثالث :

    (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة:172)
    التفسير:
    { 172 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } سبق الكلام على ذكر فوائد تصدير الخطاب بالنداء، وبوصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى.
    قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم }: الأمر هنا للامتنان، والإباحة؛ و{ من } هنا الظاهر أنها لبيان الجنس؛ لا للتبعيض؛ والمراد بـ «الطيب» : الحلال في عينه، وكسبه؛ وقيل: المراد بـ «الطيب» : المستلذ، والمستطاب.
    قوله تعالى: { واشكروا لله }؛ «الشكر» في اللغة: الثناء؛ وفي الشرع: القيام بطاعة المنعم؛ وإنما فسرناها بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}، وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله }»(1)؛ فالشكر الذي أمر به المؤمنون بإزاء العمل الصالح الذي أمر به المرسلون؛ والقرآن يفسر بعضه بعضا.
    قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون }؛ { إن } شرطية؛ وفعل الشرط: { كنتم }؛ و{ إياه } مفعول لـ{ تعبدون } مقدم؛ وجملة: { تعبدون } خبر كان؛ وجواب الشرط: قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التعبير إلى جواب؛ وهو الصحيح؛ وقيل: إن جوابها محذوف يفسره ما قبله؛ والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له؛ و «العبادة» هي التذلل لله عز وجل بالطاعة؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ مأخوذة من قولهم: طريق معبد يعني مذللا للسالكين
    يعني: إن كنتم تعبدونه حقا فكلوا من رزقه، واشكروا له.
    الفوائد:
    1 ــــ من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، حيث وجه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }.
    2 ــــ ومنها: الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله؛ لقوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم }؛ وهو للوجوب إن كان الهلاك، أو الضرر بترك الأكل.
    3 ــــ ومنها: أن الخبائث لا يؤكل منها؛ لقوله تعالى: { من طيبات ما رزقناكم }؛ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: { ويحرم عليهم الخبائث }.
    4 ــــ ومنها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله؛ وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط؛ لقوله تعالى: {ما رزقناكم} [البقرة: 57] .
    5 ــــ ومنها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل؛ لقوله تعالى: { ما رزقناكم }؛ فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بها.
    6 ــــ ومنها: وجوب الشكر لله؛ لقوله تعالى: { واشكروا لله }.
    7 ــــ ومنها: وجوب الإخلاص لله في ذلك؛ يؤخذ ذلك من اللام في قوله تعالى: { لله }.
    8 ــــ ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون }.
    9 ــــ ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يؤخذ ذلك من تقديم المعمول في قوله تعالى: { إياه تعبدون }.
    10 ــــ ومنها: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين:
    أولا: من أمره إياهم بالأكل من الطيبات؛ لأن بذلك حفظا لصحتهم.
    ثانيا: من قوله تعالى: { ما رزقناكم }؛ فإن الرزق بلا شك من رحمة الله.
    11 ــــ ومنها: الرد على الجبرية من قوله تعالى: { كلوا }، و{ اشكروا }، و{ تعبدون }؛ كل هذه أضيفت إلى فعل العبد؛ فدل على أن للعبد فعلا يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إليه بإيجاده من تكليف ما لا يطاق.
    12 ــــ ومنها: التنديد بمن حرموا الطيبات، كأهل الجاهلية الذين حرموا السائبة، والوصيلة، والحام.


    النداء الرابع:
    {)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:178)
    التفسير:
    { 178 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } سبق الكلام على ذكر فوائد تصدير الخطاب بالنداء بوصف الإيمان للمنادى.
    قوله تعالى: { كتب عليكم }؛ أي فُرض، كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام }؛ وسمي الفرض مكتوباً؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282].
    قوله تعالى: { القصاص } هذه نائب فاعل؛ والقصاص يشمل إزهاق النفس، وما دونها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كسر الربيع سن جارية من الأنصار: «كتاب الله القصاص»(113)؛ ولكنه تعالى هنا قال: { في القتلى }؛ وفي سورة المائدة: في القتل، وفيما دونه: {أن النفس بالنفس والعين بالعين...} [المائدة: 45] إلخ.
    و «قتلى» جمع قتيل، مثل «جرحى» جمع جريح؛ و«أسرى» جمع أسير؛ وقوله تعالى: { في القتلى } أي في شأن القتلى؛ وليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول؛ فلا قصاص؛ لكن في شأنهم؛ والذي يُقتص منه هو القاتل.
    وبعد العموم في قوله تعالى: { القصاص في القتلى } بدأ بالتفصيل فقال تعالى: { الحر بالحر }؛ { الحر مبتدأ؛ و{ بالحر } خبر؛ يعني الحر يقتل بالحر؛ والباء هنا إما للبدلية؛ وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر؛ أو الحر عوض الحر؛ و{ الحر } هو الذي ليس بمملوك.
    قوله تعالى: { والعبد بالعبد } أي العبد يقتل بالعبد؛ و{ العبد } هو المملوك.
    قوله تعالى: { والأنثى بالأنثى } أي الأنثى تقتل بالأنثى.
    قوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف }؛ «مَن» هذه شرطية؛ والفاء عاطفة ومفرِّعة أيضاً، تفيد أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها.
    وقوله تعالى: { فمن عفي له }: المعفو عنه القاتل؛ و{ من أخيه } المراد به المقتول - أي من دم أخيه فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص؛ وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ و{ شيء } نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلاً كان، أو كثيراً.
    وقوله تعالى: { فاتباع } خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب اتباع بالمعروف؛ والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف.
    قوله تعالى: { وأداء إليه } أي على القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص؛ وهي معطوفة على «اتباع» ؛ والضمير في { إليه } يعود إلى العافي بإحسان؛ والمؤدَّى: ما وقع الاتفاق عليه.
    قوله تعالى: { بإحسان } أي يكون الأداء بإحسان وافياً بدون مماطلة؛ والباء للمصاحبة - يعني أداءً مصحوباً بالإحسان - وإنما نص على «الإحسان» هنا؛ و «المعروف» هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية.
    قوله تعالى: [ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة }: المشار إليه كل ما سبق من وجوب القصاص، ومن جواز العفو؛ تخفيف من الله في مقابل وجوب القصاص؛ وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضاً؛ وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد.
    وقوله تعالى: { من ربكم }: «الرب» معناه الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته.
    وقوله تعالى: [ ورحمة } أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجاناً؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع.
    قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }: { من } اسم شرط؛ وفعل الشرط: { اعتدى }؛ وجوابه: { فله عذاب أليم }؛ المشار إليه في قوله تعالى: { بعد ذلك }: التنازل عن القصاص بأخذ الدية، أو قبولها؛ و{ عذاب } بمعنى عقوبة؛ و{ أليم } بمعنى مؤلم - يعني: موجع؛ والمعنى: أن من اعتدى من أولياء المقتول بعد العفو فله عذاب أليم - ويحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل.
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر.
    2 - ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.
    3 - ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه.
    4 - ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: { كتب عليكم القصاص }.
    5 - ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى: { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى }.
    6 - ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: { الحر بالحر }.
    7 - ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.
    8 - ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: { والعبد بالعبد }؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: { والعبد بالعبد }.
    9 - ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: { الحر بالحر }؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس...»(114)؛ وهذا القول هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه»(115) ؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً» : للاختلاف فيه؛ و «ثانياً» : أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد»(116) فضعيف.
    10 - ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى: {والأنثى بالأنثى }.
    11 - ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.
    12 - ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين(117)؛ فرض النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد – كما قيل به.
    13- ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف...) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى ندب إلى العفو فقال: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] ، وقال تعالى: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14] ، وقال في وصف أهل الجنة: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [آل عمران: 134] ؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] ؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.
    14 - ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء }؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه.
    15 - ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء }؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء.
    16 - ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء }؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له.
    17 - ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر - فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛ لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار.
    18 - ومنها: أنه يجب الاتباع بالمعروف - يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة؛ لقوله تعالى: { فاتباع بالمعروف }؛ والخطاب لأولياء المقتول.
    19 - ومنها: وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى: { وأداء إليه بإحسان }.
    20 - ومنها: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض؛ لقوله تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة }: تخفيف على القاتل؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضاً؛ وإلا لقيل لهم: إما أن تعفوا مجاناً؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص.
    21 - ومنها: إثبات الرحمة لله؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم؛ وأهل التعطيل يفسرونها بـ «الإنعام» الذي هو مفعول الرب؛ أو بـ «إرادة الإنعام»؛ وينكرون حقيقة الرحمة؛ وقد ضلوا في ذلك: فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها.
    22 - ومنها: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل؛ لقوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }



    النداء الخامس

    القــــــرآن

    { )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)
    التفسير:
    { 183 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } سبق الكلام عليها.
    قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } أي فُرض؛ والذي فَرضه هو الله سبحانه وتعالى؛ و{ الصيام } نائب فاعل مرفوع؛ وهو في اللغة الإمساك؛ ومنه قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوماً} [مريم: 26] يعني إمساكاً عن الكلام بدليل قولها: {فلن أكلم اليوم إنسياً} [مريم: 26] ؛ وأما في الشرع فإنه التعبد لله بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
    قوله تعالى: { كما كتب }؛ «ما» مصدرية؛ والكاف حرف جر؛ وتفيد التشبيه؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب؛ والتشبيه بالفعل دون المفعول أمر مطرد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»(122): التشبيه هنا للرؤية بالرؤية؛ لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى مصدر.
    قوله تعالى: { على الذين من قبلكم } - أي من الأمم السابقة - يعم اليهود، والنصارى، ومن قبلهم؛ كلهم كتب عليهم الصيام؛ ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت، والمدة.
    وهذا التشبيه فيه فائدتان:
    الفائدة الأولى: التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [الزخرف: 39] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:
    [ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي] [وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي] الفائدة الثانية: استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله عز وجل؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي»(123).
    قوله تعالى: { لعلكم تتقون }؛ «لعل» للتعليل؛ ففيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله عز وجل؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع.

    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.
    2 - ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: { كتب }.
    3 - ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: { كما كتب على الذين من قبلكم }.
    4 - ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: { كما كتب على الذين من قبلكم}
    5 - ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.
    6 - ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: { لعلكم تتقون }.
    7 - ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] .
    ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته(124).
    8- ومن فوائد الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ - ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله سبحانه وتعالى بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان - إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛ لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها؛ والصوم يكون عنده تركه صعباً؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي - يبدؤون بالصوم

    النداء السادس
    )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:208)
    التفسير:
    { 208 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: الخطاب للمؤمنين؛ وقد تَقدم أن الله تعالى إذا ابتدأ الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب؛ ولا يتطلب التنبيه إلا ما كان مهماً؛ فعندما أقول: «انتبه» يكون أقل مما لو قلت: «يا فلان انتبه»؛ ثم إذا كان الخطاب للذين آمنوا فإن في ذلك ثلاث فوائد سبق ذكرها(1).
    قوله تعالى: { ادخلوا في السلم كافة }؛ { السلم } فيها قراءتان: بفتح السين؛ وبكسرها؛ والمراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهراً، وباطناً.
    فإن قال قائل: كيف يقول: { ادخلوا في السلم } ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}؟ [الحجرات: 14]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: { في السلم }؛ وهو قوله تعالى: { كافة }؛ فيكون الأمر هنا منصباً على قوله تعالى: { كافة }؛ و{ كافة } اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية، علامة... وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون { كافة } بمعنى كافاً؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28]، أي كافاً لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور.
    وتأتي «كافة» بمعنى جميع، مثل «عامة»، كقوله صلى الله عليه وسلم: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة»(2)؛ ووجه ارتباطها بالمعنى الأصلي - الذي هو الكف - أن الجماعة لها شوكة ومنعة تكف بجمعيتها من أرادها بسوء؛ وهنا قال تعالى: { ادخلوا في السلم كافة } هل المراد ادخلوا في السلم جميعه، فتكون { كافة } حالاً من { السلم }؛ أو ادخلوا أنتم جميعاً في السلم، وتكون { كافة } حالاً من الواو في قوله تعالى: { ادخلوا }؟ الأقرب: المعنى الأول؛ لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن { كافة } حال من { السلم } يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام.
    قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }؛ نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة؛ و{ خطوات } جمع خُطوة؛ و«الخطوة» في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي.
    قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين }: الجملة تعليلية مؤكدة بـ «إن» ؛ فتفيد شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ والعدو من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد الوليّ؛ و{ مبين } أي بيِّن العداوة؛ ويجوز أن تكون بمعنى مظهر للعداوة؛ لأن «أبان» الرباعية تصلح للمعنيين؛ ولا شك أن الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة.
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.
    2 - ومنها: أن الإيمان مقتض لامتثال الأمر؛ لأن الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحكم لا يقرن بوصف إلا كان لهذا الوصف أثر فيه؛ وهذه الفائدة مهمة؛ ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله عزّ وجلّ.
    3 - ومنها: وجوب تطبيق الشرع جملة، وتفصيلاً؛ لقوله تعالى: { ادخلوا في السلم كافة }.
    4 - ومنها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة }؛ ومثل هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله} [النساء: 136] يعني: استمروا على ذلك.
    5 - ومنها: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو} [فاطر: 6] ، ثم قال تعالى: { فاتخذوه عدواً }؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله عزّ وجلّ: يأمر بـ «الفحشاء» - وهي عظائم الذنوب؛ و «المنكر» - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال(3)، والشرب بالشمال(4)، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال(5)؛ وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد(6)؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.
    6 - ومن فوائد الآية: تحريم التشبه بالكفار؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؛ ولا أنكر من الكفر - والعياذ بالله -.
    7 - ومنها: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين }.
    8 - ومنها: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير أبداً؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} [فاطر: 6] .
    9 - ومنها: قرن الحكم بعلته؛ لقوله تعالى: { لا تتبعوا خطوات الشيطان } ثم علل: { إنه لكم عدو مبين }.
    ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل، والقياس قرنها بدليل من العقل، والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة.
    النداء السابع :
    أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:254)
    التفسير:
    تقدم مراراً، وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة.
    وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزام ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمراً، أو نهياً؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء: يا رجل افعل كذا، وكذا؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة.
    { 254 } قوله تعالى: { أنفقوا مما رزقناكم } الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله؛ و{ مما رزقناكم } أي مما أعطيناكم؛ «من» يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين.
    قوله تعالى: { من قبل أن يأتي يوم } المراد به يوم القيامة؛ { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة }؛ ثلاثة أشياء منتفية؛ وهي «البيع»؛ وهو تبادل الأشياء؛ و «الخلة» ؛ وهي أعلى المحبة؛ و «الشفاعة» ؛ وهي الوساطة لدفع الضرر، أو جلب المنفعة؛ وفي الآية قراءتان؛ إحداهما ما في المصحف: بالضم، والتنوين: { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة }؛ و{ لا } على هذه القراءة ملغاة إعراباً؛ لأنها متكررة؛ والقراءة الثانية البناء على الفتح؛ وعلى هذه القراءة تكون { لا } عاملة عمل «إنّ»؛ لكن بالبناء على الفتح؛ لا بالتنوين.
    وإنما قال سبحانه وتعالى: { لا بيع }؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.
    وقوله تعالى: { ولا خلة }؛ هذا من جهة أخرى: قد ينتفع الإنسان بالشيء بواسطة الصداقة؛ و«الخُلة» بالضم: أعلى المحبة؛ وهي مشتقة من قول الشاعر:
    (قد تخللتِ مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً)
    يعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر»(113)؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم) اتخذه حبيباً. قيل له: من أحب النساء إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «عائشة» ؛ قيل: ومن الرجال؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أبوها»(114)؛ فأثبت المحبة؛ وكان أسامة بن زيد يسمى «حِب رسول الله» أي حبيبه؛ إذاً الخلة أعلى من المحبة.
    فانتفت المعاوضة في هذا اليوم؛ وانتفت المحاباة بواسطة الصداقة؛ وانتفى شيء آخر: الشفاعة؛ وهي الإحسان المحض من الشافع للمشفوع له - وإن لم يكن بينهما صداقة -؛ فقال تعالى: { ولا شفاعة }؛ فنفى الله سبحانه وتعالى كل الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها في هذا اليوم.
    قوله تعالى: { والكافرون هم الظالمون }؛ أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ؛ وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك(115).
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ، حيث صدرها بالنداء.
    2 - ومنها: أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه.
    3 - ومنها: بيان منة الله علينا في الرزق؛ لقوله تعالى: { مما رزقناكم }؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه؛ لقوله تعالى: { أنفقوا مما رزقناكم }.
    4 - ومنها: التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: { مما رزقناكم }؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل: إنما أوتيته على علم عندي.
    5 - ومنها: الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له.
    6 - ومنها: أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه؛ لقوله تعالى: { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه... } إلخ.
    7 - ومنها: أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله.
    8 - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: { ولا شفاعة } بقوله تعالى: { والكافرون هم الظالمون }؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] .
    9 - ومنها: أن الكفر أعظم الظلم؛ ووجه الدلالة منه: حصر الظلم في الكافرين؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل: { هم }.
    10 - ومنها: أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: { أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم }؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له»(116).
    11 - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: { أنفقوا }، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين؛ والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يفعل باختياره؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -.
    12 - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: { مما رزقناكم }؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب؛ والله عز وجل هو الذي أعطاك إياه؛ لو شاء الله لسلبك القدرة؛ ولو شاء لسلبك الإرادة؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق.
    13 - ومنها: أن إنفاق جميع المال لا بأس به؛ وهذا على تقدير { من } بيانية؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله.
    مـسألة:
    ظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] ، ومثل قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله} [البقرة: 195] ؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيداً بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -.
    مسألة ثانية:
    ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم؛ فيقال: الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة؛ لكن لها ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ وإذنه في الشفاعة
    النداء الثامن :
    )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:264)
    التفسير:
    { 264 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يحصل به تنبيه المخاطب؛ فيدل على العناية بموضوع الخطاب؛ ولهذا قال ابن مسعود: «إذا سمعت الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا } فأرعها سمعك: فإنه خير تأمر به؛ أو شر ينهى عنه»(145)؛ وصدق رضي الله عنه.
    ثم في توجيه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان فيه فوائد؛ الفائدة الأولى: الحث على قبول ما يلقى إليهم، وامتثاله؛ وجه ذلك: أنه إذا علق الحكم بوصف كان ذلك الوصف علة للتأثر به؛ كأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا؛ أو لا تفعلوا كذا؛ الفائدة الثانية: أن ما ذكر يكون من مكملات الإيمان، ومقتضياته؛ الفائدة الثالثة: أن مخالفة ما ذكر نقص في الإيمان.
    قوله تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم }: الإبطال للشيء يكون بعد وجوده؛ فالبطلان لا يكون غالباً إلا فيما تم؛ و «الصدقات» جمع صدقة؛ وهي ما يبذله الإنسان تقرباً إلى الله.
    قوله تعالى: { بالمن والأذى }؛ الباء للسببية؛ و «المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه؛ و «الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به.
    قوله تعالى: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس }؛ الكاف هنا للتشبيه؛ وهي خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: مثلكم كالذي ينفق ماله رئاء الناس؛ و{ رئاء } مفعول لأجله؛ وهي مصدر راءى يرائي رئاءً ومراءاة، كـقاتل يقاتل قتالاً ومقاتلة؛ وجاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة؛ و«الرياء» فِعل العبادة ليراه الناس، فيمدحوه عليها.
    قوله تعالى: { ولا يؤمن بالله وباليوم الآخر } معطوف على قوله تعالى: { ينفق }؛ وسبق معنى الإيمان بالله، واليوم الآخر؛ وهذا الوصف ينطبق على المنافق؛ فالمنافق - والعياذ بالله - لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر؛ ولا ينفق إلا مراءاةً للناس؛ ومع ذلك لا ينفق إلا وهو كاره، كما قال تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} [النساء: 142] ، وقال في سورة «التوبة»: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54] ؛ هؤلاء لا ينفقون إلا وهم كارهون؛ لأنهم لا يرجون من هذا الإنفاق ثواباً؛ إذ إنه لا إيمان عندهم، و{ اليوم الآخر } هو يوم القيامة؛ وسمي «اليوم الآخر» ؛ لأنه لا يوم بعده؛ كل يذهب إلى مستقره: أهل الجنة إلى مستقرهم؛ وأهل نار إلى مستقرهم؛ فهو يوم آخر لا يوم بعده؛ ولذلك فهو مؤبد: إما في جنة؛ وإما في نار.
    قوله تعالى { كمثل صفوان } أي كشِبْه صفوان؛ وهو الحجر الأملس { عليه تراب }؛ والتراب معروف؛ { فأصابه وابل } أي مطر شديد الوقع سريع التتابع؛ فإذا أصاب المطر تراباً على صفوان فسوف يزول التراب؛ ولهذا يقول تعالى: { فتركه صلداً } أي ترك الوابلُ هذا الصفوانَ أملس ليس عليه تراب؛ وجه الشبه بين المرائي والصفوان الذي عليه تراب، أن من رأى المنافق في ظاهر حاله ظن أن عمله نافع له؛ وكذلك من رأى الصفوان الذي عليه تراب ظنه أرضاً خصبة طينية تنبت العشب؛ فإذا أصابها الوابل الذي ينبت العشب سحق التراب الذي عليه، فزال الأمل في نبات العشب عليه من الوابل؛ ولهذا قال تعالى: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا }؛ وصح عود واو الجماعة في { يقدرون } على { الذي } في قوله تعالى: { كالذي ينفق ماله }؛ لأن { الذي } اسم موصول يفيد العموم؛ فهو بصيغته اللفظية مفرد، وبدلالته المعنوية جمع؛ لأنه عام؛ وسمى الله عز وجل ما أنفقوا كسباً باعتبار ظنهم أنهم سينتفعون به.
    قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين } أي لا يهدي سبحانه الكافرين هداية توفيق؛ أما هداية الدلالة فإنه سبحانه لم يَدَع أمة إلا بعث فيها نبياً؛ لكن الكافر لا يوفقه الله لقبول الحق؛ و{ الكافرين } أي الذين حقت عليهم كلمة الله، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] .
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: تحريم المن، والأذى في الصدقة؛ لقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى }.
    2 - ومنها: بلاغة القرآن، حيث جاء النهي عن المنّ، والأذى بالصدقة بهذه الصيغة التي توجب النفور؛ وهي: { لا تبطلوا صدقاتكم }؛ فإنها أشد وقعاً من «لا تَمُنّوا، ولا تؤذوا بالصدقة».
    3 - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة يبطل ثوابها؛ لقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى }.
    4 - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ وجه ذلك: ترتيب العقوبة على الذنب يجعله من كبائر الذنوب؛ وقد قال شيخ الإسلام في حد الكبيرة: «كل ذنب رُتب عليه عقوبة خاصة، كالبراءة منه، ونفي الإيمان، واللعنة، والغضب، والحد، وما أشبه ذلك»؛ وهذا فيه عقوبة خاصة؛ وهي إبطال العمل؛ ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»(146).
    5 - ومنها: أن المنّ والأذى بالصدقة مناف لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى }؛ كأنه يقول: «إن مقتضى إيمانكم ألا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتموه صار منافياً لهذا الوصف، ومنافياً لكماله».
    6 - ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس ليقربه إلى الذهن؛ لقوله تعالى: { فمثله كمثل صفوان... } إلخ.
    7 - ومنها: تحريم مراءاة الناس بالعمل الصالح؛ لقوله تعالى: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس }؛ والتسميع كالمراءاة؛ والفرق بينهما أن المراءاة فيما يُرى - كالأفعال - والتسميع بما يقال.
    8 - ومنها: أن من راءى الناس بإنفاقه ففي إيمانه بالله، وباليوم الآخر نقص؛ لقوله تعالى: { ولا يؤمن بالله وباليوم الآخر }؛ لأن الذي يرائي لو كان مؤمناً بالله حق الإيمان لجعل عمله لله خالصاً لله؛ ولو كان يؤمن باليوم الآخر حق الإيمان لم يجعل عمل الآخرة للدنيا؛ لأن مراءاة الناس قد يكسب بها الإنسان جاهاً في الدنيا فقط؛ مع أنه لا بد أن يتبين أمره؛ وإذا تبين أنه مراءٍ نزلت قيمته في أعين الناس؛ يقول الشاعر:
    (ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عاري) أنت لا تظن أنك إذا راءيت الناس أنك ستبقى مخادعاً لهم؛ بل إن الله سبحانه وتعالى سيظهر ذلك؛ ما أسر إنسان سريرة إلا أظهرها الله سبحانه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
    9 - ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر؛ وهو يوم القيامة.
    10 - ومنها: بلاغة القرآن في التشبيه؛ لأنك إذا طابقت بين المشبه، والمشبه به، وجدت بينهما مطابقة تامة.
    11 - ومنها: إثبات كون القياس دليلاً صحيحاً؛ وجه ذلك: التمثيل، والتشبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنه دليل على القياس؛ لأن المقصود به نقل حكم هذا المشبه به إلى المشبه.
    12 - ومنها: أن الرياء مبطل للعمل؛ وهو نوع من الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(147)؛ فإن قصد بعمله إذا رآه الناس أن يتأسى الناس به، ويسارعوا فيه فهي نية حسنة لا تنافي الإخلاص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر، وقال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي»(148)؛ وفي الحج كان صلى الله عليه وسلم يقول: «لتأخذوا مناسككم»(149)؛ وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»(150).
    13 - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى تحسر هؤلاء عند احتياجهم إلى العمل، وعجزهم عنه؛ لقوله تعالى: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا }؛ وعجز الإنسان عن الشيء بعد محاولة القدرة عليه أشد حسرة من عدمه بالكلية؛ ألم تر إلى قوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاماً} [الواقعة: 63 - 65] ؛ وكونه حطاماً ينظرون إليه أشد حسرة من كونه لم ينبت أصلاً؛ وقوله تعالى: {أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجاً} [الواقعة: 68 - 70] ؛ وكونه بين أيديهم أجاجاً لا يستسيغون شربه أشد مما لو لم يوجد أصلاً؛ والإنسان العاقل يجعل العمل لله ؛ والعمل للناس: للناس؛ أنا قد أحب أن أخرج للناس في ثوب جميل: لا بأس أن أتجمل ليراني الناس على هذه الحال؛ لكن أصلي ليراني الناس أصلي: لا يصح؛ لأن العمل لله يجب أن يكون لله لا يشاركه فيه أحد.
    14 - ومن فوائد الآية: أن من قضى الله عليه بالكفر لا تمكن هدايته؛ لقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين }؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين الواقع من أن الله سبحانه وتعالى هدى قوماً كافرين كثيرين؟ فالجواب أن من هدى الله لم تكن حقت عليهم كلمة الله؛ فأما من حقت عليه كلمة الله فلن يُهْدى، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] .
    15 - ومنها: أن المنافق كافر؛ لقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين } بعد أن ذكر ما يتعلق بصفة المنافق؛ وهو الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر؛ وهذا ينطبق تماماً على المنافقين؛ ولا ريب أن المنافقين كفار - وإن تظاهروا بالإسلام - ولكن هل نعاملهم معاملة الكفار؟ الجواب: لا نعاملهم معاملة الكفار؛ لأن أحكام الدنيا تجري على الظاهر؛ وأحكام الآخرة تجري على الباطن والسرائر، كما قال تعالى: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصِّل ما في الصدور} [العاديات: 9، 10] ، وقال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] ؛ ولأنه لو عومل الناس في الدنيا على السرائر لكان في ذلك تكليف ما لا يطاق من وجه؛ وكان في ذلك الفوضى التي لا نهاية لها من وجه آخر؛ أما تكليف ما لا يطاق فلأننا لا نعلم ما في صدور الناس؛ فلا يمكن أن نحكم عليه؛ وأما الفوضى فلأنه يستطيع كل ظالم له ولاية أن يعاقب هذا الرجل، أو يعدم هذا الرجل بحجة أنه مبطن للكفر؛ ولما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل المنافقين قال: «لا أقتلهم؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»(151).

    .



    .
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 08-24-11 الساعة 4:49 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    النداء التاسع::
    :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة:267)
    التفسير:
    { 267 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: سبق مراراً وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـ{ يا أيها الذين آمنوا } يفيد عدة فوائد:
    أولاً: الإغراء؛ و«الإغراء» معناه الحث على قبول ما تخاطَب به؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه»(160)؛ ولهذا لو ناديتك بوصفك، وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم. معناه: يا من توصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء بادياً عليك.
    ثانياً: أن امتثال ما جاء في هذا الخطاب من مقتضيات الإيمان؛ كأنه تعالى قال: { يا أيها الذين آمنوا } إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا.
    ثالثاً: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقق هذا الوصف لامتثل ما جاء في الخطاب.
    قوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم }: بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ لكن الفرق بين ما هنا، وما سبق: أن ما هنا بيان للذي ينفَق منه؛ وهناك بيان للذي ينَفق عليه.
    وقوله تعالى: { من طيبات ما كسبتم } أي مما كسبتموه بطريق حلال؛ و{ كسبتم } أي ما حصلتموه بالكسب، كالذي يحصل بالبيع والشراء، والتأجير، وغيرها؛ وكل شيء حصل بعمل منك فهو من كسبك.
    قوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من الأرض }: قال بعضهم: إنه معطوف على { ما } في قوله تعالى: { ما كسبتم }؛ يعني: «ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض»؛ ولكن الصحيح الذي يظهر أنه معطوف على قوله تعالى: { طيبات }؛ يعني: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض»؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب ملك لنا، كما قال تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [البقرة: 29] .
    وقوله: { مما }: لو قلنا: إن «مِن» للتبعيض يكون المعنى: أنفقوا بعض طيبات ما كسبتم، وبعض ما أخرجنا لكم من الأرض؛ وهناك احتمال أن «مِن» لبيان الجنس؛ فيشمل ما لو أنفق الإنسان كل ماله؛ وهذا عندي أحسن؛ لأن التي للجنس تعم القليل والكثير.
    قوله تعالى: { أخرجنا لكم من الأرض } يشمل ما أخرج من ثمرات النخيل، والأعناب، والزروع، والفاكهة، والمعادن، وغير ذلك مما يجب أن ننفق منه.
    قوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } أي لا تقصدوا الخبيث منه فتنفقونه؛ لأن «التيمم» في اللغة: القصد؛ ومنه قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ؛ والمراد بـ{ الخبيث } هنا الرديء؛ يعني: لا تقصدوا الرديء تخرجونه، وتبقون لأنفسكم الطيب؛ فإن هذا ليس من العدل؛ ولهذا قال تعالى: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }.
    وقوله تعالى: { منه تنفقون } يحتمل في { منه } وجهان؛ أحدهما: أنها متعلقة بـ{ الخبيث } على أنها حال؛ أي الخبيث حال كونه مما أخرجنا لكم من الأرض؛ وعلى هذا يكون في { تنفقون } ضمير محذوف؛ والتقدير: تنفقونه؛ الوجه الثاني: أنها متعلقة بقوله تعالى: { تنفقون }؛ يعني: ولا تقصدوا الخبيث تنفقون منه؛ وقدمت على عاملها للحصر؛ والوجهان من حيث المعنى لا يختلفان؛ فإن معناها أن الله ينهانا أن نقصد الخبيث - وهو الرديء - لننفق منه.
    قوله تعالى: { ولستم بآخذيه }: أي لستم بآخذي الرديء عن الجيد لو كان الحق لكم { إلا أن تغمضوا فيه } أي تأخذوه عن إغماض؛ و «الإغماض» أخذ الشيء على كراهيته - كأنه أغمض عينيه كراهية أن يراه.
    قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد }؛ فهو لم يطلب منكم الإنفاق لفقره واحتياجه؛ { حميد }: يحتمل أن تكون بمعنى حامد؛ وبمعنى محمود؛ وكلاهما صحيح؛ لأن «فعيلاً» تأتي بمعنى فاعل؛ وبمعنى مفعول؛ إتيانها بمعنى فاعل مثل: «رحيم» بمعنى راحم؛ و«سميع» بمعنى سامع؛ وإتيانها بمعنى مفعول مثل: «قتيل»، و«جريح»، و«ذبيح»، وما أشبه ذلك؛ وهنا { حميد } تصح أن تكون بمعنى حامد، وبمعنى محمود؛ أما كون الله محموداً فظاهر؛ وأما كونه حامداً فلأنه سبحانه وتعالى يَحمَد من يستحق الحمد من عباده؛ ولهذا أثنى على أنبيائه، ورسله، والصالحين من عباده؛ وهذا يدل على أنه عز وجل حامد لمن يستحق الحمد.
    ووجه المناسبة في ذكر «الحميد» بعد «الغني» أن غناه عز وجل غِنًى يحمد عليه؛ بخلاف غنى المخلوق؛ فقد يحمد عليه، وقد لا يحمد؛ فلا يحمد المخلوق على غناه إذا كان بخيلاً؛ وإنما يحمد إذا بذله؛ والله عز وجل غني حميد؛ فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه؛ ولكن لمصلحتكم أنتم.
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }؛ فإن هذا وصف يقتضي امتثال أمر الله؛ وهذا يدل على فضيلة الإيمان.
    2 - ومنها: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله، واجتناب نهيه؛ ووجهه أن الله تعالى قال: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا }؛ فلولا أن للإيمان تأثيراً لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغواً لا فائدة منه.
    3 - ومنها: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا؛ لقوله تعالى: { أنفقوا }؛ والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل صارف عن الوجوب.
    4 - ومنها: وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لقوله تعالى: { ما كسبتم }؛ ولا شك أن عروض التجارة كسب؛ فإنها كسب بالمعاملة.
    5 - ومنها: أن المال الحرام لا يؤمر بالإنفاق منه؛ لأنه خبيث؛ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.
    فإذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟
    فالجواب أنه يرده على صاحبه إن أخذه بغير اختياره؛ فإن كان قد مات رده على ورثته؛ فإن لم يكن له ورثة فعلى بيت المال؛ فإن تعذر ذلك تصدق به عمن هو له؛ أما إذا أخذه باختيار صاحبه كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فإنه لا يرده عليه؛ ولكن يتصدق به(161)؛ هذا إذا كان حين اكتسابه إياه عالماً بالتحريم؛ أما إن كان جاهلاً فإنه لا يجب عليه أن يتصدق به؛ لقوله تعالى: {فله ما سلف وأمره إلى الله} [البقرة: 275] .
    6 - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم }؛ ووجه الدلالة: أنه لو كان الإنسان مجبراً على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه لا يقدر على زعم هؤلاء الجبرية؛ ولأن الله أضاف الكسب إلى المخاطَب في قوله تعالى: { ما كسبتم }؛ ولو كان مجبراً عليه لم يصح أن يكون من كسبه؛ وليعلم أن مثل هذا الدليل في الرد على الجبرية كثير في القرآن، وإنما نذكره عند كل آية لينتفع بذلك من يريد إحصاء الأدلة على هؤلاء؛ وإلا فالدليل الواحد كافٍ لمن أراد الحق .
    7 - ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من الأرض }؛ وظاهر الآية وجوب الزكاة في الخارج من الأرض مطلقاً سواء كان قليلاً، أم كثيراً؛ وسواء كان مما يوسَّق، ويكال، أم لا؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وهو أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقاً لعموم الآية؛ ولكن الصواب ما دلت عليه السنة من أن الزكاة لا تجب إلا في شيء معين جنساً، وقدراً؛ فلا تجب الزكاة في القليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»(162)؛ و «الوسق» هو الحِمل؛ ومقدار خمسة أوسق: ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي.
    ولا تجب الزكاة إلا فيما يكال؛ وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق» ؛ و «الوسق» كما ذكرت هو الحمل؛ وهو ستون صاعاً؛ وعليه فلا تجب الزكاة في الخضراوات مثل: التفاح، والبرتقال، والأترج، وشبهها، لأن السنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يوسق.
    تــنــبــيــه:
    لم يبين في الآية مقدار الواجب إنفاقه من الكسب، والخارج من الأرض؛ ولكن السنة بينت أن مقدار الواجب فيما حصل من الكسب ربع العشر؛ ومقدار الواجب في الخارج من الأرض العشر فيما يسقى بلا مؤونة؛ ونصفه فيما يسقى بمؤونة.
    8 - ومن فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله تعالى: { من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض }؛ فلماذا عبر في الأول تعبيراً يدل على أن ذلك من فعل العبد؛ وفي الثاني عبر تعبيراً يدل على أنه ليس من فعل العبد؟ الأمر في ذلك واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب، وغالبه من فعل العبد: يبيع، ويشتري، ويكسب؛ أما ما خرج من الأرض فليس من فعل العبد في الواقع، كما قال تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63، 64] .
    9 - من فوائد الآية: وجوب الزكاة في المعادن؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من الأرض } لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهباً أو فضة وجبت فيه الزكاة بكل حال؛ وإن كان غير ذهب، ولا فضة، كالنحاس، والرصاص، وما أشبههما ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها؛ إنما تجب الزكاة فيها إذا نواها للتجارة.
    وهل يستفاد من الآية وجوب الزكاة في الركاز - والركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية - أي مدفون الجاهلية؛ يعني ما وجد من النقود القديمة، أو غيرها التي تنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل وقتَ وجودها؟ لا يستفاد؛ لكن السنة دلت على أن الواجب فيه الخمس(163)؛ ثم اختلف العلماء ما المراد بالخمس: هل هو الجزء المشاع - وهو واحد من خمسة؛ أو هو الخمس الذي مصرفه الفيء؟ على قولين؛ وبسط ذلك مذكور في كتب الفقه.
    10 - ومن فوائد الآية: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة؛ لقوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.
    11 - ومنها: إذا ضمت هذه الآية إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي معاذاً إلى اليمن، وقال: «إياك وكرائم أموالهم»(164)، تبين لك العدل في الشريعة الإسلامية؛ لأن العامل على الزكاة لو قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على أهل الأموال؛ ولو قصد الرديء صار فيه إجحاف على أهل الزكاة؛ فصار الواجب وسطاً؛ لا نلزم صاحب المال بإخراج الأجود؛ ولا نمكنه من إخراج الأردأ؛ بل يخرج الوسط.
    12 - ومنها: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة؛ وهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(165)؛ ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى قال: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }؛ فالإنسان لا يرضى بهذا لنفسه فلماذا يرضاه لغيره؟!! فإذا كنت أنت لو أُعطيت الرديء من مال مشترك بينك وبين غيرك ما أخذته إلا على إغماض، وإغضاء عن بعض الشيء؛ فلماذا تختاره لغيرك، ولا تختاره لنفسك؟!! وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يعامل به غيره؛ وهو أن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»(166)، هذه قاعدة في المعاملة مع الناس؛ ومع الأسف الشديد أن كثيراً من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم على هذا الوجه؛ كثير من الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة.
    13 - ومن فوائد الآية: إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }؛ يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لغيرك؛ أي قس هذا بهذا.
    14 - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة؛ وهما «غني» و «حميد» .
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    النداء العاشر:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:278)
    التفسير:
    { 278 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: الجملة ندائية؛ فائدتها: تنبيه المخاطب.
    قوله تعالى: { اتقوا الله } أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
    قوله تعالى: { وذروا ما بقي من الربا } أي اتركوا ما بقي من الربا.
    قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين }: هذا من باب الإغراء، والحث على الامتثال؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقاً فدعوا ما بقي من الربا؛ وهذه الجملة يقصد بها الإغراء، والإثارة - أعني إثارة الهمة.
    فإن قلت: كيف يوجِّه الخطاب للمؤمنين، ويقول: { إن كنتم مؤمنين }؛ أفلا يكون في هذا تناقض؟ فالجواب: ليس هنا تناقض؛ لأن معنى الثانية التحدي؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فاتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا.
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: بلوغ القرآن أكمل البلاغة؛ لأن الكلام في القرآن يأتي دائماً مطابقاً لمقتضى الحال؛ فإذا كان الشيء مهماً أحاطه بالكلمات التي تجعل النفوس قابلة له؛ وهذا أكمل ما يكون من البلاغة.
    2 - ومنها: أنه إذا كان الشيء هاماً فإنه ينبغي أن يصَدَّر بما يفيد التنبيه من نداء، أو غيره. - ومنها: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: { اتقوا الله }؛ و «التقوى» وصية الله لعباده الأولين، والآخرين؛ قال الله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] .
    4 - ومنها: وجوب ترك الربا - وإن كان قد تم العقد عليه؛ لقوله تعالى: { وذروا ما بقي من الربا }؛ وهذا في عقد استوفي بعضه، وبقي بعضه.
    5 - ومنها: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام - وإن عقدت في حال الشرك؛ لعموم قوله تعالى: { وذروا ما بقي من الربا }، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في عرفة عام حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»(1)؛ ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت في الكفر على وجه باطل، وزال سبب البطلان قبل الإسلام فإنها تبقى على ما كانت عليه؛ مثال ذلك: لو تبايع رجلان حال كفرهما بيعاً محرماً في الإسلام، ثم أسلما فالعقد يبقى بحاله؛ ومثال آخر: لو تزوج الكافر امرأة في عدتها، ثم أسلما بعد انقضاء عدتها فالنكاح باق؛ ولهذا أمثلة كثيرة.
    6 - ومن فوائد الآية: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك؛ لقوله تعالى: { وذروا ما بقي من الربا }؛ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تؤخذ لئلا يستعين بها على الربا؛ وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر؛ فنقول: أأنتم أعلم أم الله!!! وقد قال الله تعالى: { ذروا ما بقي من الربا }؛ والاستحسان في مقابلة النص باطل فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكاً غير إسلامي، ولو تركناه لهم صرفوه إلى الكنائس، وإلى السلاح الذي يقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم، ونما به رباهم؛ فنقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خوطبنا به؛ والنتائج ليست إلينا؛ ثم إننا نقول: هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل هي قد دخلت في أموالنا حتى نقول: إننا أخرجنا من أموالنا ما يستعين به أعداؤنا على كفرهم، أو قتالنا؟
    والجواب: أن الأمر ليس كذلك؛ فإن هذه الزيادة التي يسمونها فائدة ليست نماءَ أموالنا؛ فلم تدخل في ملكنا؛ ثم إننا نقول له: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة؛ في إصلاح طرق؛ في بناء مساجد تخلصاً منه، أو تقرباً به؛ نقول له: إن فعلت ذلك تقرباً لم يقبل منك، ولم تسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك؛ وإذا صرفته على أنه ملكك لم يقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث؛ ومن اكتسب مالاً خبيثاً فتصدق به لم يقبل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»(1)؛ وإن أخرجته تخلصاً منه فأي فائدة من أن تلطخ مالك بالخبيث، ثم تحاول التخلص منه؛ ثم نقول أيضاً: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يخرج هذا تخلصاً منه؟! فربما إذا رأى الزيادة الكبيرة تغلبه نفسه، ولا يخرجها؛ أيضاً إذا أخذت الربا، وقال الناس: إن فلاناً أخذ هذه الأموال التي يسمونها الفائدة؛ أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؟! لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تخرج هذا المال، وتتخلص منه.
    ولهذا أرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مطلقاً؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا }؛ ولم يوجه العباد إلى شيء آخر.
    8 - ومن فوائد الآية: أن ممارسة الربا تنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين }؛ ولكن هل يُخرج الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج أنه يخرجه من الإيمان إلى الكفر؛ فهو عند الخوارج كافر، كفرعون، وهامان، وقارون؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان؛ لكنه يُخشى عليه من الكفر لا سيما آكل الربا؛ لأنه غذي بحرام؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام: «فأنى يستجاب لذلك»(2) - نسأل الله العافية.
    9 - ومن فوائد الآية: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرم عليهم ما يتضمن الظلم؛ وأكد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }، وقوله تعالى: { اتقوا الله }، وقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين }؛ والحكم: { ذروا ما بقي من الربا }.
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 08-21-11 الساعة 9:34 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    االنداء الحادي عشر:


    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:282)


    التفسير:
    هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله؛ وهي في المعاملات بين الخلق؛ وأقصر آية في كتاب الله قوله تعالى: {ثم نظر} [المدثر: 21] ؛ لأنها خمسة أحرف؛ وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط؛ إحداهما: قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} [آل عمران: 154] الآية؛ والثانية قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه...} [الفتح: 29] الآية؛ فقد اشتملت كل واحدة منهما على جميع الحروف الهجائية.
    { 282 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }؛ سبق الكلام على مثل هذه العبارة.
    قوله تعالى: { إذا تداينتم بدين } أي إذا داين بعضكم بعضاً؛ و «الدين» كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيع، أو أجرة، أو صداق، أو قرض، أو غير ذلك.
    قوله تعالى: { إلى أجل مسمى } أي إلى مدة محدودة { فاكتبوه } أي اكتبوا الدين المؤجل إلى أجله؛ والفاء هنا رابطة لجواب الشرط في { إذا }.
    قوله تعالى: { وليكتب } أللام للأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الواو؛ وهي تسكن إذا وقعت بعد الواو، كما هنا؛ وبعد «ثم». والفاء، كما في قوله تعالى: {ثم ليقطع فلينظر} [الحج: 15] بخلاف لام التعليل؛ فإنها مكسورة بكل حال؛ و{ بينكم } أي في قضيتكم؛ و{ كاتب } نكرة يشمل أيّ كاتب؛ { بالعدل } أي بالاستقامة - وهو ضد الجور؛ والمراد به ما طابق الشرع؛ وهو متعلق بقوله تعالى: { ليكتب }.
    قوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب }، أي لا يمتنع كاتب الكتابة إذا طلب منه ذلك.
    قوله تعالى: { كما علمه الله } يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه؛ ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة.
    قوله تعالى: { فليكتب }؛ الفاء للتفريع: واللام لام الأمر؛ ولكنها سكنت؛ لأنها وقعت بعد الفاء؛ وموضع: {فليكتب } مما قبلها في المعنى قال بعض العلماء: إنها من التوكيد؛ لأن النهي عن إباء الكتابة يستلزم الأمر بالكتابة؛ فهي توكيد معنوي؛ وقيل: بل هي تأسيس تفيد الأمر بالمبادرة إلى الكتابة، أو هي تأسيس توطئة لما بعدها؛ والقاعدة: أنه إذا احتمل أن يكون الكلام توكيداً، أو تأسيساً، حمل على التأسيس؛ لأنه فيه زيادة معنى؛ وبناءً على هذه القاعدة يكون القول بأنها تأسيس أرجح.
    قوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق } أي يملي؛ وهما لغتان فصيحتان؛ فـ «الإملال» و«الإملاء» بمعنًى واحد؛ فتقول: «أمليت عليه»؛ و«أمللت عليه» لغة عربية فصحى - وهي في القرآن.
    قوله تعالى: { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً }؛ لما أمر الله عز وجل بأن الذي يملي هو الذي عليه الحق دون غيره وجه إليه أمراً، ونهياً؛ الأمر: { وليتق الله ربه } يعني يتخذ وقاية من عذاب الله، فيقول الصدق؛ والنهي: { ولا يبخس منه شيئاً } أي لا ينقص لا في كميته، ولا كيفيته، ولا نوعه.
    قوله تعالى: { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً }، أي لا يحسن التصرف؛ { أو ضعيفاً }؛ الضعف هنا ضعف الجسم، وضعف العقل؛ وضعف الجسم لصغره؛ وضعف العقل لجنونه؛ كأن يكون الذي عليه الحق صغيراً لم يبلغ؛ أو كان كبيراً لكنه مجنون، أو معتوه؛ فهذا لا يملل؛ وإنما يملل وليه؛ { أو لا يستطيع أن يمل هو} أي لا يقدر أن يملي لخرس، أو غيره؛ وقوله تعالى: { أن يمل } مؤولة بمصدر على أنه مفعول به؛ والضمير: { هو } للتوكيد؛ وليست هي الفاعل؛ بل الفاعل مستتر في { يمل }.
    قوله تعالى: { فليملل }: اللام هنا لام الأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الفاء؛ { وليه } أي الذي يتولى شؤونه من أب، أو جد، أو أخ، أو أم، أو غيرهم.
    قوله تعالى: { بالعدل } متعلق بقوله تعالى: { فليملل } يعني إملاءً بالعدل بحيث لا يجور على من له الحق لمحاباة قريبه، ولا يجور على قريبه خوفاً من صاحب الحق؛ بل يجب أن يكون إملاؤه بالعدل؛ و «العدل» هنا هو الصدق المطابق للواقع؛ فلا يزيد، ولا ينقص.
    قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم }، أي اطلبوا شهيدين من رجالكم.
    وقوله تعالى: { من رجالكم } الخطاب للمؤمنين.
    قوله تعالى: { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان }، أي إن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان؛ وهذا يدل على التخيير مع ترجيح الرجلين على الرجل والمرأتين.
    وقوله تعالى: { فرجل وامرأتان }: الجملة جواب الشرط في قوله تعالى: { فإن لم يكونا... }؛ والفاء هنا رابطة للجواب؛ و «رجل» خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالشاهد رجل، وامرأتان.
    وقوله تعالى: { فرجل } أي فذَكَر بالغ؛ و{ امرأتان } أي أنثيان بالغتان؛ لأن الرجل والمرأة إنما يطلقان على البالغ.
    قوله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء }: الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة؛ أي رجل وامرأتان كائنون ممن ترضون من الشهداء؛ والخطاب في قوله تعالى: { ترضون } موجه للأمة؛ يعني بحيث يكون الرجل والمرأتان مرضيين عند الناس؛ لأنه قد يُرضى شخص عند شخص ولا يُرضى عند آخر؛ فلا بد أن يكون هذان الشاهدان؛ أو هؤلاء الشهود - أي الرجل والمرأتان - ممن عرف عند الناس أنهم مرضيون؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب»(204)؛ إذاً العبرة بالرضى عند عموم الناس؛ لا برضى المشهود له؛ لأنه قد يرضى بمن ليس بمرضي.
    وقوله تعالى: { من الشهداء }: بيان لـ «مَنْ» الموصولة؛ لأن الاسم الموصول من المبهمات؛ فيحتاج إلى بيان؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً» فهذا مبهم؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً من الطلاب» صار مبيناً.
    قوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } فيها قراءات؛ القراءة الأولى بفتح همزة { أنْ }؛ وعلى هذا يجوز قراءتان في قوله تعالى: { فتذكر }: تخفيف الكاف: { فتذْكِرَ }، وتشديدها: { فتذَكِّرَ }؛ مع فتح الراء فيهما؛ والقراءة الثالثة: بكسر همزة { إن } مع ضم الراء في قوله تعالى: { فتذكِّرُ }، وتشديد الكاف.
    وقوله تعالى: { فتذكر إحداهما الأخرى } من التذكير؛ وهو تنبيه الإنسان الناسي على ما نسي؛ ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: { فتذكر } معناه تجعلها بمنزلة الذَّكَر - لا سيما على قراءة التخفيف؛ أي تكون المرأتان كالذَّكَر؛ وهذا غريب؛ لأنه لا يستقيم مع قوله تعالى: { أن تضل إحداهما } فالذي يقابل الضلال بمعنى النسيان: التذكير - أي تنبيه الإنسان على نسيانه.
    وفي قوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } من البلاغة: إظهار في موضع الإضمار؛ لأنه لم يقل: فتذكرها الآخرى؛ لأن النسيان قد يكون متفاوتاً، فتنسى هذه جملة، وتنسى الأخرى جملة؛ فهذه تذكر هذه بما نسيت؛ وهذه تذكر هذه بما نسيت؛ فلهذا قال تعالى: { فتذكر إحداهما الأخرى }: لئلا يكون المعنى قاصراً على واحدة هي الناسية، والأخرى تذكرها.
    قوله تعالى: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } أي لا يمتنع الشهداء إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، أو أدائها؛ و{ ما } هذه زائدة لوقوعها بعد { إذا }؛ وفيها بيت مشهور يقول فيه:
    (يا طالباً خذ فائدة ما بعد إذا زائدة) واستعمالات «ما» عشر؛ هي كما جاءت في بيت من الشعر:
    (محامل «ما» عشر إذا رمت عدّها فحافظ على بيت سليم من الشعر) (ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكفّ ونفي زيد تعظيم مصدر) ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد بمعنى أنه لا معنى له؛ بل زائد إعراباً فقط؛ أما في المعنى فليس بزائد.
    قوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله }، أي لا تمَلّوا أن تكتبوا الدَّين صغيراً كان أو كبيراً إلى أجله المسمى.
    قوله تعالى: { ذلكم } المشار إليه كل ما سبق من الأحكام؛ { أقسط عند الله } أي أقوم، وأعدل؛ { وأقوم للشهادة } أي أقرب إلى إقامتها؛ { وأدنى ألا ترتابوا } أي أقرب إلى انتفاء الريبة عندكم.
    قوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم }: فيها قراءتان؛ إحداهما بنصب { تجارةً }، و{ حاضرةً }؛ والثانية برفعهما؛ على الأول اسم { تكون } مستتر؛ والتقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة؛ وجملة: { تديرونها } صفة ثانية لـ { تجارة }؛ أما على قراءة الرفع فإن { تجارة } اسم { تكون }؛ و{ حاضرة } صفة؛ وجملة: { تديرونها } خبر { تكون }.
    والتجارة هي كل صفقة يراد بها الربح؛ فتشمل البيع، والشراء، وعقود الإجارات؛ ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى الإيمان، والجهاد في سبيله تجارة، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] .
    وأما قوله تعالى: { حاضرة } فهي ضد قوله تعالى: { إذا تداينتم بدين }؛ فالحاضر ما سوى الدَّين.
    و قوله تعالى: { تديرونها } أي تتعاطونها بينكم بحيث يأخذ هذا سلعته، والآخر يأخذ الثمن، وهكذا.
    قوله تعالى: { فليس عليكم جناح }: الفاء عاطفة، أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم إثم في عدم كتابتها؛ والضمير في قوله تعالى: { تكتبوه } يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها، والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تدار، ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجلة.
    قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم } أي باع بعضكم على بعض.
    قوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا شهيد }؛ مأخوذة من: الإضرار؛ يحتمل أن تكون مبنية للفاعل؛ فيكون أصلها «يضارِر» بكسر الراء الأولى؛ أو للمفعول؛ فيكون أصلها «يضارَر» بفتحها؛ ويختلف إعراب { كاتب }، و{ شهيد } بحسب بناء الفعل؛ فإن كانت مبنية للفاعل فـ { كاتب } فاعل؛ وإن كانت للمفعول فـ { كاتب } نائب فاعل؛ وهذا من بلاغة القرآن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر.
    قوله تعالى: { وإن تفعلوا } أي يضار الكاتب، أو الشهيد - على الوجهين { فإنه } أي الفعل - وهو المضارة؛ { فسوق بكم } أي خروج بكم عن طاعة الله إلى معصيته؛ وأصل «الفسق» في اللغة الخروج؛ ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها.
    قوله تعالى: { واتقوا الله } أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
    قوله تعالى: { ويعلمكم الله }؛ الواو هنا للاستئناف؛ ولا يصح أن تكون معطوفة على { اتقوا الله }؛ لأن تعليم الله لنا حاصل مع التقوى، وعدمها - وإن كان العلم يزداد بتقوى الله، لكن هذا يؤخذ من أدلة أخرى.
    قوله تعالى: { والله بكل شيء عليم } يشمل كل ما في السماء، والأرض.
    الفوائد:
    1 - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.
    2 - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ.
    3 - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: { يا أيها الذين آمنوا } لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً.
    4 - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات - التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين.
    5 - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله عز وجل، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل.
    فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم»(205)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».
    فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!!! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه.
    6 - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: { تداينتم بدين } سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً.
    7 - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى: { بدين إلى أجل مسمى }؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: { مسمى } - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم»(206)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية.
    8 - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه.
    9 - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: { فاكتبوه }؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها }؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] ؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه.
    10 - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: { بينكم }؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما.
    11 - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب }.
    12 - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و«العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: { وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا } [الأنعام: 115] .
    ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب.
    13 - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: { كاتب بالعدل }؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين.
    14 - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله }؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى { فليكتب } - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.
    15 - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله }.
    16 - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: { كما علمه الله }؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل.
    فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة.
    17 - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: { كما علمه الله }؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله عز وجل.
    18 - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: { فليكتب }.
    19 - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق }؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد.
    لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟!
    فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً }.
    20 - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] ؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول.
    21 - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله عز وجل على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى: { وليتق الله ربه }.
    22 - ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً }؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب عز وجل خالق مالك مدبر.
    23 - ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئاً لا كمية، ولا نوعاً، ولا صفة؛ لقوله تعالى: { ولا يبخس منه شيئاً }.
    24 - ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل }.
    25 - ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك.
    26 - ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: { فليملل وليه }.
    27 - ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله تعالى: { بالعدل }؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه.
    28 - ومنها: طلب الإشهاد على الحق.
    29 - ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء.
    30 - ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.
    31 - ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.
    32 - ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى }؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد.
    33 - ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران:
    الأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته.
    الأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] .
    34 - ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيراً، أو كبيراً؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة.
    35 - ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلاً فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: { إلى أجله }.
    36 - ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد:
    الأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه.
    الثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان.
    الثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب.
    37 - ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله (صلى الله عليه وسلم): «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»(207).
    38 - ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: { وأقوم للشهادة }. فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة.
    39 - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى: { وأدنى ألا ترتابوا }.
    ويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائماً على اطمئنان، وسكون.
    ويتفرع أيضاً منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه.
    ويتفرع عليه أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه»(208)؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري؛ لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء.
    40 - ومن فوائد الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة حاضرة }؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذاً هذا المطلق الذي هو التجارة مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط.
    41 - ومنها: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة، وتجارة غير حاضرة؛ فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر.
    42 - ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: { تديرونها بينكم }؛ فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني يتداول؛ ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيراً فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أيّ إنسان يأتي، فيبيعون عليه.
    43 - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها}.
    44 - ومنها: الأمر بالإشهاد عند التبايع؛ وهل الأمر للوجوب؛ أو للاستحباب؛ أو للإرشاد؟ فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس للوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى، ولم يُشهِد(209)؛ والأصل عدم الخصوصية؛ ولأن إيجابه فيه شيء من الحرج، والمشقة؛ لكثرة تداول التجارة؛ اللهم إلا أن يكون التصرف للغير، كالوكيل، والوليّ؛ فربما يقال بوجوب الإشهاد في المبايعات الخطيرة.
    45 - ومن فوائد الآية: أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع؛ بمعنى أنه لا يتقدم، ولا يتأخر؛ لقوله تعالى: { إذا تبايعتم }؛ لأن العقد لم يتم إذا كان الإشهاد قبله؛ وإذا كان بعده فربما يكون المبيع قد تغير.
    46 - ومنها: تحريم مضارة الكاتب، أو الشهيد: سواء وقع الإضرار منهما، أو عليهما.
    47 - ومنها: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب، أو الشاهد، أو عليهما، فسوق؛ والفسق يترتب عليه زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استثني؛ والفاسق يُهجر إما جوازاً؛ أو استحباباً، أو وجوباً - على حسب الحال - إن كان في الهجر إصلاح له.
    فإن قال قائل: أفلا يشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه، أو كان كبيرة؟.
    فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى حكم على المضارة بأنها فسوق؛ والقرآن يَحكم، ولا يُحكَم عليه.
    48 - ومن فوائد الآية: أن هذا الفعل فسوق لا يخرج من الإيمان؛ لأنه لم يصف الفاعل بالكفر؛ بل قال تعالى: { فإنه فسوق بكم }؛ ومجرد الفسق لا يخرج من الإيمان؛ ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان؛ لأن الخروج عن الطاعة خروجاً عاماً يخرج من الإيمان، ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} [السجدة: 18 - 20] .
    49 - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: { واتقوا الله }.
    50 - ومنها: امتنان الله عز وجل على عباده بالتعليم، حيث قال تعالى: { ويعلمكم الله }.
    51 - ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله عز وجل، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى هذه التوجيهات قال تعالى: { ويعلمكم الله }؛ فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الاسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه؛ ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس.
    52 - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: { ويعلمكم الله }؛ قال الله عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78] .
    53 - ومنها: ثبوت صفة العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: { ويعلمكم الله }؛ لأن المعلم عالم.
    54 - ومنها: أن العلم من منة الله عز وجل على عباده؛ لقوله تعالى: { ويعلمكم الله }، وكما قال تعالى: {لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] ؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله عز وجل: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] ؛ والعلماء كذلك ورثة الأنبياء؛ فالعلم أفضل من المال - ولا مقارنة؛ وهو كالجهاد في سبيل الله؛ لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح؛ فالسلاح يذلل العدو؛ والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل؛ لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد؛ ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق؛ والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره؛ والعلم أفضل بكثير من المال؛ والعلم جهاد في سبيل الله - ولا سيما في وقتنا الحاضر؛ فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لذلك تجد رجلاً يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء؛ وربما يضخم الخطأ الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جداً؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصاً في هذا الوقت.
    55 - ومن فوائد الآية: إثبات هذا الاسم من أسماء الله - وهو { عليم }؛ وإثبات ما دلّ عليه من الصفة - وهي العلم.
    56 - ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم }.
    57 - ومنها: الرد على القدرية سواء الغلاة منهم، أو غيرهم؛ فإن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم شيئاً من أفعال العباد حتى يقع؛ يقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: إن هؤلاء قليل - وهذا في عهده؛ ولا ندري الآن هل زادوا، أم نقصوا؛ لكن في الآية ردّ حتى على غير الغالية منهم - وهم الذين يقولون: إن الله يعلم؛ لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مستقل بإرادته، وفعله؛ وجه ذلك ما قاله الشافعي - رحمه الله: «ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا»؛ وعلى هذا نقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله عز وجل؛ لأنها إن لم تكن مرادة فهي إما أن تقع على وفق علمه، أو على خلافه؛ فإن كان على خلافه فهو إنكار لعلمه؛ وإن كان على وفقه فلا بد أن تكون مرادة له؛ لأنه أراد أن تقع على حسب علمه.
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    النداء الثاني عشر:
    ثم قال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ *} } [آل عمران: 100] .
    أولاً: هذا الحكم مصدر بالنداء: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا} } وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به، والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به. ثم صار النداء موجهاً للذين آمنوا من باب الإغراء لقبول ما يأتي تصديقاً به إن كان خبراً، وامتثالاً له إن كان طلباً أمراً ونهياً، لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهم. كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجولتك أن تفعل هذا. فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا} } يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيلقى عليكم. ولهذا قال ابن مسعود[(229)] رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فأرعها سمعك، فإما خير تُؤمر به، وإما شر تُنهى عنه. ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضاً أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانُه أن يقوم بما أمر به، وأن يدع ما نهي عنه. فالخلاصة أنه يقتضي أموراً:
    الأمر الأول: إذا صدر الخطاب بالنداء فهو دليل على الاعتناء به، وأهميته.
    الأمر الثاني: اختيار النداء بوصف الإيمان موجب.
    الأمر الثالث: اختيار وصف الإيمان.
    الأمر الرابع: الإعراض عنه ورفضه من منقصات الإيمان.
    الامتثال إن كان أمراً، والاجتناب إن كان نهياً، والتصديق إن كان خبراً من مقتضيات الإيمان.
    يقول الله عزّ وجل: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} }.
    { {فَرِيقًا} } يعني طائفة { {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } وهم اليهود والنصارى، فالكتاب لليهود هو التوراة، والكتاب للنصارى هو الإنجيل، وقوله: { {فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } يعني لا جميعهم؛ لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف، فإن منهم من آمن. فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبد الله بن سلام. وهؤلاء من خيار المؤمنين، لكن فريقاً منهم يقول عنهم: { {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} } يعني يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان، سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم، كما يذكر أن رجلاً من اليهود وشى بين الأوس والخزرج، وذكَّرهم أيام الجاهلية، فثاروا، أي ثار بعضهم على بعض، وغضبوا، وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذكر ضعيفاً، لكن مهما كان الأمر فإن أهل الكتاب يريدون منا أن نرتد عن الإيمان. وقد صرح الله بذلك في آيات أُخَر: {{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا}} [البقرة: 109] ، {{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}} [آل عمران: 69] .
    فأهل الكتاب يودون هذا. وتعلمون أن من ودَّ شيئاً سعى في تحصيله. إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم، سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام، أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا مطولاً في ذكر الفوائد.
    قوله: { {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} }:
    والردَّة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من أصله؛ لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر، ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة، إذ إن إبعاد من لم يدخل في الشيء أهون ممن دخل فيه، وآمن به، ولهذا قال: { {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} }.
    وقوله: { {كَافِرِينَ} } المراد به: الكفر المخرج عن الملة، لكنهم قد لا يستطيعون أن يُخرجونا من الإيمان بالكلية، لكن بالتدريج مما يُلقونه أمامنا من معوِّقات كمال الإيمان، حتى ينحل الإيمان شيئاً فشيئاً، ولا يبقى في القلوب شيء، وحينئذٍ يكون الكفر المحض.
    * * *
    ثم قال تعالى: { {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} } [آل عمران: 101] .
    (كيف) استفهامية، لكن تحتمل وجهين:
    الوجه الأول: الاستبعاد.
    الوجه الثاني: التعجب.
    فإذا نظرنا إلى حالهم أنهم تُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله، قلنا: إن ارتدادهم بعيد عن أن يرتدُّوا على أدبارهم وهم يتلى عليهم كتاب الله وفيهم رسوله، { {تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} } يُشاهدون النبي صلّى الله عليه وسلّم، مساءً وصباحاً، ويسمعون الآيات التي تُنزَّل عليه، فردَّتهم بعيدة، ولهذا لم تكن الردة إلا بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام. والردَّة في حياته قليلة جدًّا.
    والوجه الثاني: أن تكون للتعجب، فيكون هذا تعجباً من حال من يمكن أن يرتد، فإن الذي يرتد وتُتلى عليه آيات الله وفيه رسوله، لا شك أن حاله عجيبة؛ لأن الإنسان لو ارتد وهو لم يُشاهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يسمع الآيات تنزل يوماً فيوماً، لكان له شيءٌ من العذر، ولكن في الحال التي يسمع فيها آيات الله، ويُشاهد فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ليس له عذر إطلاقاً، فيكون الاستفهام للتعجب. يعني: ما أعجب حالكم لو كفرتم.
    إذن يكون في الآية على الوجهين تأييس للذين أوتوا الكتاب أن ينالوا مرادهم من المؤمنين بمحاولة ردتهم.
    على الاستبعاد يعني: مهما حاولوا لا يمكن. وعلى الوجه الثاني: يكون توبيخاً لمن حاولوا أن يرتدوا كيف تفعلون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟
    قال: { {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} }.
    { {تُتْلَى} }: أي تُقرأ عليكم، والتلاوة تأتي بمعنى القراءة، أي: تقرأ عليكم، وإذا وقعت من الفاعل فقيل (تلا) صار لها معنيان:
    المعنى الأول: القراءة.
    والمعنى الثاني: الاتباع.
    ففي قوله تعالى: {{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}} [البقرة: 121] ، يتلونه يعني يقرؤونه، ويتَّبعونه، فهنا تُتلى عليهم آيات الله، أي تُقرأ.. والذي يقرؤها عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، السند: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عن جبريل عن الله: {{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *}} [الشعراء: 192 ـ 194] فهم يُتلى عليهم بواسطة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
    وقوله: { {آيَاتُ اللَّهِ} } جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها هنا القرآن، والقرآن آيات، كل آية منه دليلٌ على المتكلم بها وهو الله سبحانه وتعالى، على ما له من الصفات المقتضية لتلك الآيات، ولهذا كل آية من القرآن فإنها معجزة، كما قال الله تعالى: {{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}} [الطور: 34] (حديث) آية، أو عشر آيات، أو سورة، أو عشر سور، أو القرآن كله.. معجزة.
    والمراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية لا تُتلى لكن يُتلى عنها، أي يُخبر عنها: {{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}} [فصلت: 37] .
    { {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} }. (في): للظرفية { {فِيكُمْ} } أي: في مجتمعكم، وليس حالًّا فيهم عليه الصلاة والسلام، لكنه في مجتمعهم كما قال حسان بن ثابت:
    وفينا رسول الله يتلو كتابه
    فالرسول صلّى الله عليه وسلّم كان في مجتمعهم، يُشاهدونه صباحاً ومساءً، ويغشاهم في مجالسهم، ويعودهم إذا مرضوا، ويزورهم صلّى الله عليه وسلّم في بيوتهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فمن كان في هذه الحال هل يمكن لشرذمة من أهل الكتاب أن يردُّوه عن دينه؟ لا.
    { {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} }.
    { {وَمَنْ يَعْتَصِمْ} }: أي يستمسك، ويطلب العصمة بالله عزّ وجل فقد هُدِي إلى صراط مستقيم.
    وقوله: { {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} } يشمل الاعتصام به توكلاً عليه، والاعتصام به تعبُّداً له؛ لأن في كل منهما عصمة. {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} [الفاتحة: 5] .. فمن اعتصم بالله تعبُّداً واستعانة، فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم.. وأتى هنا بالفعل الماضي (هُدي): إشارة إلى أن هذا قد ثبت له الهدى سابقاً وواقعاً، سابقاً في اللوح المحفوظ، وفي الكتابة حينما تُنفخ فيه الروح في بطن أمه، وواقعاً؛ لأنه اعتصم بالله.
    وقوله: { {هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} } حذف الفاعل وذلك لتعدُّد طرق الهداية، فأعلى الهُداة الله عزّ وجل، ثم الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم ورثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهم العلماء، فهنا حذف الفاعل؛ ليشمل كل الهداة، وأولهم الله عزّ وجل: {{يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}} [البقرة: 142] ، ثم الرسول صلّى الله عليه وسلّم: {{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ}} [الشورى: 52] ، ثم ورثة الرسول وهم العلماء: {{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ *}} [السجدة: 24] .
    إذن هُدِي الهداية الأولى من الله، ثم الرسول، ثم أولو العلم، لكن هداية التوفيق خاصة بالله عزّ وجل، لو اجتمع جميع الخلق على أن يهدوا أحداً هداية توفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولكنهم يدُلُّون ويحثُّون ويُرغِّبون.
    وقوله: { {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} } فيها قراءتان: بالسين والصاد، (سراط، وصراط)، لأن الصاد والسين تتناوبان دائماً.
    وقوله: { {صِرَاطٍ} } هو الطريق الواسع، يسمى سراطاً وأصله من (الزرط) بالزاي الابتلاع بسرعة؛ لأن الطريق الواسع يلجه الناس، ويخرجون منه بسرعة، بخلاف الضيِّق، فإن الناس يزدحمون فيه ولا يكادون يخرجون منه إلا بمشقة.
    وقوله: { {مُسْتَقِيمٍ} } أي غير معوج، بل هو مستقيم، وهو يشمل الاستقامة نزولاً وارتفاعاً، والاستقامة انحرافاً واعتدالاً. إذن هو معتدل وليس فيه نزول ولا ارتفاع؛ لأن الصراط وهو الطريق إذا كان فيه انحراف واعتدال لم يكن مستقيماً، ويُبطئ الوصول إلى الغاية. كذلك إذا كان مختلفاً نزولاً وارتفاعاً، فإنه ليس بمستقيم؛ لأنه تطول المسافة، ويحصل مشقة عند الارتفاع وعند النزول.
    من فوائد الآيتين الكريمتين:
    من فوائد قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ *} }:
    1 ـ تحذير المؤمنين من طاعة الكفار؛ لقوله: { {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ} }.
    2 ـ أن الكفار ولو كانوا أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردُّوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر. وقائل هذا هو الله العالم بما في صدورهم. قد يتظاهرون لنا بالمسالمة والمداهنة، وأنهم أولياء، وأنهم أصدقاء، ولكن في قلوبهم الحقد، والغل، ومحبة أن نرتد على أعقابنا كافرين، من أين نعلم هذا الذي في قلوبهم وهم يبدون لنا الود والصداقة والمحبة؟ نعلم هذا من القرآن الكريم.
    فإن قال قائل : إن الله يقول: { {فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} }، والفريق مبهم ما ندري، ربما بعضهم على خلاف ذلك، وإذا وُجد الاحتمال بَطَل الاستدلال، فلا يمكن أن تعين طائفة من أهل الكتاب تقول: هؤلاء يُحبُّون أن نرتد على أعقابنا كافرين، لا يمكن أن تُعيِّن ما دام الله يقول: «فريقاً»، الفريق مبهم، فإذا قلت: إنهم هؤلاء، قلنا لك: بل هؤلاء، بل أولئك، فما هو الميزان إذن؟ لنا على هذا جوابان:
    الجواب الأول: أن الله ذكر في آيات أخرى أن جميع الكفَّار يودُّون منا أن نكفر، وهو شامل لأهل الكتاب وغيرهم: {{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}} [النساء: 89] {{وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}} [الممتحنة: 2] . {{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ}} [البقرة: 109] .
    إذن هناك آيات تدل على أن جميع الكفار، ومن ضمنهم أهل الكتاب يودُّون منا ذلك.
    الجواب الثاني: أن نقول هذا الفريق المبهم، يُبيِّنه الواقع، وهو أن من أهل الكتاب من آمن، ومن آمن لا يمكن أن يُحب من غيره أن يكفر، وحينئذٍ نقول: المراد بالفريق هنا من لم يؤمن منهم، فكل من لم يؤمن فهو داخلٌ في هذا الفريق.
    3 ـ أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر، إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأنه الغاية، قال: { {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} }.
    وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة جداً ومتنوعة، منها: أن يفتحوا عليهم باب الشهوات. فإن باب الشهوات باب واسع، والضيّق من أبواب الشهوات يتَّسع بسرعة، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» [(230)]، ولهذا هم ـ قبَّحهم الله، ولعنة الله على اليهود والنصارى جميعاً ـ يسعون جادين على أن يُعطوا المرأة ما يُسمَّى بالحرِّية، وهي في الحقيقة الرق وليست حرِّية؛ لأن المرأة ـ ومثلها الرجل ـ إذا خرجت عن حدود الله، خرجت من رقِّ الدين إلى رقِّ الشيطان، تخرج من رقِّ الدين وهو الرق الحقيقي؛ لأنه عبودية لله، إلى رقِّ الشيطان، وإذا خرجت إلى رقِّ الشيطان واسترقَّها الشيطان صارت عبداً له، هلكت وأهلكت، قال ابن القيم رحمه الله:

    هربوا من الرق الذي خلقوا له***فبلوا برق النفس والشيطان


    (هربوا من الرق الذي خُلقوا له): الرق الذي خُلقنا له هو عبادة الله عزّ وجل.
    (وبُلوا): يعني ابتلاهم الله برقِّ النفس والشيطان، ولهذا تجدهم يُركِّزون على المرأة على أن تتدهور، وتتحرر من عبودية الله لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشد فتنة على الرجال هي المرأة، فيسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال، وتُشاركهم في الأعمال، ويلصق منكبها بمنكبه، وساقها بساقه، ويشم رائحتها، وتشم رائحته، وتُصافحه، وربما تُعانقه؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة بقي حيوانياً بهيميًّا ليس له أي غرض إلا أن يُشبع غريزته ـ والعياذ بالله ـ وحينئذٍ ينسى الدين وما وراء الدين، ويرجع بعد ذلك إلى الكفر.
    لا يستطيعون أن يقولوا للمسلمين: اكفروا؛ لأنهم لو قالوا: اكفروا، ما كفروا بل لقالوا: نعم نكفر بالطاغوت، ونؤمن بالله، ونضرب هامك، لكنهم يأتون بهذه الأساليب التي توجب أن ينزلق الناس بالفسوق، والفسوق بريد الكفر.
    ثانياً: يلقون الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم (الناس أحرار ـ دعوا كل أحد يعتنق ما شاء ـ دعوا كل أحد يقول ما شاء ـ لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنَّانة التي إذا سمعها الإنسان قال: هذا هو الدين، ثم تحلَّل الناس وصار كلٌّ يعمل على ما يُريد، ولكن ما هي الطريق التي يتوصَّلون بها إلى هذا؟ الطريق: أن يضربوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعلوا الناس لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر؛ لأنهم يعرفون أنه إذا أُمر بالمعروف قام المعروف، وإذا نُهي عن المنكر غاب المنكر، فيحاولون أن يُقلِّلوا ويُضعفوا هذه الناحية، حتى يبقى الناس لا آمر ولا ناهي، كلٌ يركب ما شاء.
    وهناك شيءٌ آخر يضربون عليه وهو مسألة الحدود والتعزيرات، يشوِّهون الإسلام بأنه يقطع اليد ـ يد السارق ـ ويرجم الزاني، يشوِّهون هذا حتى يُضعفوا هذه الناحية، ومن المعلوم أنه إذا ضعف الإيمان فلا بد من رادع السلطان، فإن ضعف الإيمان وعُدم رادع السلطان، صارت المسألة فوضى، كل يفعل ما شاء، يكفر، يزني، يسرق، يشرب الخمر..؛ لأنه لا توجد حدود رادعة، والإيمان ضعيف بناء على أنهم يقولون: اجعلوا كل إنسان حرًّا في نفسه، ويتحلل الناس من الدين بمثل هذه الطرق، إلقاء الأفكار الرديئة في المسلمين. هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يُضللون بها الناس، ويردونهم بعد إيمانهم كافرين.
    كذلك أيضاً من أساليبهم التي يردون بها الناس عن الإيمان أن يزيِّنوا للناس محبة المال، وجباية المال، بكل ما يكون بحلال أو حرام، فيزينوا لهم المكاسب الربوية بشتى أنواعها، والمكاسب الميسرية بشتى أنواعها التي تتمثَّل في التأمينات وما أشبهها، فإن التأمينات لا شك أنها من الميسر؛ لأن المؤَمِّن والمؤمَّن له عقدهما دائرٌ بين الغنم والغرم، وهذا هو الميسر تماماً، والنفس إذا اعتادت ذلك نسيت كل شيء. صار أكبر همِّها أن تكتسب هذا المال بالربا؛ لأن الربا يوجب زيادة المال باطِّراد، وزيادة الظلم باطِّراد، زيادة المال لآخذ الربا، والظلم لموكل الربا، فتأخذ النفس على الجشع، والشح، وحب المال، وتنسى ما خُلقت له. كذلك الميسر وعلى رأسه القمار، يجلس المتقامران في مجلس، كل واحد عنده خمسة ملايين من الأموال مثلاً فتحصل لعبة القمار فإذا بأحدهما يكتسح مال الآخر كله، خمسة ملايين فيصبح هذا عنده عشرة ملايين، والثاني ما عنده إلا ثيابه يخرج من قاعة المقامرة ليس عليه إلا ثيابه، على كل حال مثل هذه الأساليب التي يُلقيها اليهود والنصارى وأشباههم بين المسلمين يجب على المسلمين الحذر منها؛ لأن الله يقول: { {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} }.
    يجب على المسلمين أن يستمدُّوا حياتهم ومنهاجهم من كتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا واثق كل الثقة، أنهم إذا اعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة، فسيطؤون أعناق هؤلاء الكفار؛ لأن الله يقول: {{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *}} [التوبة: 33] هذا كلام الله عزّ وجل، كلام الله الذي يقدر على كل شيء، هو وعدٌ من الله، من قادر صادق في وعده، فإذا كان كذلك فلماذا لا نتمسَّك بدينه؟ لماذا لا نتمسَّك تمسُّكاً تاماً، ونُظهر الأمة الإسلامية من جديد، تتمسَّك بدينها نصًّا وروحاً، لا نصًّا فقط؛ لأن التمسك بالدين نصًّا فقط لا روحاً، ليس بشيء. هو تمسُّك ظاهري يتلاشى عند حدوث النوازل، وأما التمسُّك نصًّا وروحاً فهو الذي ينتفع به الإنسان في دنياه وآخرته. إذن علينا أن نحذر كيد الذين أوتوا الكتاب وكيد كل كافر، لأن الله يقول في الكافرين: {{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}} [النساء: 89] . وقال في سورة الممتحنة: {{وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}} فعلينا أن نأخذ بهذه الإرشادات التي أرشدنا الله إليها، وأن نسير في طريقنا مهتدين بهدي الله، مقتدين برسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يحصل لنا النصر والسعادة، والعز والكرامة في الدنيا والآخرة.
    وأقول رأيي في هذا: إن كل واحد مقصِّر، لم يقم كل واحد بالواجب عليه. كل واحد في الشعوب الإسلامية، وولاة المسلمين مقصِّر لم يقم بالواجب، ولا ينبغي أن نقْصِر التقصير على طائفة معيَّنة، أو هيئة معيَّنة، بل كلنا مقصِّرون. هل الإنسان إذا رأى منكراً من أخيه يقول: يا أخي تعال هذا حرام، لا يجوز، اتَّق الله؟ لا. مع أن هذا لم يُمنع منه أحد، ومع ذلك لا تجد من يقوم بهذا إلا النادر. لو أن الناس عُوّدوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا شأن المسلمين كلهم «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر» [(231)] لتغيَّر الأمر. والمعروف لا يُشترط له أن يكون له طائفة معينة من قبل الولاة، كلٌ يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لكن بالحكمة، وأنا أقول دائماً: إن الأمر بالمعروف غير تغيير المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو تغيير المنكر.
    تغيير المنكر يحتاج إلى سلطة، لكن الأمر لا يحتاج إلى سلطة، كلٌ يأمر وينهى، وقد ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء تشتبه على بعض الناس وهي مختلفة:
    1 ـ الدعوة.
    2 ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    3 ـ والتغيير.
    قال الله عزّ وجل: {{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}} [المائدة: 82] . فهنا قسَّم الله تعالى الناس غير المسلمين إلى ثلاثة أقسام: اليهود والمشركين والنصارى.. وهنا قال: {{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}}، ولم يقل: (والنصارى).. {{قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}}، فلاحظ الفرق، ثم نجد أنَّ الله قال في آية أخرى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}} [المائدة: 51] ، وقال في آية أخرى: {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا}}. وهذا أعم {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ *}} [الأنفال: 73] ..
    فهذه ثلاث آيات، فالذين قالوا: إنا نصارى، ليسوا هم النصارى الذين هم أولياء لليهود وللكافرين.. هؤلاء قوم معيَّنون، وصفهم الله بوصفٍ لا يوجد في بقية النصارى، فقال: {{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *وَإِذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ *}} [المائدة: 82، 83] . فهذه الطائفة من النصارى هي التي تكون أقرب مودَّة للذين آمنوا، أما الطائفة التي إذا سمعت ما أُنزل إلى الرسول نفرت، وسعت بكل ما تستطيع أن لا يقبل الناس هذا الذي أُنزل، فوالله ليست أقرب مودَّة من اليهود والمشركين، هم على حدٍ سواء.
    4 ـ أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان؛ لقوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} }، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية.
    5 ـ أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبناء عليه فإننا نُنزل القاعدة السابقة: (أن ما عُلِّق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته) وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسُّكاً بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم. ما دام الوصف هو الإيمان، فإنه كلما ازددنا تمسكاً بالإيمان، ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضاً: الطاعة والمعصية، كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه، ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة.
    6 ـ أن من أهل الكتاب من لا يُحاول إضلالنا عن ديننا، يؤخذ هذا من قوله: { {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} }.
    ومن فوائد قوله عزّ وجل: { {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} }.
    1 ـ استبعاد أن يرتد المؤمن كافراً، وهو يُتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله، والواقع شاهد بذلك، ولم تحصل الردة إلا بعد موت الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
    2 ـ أن كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر؛ يؤخذ من قوله: { {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} } يعني بعيد منكم الكفر إذا كانت تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، آيات الله تُتلى علينا الآن، ورسوله ليس فينا ولكن فينا سنته، فنأخذ من هذا أنه كلما تمسَّكنا بكتاب الله وسنة رسوله، فإن ذلك سيكون حصناً منيعاً دون الكفر.
    3 ـ إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله؛ لقوله: { {آيَاتُ اللَّهِ} }. ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان آية من آيات الله، فإنه لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، إذ إن الآية هي العلامة التي تعيّن معلومها، ولو أمكن أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن ما كانت آيات الله.
    4 ـ أنه ربما نقول: إن القرآن آية شرعية، وكذلك يتضمن آيات كونية بما أودع الله فيه من الإشارات العظيمة إلى ما في الكون من الآيات، من أجل أن نجعل { {آيَاتُ اللَّهِ} } تشمل الشرعية وما دلَّت عليه هذه الشرعية من الآيات الكونية. وإلا فلا شك أن الذي يتلى هو الشرعية، لكنها قد تضمنت آيات كونية دلت عليها، مثل قوله تعالى: {{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *}} [يس: 38 ـ 40] ، ومثل قوله: {{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *}} [النحل: 8] ، فإن هذه الآية آخر جملة فيها تشمل كل ما يمكن الركوب عليه إلى يوم القيامة، ومثل قوله: {{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *}} [الأنعام: 38] عند بعض العلماء، فإن قوله {{بِجَنَاحَيْهِ}} يخرج الذي يطير بالقوة مثل الطائرات الحديدية هذه فإنها ليست من الأمم التي هي أمثالنا.
    5 ـ الحث على الاعتصام بالله؛ لقوله: { {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ} }.
    6 ـ بشارة من وفق للاعتصام بالله بأنه مهدي، وهذه فرد من أفراد البشارات الكثيرة التي إذا تدبرها الإنسان حمد الله سبحانه وتعالى على نعمته أنه قد هداه وأنعم عليه.
    7 ـ أن دين الله عزّ وجل دين مستقيم؛ لقوله: { {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} } والمراد به صراط الله، وهو مستقيم في كل شيء، إن نظرت إلى الحقوق وجدته مستقيماً فيها ليس فيه جور، فللَّه علينا حقوق، ولأنفسنا علينا حقوق، ولأهلنا علينا حقوق، ولزائرنا علينا حقوق، ولكل أحد حق على الآخر، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي الدرداء: «فأعط كل ذي حق حقه» [(232)]. إذن هذا عدل، ليس فيه جنف، وهذا من استقامة هذا الدين. ولكن نبهنا فيما سبق على مسألة، وهي أن بعض الناس يقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وبيّنا أن هذا خطأ، بل إن دين الإسلام هو دين العدل؛ لأن أكثر ما في القرآن نفي المساواة، لا إثبات المساواة، {{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}} [الزمر: 9] {{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}} [الأنعام: 50] {{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ}} [الرعد: 16] وآيات كثيرة فيها نفي الاستواء؛ لكنه العدل {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}} [النحل: 90] وذكرنا أن هذه العبارة دخل فيها من قال إنه يسوي بين الرجل والمرأة، وبين العالم والجاهل، وبين كل إنسان وآخر، مع الاختلاف في الصفات، وتميز كل واحد عن الآخر بصفاته. وهذا لا شك أنه خطأ، ولا يأتي الإسلام به. الإسلام يأتي بالعدل «أن تعطي كل ذي حقٍّ حقَّه».
    النداء الثالث عشر:
    قال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *} } [آل عمران: 102] .
    يقول الله عزّ وجل: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} }، وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في كتابه في آيات كثيرة، بل جعلها الله وصية لجميع الخلق: {{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}} [النساء: 131] والتقوى مأخوذة من الوقاية، ولهذا يقال: إن أصلها (وَقْوَى) مؤنث من الوقاية. والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره. ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. هذا أجمع ما يقال.
    وقوله عزّ وجل: { {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} } { {حَقَّ} } مفعول مطلق مبيِّن لنوع التقوى التي أمرنا بها. أي اتقوا الله على هذا الوجه حق تقاته. ومعنى { {حَقَّ تُقَاتِهِ} } أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أمرنا بها في آية أخرى {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] أي ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله. ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} أنها تهوِّن التقوى؛ لأن بعض الناس يتخذ من هذه الآية تهويناً لأمر التقوى ويقول: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} والحقيقة أنها بالعكس، يعني اتقوا الله بقدر ما تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله عزّ وجل. فيكون قوله: { {حَقَّ تُقَاتِهِ} } موازياً لقوله: {{مَا اسْتَطَعْتُمْ}}. وبناء على هذا تكون الآية محكمة أي غير منسوخة. وهذا القول هو الراجح. ومقابله أن الآية منسوخة، وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر. ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى بسيطة، فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من الأحكام الشرعية ليس بالأمر السهل؛ وإن كان بعض الناس وبعض العلماء يتساهل، وإذا عجز أن يوفِّق بين النصوص، أو يرجح ادَّعى النسخ. وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يحمل على وجه صحيح لا يعارض النصوص الأخرى، فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص. أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي. وهذا ليس بالأمر الهين، فالصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا} ...} إلخ لكن لا وجه لهذا. فالصحيح أن معنى { {حَقَّ تُقَاتِهِ} }، أي بقدر ما تستطيعون و{ {حَقَّ تُقَاتِهِ} } ما أمرنا به عزّ وجل في قوله: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] .
    وقوله تعالى: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} } هذا مما يدخل تحت الخطاب، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يعني إلا وأنتم مسلمون لله ظاهراً وباطناً. والإسلام هنا يدخل فيه الإيمان، وكما مرَّ في آيات كثيرة الدعاء بأن يموت الإنسان مسلماً: {{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}} [الأعراف: 126] ، وفي سورة يوسف قال: {{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}} [يوسف: 101] . لكن جاء في السنة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقول في دعاء الميت: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان» [(233)]، ففرَّق بين حال الحياة وحال الموت.
    والجواب عن ذلك أن نقول : إنما غاير النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهما لأن صلاح الأمة على سبيل العموم بالإسلام؛ إذا حيت الأمة مسلمة انتظم أمرها؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام، ولم يكن فيها ما يوجب العناد والاستكبار. ولما قال: «أحييته منا فأحيه على الإسلام» ، قال: «ومن توفيته فتوفه على الإيمان» ، لأن المدار عند الموت على ما في القلب. لكن في هذه الآية وكذلك في الآيات الأخرى التي أشرنا إليها لم يذكر الإيمان معها فيكون الإسلام هنا شاملاً للإيمان.
    وقوله: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} } أي: لا تمت إلا وأنت مسلم. وهذا يقتضي أن تكون مسلماً من الآن، لا تنتظر وتقول: سأسلم إذا جاء الموت، بل تكون مسلماً من الآن؛ لأنك لا تدري متى يفاجئك الموت. فالآية لا تعني أن تؤخر الإسلام إلى عند الموت لأنك لا تدري، بل فيها الأمر بالمبادرة بالإسلام، وبالثبات عليه إلى الموت.
    وفي هذه الآية إشكال في قوله { {وَلاَ تَمُوتُنَّ} } (لا) ناهية وليست نافية؛ لأن عطف الطلب على الطلب أولى من عطف الخبر على الطلب. { {اتَّقُوا اللَّهَ} } هذا طلب أمر { {وَلاَ تَمُوتُنَّ} } هذا طلب نهي، وإذا كانت ناهية يشكل علينا أن الفعل بعدها مرفوع، فكيف كانت ناهية والفعل بعدها مرفوع؟
    الجواب : أن (تموتن) أصلها بدون نهي (تموتونن) ولما جاءت لا الناهية حذفت نون الإعراب فالتقت الواو بالنون والنون المشددة، نونان أولهما ساكن والساكن لا يمكن أن يقابل ساكناً آخر كما قال ابن مالك:

    إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق***وإن يكن ليناً فحذفه استحق

    إذن نحذف الواو هنا لأنه من حروف اللين. وبقيت الميم التي تليها الواو مضمومة، ونون التوكيد تبقى على حالها. فصار الإعراب واضحاً الآن: فـ(لا) ناهية، (تموتن): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون للتوكيد.
    وجملة { {وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} } حال من الواو المحذوفة في قوله: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ} }.
    من فوائد الآية الكريمة:
    1 ـ وجوب تقوى الله حقَّ تقاته للأمر بذلك بقوله: { {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} }.
    2 ـ العناية والاهتمام بالتقوى، يؤخذ من تصديره بالنداء.
    3 ـ أن التقوى من مقتضيات الإيمان لتوجيه النداء إلى المؤمنين.
    4 ـ أن ترك التقوى من نواقص الإيمان؛ لأنه إذا نودي الإنسان بوصف فإنه يزداد وصفه هذا بحسب زيادته فيما وجِّه إليه.
    5 ـ وجوب البقاء على الإسلام والمبادرة به؛ لقوله: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} }.
    6 ـ أن المدار على الخاتمة، نسأل الله حسن الخاتمة؛ لقوله: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} } ومصداق ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) [(234)]. لكن الأول ورد فيه قيد ـ والحمد لله ـ يريح البال، ويزيل الخوف (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) . ورد هذا الحديث في قصة الرجل الذي كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة وكان شجاعاً مقداماً لا يدع شاذة ولا فاذة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هذا من أهل النار» ـ نسأل الله العافية ـ فَعَظُمَ ذلك على الصحابة وشقَّ عليهم كيف يكون هذا الرجل من أهل النار وهو بهذه المثابة في جهاده، فقال رجل: والله لألزمنَّه، يعني لأصاحبنّه حتى أنظر ما عاقبته؟ فأصاب هذا الرجل الشجاع سهم فجزع فأخذ سيفه واتكأ عليه حتى خرج من ظهره ـ أعوذ بالله ـ، جعله في صدره حتى خرج من ظهره ومات، فلما أصبح الرجل غدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وبم ؟ قال: إن الرجل الذي قلت إنه من أهل النار فعل كيت وكيت، ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» [(235)]، يعني يكون في قلبه ـ نسأل الله العافية ـ سرٌّ خبيث ليطيح به في مواضع الشدة والضيق. يعنى أنه تخونه سريرته عند الموت؛ لأن قلبه فيه شيء، ولهذا يجب علينا أن نطهر قلوبنا دائماً وأبداً ونغسلها فليس العبرة أن يصلي الإنسان أو أن يصوم إذا كان قلبه خرباً؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة لأنه عمل جوارح، ولكن الكلام على عمل القلب، أسأل الله أن يطهر قلوبنا جميعاً.
    لذا علينا أن نحرص على ملاحظة القلوب وإصلاحها، وإخراج النفاق منها، وإخراج الشك وإبعاده، وإخراج الحسد والغل والحقد على المسلمين؛ لأن كل هذا من خصال اليهود، أحسد الناس وأشدهم غلاً اليهود، هل ترضى أن يكون في قلبك خلق من أخلاق اليهود؟ لا أحد يرضى بهذا النفاق من أخلاق المنافقين، لا أحد يرضى أن يكون منافقاً. فالمهم أن نحرص حرصاً شديداً على إصلاح القلوب.
    لما جيء برجل كان يشرب الخمر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكرر شرب الخمر، فدعا عليه رجل من الصحابة وسبَّه، وقال: ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليعاقبه على شرب الخمر قال: «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله» [(236)] ـ سبحان الله ـ، انظر إلى طهارة قلبه، نفسه الأمارة بالسوء تحدوه إلى أن يشرب الخمر، لكن قلبه مملوء بمحبة الله ورسوله. فالمدار كله على القلب، ولذلك يجب علينا أن نحرص حرصاً كثيراً على صلاح القلب؛ لأن هذا يوجب حسن الخاتمة، ولهذا قال تعالى: { {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} }.
    7 ـ أن الإسلام يدخل فيه الإيمان عند الإطلاق، وهو كذلك. والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» [(237)]، فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان، وأما عند الجمع فالإسلام عمل الجوارح، والإيمان عمل القلب كما قال بعض السلف: (الإيمان سر، والإسلام علانية) .
    فإن قال قائل : ما تقولون في قوله تعالى: {{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *}} [الذاريات: 35، 36] ، فهذا ظاهره أن الإيمان والإسلام شيء واحد مع أنهما ذكرا جميعاً في موضع واحد؟
    فالجواب : أن يقال: البيت لم يخرج كله، إنما الذي خرج المؤمنون من أهل البيت، والقصة في لوط، امرأته كافرة لم يخرج بها لكنها في بيت إسلام، ولم تظهر أنها كافرة. والدليل على أنها لم تظهر أنها كافرة أن الله تعالى قال: {{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامَرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}} [التحريم: 10] ، فهي لم تظهر أنها كافرة، فالبيت بيت إسلام، ولهذا قال: {{غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}} لكن الإيمان ليس لأهل البيت كلهم، ولهذا بقيت الزوجة، وخرج الأهل، فالقاعدة الصحيحة: أن الإسلام والإيمان يكونان مترادفين، ويكونان متباينين، يكونان مترادفين إذا افترقا، ويكونان متباينين إذا اجتمعا: {{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}} [الحجرات: 14] ، هذا واضح على أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام.
    * * *
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 01-11-12 الساعة 8:12 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    النداء الرابع عشر:
    قال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ *هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ *} } [آل عمران: 118 ـ 122] :
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره :
    قال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} }:
    الخطاب بمثل هذا:
    أولاً: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له.
    ثانياً: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد:
    الأولى : الإغراء على الامتثال كأنه يقول: إن كنت مؤمناً فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمناً فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمناً فصدق بالخبر، ففيه توجيه للمؤمنين وإغراء بالامتثال.
    الثانية : أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يوجه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلاً على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن.
    الثالثة : أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجّه الله الخطاب للمؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان، ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فأرعها سمعك يعني استمع إليها، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه[(27)].
    يقول: { {لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} } هذا نهي { {لاَ} } ناهية ولهذا جزمت الفعل فقال: { {لاَ تَتَّخِذُوا} } والمراد (بالبطانة) القوم المقربون إلى الشخص، مأخوذ من بطانة الثوب؛ لأنها أقرب إلى البدن من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قوماً مقربين إليكم تفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله تعالى: { {مِنْ دُونِكُمْ} } أي من غيركم كما في قوله تعالى: {{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ *}} [يس: 74] أي من غيره. المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف، قد يكون في الدين مثلاً، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذٍ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحداً بطانة يخدعنا في تجارتنا لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكفار مثلاً: لا يتخذ بطانة من دونه أي من غيره ممن يضره اتخاذه بطانة.
    وقوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} }:
    هذه أربع جمل { {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} } هذه واحدة { {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} } هذه الثانية { {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} } هذه الثالثة { {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} } هذه الرابعة. هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جُمل تعليلية للبطانة أي لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالاً ويودون ما عنتم... إلخ؟، في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، ويحتمل أنها جمل استئنافية معللة، لبيان التعليل أي لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالاً ويودون ما عَنتُم... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً وودّوا ما عنتم... إلى آخره.
    فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله { {مِنْ دُونِكُمْ} } يعتبر وصفاً خامساً؛ لأن (من دونكم) الجار والمجرور صفة لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانة من اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالاً، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.
    قوله: { {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} } «الأُلِيُّ»: بمعنى بذل الجهد، أي: لا يألون جهداً في خبالكم يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس لرجل فاسد عقله ورأيه: إنه خِبْل، فمعنى لا يألونكم خبالاً أي لا يألون جهداً في خبالكم يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم وهم بعيدون عنكم، بطانة من دونكم.
    وقوله: { {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} } الود: خالص المحبة أي أنهم يحبون بكل قلوبهم { {مَا عَنِتُّمْ} } أي الذي شقَّ عليكم، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: ودُّوا عنتكم، والعنت المشقة والشدة كما قال الله تعالى: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ}} [البقرة: 220] أي ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: {{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}} [التوبة: 128] أي ما شقَّ عليكم، فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهداً في إفساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العنت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه.
    الوصف الثالث: { {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} } بدت: أي ظهرت و{ {مِنْ} } لبيان محل البدو، فهي ابتدائية يعني ظهرت من أفواههم كأنما يريدون أن يكتموا هذه العداوة والبغضاء ولكنها تبدو لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم بل قال تعالى: { {قَدْ بَدَتِ} } وهو دليل أنها جاءت فلتة من أفواههم وإلا فهم يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم.
    { {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} }، أي أكبر مما يَبدو من أفواههم، أي عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله عزّ وجل أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم والحذر منهم وأن لا نركن إليهم.
    وقوله تعالى: { {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} }:
    أي أظهرناها حتى صارت بينة مثل فلق الصبح، والآيات العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعم فتشمل جميع ما بيَّنه الله لنا؟ الأَوْلَى أن نجعلها عامة، نقول: بيَّن الله لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها، وقوله تعالى: { {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} } يدل على أن الله تعالى له عناية خاصة في المؤمنين يبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم.
    وقوله تعالى: { {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} }:
    يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع {{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *}} [يونس: 96، 97] ويحتمل أن الشرط { {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} } عائد على قوله: { {لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} } والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم، أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنا لكم الآيات فاعقلوها، ومرَّ علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأولى أن تحمل عليهما فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بيَّنه الله لنا من الآيات.
    وقوله تعالى: { {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} }:
    في قوله: { {هَاأَنْتُمْ} } قراءتان: المد { {هَاأَنْتُمْ} } أو القصر (هأنتم) وكلاهما قراءتان سبعيتان ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحياناً وبهذه أحياناً إلاَّ أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأها إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بغير قراءة المصحف الذي بين أيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في القرآن. وربما ـ إن كانوا عامة دهماء ـ يضربونك يقولون: أنت غيَّرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء لا يميزون.
    و(ها): قيل: إنها منقولة عن مكانها، وأن الأصل (أنتم هؤلاء) وقيل: بل هي للتنبيه وأنها في مكانها، ولأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: { {أُولاَءِ} } منادى وأصله (يا هؤلاء) { {تُحِبُّونَهُمْ} } أي تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالاً، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدّعون أنهم يصلونهم فيحبهم المؤمنون بناء على تغريرهم بهم. { {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} } يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم؟ وقوله: { {تُحِبُّونَهُمْ} } هذا معلوم لنا لكن { {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} } هذا غير معلوم، ولكن الله أعطانا له قرائن وهي ما تبديه أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟ الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه.
    وقوله تعالى: { {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} }:
    الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، تؤمنون بالكتاب القرآن، بالكتاب التوراة، بالكتاب الإنجيل، بالكتاب الزبور، بالكتاب صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله وهم لا يؤمنون بذلك، مَنْ هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين كلهم بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.
    { {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} } نفاقاً ومداهنة {{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}} [آل عمران: 167] ولهذا قال: { {وَإِذَا خَلَوْا} } أي وحدهم أو إلى شياطينهم.
    { {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} }:
    أي من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعاً؟
    الجواب: من الأمرين جميعاً بل ربما نقول: يشمل ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتاً ولم يتمكنوا من نيل مآربهم.
    وقوله: { {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ} } الأنامل أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ أحياناً، فالذي يتوعد غيره تجده يعض أنامله ويومئ برأسه، من الغيظ، والثاني انكسرت سيارته فعضَّ أنملته من شدة الندم، ولكن هنا بيَّن الله أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك { {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} } وهل الأنامل التي تعض طرف الأصابع أو وسط الأصابع؟ الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس. بعض الناس يعض الأعلى والآخر يعض الوسط، المهم كلها تنبئ عن شدة، إما شدة حزن أو شدة غيظ.
    قال تعالى: { {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} }:
    { {قُلْ} } الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم أو لمن يتأتى خطابه وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } { {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ} } يعني: قل يا أيها المؤمن لهؤلاء: موتوا بغيظكم، هذا الأمر بالإهانة وبيان عدم المبالاة بهم.
    { {بِغَيْظِكُمْ} } الباء: قيل: إنها للغاية والمصاحبة أي ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية أي موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم.
    { {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} }:
    الجملة استئنافية يبيِّن الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور أي بصاحبة الصدور وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد. وإنما قلنا: إن (ذات الصدور) هي القلوب لقوله تعالى: {{فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}} [الحج: 46] . والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله» [(28)]. وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما الأعمال بالنيات» [(29)] إذن عليم بذات الصدور أي بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي والمراد القلوب.
    قال تعالى: { {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} }:
    الخطاب للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: { {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} } وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، إن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. { {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} } الحسنة أيما حسنة دنيوية أو دينية أو مالية أو أهلية بدنية شاملة، ووجه الشمول أن حسنة نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوؤهم؛ لأنهم أعداء سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو للنصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوؤهم الحسنة إذا مستكم.
    وقوله: { {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} }:
    السيئة ما يسوؤكم، أي أصابكم ما يسوؤكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين { {يَفْرَحُوا بِهَا} }، أي يلحقهم الفرح بسببها، في الحسنة قال: { {إِنْ تَمْسَسْكُمْ} } وهنا يقول: { {وَإِنْ تُصِبْكُمْ} } في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وأن المعنى في قوله: { {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} } أي إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: {{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}} [النساء: 79] . وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق لأن المسَّ أخف من الإصابة، وبنى على ذلك أنهم يساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جداً ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت، وهذا الفرق بالنسبة لقوله: { {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} } وجيه، لكن بالنسبة لقوله: { {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} } لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناءً على ذلك يترجح القول بأن «مسَّ وأصاب» بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب لا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة، وقوله: { {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} } هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟
    نعم يدخل، ويدل على هذا قوله تعالى: {{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَليَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا *وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا *}} [النساء: 72، 73] .
    وقوله: { {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} }:
    إن تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج. وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطالب بالنسبة لهؤلاء الكفار بأمرين: الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم.
    وقوله تعالى: { {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} } يعني ولو آذوكم فلا يضركم، والكيد هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عزّ وجل أي أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها بخلاف الخيانة، فإن الله عزّ وجل لا يوصف بها لأنها صفة ذم في كل حال، وفي قوله: { {لاَ يَضُرُّكُمْ} } قراءتان: إحداهما (لا يَضُرُّكم) والثانية (لا يَضِرْكم) من الضَّير، والضَّير بمعنى الضرر وبمعنى الضيم فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله تعالى حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تَضَارون ولا تُضَارون» [(30)] أي لا يلحقكم ضير، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقونا بضرر ولا بضير.
    وقوله: { {شَيْئًا} } نكرة في سياق النفي فتكون عامة، يعني أي شيء يكون. ولكن يلحقهم من ذلك أذى؛ لقوله تعالى: {{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا}} [آل عمران: 186] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) [(31)]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر) [(32)]، وقال: {{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [الأحزاب: 57] .
    وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} }:
    الإحاطة هنا: إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله، أي لا يتمكنوا أن يفروا من قضاء الله عزّ وجل وعلمه وسلطانه وقدرته، وقوله: { {بِمَا يَعْمَلُونَ} } (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، والعائد: محذوف أي بما يعملونه محيط.


    من فوائد الآيات الكريمة:
    من فوائد قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} ... }:
    1 ـ تحريم اتخاذ البطانة التي ليست مِنَّا؛ لقوله: { {لاَ تَتَّخِذُوا} } والأصل في النهي التحريم.
    2 ـ أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه حتى الواحد الفرد، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلاً مسلماً صَادَقَ كافراً واتخذه بطانة يسرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}} إلى قوله: {{تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ}} [الممتحنة: 1] .
    3 ـ أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى المؤمنين.
    4 ـ أن اتخاذ بطانة السوء من نواقص الإيمان بناءً على القاعدة التي أصَّلناها فيما سبق وهي: أن ما كان الإيمان مقتضياً له فإن فواته يكون نقصاً في الإيمان، ولكن هل يكون من نواقض الإيمان؟ ربما يكون، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام.
    5 ـ أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالاً، وهذا بناء على أن الجملة استئنافية للتعليل، وقد مرَّ بنا في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وأن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالاً فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول، أن الجملة استئنافية للتعليل يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالاً. ولنضرب لذلك مثلاً بالمؤمنين يتخذون البطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا. يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى رضي الله عنه يريد منه أن يولي كاتباً نصرانياً على بيت المال لأنه ـ أي هذا الكاتب النصراني ـ كان جيداً في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتباً، فكتب إليه عمر (مات النصراني والسلام) المعنى إذا مات هل معناه أن يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال، أي قدِّر أنه مات. أما أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولّيناهم أسرار أمورنا فقد اتخذناهم بطانة.
    6 ـ بيان عناية الله تعالى بعباده المؤمنين حيث حذَّرهم إلى أمور قد تخفى عليهم وذلك باتخاذ البطانات السيئة.
    7 ـ أن أعداءنا يودون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: { {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} } وهنا سؤال: هل يودون ما يشق علينا في الدنيا أو الدين؟
    الجواب : يشمل الأمرين فيودون ما يدمِّر جيوشنا، ويودون ما يدمِّر اقتصادنا، ويودون ما يدمِّر معارفنا، ويودون ما يدمر ديننا. والظاهر عندي ـ والله أعلم ـ أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوي صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوي لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصاداً وأقوى منا جيوشاً، وأقوى منا عدة في الوقت الحاضر، لكن الدين هو الذي يدمرهم؛ ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليها الزمن، من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين أو الهراوة بالنسبة للأسلحة، يعني ليس فيها فائدة، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم ولا يهمهم أن ننتفع.
    8 ـ أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: { {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} } بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحياناً بالمضايقة، فهم أحياناً يبدونها من أفواههم، وأحياناً من أفعالهم بالتهديد الفعلي لا القولي ونحو ذلك.
    9 ـ أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله وهو الذي أخبرنا بذلك، { {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} } أكبر مما تبديه أفواههم.
    10 ـ بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله (أكبر) وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصف في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة أنها متفاوتة لأنها جاءت في القرآن والسنة {{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ}} إلى قوله: {{إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}} [التوبة: 24] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [(36)]. والبغضاء أيضاً تتفاوت بعضها أعظم من بعض.
    11 ـ مِنَّة الله تعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: { {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} } والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية وآيات شرعية، وبيانه لها إمّا بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية، فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية تكون بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقاً إلى التأملات العقلية أيضاً.
    12 ـ أنه كلما كان الإنسان أشد عقلاً أو أقوى عقلاً كان أفهم لآيات الله، تؤخذ من قوله تعالى: { {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} } أي أنه كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر.
    ومن فوائد قوله تعالى: { {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} }:
    1 ـ بيان علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: { {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} } لأن المحبة والكراهة من أعمال القلوب، ولا يطلع عليها إلا الله تعالى لكن لها آثار تدل عليها.
    2 ـ التحذير ممن يبدي أنه ناصح لك وقلبه كاره لك؛ لأن المقصود من هذا قوله: { {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ} } إلى آخر التحذير من هؤلاء، فلا تغتر بمن ظاهر حاله النصح بل قس الأمور بالأفعال؛ لأن الأفعال هي التي تبين حقيقة الأمر، فكم من إنسان يقول لك قولاً وهو على خلاف ما يقول لك ولكن الأفعال هي التي تبيّن.
    3 ـ أن هذه الأمة الإسلامية تؤمن بجميع الكتب؛ لقوله: { {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} } أما اليهود فيكفرون بالإنجيل ويكفرون بالقرآن، وأما النصارى فيكفرون بالقرآن، ومع ذلك هم كفار؛ لأن من كفر بكتاب مما أنزله الله فهو كافر بجميع الكتب، وقد مرَّ علينا تقرير هذا مراراً، وأن من آمن ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وأن من كفر ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وكذلك من كفر ببعض الشريعة فقد كفر بالشريعة كلها؛ لأن الشريعة واحدة {{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}} [البقرة: 85] .
    4 ـ أن هؤلاء يخادعون المؤمنين؛ لقوله: { {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} }.
    5 ـ أن العبرة بالأفعال لا بالأقوال؛ لقوله: { {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} } أي أنهم من شدة غيظهم يعضون أناملهم كأنكم أنتم الذين بين أضراسهم ليمضغوكم مضغاً من شدة الغيظ والحنق، ولهذا تجد الناس حتى الآن إذا أراد شخص أن يتوعد إنساناً أخذ يهز برأسه وهو عاض إصبعه لشدة غيظه.
    6 ـ إثبات الأسباب؛ لقوله: { {مِنَ الْغَيْظِ} } لأن (من) للسببية أي بسبب الغيظ، وإثبات الأسباب شيء معلوم ظاهر، ولو تأملت لوجدت أن كل مسبب له سبب قطعاً، وأن جميع الأشياء يجعل الله لها أسباباً تحصل بها.
    7 ـ أنه ينبغي للمسلم أن يكون قويًّا صارماً أمام أعدائه؛ لقوله: { {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} }.
    8 ـ إثبات علم الله لما في القلوب على وجه صريح؛ لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} } ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله: { {هَاأَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} } دلالة التزام.
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 09-23-14 الساعة 5:04 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    النداء الخامس عشر:
    قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} } [آل عمران: 130] :
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره :

    تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب يقظة المخاطب وانتباهه، والخطاب الذي يعتنى به يُسبق بما يفيد الانتباه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على فوائد { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } أولاً: الإغراء والحث على ما تضمنه الخطاب؛ لأن مناداة هؤلاء باسم الإيمان يدل على أن ذلك من أجل أن يثير هممهم كما تقول للرجل تخاطبه: يا كريم أكرم ضيفك. فإنك إذا قلت: يا كريم فإن هذا من باب الإغراء والحث، يعني من أجل كرمك أكرم. وتقول: يا رجل اترك السفلة، أو يا حليم اترك السفه وما أشبه ذلك، فالمقصود بمثل هذا الإغراء والحث. ويفيد أيضاً أن الالتزام بما دلَّ عليه الخطاب من مقتضيات الإيمان، فمثلاً ترك أكل الربا من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه للمؤمنين، ويستفاد أمر ثالث وهو أن المخالفة في هذا منقصة للإيمان وسبب لنقصانه.
    وقوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } تأتي هكذا مطلقة في القرآن الكريم لكن معناها مقيد بما يجب الإيمان به، قال تعالى: {{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}} [البقرة: 177] وبيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن الإيمان يتضمن الإيمان بستة أشياء: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ثم إن المراد بالإيمان ليس مجرد التصديق فقط بل الإقرار المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، أما مجرد أن يصدق الإنسان بالشيء فإنه ليس بمؤمن، فأبو طالب مثلاً مصدق بأن محمداً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومع ذلك لم ينفعه لأنه لم يقبل ولم يذعن، فلا بد من قبول وإذعان يعني انقياداً.
    { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } آمنوا بما يجب الإيمان به وهي الأمور الستة التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
    { {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} } لا تأكلوا الربا، الأكل معروف، وخلافه الشرب واللبس والسكنى والانتفاعات الأخرى، لكنه عبر بالأكل لأنه أخص ما يكون في ملابسة الإنسان، فالذي يدخل إلى جوفك ليس كالذي تلبسه ظاهر جسدك، وليس كالبيت الذي تسكنه، فإن أبلغ ما يكون في ملامسة الإنسان هو الأكل، ولهذا نهى عنه، والإنسان عندما لا يكون لديه شيء وهو جائع عارٍ وليس عنده سكن يقدم الأكل فهو أشد ما يكون ضرورة للإنسان، ولهذا قال: { {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا} }، والربا في اللغة الزيادة، ومنه قوله تعالى: {{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}} [الحج: 5] يعني علت ومنه «الرُّبى» جمع رابية للمكان المرتفع من الأرض، والمراد بالربا هنا الربا الشرعي وهو زيادة ونسأ، زيادة ويسمى ربا الفضل، ونسأ ويسمى ربا النسيئة، ويكون الربا في أموال خاصة بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح» [(45)]. هذه الأشياء الستة متفق على جريان الربا فيها، فإذا أبدل جنس بمثله لزم فيه شيئان: التساوي، والتقابض في مجلس العقد، وإذا بيع بغير جنسه لزم فيه أمر واحد وهو التقابض في مجلس العقد إلا بين الذهب والفضة وسواهما فإنه لا يشترط التقابض في مجلس العقد.
    لكن قد يقول قائل: إن قوله: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» [(46)] يشمل ما إذا باع برّاً بفضة فإن الجنس مختلف، وإذا طبقنا هذا على الحديث قلنا: لا بد أن يكون يداً بيد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» . نقول: نعم هذا هو مقتضى هذا الحديث لكن يخصصه ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم الرسول صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف في تمرٍ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» [(47)]. ومعنى يسلفون يعني يقدمون الدراهم ـ الثمن ـ ويؤخرون المثمن، يعني يأتي الرجل ويشتري من صاحب البستان تمراً لمدة سنة أو سنتين بدراهم يعطيه إياها نقداً، فهنا اشترى تمراً بدراهم مع تأخر القبض، والسلم جائز بالإجماع، وهذا هو الدليل لتخصيص قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» . أما ما عدا هذه الستة فإن من أهل العلم من قال: ليس فيها ربا، كل شيء سوى هذه الستة لا ربا فيه، ومنهم من قال: إن ما كان بمعناها فله حكمها؛ فالأوراق النقدية المستعملة الآن بدل النقد يكون لها حكم ذلك النقد، فإذا كانت أوراق جعلت عوضاً عن فضة فلها حكم الفضة، لكن إذا اختلف جنسها دخلت في عموم قوله: «إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» . كذلك الذرة والأرز ليس من الأصناف الستة لكنهما بمعنى الأصناف الستة، فإنك لا تجد فرقاً بين البر والأرز أو بين الشعير والذرة، كل منهما طعام يقتات، أما الفواكه كالبرتقال والعنب فليس فيها ربا، فيجوز أن تعطيني كيلوين بكيلوين ونصف أو بثلاثة من العنب، يعني كيلوين عنب بكيلوين ونصف عنب لا بأس؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. كذلك سيارة بسيارتين يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وبعير ببعيرين يجوز لأنها ليست من الأصناف الستة، وطن من حديد بطن ونصف يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وعلى هذا فقس. فأنت إذا عرفت الأصناف الستة وما كان بمعناها تماماً فما عدا ذلك فقد قال الله فيه: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}} [البقرة: 275] . لو باع ثوباً بثوبين يجوز ولو مع عدم التقابض؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا.
    وقوله تعالى: { {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} } ضعف الشيء مثله بمعنى أنك تكرره مرتين فيكون ضعفاً كالدرهم بدرهمين { {مُضَاعَفَةً} } يعني مزيدة على الضعف الأول مثلاً كدرهم بدرهمين، وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية، وربا الجاهلية أن يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلَّ الأجل قال: إما أن توفي وإما أن تربي، فإذا أوفى برئت ذمته، وإذا لم يوفِ يربي بمعنى أنه يزيد فيقول مثلاً إذا حلَّ وقدره ألف: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تربي، فإذا أوفى برئت ذمته، وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظلم عظيم لأنه إذا حلَّ الدَّين على الإنسان وليس عنده شيء فالواجب إنظاره كما قال تعالى: {{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}} [البقرة: 280] . وقال الله تعالى: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا}} [الطلاق: 7] فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز، والمطالب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار.
    ولا شك أن هذا ظلم عظيم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يربي إلا لأحد أمرين: إما أنه عاجز، وإما أنه كاسب أكثر مما جعل عليه من الربا، بمعنى أنه يقول: أنا لا أوفي؛ لأن مائة ألف أكسب بها في السنة ثلاثمائة ألف ولا يهمني أن يزيد عليَّ مثلاً مائة ألف لأنني سأكسب، أما أن يكون الإنسان قادراً وليس له فائدة من بقاء الدين في ذمته فإنه لا يمكن أن يفعل.
    وقوله: { {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} } فيها قراءة (مُضَعَّفَة)، والمعنى واحد، وقوله { {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} } ليس له مفهوم لأنه جاء على وفق العادة الغالبة، وما جاء على وفق العادة الغالبة فإنه لا مفهوم له، هذه قاعدة من قواعد أصول الفقه، أن القيد إذا كان من أجل أنه الأمر الغالب فإنه لا مفهوم له، وله أمثلة منها قوله تعالى: {{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}} [النساء: 23] فإن قوله: {{اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}} قيد على وفق العادة والغالب، ولهذا تحرم الربيبة وإن لم تكن في حَجْره، ومنه قوله تعالى: {{وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}} [النور: 33] فإن هذا لا يدل على أن الأمة إذا امتنعت من الزنا لأن الرجل الذي طلب منها أن تزني به لا يعجبها أنه يجوز إكراهها عليه.
    وقوله: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} }: نهى عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة ثم أمر بالتقوى، وهذا من باب التوكيد يعني أن أكلكم مجانب للتقوى، وتقوى الله عزّ وجل هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقد قيل في تعريفها:
    خلِّ الذنوب صغيرها ***وكبيرها ذاك التقى
    واعمل كماش فوق أرض*** الشوك يحذر ما يرى
    لا تحقرن صغيرة ***إن الجبال من الحصى
    نعم، ولكن ما ذكرناه أعم، وهي أن التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
    { {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} }: (لعلَّ) هنا للتعليل؛ لأن الكلام صادر من الله، والترجي في حق الله مستحيل؛ لأن الترجي طلب ما فيه مشقة، والله سبحانه وتعالى لا يشق عليه شيء، كل شيء عليه هين، فتكون (لعل) للتعليل يعني من أجل أن تفلحوا، والفلاح قال أهل العلم: إنه كلمة جامعة لحصول المطلوب وزوال المكروه، فمن حصل له المكروه فهو ناقص الفلاح، ومن زال عنه المكروه ولكن لم يحصل مطلوبه فهو ناقص الفلاح، ومن لم يحصل مطلوبه ولم ينجُ من مرهوبه فلا فلاح عنده، ومن حصل له المطلوب ونجا من المكروه فهو المفلح، إذن تقوى الله عزّ وجل من أسباب الفلاح، وكل واحد من الناس ينشد الفلاح، كل واحد يحب أن ينال مطلوبه وأن ينجو من مرهوبه، فأين نجد هذا؟ نجده في تقوى الله عزّ وجل في القيام بطاعته واجتناب نهيه، وهو أمر يسير على من يسَّره الله عليه، افعل ما أُمرتَ به واترك ما نُهيتَ عنه وبذلك يحصل لك الفلاح.
    من فوائد الآية الكريمة:
    1 ـ تعظيم شأن الرّبا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء.
    2 ـ أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن صادق الإيمان فلا بد أن يتجنب أكل الربا.
    3 ـ أن أكل الربا منقص للإيمان، وهذا أمر لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وفعل الكبائر عند أهل السنة ينقص الإيمان، وعند الخوارج يخرج من الإيمان ويدخل الكفر، وعند المعتزلة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فهو خارج من الإيمان غير داخل في الكفر. وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، لو يأكل الربا ليلاً ونهاراً فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن نحن نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان.
    4 ـ تحريم أكل الربا؛ لقوله: { {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا} } والأصل في النهي التحريم، لا سيما وأنه أكِّد بقوله: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} } ويقاس على الأكل بقية الإتلافات بالشرب واللباس وبناء المساكن وما أشبهها. لكن عبّر بالأكل لأنه أخص وجوه الانتفاع وغيره مثله.
    5 ـ أن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة. وهذا فيه نظر، فالصحيح أن هذا القيد لا مفهوم له؛ لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له. ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي أشرنا إليه أولاً قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى» [(48)] أي وقع في الربا مع أنه لم يأكل أضعافاً مضاعفة، وقال في أَخْذِ صاع بصاعين من التمر: «عين الربا، لا تَفْعَل» [(49)]، إذن هذا القيد لا مفهوم له خلافاً لمن قال إنه قيد شرطي، وأن الربا لا يحرم إلا إذا كان في هذه الصورة، وأجازوا الربا إذا كان ليس فيه ظلم وإنما هو استثماري تزداد به أموال الدولة وينشط به الاقتصاد، فإن من العلماء ولا سيما المتأخرون من زعم ذلك ولكنه زعم باطل، الربا محرم بأي نوع من أنواعه سواء كان أضعافاً مضاعفة أو ضعفاً واحداً أو دون الضعف، من زاد أو استزاد فقد أربى، والصاع بالصاعين وصفهُ النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عين الربا، وليس فيه ظلم، وليس فيه أضعافاً مضاعفة، ومع ذلك سماه رباً بل عين الربا.
    6 ـ أنه لا يجوز أن أبيع عليك سلعة توفيني بها بأكثر من ثمنها ويبقى ثمنها في ذمتك، يعني لما حلَّ الأجل وهو عشرة آلاف ريال، قلت: أنا أبيع عليك سلعة تساوي عشرة آلاف ريال باثني عشر ألفاً ثم توفيني بقيمتها، هذا لا يجوز؛ لأنه حيلة، ومع الأسف أن بعض المسلمين يفعلون هذا، فيكونون سواءً مع اليهود في التحيل على محارم الله، ويكونون سواء مع اليهود في أكل الربا؛ لأن هؤلاء أكلوا الربا وتحيلوا على أكله؛ فيزداد الربا قبحاً إلى قبحه؛ لأنه بعد أن كان صريحاً ربما تؤنبك نفسك عليه في يوم من الدهر صار خداعاً زيَّنه لك الشيطان، والذي يفعل هذا يعتقد أنه لا شيء فيه، ولا شك أن هذا أخبث مما لو قال سنجعل العشرة اثني عشر إلى سنة، هذا لا شك أنه حرام، لكن الحيلة الأولى أخبث لأنها تضمنت مع مفسدة الربا الخداع لله عزّ وجل، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(50)].
    وهذه غير مسألة العينة، فمسألة العينة: أن يبيع عليه السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منها نقداً، أما هذا فدين ثابت في ذمته تحيَّل عليه إذ قال: أبيع عليك هذه السيارة بعشرة من أجل أن تبيعها وتأخذ دراهماً وتوفيني، وبعد سنة أطالبك بقيمة السيارة اثني عشر.
    * * *
    ثم قال الله عزّ وجل: { {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *} } [آل عمران: 131] :
    اتقوا الله واتقوا النار، تقوى الله عزّ وجل سبق الكلام عليها بأن معناها فعل الأوامر وترك النواهي لكن تعبداً لله، تفعل الأوامر تعبداً لله، وتترك النواهي تعبداً لله وتذللاً له، أما قوله { {وَاتَّقُوا النَّارَ} } فهي تقوى من نوع آخر، وهي أن تتخذ ما يقيك منها كما تتخذ ما يقيك من الحر في الدنيا؛ لقوله تعالى: {{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}} [النحل: 81] فليست تقوانا للنار تقوى عبادة وتذلل كتقوانا لله، فاللفظ واحد والمعنى مختلف. فتقوى النار معناها أن نتخذ حجاباً دونها حتى لا يصيبنا لفحها. هذه هي تقوى النار وليست كتقوى الله التي هي تقوى تذلل وعبادة.
    { {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *} } هذه النار ورد في الكتاب والسنة مِنْ أوصافها وأوصاف عذابها ما تنخلع له القلوب، وبَسْط هذا معروف، { {الَّتِي أُعِدَّتْ} } أي هيئت لهم. والمعِد لها هو الله عزّ وجل.
    وقوله: { {لِلْكَافِرِينَ} } أصل الكفر في اللغة الستر ومنه الكُفُرَّى الذي نسميه الكافور، وهو وعاء طلع النخل، هذا أصله في اللغة، أما في الشرع فإنه جحد الإنسان لنعمة الله عزّ وجل. وأعظمه الكفر المخرج عن الملة، وهناك كفر دونه كما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كفر دون كفر [(51)]، وقوله { {لِلْكَافِرِينَ} } يعني الكافرين بما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان وأصوله الستة بيَّنها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره».
    من فوائد الآية الكريمة:
    1 ـ وجوب اتخاذ ما يقي من النار؛ لقوله: { {وَاتَّقُوا النَّارَ} } والأصل في الأمر الوجوب.
    2 ـ أن النار موجودة الآن؛ لقوله: { {الَّتِي أُعِدَّتْ} }.
    3 ـ أن أهل النار هم الكافرون؛ لقوله: { {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} } أما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها؛ فإن النار لم تعد لهم حتى إن بعض العلماء قال: إن النار ناران: نار الكافرين، ونار العصاة، لكن ظاهر النصوص خلاف ذلك، وأن النار واحدة لكن عذابها يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان.
    * * *
    ثم قال تعالى: { {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} } [آل عمران: 132] :
    الجملة هنا معطوفة على ما سبق، وقوله: { {وَأَطِيعُوا اللَّهَ} } الطاعة هي موافقة الأمر، فعلاً للمأمور وتركاً للمحظور، فمن ترك مأموراً به فليس بطائع، ومن فعل منهياً عنه فليس بطائع، وأصلها من الطوع وهو الانقياد، ومنه قولهم: هذه ناقة طوع أي منقادة لقائدها لا تستعصي عليه.
    { {وَالرَّسُولَ} }، «ال» فيه للعهد؛ لأن هذا الخطاب موجَّه لهذه الأمة. وهذه الأمة رسولها واحد وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم. فتكون «ال» هنا للعهد الذهني. وذلك أن العهد ثلاثة أنواع: ذهني، وذكري، وحضوري، فإن كانت «ال» تشير إلى شيء مذكور فهي للعهد الذكري مثل قوله تعالى: {{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً}{فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}} [المزمل: 15، 16] ، وإن كانت تشير إلى شيء حاضر فهي للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}} [المائدة: 3] وهكذا كل «ال» تأتي بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري مثل: هذا الرجل، هذا الإنسان وما أشبهه. والثالث العهد الذهني الذي يكون معلوماً بالذهن، فهنا الرسول هو محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو معهود ذهناً.
    { {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} }:
    (لعل) هنا للتعليل وليست للترجي، ولعلَّ تأتي كما مرَّ علينا كثيراً للتعليل وللإشفاق، وللترجي وللتمني أحياناً، والفرق بين التمني والترجي أن الترجي فيما يرجى حصوله، والتمني فيما لا يرجى حصوله إما لعسره وإما لتعذره، وهنا للتعليل يعني: إذا أطعتم الله والرسول حصلت لكم الرحمة، والرحمة يكون بها حصول المطلوب وزوال المكروه، وإذا قرنت بالمغفرة صارت المغفرة لزوال المكروه، والرحمة لحصول المطلوب، أي لعلكم تكونون في رحمة الله التي بها النجاة وحصول الثواب والأجر الكثير.
    من فوائد الآية الكريمة:
    1 ـ أولاً وجوب طاعة الله ورسوله، من قوله تعالى: { {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} }. والأصل في الأمر الوجوب.
    2 ـ جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركاً بينهما؛ لقوله: { {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} } أما الأمر الذي لا يكون مشتركاً بينهما، وهو الأمر الكوني القدري، فهذا لا يذكر فيه الرسول مع الله إلا بحرف يدل على الترتيب، وبهذا نعرف الفرق بين إسناد الشيء الشرعي إلى الله ورسوله، وبين إسناد الكوني إلى الله ورسوله، فإسناد الشيء الشرعي يجوز بالواو، وأما الكوني فلا يجوز إلا بـ«ثم» الدالة على الترتيب والمهلة، فإذا قلت في أمر شرعي: الله ورسوله أعلم فهذا صحيح وجائز، وقد أقره النبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه فإنه في حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى بهم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم» [(52)] فأقرهم لأن المراد هنا العلم الشرعي، لكن في المسائل الكونية لما قال له رجل: «ما شاء الله وشئت» أنكر عليه وقال: «أجعلتني لله عدلاً؟ بل ما شاء الله وحده»[(53)].
    3 ـ أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة؛ لقوله: { {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} } ولكن هل المراد الرحمة العامة أو الخاصة؟ المراد الخاصة؛ لأن العامة حاصلة لنا على كل حال حتى الكفار لهم رحمة من الله لكن رحمة عامة، فالمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة التي بها سعادة الدنيا والآخرة.
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 09-23-14 الساعة 5:04 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    يرفع للفائدة
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,074
    يرفع للفائدة
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •