بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين رحمه الله
التسميةُ في الوُضُوءِ مَعَ الذِّكْرِ
قوله: «وتجبُ التَّسميةُ في الوُضُوءِ مع الذِّكر» ،
أي يقول: بسم الله، ويكون عند ابتدائه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا وُضُوء لِمَنْ لم يَذكرِ اسم الله عليه» (1) ، فدلَّ هذا على أنَّها واجبةٌ،
وأنها في البداية، وهذا المشهور؛ لأن التَّسمية على الشيء تكون عند فعله كما في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكلوه» (2) .
والتَّسمية على الذَّبيحة تكون عند الذَّبح قبل الشُّروع فيه، وهذا المشهور من المذهب؛ بناء على القاعدة المعروفة:
«أن النَّفي يكون أولاً لنفي الوجود، ثم لنفي الصِّحة، ثم لنفي الكمال» .
فإِذا جاء نصٌّ في الكتاب أو السُّنَّة فيه نفيٌ لشيء؛
فالأصل أن هذا النفيَ لنفي وجود ذلك الشيء،
فإن كان موجوداً فهو نفي الصِّحَّة، ونفيُ الصِّحَّة نفيٌ للوجود الشَّرعي،
فإنْ لم يمكن ذلك بأن صحَّت العبادة مع وجود ذلك الشيء، صار النَّفيُ لنفي الكمال لا لنفي الصِّحَّة.
مثالُ نفي الوجود: «لا خالق للكون إلا الله» .
مثال نفي الصِّحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب» .
ومثال نفي الكمال: «لا يُؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» .
فإِذا نزَّلنا حديث التَّسمية في الوُضُوء على هذه القاعدة فإِنَّها تقتضي أن التسمية شرطٌ في صِحَّة الوُضُوء، لا أنَّها مجرَّد واجب؛ لأن نفيَ الوُضُوء لانتفاء التَّسمية معناه نفي الصِّحَّة، وإذا انتفت صحَّة العبادة بانتفاء شيء كان ذلك الشيء شرطاً فيها.
ولكنَّ المذهب أنها واجبة فقط وليست شرطاً. وكأنهم عَدَلُوا عن كونها شرطاً لصحَّة الوُضُوء، لأنَّ الحديث فيه نظر؛ ولهذا ذهب الموفق رحمه الله إِلى أنها ليست واجبة بل سُنَّة (3) ؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله قال: «لا يثبت في هذا الباب شيء» ، وإِذا لم يثبت فيه شيء فلا يكون حُجَّة.
ولأن كثيراً من الذين وصفوا وُضُوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم يذكروا فيه التَّسمية، ومثل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصحُّ الوُضُوء بدونها لذُكِرَت.
وإذا كان في الحمَّام، فقد قال أحمد: «إذا عطسَ الرَّجلُ حَمِدَ الله بقلبه» (4) ، فيُخَرَّج من هذه الرِّواية أنَّه يُسمِّي بقلبه.
وقوله: «مع الذِّكر» أفادنا المؤلفُ رحمه الله أنها تسقط بالنِّسيان وهو المذهب، فإن نسيها في أوَّله، وذكرها في أثنائه
فهل يُسمِّي ويستمر، أم يَبْتَدِئُ؟ اختلف في هذه المسألة «الإِقناعُ» و «المُنتهى» ـ وهما من كتب فقه الحنابلة ـ
فقال صاحب «المنتهى» : يبتدئ (5) ، لأنه ذكر التسمية قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوُضُوء على وجهٍ صحيح.
وقال صاحب «الإقناع» : يستمر (6) ؛ لأنَّها تسقط بالنِّسيان إذا انتهى من جملة الوُضُوء، فإذا انتهى من بعضه من باب أولى.
والمذهب ما في «المنتهى» ، لأن المتأخِّرون يرون أنه إذا اختلف «الإقناع» و «المنتهى» فالمذهب «المنتهى» .
وقال الفقهاء: تجب التَّسميةُ في الغُسل (7) ؛ لأنه إِحدى الطَّهارتين فكانت التسمية فيه واجبة كالوُضُوء، ولأنها إِذا وجبت في الوُضُوء وهو أصغر، وأكثر مروراً على المكلَّف فوجوبُها في الحَدَث الأكبر من باب أولى.
وقالوا أيضاً: تجب في التيمُّم ؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل.
وقد يُعارَضُ في هذا فيُقال: إِن التيمُّمَ ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأنَّ التيمُّم إِنما يُطَهَّرُ فيه عضوان فقط: الوجه والكفَّان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يُقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمُّم، لكن الاحتياط أولى فيسمِّي عند التيمُّم أيضاً.
والمتأمِّل لحديث عمَّار بن ياسر وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا» (8) ، يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة في التيمُّم.
.................................................. ...........................................
الدكتو هشام محمد طاهر الحربي
الكتاب الاسلامي الالكتروني
http://180170.com/17v
.................................................. ..............
1 ] رواه أحمد (2/418) ، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء، رقم (101) ، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء رقم (399) ، وغيرهم من حديث أبي هريرة.
وفي إِسناده يعقوب بن أبي سلمة: «مجهول» .
إِلا أنه روي من حديث: أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة، وسهل بن سعد، وأبي سَبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس، ولا يخلو طريق منها من مقال.
قال ابن كثير: «رُويَ من طُرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً، فهو حديث حسن أو صحيح» .
قال ابن حجر: «والظَّاهر أن مجموع هذه الأحاديث يحدث منها قوَّة» .
وصحَّحه: أبو بكر بن أبي شيبة. وحسَّنه: العراقي، وابن الصَّلاح، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم.
انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (1/170) ، «إِرشاد الفقيه» لابن كثير (1/36) ، «التلخيص الحبير» رقم (70) .
2 ] رواه البخاري، كتاب الشركة: باب قسمة الغنائم، رقم (2488) ، ومسلم، كتاب الأضاحي: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم (1968) عن رافع بن خديج.
3 ] انظر: «المغني» (1/145) ، «الإِنصاف» (11/273) .
4 ] انظر: «المغني» (1/227) ، «الإِنصاف» (1/191) .
5 ] انظر: «منتهى الإِرادات» (1/17) .
6 ] انظر: «الإِقناع» (1/41) .
7 ] انظر: «الإِنصاف» (1/274، 275) ، «الإِقناع» (1/40) .
8 ] رواه البخاري، كتاب التيمم: باب التيمم ضربة، رقم (347) ، واللفظ له، ومسلم كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368) .