نرى بعض الناس يأتون للمساجد التي يُصلّى فيها على الجنائز ، فيجلسون في آخر المسجد ، ولا يُصلّون مع الناس بِحّجة أنهم صلّوا في مساجد أخرى ، أو أنهم جَمعوا الصلاة إذا كانوا مسافرين .
فهل فعلهم صحيح ؟
وهل يُنكر عليهم ؟



الجواب :
فعلهم غير صحيح ، ويُنكر عليهم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنْكَر على مَن جَلَسوا في آخر المسجد ، ولم يُصلّوا مع الجماعة ، وأرشدهم إذا حضروا الصلاة أن يُصَلّوا مع الجماعة وإن كانوا قد صَلّوا مِن قَبَل .
فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجته صلاة الصبح في مسجد الْخَيْف في مِنى ، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو بِرَجُلين في أخرى القَوم لَم يُصَليا معه ، فقال : عليّ بهما . فجيء بهما تَرعد فَرَائصُهما ، فقال : ما منعكما أن تُصليا ؟ فقالا : يا رسول الله إنا كنا قد صَلينا في رِحالنا . قال : فلا تفعلا . إذا صَلّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلِّيَا معهم فإنها لَكُما نافلة . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ، وصححه الألباني والأرنؤوط .

قال الإمام الخطابي : في الحديث مِن الفقه : أن مَن صَلّى في رَحْلِه ثم صادَف جماعة يُصَلّون كان عليه أن يُصَلِّي معهم أيّ صلاة كانت مِن الصلوات الخمس ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ، وبه قال الحسن والزهري . اهـ .
وقال أبو الوليد الباجي : فإن أتى المسجد فَوَجَد الصلاة تُقام أوْ وَجَدَهم قد شَرَعُوا في الصلاة فَعَلَيه أن يُصَلِّيها معهم . ووجه ذلك أن الصلاة قد تَعَيَّنت عليه لِدُخول المسجد في ذلك الوقت . اهـ .

وفي حديث محجن بن أبي محجن الديلي أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُذِّن بالصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، ثم رجع ، ومحجن في مجلسه لم يُصَلّ معه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تُصَلِّي مع الناس ؟ ألست بِرَجُلٍ مُسْلِم ؟ فقال : بلى يا رسول الله ، ولكني قد صَلّيت في أهلي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جئت فَصَلّ مع الناس ، وإن كنت قد صَلَّيْت . رواه الإمام مالك في الموطأ ومِن طريقه : أحمد والنسائي ، وصححه الألباني ، وحسّنه الأرنؤوط .

قال أبو الوليد الباجي : قوله عليه الصلاة والسلام : " ألَسْتَ بِرَجُل مُسْلم " يَحْتَمِل معنيين :
أحدهما : الاستفهام .
والثاني : التوبيخ ، وهو الأظهر ، والله أعلم أنه إنما ذهب إلى توبيخه على ترك الصلاة مع الجماعة التي لا يَتركها مُسلم وإنما تَرْكها مِن علامات المنافق . اهـ .
وقال ابن قدامة : الأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة ، سواء كان مع إمام الحي أو غيره ، وسواء صَلَّى وَحْدَه أو في جماعة . اهـ .

ولا يرِد على هذا : النهي عن إعادة الصلاة الواحدة في اليوم مرّتين ؛ لأن النهي عن إعادة الصلاة الواحدة في اليوم مرّتين إنما هو نَهْي عن إعادتها دون سبب .

وقد شيخ الإسلام ابن تيمية وَجْه الْجَمْع بين حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه في أمْرِه عليه الصلاة والسلام للرَّجُلَين بإعادة الصلاة ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : لا تُعاد صلاة مرتين ؛ فقال رحمه الله :
أما حديث ابن عمر فهو في الإعادة مطلقا من غير سبب . ولا ريب أن هذا مَنْهي عنه وأنه يُكْرَه للرَّجل أن يَقصد إعادة الصلاة مِن غير سبب يقتضي الإعادة ، إذ لو كان مشروعا للصلاة الشرعية عدد معين كان يُمكن الإنسان أن يُصلي الظهر مرات والعصر مرات ونحو ذلك ، ومثل هذا لا ريب في كراهته . وأما حديث ابن الأسود : فهو إعادة مُقَيَّدة بسبب اقتضى الإعادة وهو قوله : " إذا صليتما في رِحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلِّيَا معهم ، فإنها لكما نافلة " فسبب الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة ، ويُستحب لمن صَلَّى ثم حَضَر جماعة راتبة أن يُصَلِّي معهم .

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض