النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    22-04-2003
    المشاركات
    4,993

    تعقيب على مقال (علّموهم) .. الذي يحث على الرخاوة في الدين والترغيب دون الترهيب

    1 – قوله : (في زمن حصاد العبر الطافحة بعذاب القبر، والخوف من الله، والتهديد بالويل والثبور، وغيلان القبور، وأهوال القيامة، وطمع الشهادة، والشغف بالموت، آن لكم أيها العلماء والخطباء والوعاظ أن تعلموا أجيال المسلمين التي تتربَّى على أياديكم بألطف من هذا، فما كان من ثمر ذلك التعليم إلا فتناً، وفتكاً، وهلاكاً، وخسفاً، ودماراً، على أهل الإسلام قبل غيره!)

    هذا غير صحيح ، بل هو باطِل ؛ لأن النصوص مِن الكِتاب والسنة مستفيضة بالتذكير بِكل ما ذَكَر ؛ مِن : عذاب القبر ، والخوف من الله ، وأهوال القيامة ..
    فهل تربية الكِتاب والسنة للمؤمنين الأوائل أوْرَثَت فِتنا وفَتكا وهلاكا وخسفا ودمارا – كما زَعَم - ؟؟!

    وهل التربية على الخوف مِن الله تربية عنيفة حتى يَطلَب مِن العلماء والخطباء والوعاظ أن يُربّوا على ألْطَف مِن ذلك ؟؟
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خَطب احْمَرّت عيناه ، وعلا صَوته ، واشتدّ غَضبه ، حتى كأنه مُنْذِر جَيش يقول : صبَّحكم ومَسّاكم ، ويقول : بُعثت أنا والساعة كَهَاتين ، ويَقْرِن بين إصبعيه السبابة والوسطى . رواه مسلم .

    فهل كان هذا أسلوبا عنيفا ؟؟

    2 - قوله عن التبسّم : (فإنَّ من خالف ذلك فتجهَّم وجهه، وتمعَّر لونه ، واكفهرَّت قسماته فهو مخالفٌ لدينه ..!)
    وهل تُطلَب الابتسامة دائما في كل الظروف ؟!
    لقد تَمَعَّر وَجْه النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى ما ببعض المسلمين مِن الحاجَة والفاقَة ، كما في صحيح مسلم .

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كَرِهَ شيئا عُرِفَ ذلك في وجهه .
    قالت عائشة رضي الله عنها : اشتريت نُمْرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله ، فعرفت في وجهه الكراهية . رواه البخاري ومسلم .

    وقد غَضِب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه حين خَرَج ، وأصحابه يَخْتَصِمُون في القَدَر .
    قال عبد الله بن عمرو : فكأنما يُفقأ في وجهه حَبّ الرُّمان مِن الغضب . فقال : بهذا أُمِرْتم أوْ لهذا خُلِقتم ؟ تَضْرِبون القرآن بعضه ببعض . بهذا هَلكَتَ الأُمم قبلكم .
    قال عبد الله بن عمرو : ما غَبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتَخَلّفي عنه . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .

    وتقدَّم تخويف النبي صلى الله عليه وسلم وشِدّة غضبه إذا خَطَب .

    إلى غير ذلك مِن مواقف الغضب والشِّدّة في حياته عليه الصلاة والسلام .
    وفي حياة أصحابه رضي الله عنهم الكثير مِن ذلك ، خاصة في حال ارتكاب وفشوّ المنكر ، ومُخالفة السنة .

    ولو طَلَب الكاتب أن تُعلَّم الأجيال الابتسامة في زمانها ووقتها ، وحيث تَحسُن الابتسامة ، دون اعتبار التجهّم والتّمعّر مُخالفة للدِّين .

    3 - قوله : (جوهر العبادة في القلب ... وفي السياحة حيث يتعبَّد السائح إلى ربه وهو ينظر إلى جمال صنيعه، وأحوال خلقه)
    أولا : القلب إذا صَلح صلح الجسد كلّه ، وإذا استقرّت فيه التقوى ظَهرت آثارها على الجوارح ، فلا يَكفي أن يُقال : إن جوهر العبادة في القلب .. وتُهمَل المظاهر بِحّجّة أن التقوى في القلب .

    ثانيا : ليست السياحة والفُرْجَة مما يُؤجَر عليه الإنسان .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الإِنْسَان قَدْ يُنْظَرُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى ، وَهُنَا الاعْتِبَارُ بِقَلْبِهِ وَعَمَلِهِ لا بِصُورَتِهِ .
    وَقَدْ يُنْظَرُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصُّورَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُصَوِّرِ ؛ فَهَذَا حَسَنٌ .
    وَقَدْ يُنْظَرُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اسْتِحْسَانِ خَلْقِهِ ، كَمَا يُنْظَرُ إلَى الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ ، وَكَمَا يُنْظَرُ إلَى الأَشْجَارِ وَالأَنْهَارِ وَالأَزْهَارِ ؛ فَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ اسْتِحْسَانِ الدُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ ؛ فَهُوَ مَذْمُومٌ بِقَوْلِهِ : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لا يُنْقِصُ الدِّينَ وَإِنَّمَا فِيهِ رَاحَةُ النَّفْسِ فَقَطْ : كَالنَّظَرِ إلَى الأَزْهَارِ ، فَهَذَا مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي لا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْحَقِّ . اهـ .

    ما ساقه الكاتب بخصوص : " في كل سلامى من الناس صدقة " ، وما فهمه بناء على هذا اللفظ الذي ساقه مِن عِنده ! حيث قال : (والسلامى هي مفاصل الأصابع التي كلما تحركت، تحرك معها عداد الحسنات) .
    وليس هذا هو المقصود في الحديث .
    وإنما المقصود أن يتصدّق الإنسان عن مفاصله .
    لأن لفظ الحديث : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ؛ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى . رواه مسلم .
    وفي حديث أبي موسى الأشعري رضيَ اللّهُ عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ . رواه مسلم .
    وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ سُلاَمَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ : كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ . رواه البخاري ومسلم .

    4 - قوله : (علِّموهم أن يدعوا لأنفسهم بالإصلاح والهداية والطمأنينة ، ويتركوا عنهم الدعاء ضد غيرهم دعاء"اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبقي منهم أحدا‏،‏ وأرنا فيهم عجائب قدرتك‏،‏ وسلط عليهم الزلازل والبراكين، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم واجعل كيدهم في نحورهم‏...إلخ"؛ فليس هذا ما تعلموه من نبيهم العظيم -عليه أفضل الصلاة والسلام)

    بل تعلّموا مِن نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ومِن أصحابه الأمْرَيْن : الدعاء للنفس بالصلاح والهداية ، والدعاء على الكَفَرَة بالهلاك وغيره .
    ففي يوم الخندق دعا النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين ، فقال : شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا . قال : ثم صَلاّها بين العشاءين ؛ بين المغرب والعشاء . رواه البخاري ومسلم .

    وجاء عمر بن الخطاب يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ، فجعل يسبّ كفار قريش . رواه البخاري ومسلم .
    وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش لَمّا آذوه .
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا على قوم عمّهم بالدعاء ولا يستثني ، فإنه عليه الصلاة والسلام لَمّا دعا على الكفار عمّ ولم يخصص ، فقد دعا على قبائل العرب ، فقال : اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ . رواه البخاري ومسلم .
    ومعلوم أن سِنيّ المجاعة يتأثر بها الصغير والكبير ، والذَّكَر والأنثى .

    ودَعَا عليهم عامة ، وعلى أشخاص بِأسمائهم ، فقال : اللهم عليك بِقُريش ، اللهم عليك بِقُريش ، اللهم عليك بِقُريش ، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط .
    قال ابن مسعود : فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى . رواه البخاري ومسلم .

    وهو – صلى الله عليه وسلم – القائل لِقريش : تَسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفس محمد بيده لقد جِئتكم بالذبح . فأخَذَت القوم كَلمته حتى ما منهم رجل إلاّ كأنما على رأسه طائر واقع ! حتى إن أشدّهم فيه وَصَاة قبل ذلك لَيَرْفَؤه بأحْسَن ما يَجِد مِن القول ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشدا ، فو الله ما كنت جهولا ! رواه الإمام أحمد بإسناد حسن .

    وثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يدعو بهذا الدعاء في القنوت :
    اللهم الْعَن كَفَرة أهل الكتاب الذين يُكذِّبون رُسلك ، ويُقاتلون أولياءك ،اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسَك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين . رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي .

    وقال عبد الرحمن بن هرمز الأعرج : ما أدركت الناس إلاَّ وهُم يَلعنون الكَفَرة في رمضان .

    وسبّ الكفار قُربة وطاعة إلا إذا أفضى إلى مفسدة ، كما في قوله تعالى : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) .

    وقد نَقم المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يَعيب دينهم وآلهتهم !
    فقد قالت قريش لأبي طالب : يا أبا طالب ابن أخيك يَشتم آلهتنا ، يقول ويقول ، ويَفعل ويَفعل ، فأرْسِل إليه فَانْهَه . رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد ، ومعناه صحيح .
    فقد ثَبَت أنه اجتمع أشراف قريش يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ! سَفَّه أحلامنا ، وشَتَم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفَرّق جماعتنا ، وسَبّ آلهتنا . لقد صَبرنا منه على أمْرٍ عظيم . رواه الإمام أحمد بإسناد حسن .

    قال الحافظ ابن حجر : الكُفّار مما يُتقرَّب إلى الله بِسَبِّهم . اهـ .

    5 - قوله : (علِّموهم أنه ليس صحيحا أن الدنيا - كما يقال - جنة الكافر وسجن المؤمن)

    أقول : علِّموا الكاتب أن يتعلَّم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يَنْفِيها ، أو يُكذّبها !
    وعلِّموه أن يَفهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يتعلَّم قبل أن يتكلَّم !

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قال : الدنيا سِجن المؤمن ، وجَنة الكافر . رواه مسلم .

    وإنما أُتِي الكاتب مِن عدم فهمه لهذا الحديث الصحيح .
    قال النووي : معناه : أن كل مُؤمن مَسجون ممنوع في الدنيا مِن الشهوات الْمُحَرَّمة والمكروهة ، مُكَلَّف بفعل الطاعات الشاقة ، فإذا مات استراح مِن هذا ، وانقلب إلى ما أعدّ الله تعالى له من النعيم الدائم ، والراحة الخالصة من النقصان .
    وأما الكافر ، فإنما له مِن ذلك ما حصل في الدنيا مع قِلّته وتَكديره بالْمُنغِّصَات ، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم ، وشَقاء الأبَد . اهـ . وهو معنى ما قاله القاضي عياض .

    ويُروى عن : سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني الحنفي ، وهو ممن جمع رياسة الدِّين والدنيا ، أنه خرج عليه يوما وهو في موكبه مِن سجن همام يهودي في إطمار سُحم مِن دخانه ، فقال : ألستم تروون عن نبيكم أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ؟ وأنا عبد كافر ، وترى حالي ، وأنت مؤمن ونرى حالك !
    فقال له : الحمد لله ، إذا صِرتَ غدا إلى عذاب كانت هذه جَنّتك ، وإذا صِرْت أنا إلى نَعيم الله ورضوانه كان هذا سجني ؛ فعجب الْخَلْق مِن فَهمه وبَداهته !

    6 - قوله : (علِّموهم أنَّ العبادة الحقيقية ليست هي طول المكوث في الصلاة)
    بل لا فلاح للأمّة ولا عُلوّ إلاّ بالصلاة والانطلاق منها .
    ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في مُبتدأ أمره : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً) .
    فالقَول الثقيل هو القرآن وما يُعالِجه مِن شِدّة تلقّي الوحي ، وأعظم ما يُعين على تَحمّل ذلك : هو الصلاة .

    وأنه لا فلاح للمؤمنين إلاَّ بالصلاة : إقامة وإدامة ومحافظة عليها وخشوعا .
    قال تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) .

    وممّا يدلّ على عِظَم وأهمية الصلاة في إقامة الدولة الإسلامية : أن أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر ووصل إلى المدينة أن بدأ ببناء المسجد ؛ فَمِنه تنطلق الدعوة والجهاد وبناء الدولة .

    والصلاة تربية للنفس وتهذيب (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) .

    إلى غير ذلك مِن فوائد الصلاة الكثيرة ، فلا يصِحّ التزهيد بالصلاة ؛ لأن مَن لم يَنطلِق مِن المسجد لا يُفلِح ، وإن تمكّن مادِّيا .
    وأنه لا قوّة للمؤمن بلا إيمان ، ولا إيمان بلا صلاة .
    وأشدّ ما كان يحرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو الصلاة ، حتى عَرَف ذلك أعداؤه ، فقال المشركون : إنه ستأتيهم صلاة هي أحبّ إليهم من الأولاد ! فلما حَضَرت العصر قال : صفّنا صفِّين ، والمشركون بيننا وبين القبلة ، قال : فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا ، وركع فركعنا . رواه مسلم .

    قوله : (علِّموهم أنَّ للجنة ألفَ بابٍ وليس بابا واحدا)
    بل علّموهم أن للجنة ثمانية أبواب كما في الصحيحين ، وليس ألف باب كَمَا زَعَم !
    وعلّموا هذا الكاتب : أن للنار سَبعَة أبواب (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ )

    ومثل ذلك يُقال : لِمَن قال : لا تُخوّّفون الناس بِزَوال النِّعَم .
    فإن التحذير مِن زوال النِّعَم جاء في القرآن وفي السنّة .
    وجاء التحذير مِن كُفْرَان النّعَم ؛ لأن كُفران النّعَم يُؤدّي إلى زوالها .

    قال الله عزّ وَجَلّ : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )

    وقال عليه الصلاة والسلام : إذا رأيت الله يُعْطِي العبد مِن الدنيا على مَعَاصِيه ما يُحِبّ فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) . رواه الإمام أحمد ، وصححه الألباني والأرنؤوط .


    وهذا الأسلوب الذي دعا إليه كاتب المقال : دَعْوَة لداوم الغفلة ، التي تُؤدّي إلى أن يُؤخذ الإنسان على حِين غِرّة وغَفْلَة .
    وأن لا يُذكّر الناس بِسُنن الله عزّ وَجَلّ في الناس ، ولا يُعلّمون ما يَنفعهم ..

    وهذا كَحَال مَن شبّ في بيته حَرِيق ، فسكت ولم يُخبر أهله وأولاده حتى لا يُفزِعهم !! فتركهم حتى فاجأهم الحريق وأهلكهم جميعا !!
    وهذا لا يَفعله عاقل !

    ونِسيان الذّنْب يُنسي العبد نفسه ، ويَحمِله على إهمالها ؛ فيأتي القيامة خائفا ، بِخلاف مَن خاف في الدنيا مِن الله وأخذِه ، فإنه يأتي يوم القيامة آمِنا .

    قال رب العزة سبحانه وتعالى : ( أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ؟

    وقال رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يَروي عن ربه جل وعلا قال : وعزتي لا أجْمَع على عَبْدي خَوْفَيْن وأمْنَيْن ؛ إذا خَافَني في الدنيا أمّنْتُه يوم القيامة ، وإذا أمِنَنِي في الدنيا أخَفْتُه يوم القيامة . رواه ابن حبان ، وحسّنه الألباني والأرنؤوط .

    قال ابن القيم رحمه الله وهو يَذكُر عقوبات الذّنُوب :
    وَمِنْ عُقُوبَاتِهَا : أَنَّهَا تُنْسِي الْعَبْدَ نَفْسَهُ ، وَإِذَا نَسِيَ نَفْسَهُ أَهْمَلَهَا وَأَفْسَدَهَا وَأَهْلَكَهَا.
    فَإِنْ قِيل َ: كَيْفَ يَنْسَى الْعَبْدُ نَفْسَه ؟ وَإِذَا نَسِيَ نَفْسَهُ فَأَيُّ شَيْءٍ يَذْكُرُ ؟ وَمَا مَعْنَى نِسْيَانِهِ نَفْسَهُ ؟
    قِيلَ: نَعَمْ يَنْسَى نَفْسَهُ أَعْظَمَ نِسْيَانٍ، قَالَ تَعَالَى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .
    فَلَمَّا نَسُوا رَبَّهُمْ سُبْحَانَهُ نَسِيَهُمْ وَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) .
    فَعَاقَبَ سُبْحَانَهُ مَنْ نَسِيَهُ عُقُوبَتَيْنِ :
    إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَسِيَهُ .
    وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ أَنْسَاهُ نَفْسَهُ .
    وَنِسْيَانُهُ سُبْحَانَهُ لِلْعَبْدِ : إِهْمَالُهُ ، وَتَرْكُهُ ، وَتَخَلِّيهِ عَنْهُ ، وَإِضَاعَتُهُ ، فَالْهَلاكُ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنَ الْيَدِ لِلْفَمِ .
    وَأَمَّا إِنْسَاؤُهُ نَفْسَهُ ، فَهُوَ : إِنْسَاؤُهُ لِحُظُوظِهَا الْعَالِيَةِ ، وَأَسْبَابِ سَعَادَتِهَا وَفَلاحِهَا ، وَإِصْلاحِهَا ، وَمَا تَكْمُلُ بِهِ بِنَسْيِهِ ذَلِكَ كُلِّهِ جَمِيعِهِ فَلا يَخْطُرُ بِبَالِهِ ، وَلا يَجْعَلُهُ عَلَى ذِكْرِهِ، وَلا يَصْرِفُ إِلَيْهِ هِمَّتَهُ فَيَرْغَبُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لا يَمُرُّ بِبَالِهِ حَتَّى يَقْصِدَهُ وَيُؤْثِرَهُ .
    وَأَيْضًا فَيُنْسِيهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ وَنَقْصَهَا وَآفَاتِهَا ، فَلا يَخْطُرُ بِبَالِهِ إِزَالَتُهَا .
    وَأَيْضًا فَيُنْسِيهِ أَمْرَاضَ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَآلامَهَا ، فَلا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ مُدَاوَاتُهَا، وَلا السَّعْيُ فِي إِزَالَةِ عِلَلِهَا وَأَمْرَاضِهَا الَّتِي تَئُولُ بِهَا إِلَى الْفَسَادِ وَالْهَلاكِ ، فَهُوَ مَرِيضٌ مُثْخَنٌ بِالْمَرَضِ ، وَمَرَضُهُ مُتَرَامٍ بِهِ إِلَى التَّلَفِ ، وَلا يَشْعُرُ بِمَرَضِهِ ، وَلا يَخْطُرُ بِبَالِهِ مُدَاوَاتُهُ ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُوبَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ .
    فَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ وَضَيَّعَهَا، وَنَسِيَ مَصَالِحَهَا وَدَاءَهَا وَدَوَاءَهَا، وَأَسْبَابَ سَعَادَتِهَا وَفَلاحِهَا وَصَلاحِهَا وَحَيَاتِهَا الأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ؟
    وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَكْثَرَ هَذَا الْخَلْقِ قَدْ نَسُوا حَقِيقَةَ أَنْفُسِهِمْ وَضَيَّعُوهَا وَأَضَاعُوا حَظَّهَا مِنَ اللَّهِ ، وَبَاعُوهَا رَخِيصَةً بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الْغَبْنِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَيَظْهَرُ هَذَا كُلَّ الظُّهُورِ يَوْمَ التَّغَابُنِ ، يَوْمَ يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أَنَّهُ غُبِنَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، وَالتِّجَارَةِ الَّتِي اتَّجَرَ فِيهَا لِمَعَادِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَتَّجِرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لآخِرَتِهِ .

    والعلماء يُرجّحُون الْخَوف في حال الصّحّة والسّلامة ؛ ليَكون العبد خائفًا وَجِلاً ، يَعمَل بِطاعَة الله عَزّ وَجَلّ .
    ويُرجّحون الرّجَاء في حال الْمَرَض وعند الاحتضار ؛ لِيُحسِن العبد ظَنّه بِرَبّه .
    وفي حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ ، فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللهِ ، وَأَخَافُ ذُنُوبِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو ، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ . رواه الترمذي والنسائي في " الكبرى " وابن ماجه ، وحسّنه الألباني .
    قال مُعْتَمِر بن سُلَيْمان : قال لي أبي عند موته : يا معتمر حَدَّثَنِي بالرُّخَص لَعَلِّي ألْقَى اللَّه وأنا حَسَن الظّنّ بِه .


    والمغرور مَن غرّته الأماني !

    قال الحسن البصري : إن قومًا ألْهَتْهُم أمَاني المغفرة حتى خَرَجوا مِن الدنيا وليست لهم حسنة . رواه ابن أبي الدنيا في " الوَجَل والتوثق بالعمل " .

    ولَمّا جاء الْمُغِيرَةُ بْنُ مُخَادِشٍ فسَأَلَ الْحَسَنَ البصري ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِمُجَالَسَةِ أَقْوَامٍ يُحَدِّثُونَا حَتَّى تَكَادَ قُلُوبُنَا تَطِيرُ ؟ فَقَالَ : أَيُّهَا الشَّيْخُ ، إِنَّكَ وَاللَّهِ إِنْ تَصْحَبْ أَقْوَامًا يُخَوِّفُونَكَ حَتَّى تُدْرِكَ أَمْنًا ؛ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ أَقْوَامًا يُؤَمِّنُونَكَ حَتَّى تَلْحَقَكَ الْمَخَاوِفُ .
    رواه ابن أبي الدنيا في " الوَجَل والتوثق بالعمل " .


    وسبق مقال بعنوان :
    التقوى في القلوب ،،، والباقي مظاهر
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?p=7701

    ومقال بعنوان :
    قَـطَـع الله يَـدك !
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=1616

    وخُطبة بعنوان :
    الصلاة وفوائدها
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=12160

    وسبق :
    شرح أحاديث عمدة الأحكام
    الحديث 54 ، 55 في الكلام على الصلاة الوسطى والفائتة
    http://saaid.net/Doat/assuhaim/omdah/051.htm

    كيف نُوفّق بين حديث " إن العبد ليحرم الرزق من ذنب يصيبه " ، وبين التوسيع على العُصاة في الرزق ؟
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=10428

    لماذا يملك العاصُون والمجاهرون بالمعصية أموالا طائلة ؟
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=5579

    نَشَرتُ موقِعًا إباحيًا وندمت وتُبت ، وأخشى أن لا تُقبَل توبتي
    http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=10836




    وبالله تعالى التوفيق .


    كَتَبه الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
    التعديل الأخير تم بواسطة مشكاة الفتاوى ; 10-11-18 الساعة 08:48 AM
    حساب مشكاة الفتاوى في تويتر:
    https://twitter.com/al_ftawa

    :::::::::::::::::::::

    هل يجوز للإنسان أن يسأل عمّا بدا له ؟ أم يدخل ذلك في كثرة السؤال المَنهي عنها ؟
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=98060


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •