فإن المسلم الحق يتميز بسمات معينة تؤهله لحمل معاني الخيرية التي فضَّل الله عزَّ وجلَّ هذه الأمة على غيرها بتحقيقها ، قال تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾[آل عمران:110].
ومن أهم السمات التي يتميز بها المسلم : سمة الجدية ، فالمسلم جادّ في أقواله ، جاد في أفعاله ، جاد في تصرفاته ، جاد في مظهره ، جاد في مخبره ، جاد في علاقاته وتعاملاته مع الناس ، جاد في عبادته ومعاملته مع الله ، جاد حتى مع نفسه ، فلا يجاملها ولا يطريها ، وإنما يحاسبها ويؤذيها ويعاتبها ويأخذ عليه العهود والمواثيق .
إن جدية المسلم نابعة من تأثره بكتاب الله عزَّ وجلَّ ، فالقرآن الكريم كتاب الله الحق الذي لا لغو فيه ولا هزل قال تعالى : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾[ الطارق:13- 14] .
والمسلم يعلم أنه خلق لأمر عظيم ، وتحمل أمانة كبيرة ، وهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ .
إن للجدية سمات ومظاهر كثيرة ، لا يمكن للمسلم أن يكون متسماً بالجدية حتى يحقق تلك السمات ، وتكون واقعاً ملموساً في حياته .
سمات الجدية ومظاهرها .
1- الإخلاص لله عزَّ وجلَّ :
إن الإخلاص لله عزَّ وجلَّ هو الفارق الأساس بين الجاد وغير الجاد ؛ لأن المخلص إما أن يكون منافقاً ، وإما أن يكون مرائيّاً ، والمسلم الجاد لا يمكن أن يكون منافقاً ولا مرائياً ؛ لأن هدفه في الحياة هو رضا الله عزَّ وجلَّ وإحراز ثوابه ، قال تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ .
أما المنافق والمرائي فإنه ذو شخصية متذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فخرج بذلك عن سمة الجدية إلى العبثية والاعوجاج نتيجة لغياب الإخلاص الذي هو أساس قبول الأعمال وروحها .
2- متابعة النبي صلى الله عليه وسلم :
وهذا هو الفارق الثاني بين الجاد وغير الجاد ؛ لأن المسلم الجاد يسعى ليكون عمله مقبولاً ، والعمل المقبول هو الذي يتوافر فيه شرطان :
الأول : الإخلاص .
الثاني : متابعة النبي صلى الله عليه وسلم .
3- الاعتدال والوسطية :
الاعتدال والوسطية يؤديان إلى ديمومة العمل والاستمرار في الطاعات وعدم الانقطاع والفتور ، قال r : ( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) متفق عليه .
4- الإقبال على الطاعات :
ومعلوم أن الإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ، فالإقبال على الطاعات والضرب في كل باب من أبوابها بسهم هو مما يزيد الإيمان ، وهو كذلك من أكبر الدلائل على جدية المسلم في عبادته لله ، قال تعالى : ) خذوا ما ءاتيناكم بقوة واذكروا مافيه لعلكم تتقون ( .
5- وضوح الهدف وتبني الغايات الحميدة :
الهدف الأساس الواضح لكل مسلم هو رضا الله تعالى وإحراز ثوابه ، ولذلك فإن المسلم يجعل جميع أعماله تمكنه للوصول لهذا الهدف الرئيس ، قال تعالى : ) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( .
6- علو الهمة :
علو الهمة من أكبر سمات الجادين ، فإن صاحب الهمة العالية لا يرضى بالكيل ، ولا يركن إلى الراحة والفتور ، ولا تستهويه سفاسف الأمور وتوافه القضايا ، وإنما تقوده همته إلى معالي الأمور وعظائم القضايا فينتقل من حال إلى حال أكمل منه ، ومن منزلة إلى منزل أعلى ويستمر على ذلك حتى الموت ، قال تعالى : ) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (.
7- صحبة الجادين :
وهي من أهم عوامل تثبيت المسلم على سمة الجدية ، قال r : ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ).

8- مواجهة المشكلات :
إن صاحب الجدية لا يهرب من مشكلاته ويجعلها دون حلول بل يجعلها نقاط لانطلاقه من جديد .
9- الشمولية :
إن المسلم الجاد هو الذي يأخذ الدين كله كما جاء من عند الله تعالى ، قال تعالى : ) يا أيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان .. ( .
وقال r : ( إن الدين يسر ، ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ) رواه البخاري .
10- ترك التسويف :
إن صاحب الجدية فهو مشغول دائما بأعمال الخير قد قصر أمله في الدنيا فأثر ذلك في سلوكه وأعماله ؛ همة ونشاطًا وإقبالا على الله تعالى بلا تردد ولاتسويف .
11- إدامة النظر في السيرة النبوية وسير الصحابة :
فهي من أعظم الأمور التي تدفع إلى الجدية ) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ( .
12- البعد عن الترف :
قال بعض السلف : لا ينال العلم براحة الجسد .