هيا الرشيد
جاء خبر البعثة التي انتظرتها كثيراَ في الوقت المناسب ستكون برفقته عندما يغادر إلى كندا، بعض من حولها يخشون الغربة ولكنها على النقيض تماماَ، إنها تتمنى خوض هذه التجربة، تريد أن تنطلق في أجواء الدول الكبرى،ترغب في تعلم لغة أخرى،ومعرفة عادات وتقاليد بلاد العالم المتقدم.

تمر الأيام.. يقترب الموعد تشعر بأنها على أهبة الاستعداد، ستودع الأهل قريباً وتفارق رفيقاتها وزميلات العمل تغادر إلى عالم جديد وحياة جديدة تأمل أن تكون الأجمل في سنوات حياتها والأكثر رخاءً فيها تمعن التفكير في حاجياتها كل شيء معد تنتظر فقط لحظة الإقلاع لتودع عالماً وتستقبل الآخر.

لحظات مفعمة بالسعادة، تتلفت حولهاليس بعد ولم يحن الوقت تريد نزع العباءة، حمل ثقيل على أكتافها،ترغب في التحرر منه في أقرب وقت تقلع الطائرة، وتناقض عجيب غريب بين الراكبات؛ إحداهن تتمسك بعدة حشمتها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، والأخرى بين بين، نزعت العباءة وغطاء الوجه ولكنها احتفظت بجزء من وقارها حيث لبست الملابس الطويلة وغطت شعرها فقط، أما هي فكانت من الفئة الثالثة حيث نزعت العباءة وما يتبعها.

ها قد وصلت إلى وجهتها وزوجها ينهي كافة الأوراق اللازمة، انطلاقة جديدة للمدينة، وسكن ملائم قريب من الجامعة، تصل إلى بيتها الجديد تسبقها أحلامها، البيت غير البيت، والأثاث غير الأثاث، هنا المستوى أقل ولكنه الأقرب إلى نفسها، نظام محبب إليها وشكل ترتاح إليه.. جيران من طراز آخر، متفهمون، متحررون، لا يعترفون بالقيود، شعرت بأنها ستجد الراحة بينهم.

في ذلك الصباح من الإجازة الأسبوعية، استيقظت مبكرة، وزوجها يغط في سبات عميق، بينها وبين جارتها موعد ستتسوقان من مركز تجاري قريب، وجدتها قد استعدت أيضاً، وصلت برفقتها إلى المكان المحدد، اتفقتا على اللقاء مرة أخرى أمام المدخل بعد ساعة، انطلقت وحدها، تحمل حقيبتها تجول بنظراتها بين الكم الهائل من البضائع تتفحص أسعارها ونوعياتها.

وصلت إلى غرضها أخيراً،ولكن يا لها من مفاجأة تقدم طلبها وتقف في طابور طويل لحين إعداده.

خلال تأملاتها سمعت عبارة قطعت عليها حبل أفكارها: " السلام عليكم ورحمة الله " التفتت نحو مصدرها وإذا بامرأة على يسارها قد أرخت جلبابها وأحكمت غطائها تلقي عليها بتحية الإسلام نظرت إليها بامتعاض وتأملت لباسها بسخرية وقالت لها بتهكم واضح: هل تعرفين أين أنت الآن؟.
قالت لها: نعم أعرف.


سألتها باضطراب: من تكونين؟.

أجابتها:- أنا امرأة كندية دخلت الإسلام منذ أشهر ،وعندما أشارت صديقتي إليك بأنك امرأة مسلمة لم أصدق ولذا حضرت إليك وتحدثت معك.
- لم تصدقي! لماذا؟.


- افتقدت فيك الحشمة التي أمر بها الإسلام، فما تلبسينه الآن هو بالضبط ما كنت ألبسه قبل إسلامي.

حركت شفتيها تريد أن تتحدث تريد أن تشرح، ولكن الأخرى كانت قد ذهبت، تتبعت سيرها، تريد أن تسألها ولكنها غابت في الزحام.

جالت ببصرها في المكان، وكأنها قد تلقت صفعة قوية على وجهها، تشعر بأن أنظار الجميع مصوبة نحوها،سألت نفسها عدة مرات:- لماذا؟ ماذا فعلت بنفسي؟ أمسلمة في الهوية فقط؟ أيرتبط إسلامي بأوراقي الرسمية؟ سبحان الله!!فرق بيني وبينها!!أنا ولدت مسلمة وأتصرف هكذا، وهي أسلمت مؤخراً وهذا سلوكها.

غادرت المكان على عجل،وصديقتها تلاحقها بأسئلتها، كانت تتمنى أي شيء تحتمي به، غطاء، عباءة، أو حتى قطعة قماش بالية، ما أطول الوقت،أسرعت الخطى،لا تعرف لماذا تشعر بالوقت بطيئاً، تريد أن تصل إلى بيتها،تراجع نفسها، ترتب أوراقها من جديد،تصيغ حياتها بأسلوب يرضي المولى عز وجل، وبشكل يسير وفق أوامر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.

دخلت حجرتها لا زال يغط في نومه، خرجت من الحجرة على عجل، أبت قدماها الاستقرار في مكان محدد، كانت تفكر وهي في دوران مستمر، وكلما جالت البيت بأكمله عادت من جديد، لم تعد تصبر أكثر، ومثلما أحبت الحياة هنا بشغف قبل أيام، كرهتها بشدة هذا اليوم، وكما تاقت نفسها لخلع حجاب عزتها وكرامتها هي الآن على نقيض ما كانت عليه، كانت تغالب دموعها، طال عليها الوقت وهي تنتظر استيقاظه نزلت دموعها بالرغم منها غزيرة.

شعرت بشوق شديد إلى الماضي القريب.. إلى الأهل.. والأقارب.. والصديقات والزميلات إلى كل من تعرفهم دخلت حجرتها مرّة أخرى، أيقظته لتخبره برغبتها في العودة إلى عالمها السابق وإلى بيت أهلها في أقرب وقت.