بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ
نرى بعض طلبة العِلم والدعاة والمشايخ يظهرون للناس بلباس لم يعتدْ الناس على رؤية أهل العِلم به
فيخرجون للناس سواءً في برامج تلفزيونية أو في برامِج التواصل الاجتماعية (السوشل ميديا) بالثوب فقط ورأسه مكشوف وربما لبس طاقية فقط مع الثوب
وبعضهم يسافِر لبلاد الأعاجِم ويلبس لباس أهل البلد
وبعضهم يتبسط مع الناس جدًا إلى درجة المُزاح الكثير والتعليقات المُضحكة
وكل ذلك بحجّة التقرّب إلى مستوى الناس ومباسطتهم
فهل هناك مرجِع في هذه الأمور ؟
وهل طالِب العِلم أو الشيخ يصلُح أن يتبسّط للناس بأي نوعٍ ممكن أن يقرّبه إليهم ؟
وهل الأفعال المذكورة هي مِن باب التواضع والتنزّل لمستوى الناس ؟
أحسن الله إليكم ورفع الله قَـدركم ووفقكم ويسّر عليكم المعاسير ووسّع الله عليكم بأحسن وأنفع سَعة



الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

هناك فَرْق كبير بين التواضع وبين الابتذال والإسفاف .
وهناك فَرْق كبير أيضا بين التجمّل في اللباس وبين الكِبْر والتعالي والترفّع عن الناس .
فالداعية شأنه شأن غيره في لبس اللباس المعتاد ، وإن تَجَمّل فلا يَخرج عن عُرْف أهل العِلْم في لباسهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وليس لأولياء الله شيء يَتَمَيَّزون به عن الناس في الظاهر مِن الأمور المباحات ؛ فلا يتميزون بِلِباس دون لِباس إذا كان كلاهما مباحا ، ولا بِحَلْق شَعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا ، كما قيل: كَم مِن صِدّيق في قباء ، وكَم مِن زنديق في عباء . اهـ .

ورأيت كثيرا مِن أهل العِلْم سافروا شرقا وغربا ؛ فلم يُغيّروا مِن لباسهم ، ولا تَميّزوا بِلباس رفيع أو وَضِيع ؛ لأن هذا مِن لباس الشُّهْرة الذي جاء عليه الوعيد .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ لَبِسَ ثَوبَ شُهْرَةٍ في الدنيا ألْبَسَهُ اللهُ ثوبَ مَذَلَّةٍ يومَ القيامة . رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجَه مِن حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وحسّنه الألباني والأرنؤوط . .
وِعِنْْدَ ابنِ ماجه مِن حَدِيثِ أبي ذرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَن لَبِسَ ثَوبَ شُهْرَةٍ أعرضَ اللهُ عنه حتى يَضَعَه مَتى وَضَعَه . قال البوصيري : إسْنَادُه حَسَن .

قال ابن عبد البر : ليس مِن السنة ولا الشريعة ما خالَف النظافة وحُسن الهيئة في اللباس والزينة التي مِن شَكل الرجال للرجال ، ومن شَكل النساء للنساء .
ويدل على أن قوله عليه الصلاة والسلام : " البَذَاذَة مِن الإيمان " أراد به اطِّرَاح الشهرة في الملبس والإسراف فيه الداعي إلى التَّبَخْتُر والبَطَر . اهـ .

وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ : وتُكْرَهُ الشُّهْرَةُ مِن الثيابِ ، وهو المتَرَفِّعُ الخارجُ عن العادةِ ، والمتَخَفِّضُ الخارجُ عن العادةِ ، فإن السَّلَفَ كانوا يكرهون الشُّهْرَتَين : المتَرَفِّع والمتخَفِّض . اهـ .

وسافَر بعض الدعاة إلى بعض دول أوربا ، فَلَبِس اللباس الإفرنجي الرسمي ! ثم خَطَب به يوم الجمعة ، وصلّى بهم ؛ فاستهجنه الْمُصلُّون ، ولم يَقْبَلوه !
وسَمعت ذلك منهم بِنفسي حينما زرتهم بعد زيارة ذلك الداعية بِمُدّة !
وكنت ألبس ثيابي المعتادة ، وأمشي به في بلاد كثيرة ، وما رأيت – بِفضل الله - مُضايقة .
فالدَّاعية الذي يَلبس لِبَاسه المعتاد الموافِق للّباس الشرعي ؛ يكون مَحلّ حفاوة وتقدير مِن المسلمين في أي مكان .

وبعض أئمة الحرمين سافروا لِبلاد الأعاجم ، فحَضَروا بِلِباسِهم الذين يَلبسونه عند إمامة الناس ؛ فكانوا مَحل حفاوة وتقدير .
وأجزِم أن لو لَبِس بعضهم لباس الأعاجم لَكان مَحلّ استهجان .

وقد أدركنا مشايخنا الكبار لا يتبذّلون في ملابسهم ، ولا في هيئاتهم ، مع تواضعهم وقُربهم مِن الناس .


والعلماء يَنهَون عن لبس لِباس الأعاجم ، وإن لم يَكن مِن لباس الكُفّار .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وقال الفقهاء مِن أصحاب الإمام أحمد وغيره - منهم : القاضي أبو يعلى ، وابن عقيل ، والشيخ أبو محمد عبد القادر الْجَيلي وغيرهم - في أصناف اللباس وأقسامه : ومِن اللباس الْمَكْرُوه : ما خَالَف زِيّ العَرَب ، وأشْبَه زِيّ الأعاجم وعادتهم . ولفظ عبد القادر : ويُكْرَه كل ما خالَف زِيّ العَرب ، وشَابَه زِيّ الأعاجم . اهـ .

وفِعْل ما يُسْتَهجَن : مُسْتَهْجَن ! ويزيد الأمر سوءا إذا صَدَر الفِعْل الْمُستَهجَن ممن يُقتَدَى به ، أو يتصدّر لِتعليم ودعوة الناس .
ذَكَرَ الإمام الذهبي في ترجمة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه كان يخضب بالصُّفرة حتى كأن لِحيته الذَّهب . ثم قال الذهبي : كان ذلك لائقًا في ذلك الزمان ، واليوم لو فُعِل لاستُهجِن . اهـ .
والجناية في مثل هذا ، لا تَعود على الداعية بِنفسِه ، بل على دعوته ؛ فقد يكون فِعْله الْمُسْتَهجَن مِن أسباب الصدّ عن قبول قولِه ، وقد يستغلّه بعض الزنادقة والْمُغرِضِين في تَشويه سمعته ، والطعن في السُّنّة بسبب ذلك .

قال الشيخ بكر أبو زيد – وهو يُوصِي طالِب العِلْم - : فازْوَرّ عن زَيف الحضارة ، فإنه يُؤنِّث الطِّبَاع ، ويُرخي الأعصاب ، ويُقيّدك بِخَيط الأوهام ، ويَصِل الْمُجِدّون لغاياتهم وأنت لم تَبْرح مكانك ، مَشغول بالتأنّق في مَلْبَسِك ، وإن كان منها شِيَات ليست محرمة ولا مكروهة ، لكن ليست سَمْتا صالِحا ، والْحِلية في الظاهر – كَاللباس - عنوان على انتماء الشخص ، بل تحديد له ، وهل اللباس إلاّ وَسيلة التعبير عن الذات ؟!
فَكُن حَذرا في لباسك ، لأنه يُعَبِّر لِغَيرك عن تقويمك ، في الانتماء ، والتكوين ، والذّوق ، ولهذا قيل : الْحِلْيَة في الظاهر تدلّ على مَيْل في الباطِن ، والناس يُصَنِّفُونَك مِن لِبَاسِك ، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف اللابس مِن :
الرَّصانة والتعقّل .
أو التمشيخ والرهبنة .
أو التَّصَابِي وحب الظهور !
فَخُذْ مِن اللباس ما يَزينك ولا يَشينك ، ولا يجعل فيك مَقالاً لِقائل ، ولا لَمْزا لِلامِز ، وإذا تلاقَى مَلبسك وكيفية لُبْسك بما يَلتقي مع شَرف ما تَحمله مِن العلم الشرعي ؛ كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بِعِلمك ، بل بِحُسْن نِيّتك يكون قُرْبة ، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحقّ .
وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أحب إلِيّ أن أنظر القارئ أبيض الثياب .
أي : لِيَعظم في نفوس الناس ، فيَعظم في نفوسهم ما لَدَيه مِن الْحَقّ . اهـ .

والتواضع والتبسّط للناس لا يَعني أن يَتخلّى الرَّجُل عن وقاره ، فضلا عن طالب العِلْم
فالناس في هذا طَرَفان ووسَط :
فَطَرَف لا يتبسّط للناس ، بل ولا يبتسم ! وهذا خلاِف هدي النبي صلى الله عليه وسلم .
وطَرَف يتبسّط حتى يَتبذّل .
والوَسَط : أن يتواضَع طالب العِلم والداعية والعالِم ، ويُخالِط الناس ، ولا يترفّع عليهم ، ولا يتبذّل ، لا في حديثٍ ، ولا في لباس .

وعلى الداعية أن يَدْفَع التّهمة والرِّيبة عن نفسه .
وعليه أن يُراعِي نَظَر الناس إليه ؛ لأنه مَحل اقتداء .

رأى عُمَر رضي الله عنه على طلحة ثوبًا مصبوغا ، وطلحة مُحْرِم ، فقال له عُمر : ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ فقال طلحة : يا أمير المؤمنين إنما هو مَدَر ، فقال عُمر : إنكم أيها الرهط أئمة يَقْتَدِي بكم الناس ، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال : إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب الْمُصَبَّغة في الإحرام ! فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا مِن هذه الثياب الْمُصَبَّغة. رواه الإمام مالك في الموطأ .
والْمَدَر هو الطّين .

قال الأوزاعي : كنا نَضحك وَنَمْزَح ، فلمّا صِرنا يُقْتَدَى بنا خَشِيت أن لا يَسَعْنا التَّبَسّم . (تذكرة الحفاظ ، للذهبي)

وكان العلماء يَنهَون عن التَّصَابي في اللباس والهيئة .
قال الشيخ بكر أبو زيد : فإيّاك ثم إيّاك مِن لِباس التَّصَابِي ، أما اللباس الإفرنجي ، فغير خافٍ عليك حُكمه ، وليس معنى هذا أن تأتى بِلِباس مُشَوّه ، لكنه الاقتصاد في اللباس بِرَسْم الشَّرع ، تَحُفّه بالسَّمْت الصالح والْهَدي الْحَسن ...
وما زال أهل العِلم يُنَبِّهون على هذا في كُتب الرِّقاق والآداب واللباس . اهـ . (بتصرّف يسير) .

وسبق الجواب عن :
هل يجوز أن يُستضاف شيخ في برنامج تُقدِّمه مذيعة ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=576283

ما حُكم ممارسة طلبة العِلم للرياضة ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=89301

ما صحة الحديثين : " رحم الله امرءا جَبّ الغيبة عن نفسه " و " أنزلوا الناس منازلهم " ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=576282

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض