السلام عليكم
هل يوجد دليل على منع المشركين مِن دخول المدينة النبوية ؟



الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

تُوجَد أدلّة على منع دخول المشركين واليهود والنصارى لِجزيرة العرب عموما ، وهي تدلّ بِخصوصها على منع المشركين واليهود والنصارى لِلمدينة النبوية .

وقد أوْصَى النبي صلى الله عليه وسلم عند مَوته بإخراج الكفار مِن جزيرة العرب .
ففي الصحيحين مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : وأوْصَى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين مِن جزيرة العرب ... الحديث .
زاد البخاري : وقال يعقوب بن محمد : سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب ؟ فقال : مكة والمدينة واليمامة واليمن . وقال يعقوب : والعَرْج أول تهامة .

قال النووي : قوله صلى الله عليه وسلم : " أخرِجُوا المشركين مِن جزيرة العرب " قال أبو عبيد : قال الأصمعي : جزيرة العرب ما بين أقصى عَدن اليمن إلى رِيف العراق في الطول ، وأما في العرض فمِن جُدة وما وَالاَها إلى أطراف الشام .
وقال أبو عبيدة : هي ما بين حَفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول ، وأما في العرض فما بين رَمل يَبرِين إلى مُنقطع السَّمَاوة . اهـ .

وهذا ناسِخ لإدخال المشركين للمَدينة النبوية ؛ لأنه في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل مَوته ، بل هو آخر ما تكلَّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ففي حديث أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : كان آخر ما تكلّم به نبي الله صلى الله عليه وسلم : أن أخرجوا يهود الحجاز مِن جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار الناس الذين يتّخِذون القبور مساجد . رواه الإمام أحمد .
وفي رواية لابن عبد البر في " التمهيد " : أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة العرب .

ومما يدلّ على حُرمة المدينة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم حَرَّم مكة ودَعَا لأهلها ، وإني حَرَّمت المدينة كمَا حَرَّم إبراهيم مكة . رواه البخاري ومسلم.

ولا يصِحّ الاستدلال بِمِثل إدخال ثُمامة بن أُثال ورَبطه بِسارية مِن سَواري المسجد النبوي على جواز دخول المشركين إلى المدينة النبوية ؛ لأن هذا كان قبل فتح مكة ، كما في الصحيحين في قصة اعتمار ثُمامة بن أُثال ، وقول المشركين له ، وردّه عليهم ، وحصارِه الاقتصادي لهم !
ولا بِدخول غير ثمامة رضي الله عنه المدينة النبوية ؛ لِعدة اعتبارات :
الأول : لأنه يُؤخذ بالأخير مِن قوله وفعله صلى الله عليه وسلم ، وآخر ما تكلَّم به النبي صلى الله عليه وسلم : أخرجوا يَهود الحجاز مِن جزيرة العرب .
قال الإمام البخاري : قال الحميدي : قوله : " إذا صلى جالسا فَصلّوا جلوسًا " هو في مَرَضه القديم ، ثم صَلَّى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والناس خَلفه قياما لم يأمُرهم بالقعود ، وإنما يُؤخذ بالآخِر فالآخر مِن فعل النبي صلى الله عليه وسلم . اهـ .

الثاني : أن القَول مُقدَّم على الفِعل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأُخرِجَنّ اليهود والنصارى مِن جزيرة العرب حتى لا أدَع إلاّ مُسلِمًا . رواه مسلم .
مع قوله السابق : أخرجوا المشرِكين مِن جزيرة العرب .
فهذا قوله صلى الله عليه وسلم ، وهو مُقدَّم على الفِعْل ؛ لأن الأمر أمْر لِعموم الأُمّة ، لا يَحتمل الخصوصية .

الثالث : أنه إذا تعارَض حاظِر ومُبيح ؛ قُدِّم الحظر على الإباحة .
فصيانة لِمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، يُقدَّم مَنْع دخول المشركين واليهود والنصارى ، وسائر الكفار .
وقد صَان الله طيبة الطيّبة عن رِجس الدجال ؛ فلا يَدخلها .
أفلا تُصان عن دخول إخوانه وأتباعه المشركين الأنجاس ؟!

الرابع : أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقدَّم على عَمل الصحابة ؛ لأن الكبير منهم قد تَخفَى عليه مسائل ، كما ذَكَر العلماء خفاء مسائل على بعض كبار الصحابة .

وأمّا بقاء يهود خيبر ؛ فقد كانوا فيها أذلّة صاغرِين ، ثم أُخرِجوا ، ولم يَبقَ في الحجاز يهودي ، ولا مُشرِك .

وقد بوّب الإمام البخاري : باب إخراج اليهود مِن جزيرة العرب
وقال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ بِه .

قال ابن بطّال : أما قوله صلى الله عليه وسلم : " أُقِرّكم ما أقَرّكم الله " فَمَعناه : أنه كان يَكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين ؛ لأنه امْتُحِن في استقبال القبلة حتى نزل : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) ، فامْتُحِن مع بني النضير حين أرادوا الغَدر به ، وأن يُلْقُوا عليه حجرا ، فأمَره الله تعالى باجتلائهم وإخراجهم ، وترك سائر اليهود . وكان لا يتقدّم في شيء إلاّ بِوَحي الله ، وكان يرجو أن يُحقق الله رغبته في إبعاده اليهود عن جواره ، فقال لِيهود خيبر : " أُقِرّكم ما أقَرّكم الله " مُنْتَظِر للقَضاء فيهم ، فلم يُوحَ إليه في ذلك بشيء إلى أن حضرته الوفاة ، فأوْحى إليه فيه فقال : " لا يَبقيَنّ دِينان بأرض العرب " ، فأوْصى بذلك عند موته ، فلمّا كان في خلافة عُمر وعَدَوا على ابنه وفَدَعوه ، فَحَص عن قول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأُخْبِر أن نبي الله أوصى عند موته بإخراجهم مِن جزيرة العرب . فقال : مَن كان عنده عهد مِن رسول الله فليأت به ، وإلاّ فإني مُجْلِيكم . فأجْلاهم . اهـ .

قال النووي : قوله صلى الله عليه وسلم : " أُقِرّكم فيها على ذلك ما شِئنا "
وفي رواية الموطأ : " أُقِرّكم ما أقَرّكم الله " قال العلماء : وهو عائد إلى مُدة العهد ، والمراد إنما نُمَكّنكم مِن المقام في خيبر ما شئنا ، ثم نخرجكم إذا شئنا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان عازِما على إخراج الكفار مِن جزيرة العرب ، كما أمَر به في آخر عُمره ، وكما دلّ عليه هذا الحديث وغيره .

وقال : قوله : " فأجلاهم عُمر إلى تيماء وأريحاء "
هما ممدودتان ، وهما قريتان مَعروفتان ، وفي هذا دليل على أن مُراد النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى مِن جزيرة العرب إخراجهم مِن بعضها ، وهو الحجاز خاصة ، لأن تيماء مِن جزيرة العرب ، لكنها ليست من الحجاز . اهـ .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَمّا كثر المسلمون واستغنَوا عن اليهود أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر ، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " أخْرِجُوا اليهود والنصارى مِن جزيرة العرب " حتى لم يَبقَ في خيبر يهودي . اهـ .

وإذا صحّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُعارَض بِقول أحد ولا بِفِعلِه .
كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : أراهم سيَهلِكون أقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : نهى أبو بكر وعمر . رواه الإمام أحمد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : كان عبد الله بن عمر إذا بين لهم معنى كلام عُمر ، يُنازِعونه في ذلك ، فيقول لهم : فقَدِّروا أن عُمر نَهى عن ذلك . أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوه أم عُمر ؟
وقال ابن القيم : كان السلف الطيِّب يشتد نَكيرهم وغضبهم على مَن عارَض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحدٍ مِن الناس كائنا من كان ، ويَهجرون فاعِل ذلك ، وينكرون على مَن يضرب له الأمثال ، ولا يُسوِّغون غير الانقياد له والتسليم والتلَقِّي بالسمع والطاعة ، ولا يَخطر بقلوبهم التوقّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يُوافق قول فلان وفلان ، بل كانوا عامِلين بِقوله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، وبِقوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) . اهـ .
وقال رحمه الله :
وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم مَعادهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فيقال له في قبره : ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم ؟ (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) ، ولا يُسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا مَتبُوع غيره ، بل يُسأل عمّن اتبعه وائتمّ به غيره ، فلينظر بماذا يُجيب ؟ وليُعد للجواب صوابا .
وقال أيضا : قال أبو العالية : كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ فالسؤال عن ماذا كانوا يَعبدون ، هو السؤال عنها نفسها [كلمة التوحيد]، والسؤال عن ماذا أجابوا المرسلين ، سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها : هل سلكوها وأجابوا الرُّسل لَمّا دعوهم إليها ، فعاد الأمر كله إليها .
وأمْر هذا شأنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر ، ويُعضّ عليه بالنواجذ ، ويُقبض فيه على الجمر ، ولا يُؤخذ بأطراف الأنامل ، ولا يُطلب على فَضْلَة ، بل يُجعل هو المطلب الأعظم ، وما سواه إنما يطلب على الفَضْلَة . والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه . اهـ .

ويُنظَر تفسير القاسمي " محاسِن التأويل " عند تفسير قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .



وسؤال أخير :
هل بالناس مِن التشدد والتمسّك بالأحكام الشرعية ما يقتضي التضييق على أنفسهم حتى يُقال لهم : لا يوجد دليل على عدم دخول الكفار المدينة النبوية ؟!
بلغ تساهل بعض الناس أن أدخلوا الْخَدم مِن غير المسلمين إلى منطقة الْحَرَم المكيّ !

والقول بِجواز دخول الكفار إلى المدينة النبوية تهوين للناس وتسهيل للمخالفة لصريح قوله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا المشرِكين مِن جزيرة العرب .

وسبق الجواب عن :
هل يجوز الصيد داخل حدود المدينة النبوية ؟
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=118645

ما حكم استقدام خادمة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة ؟
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=12702

أُستاذي وشيخي وقدوتي ومعلِّمي وإمامي
http://saaid.net/Doat/assuhaim/333.htm

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض