صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 24 من 24
  1. #16
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    هل التفجيرات من الجهاد | الشيخ صالح الفوزان


    https://www.youtube.com/watch?time_c...&v=4QA9iImnByk
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  2. #17
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    مفهوم الغلو في الدين


    السؤال:


    ما معنى الغلو في الدين؟

    الجواب:


    الغلو في الدين الزيادة، يقال غلت القدر إذا زادت، الغلو معناه الزيادة والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين والله يقول سبحانه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171] يعني لا تزيدوا يعني لا يزيد على ما شرع الله.


    مثل محبة الأنبياء حق ومحبة الصالحين حق فإذا زاد في هذا حتى يدعوهم مع الله وحتى يستغيث بهم حتى ينذر لهم هذا ظلم، يحبهم ويطيع الله جل وعلا .. ويسير على نهجهم لكن لا نزيد حتى نعبدهم لا.

    حب الأنبياء وحب الصالحين لكن لا نزيد لا نغلو حتى نجعلهم آلهة مع الله لا، ولكن نتبع الرسل رسولنا ï·؛ وننقاد لما جاؤوا به من دون غلو من دون زيادة، فإن العبادة حق الله وحده ïپ‰، فلا نغلو في قبورهم لا نبني عليها المساجد، ولا نحط عليها القباب ولا ندعو أهلها بالمدد هذا غلو، ولكن نقبرهم كما قبر المسلمون في عهد النبي ï·؛ وبعده في الأرض ولا نرفع قبورهم ولا نبني عليها هذا هو الحق، هذا هو الشرع، فإذا زاد على هذا صار غلوًا.


    والغلو تارة يكون بدعة، وتارة يكون شركًا، الغلو بعض الأحيان يكون بدعة، الذي يبني على القبور وبناء المساجد عليها وبناء القباب عليها هذه بدع، ودعاؤهم من دون الله والاستغاثة بهم والنذر لهم هذا شرك، نسأل الله العافية.



    https://binbaz.org.sa/fatwas/1506/%D...AF%D9%8A%D9%86
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  3. #18
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    السؤال:
    ما معنى الغلو في الدين؟


    الجواب:
    الغلو في الدين الزيادة، يقال غلت القدر إذا زادت، الغلو معناه الزيادة والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين والله يقول سبحانه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]


    يعني لا تزيدوا يعني لا يزيد على ما شرع الله.

    مثل محبة الأنبياء حق ومحبة الصالحين حق فإذا زاد في هذا حتى يدعوهم مع الله وحتى يستغيث بهم حتى ينذر لهم هذا ظلم، يحبهم ويطيع الله جل وعلا .. ويسير على نهجهم لكن لا نزيد حتى نعبدهم لا.



    حب الأنبياء وحب الصالحين لكن لا نزيد لا نغلو حتى نجعلهم آلهة مع الله لا، ولكن نتبع الرسل رسولنا صلى الله عليه وسلمï·؛ وننقاد لما جاؤوا به من دون غلو من دون زيادة، فإن العبادة حق الله وحده ïپ‰، فلا نغلو في قبورهم لا نبني عليها المساجد، ولا نحط عليها القباب ولا ندعو أهلها بالمدد هذا غلو، ولكن نقبرهم كما قبر المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلمï·؛
    صلى الله عليه وسلم وبعده في الأرض ولا نرفع قبورهم ولا نبني عليها هذا هو الحق، هذا هو الشرع، فإذا زاد على هذا صار غلوًا.



    والغلو تارة يكون بدعة، وتارة يكون شركًا، الغلو بعض الأحيان يكون بدعة، الذي يبني على القبور وبناء المساجد عليها وبناء القباب عليها هذه بدع، ودعاؤهم من دون الله والاستغاثة بهم والنذر لهم هذا شرك، نسأل الله العافية.






    https://binbaz.org.sa/fatwas/1506/%D...AF%D9%8A%D9%86
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  4. #19
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    معنى الغلّوّ في الدين،وما حُكم الإسلام في الغلّو

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم،


    الحمد لله رب العالمين وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين

    أما بعد فإنَّ هذا الدين- ولله الحمد- دين السماحة واليُسر(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)


    فهو وسطٌ واعتدال بين الغلّوِ وبين التساهل، فلا إفراط ولا تفريط،


    والغلّو هو الزيادة في الشيء، يُقال (غلا القدر) إذا زادَ وارتفع فيهِ الغليان،

    فالغلّو هو التشدد والتزيد في أمور الدين،

    وقد أنكرَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المُتشددين وقالَ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ،هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قَالَهَا ثَلَاثًا،

    ولمّا جاءَ نفرٌ من أصحابهِ يسألونَ عَنْ عَمَلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليقتدوا بهِ، لما أُخبروا عن عملهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أخبرتهم أُمهاتُ المؤمنين، زوجات الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَ، ولكنهم التمسوا العُذر لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا :أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، وقَالَ الآخَرُ أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي ولا أنام، وقال الثالث فأَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فلما أُخبرَ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بمقالتهم غَضِبَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وخطبَ وقال مَا بَالُ أقْوامٍ يقولون كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، وإنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُقومُ وَأَرْقُدُ،أو أقومُ وأنام، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).


    وما عُرفَ الغلّو والتطرّف والتشدد إلا عن الخوارِج،والخوارِج فرقةٌ ضالّة مُتشددة،

    والنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبر عنهم، وأنكّرَ عليهم تشددهم، وحذّرَ منهم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غاية التحذير،


    وأخبر أنهم سيكون لهم اتباع، ويكون لهم ورَثَة، يستمر هذا إلى آخر الزمان وهذا من الابتلاء والامتحان على الأُمة،


    ولكنهُ حَذّرَ منهم، لأنهم يقتلون المسلمين ويتركون الكفار!


    لأنهم ينحازون عن المسلمين، وينفردون عن المسلمين ولا يأخذون العلم عن الصحابة، ولا عمن جاء بعدهم،


    فهذه صفات الخوارِج، وهم قومٌ ضالون ولهم أتباع ينهجون هذا المنهج إلى آخر الوقت،


    حذّرَ منهم الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فمنهم من يُعلن بمذهب الخوارج ويعتنقهُ ويُنفذهُ،

    ويستّحل دماء المسلمين، ومنهم من لا يفعل ذلك لكنه يُسوّغ مذهبهم ويُثني عليه، ويمدحهُ،


    وهؤلاء خوارِج يُسمون الخوارج القَعدة. فعلى كُل حال هذا مذهبٌ باطِل، ومذهبٌ مُنكّر،


    كما إنَّ الطَرَف الثاني وهُم أهل التساهل والتراخي في الدين، والتفريط في الدين أيضًا مذمومون فلا إفراط ولا تفريط، لا غلّو ولا تساهل،


    وإنما ديننا وسط واعتدال ولله الحمد، وهو ما مشى عليه الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو وأصحابهُ ومن جاءَ بعدهُ- قالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا :َمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)،


    فهؤلاء هم الفرقة الناجية، وما عداهم ممن خالفهم بغلّوٍ وتشدد أو بتساهل وتفريط فإنهُ ليس منهم، وهو مسئول عن مذهبهِ وإفراطهِ أو تفريطه، فالدين دين الوسط والاعتدال ولله الحمد،


    وهؤلاء الذين ينحونَّ منحى الخوارِج اليوم، هؤلاء هم خوارِج، خوارِج العصر، مذهبهم مذهب الخوارِج السابقين،


    ويُتخذ معهم الإجراء الذي اتُخذَ مع الخوارِج السابقين منعًا لِشرّهم، ودفعًا لضررهم عن الأُمة.


    نسألُ الله- سبحانهُ وتعالى- أنَّ يُوفقَ وليَّ أمرِنا، وأن يُوفقَ رجال الأمن، وأن يُوفق المسلمين عمومًا لمقاومةِ هؤلاء، فإنَّ كل المسلمين رجال أمن كما قال الأمير نايف-رحمهُ الله- إنَّ كل المسلمين رجال أمن يتعاونون.
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  5. #20
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    معنى الغلّوّ في الدين،وما حُكم الإسلام في الغلّو.... الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم،


    الحمد لله رب العالمين وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين

    أما بعد فإنَّ هذا الدين- ولله الحمد- دين السماحة واليُسر(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)


    فهو وسطٌ واعتدال بين الغلّوِ وبين التساهل، فلا إفراط ولا تفريط،


    والغلّو هو الزيادة في الشيء، يُقال (غلا القدر) إذا زادَ وارتفع فيهِ الغليان،

    فالغلّو هو التشدد والتزيد في أمور الدين،

    وقد أنكرَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المُتشددين وقالَ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ،هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قَالَهَا ثَلَاثًا،

    ولمّا جاءَ نفرٌ من أصحابهِ يسألونَ عَنْ عَمَلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليقتدوا بهِ، لما أُخبروا عن عملهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أخبرتهم أُمهاتُ المؤمنين، زوجات الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَ، ولكنهم التمسوا العُذر لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا :أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، وقَالَ الآخَرُ أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي ولا أنام، وقال الثالث فأَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فلما أُخبرَ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بمقالتهم غَضِبَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وخطبَ وقال مَا بَالُ أقْوامٍ يقولون كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، وإنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُقومُ وَأَرْقُدُ،أو أقومُ وأنام، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).


    وما عُرفَ الغلّو والتطرّف والتشدد إلا عن الخوارِج،والخوارِج فرقةٌ ضالّة مُتشددة،

    والنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبر عنهم، وأنكّرَ عليهم تشددهم، وحذّرَ منهم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غاية التحذير،


    وأخبر أنهم سيكون لهم اتباع، ويكون لهم ورَثَة، يستمر هذا إلى آخر الزمان وهذا من الابتلاء والامتحان على الأُمة،


    ولكنهُ حَذّرَ منهم، لأنهم يقتلون المسلمين ويتركون الكفار!


    لأنهم ينحازون عن المسلمين، وينفردون عن المسلمين ولا يأخذون العلم عن الصحابة، ولا عمن جاء بعدهم،


    فهذه صفات الخوارِج، وهم قومٌ ضالون ولهم أتباع ينهجون هذا المنهج إلى آخر الوقت،


    حذّرَ منهم الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فمنهم من يُعلن بمذهب الخوارج ويعتنقهُ ويُنفذهُ،

    ويستّحل دماء المسلمين، ومنهم من لا يفعل ذلك لكنه يُسوّغ مذهبهم ويُثني عليه، ويمدحهُ،


    وهؤلاء خوارِج يُسمون الخوارج القَعدة. فعلى كُل حال هذا مذهبٌ باطِل، ومذهبٌ مُنكّر،


    كما إنَّ الطَرَف الثاني وهُم أهل التساهل والتراخي في الدين، والتفريط في الدين أيضًا مذمومون فلا إفراط ولا تفريط، لا غلّو ولا تساهل،


    وإنما ديننا وسط واعتدال ولله الحمد، وهو ما مشى عليه الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو وأصحابهُ ومن جاءَ بعدهُ- قالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا :َمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)،


    فهؤلاء هم الفرقة الناجية، وما عداهم ممن خالفهم بغلّوٍ وتشدد أو بتساهل وتفريط فإنهُ ليس منهم، وهو مسئول عن مذهبهِ وإفراطهِ أو تفريطه، فالدين دين الوسط والاعتدال ولله الحمد،


    وهؤلاء الذين ينحونَّ منحى الخوارِج اليوم، هؤلاء هم خوارِج، خوارِج العصر، مذهبهم مذهب الخوارِج السابقين،


    ويُتخذ معهم الإجراء الذي اتُخذَ مع الخوارِج السابقين منعًا لِشرّهم، ودفعًا لضررهم عن الأُمة.


    نسألُ الله- سبحانهُ وتعالى- أنَّ يُوفقَ وليَّ أمرِنا، وأن يُوفقَ رجال الأمن، وأن يُوفق المسلمين عمومًا لمقاومةِ هؤلاء، فإنَّ كل المسلمين رجال أمن كما قال الأمير نايف-رحمهُ الله- إنَّ كل المسلمين رجال أمن يتعاونون.
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  6. #21
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    بسم الله الرحمن الرحيم


    سارة بنت فراج العقلا


    المسائل والقضايا المتعلقة بالإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائلُ عظيمة جدًا،


    فإن الله علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم بعد خلافهم هذا ظهرت بقية الفرق وصارت الأمة شيعًا وأحزابًا[ 1 ].


    وكان من الفوائد التي أخذت من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)[ 2 ] الزجرُ عن التكفير، والتحذيرُ منه، والوعيدُ الشديد لمن تلبس به[ 3 ].


    فالتكفير من الأحكام الشرعية التي مردّها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يُكفّر ولا يُفسّق إلا من دلّ الكتاب والسنة على كفره أو فسقه،


    والأصل في المسلمِ الظاهرِ العدالةِ: بقاءُ إسلامِه، وبقاءُ عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي[ 4 ].


    فلا يُصار إلى التكفير بمجرد الظن والهوى، فهو من أعظم القول على الله بلا علم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 33].


    فالحكم على إنسان ما بالكفر حكم شرعي، مضبوط بضوابط معلومة من الكتاب والسنة، فلا يُصار إليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة عليه بالكفر، فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت[ 5 ]، ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: "باب النهي عن البغي" وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدُهما يُذنب، والآخرُ مجتهدٌ في العبادة، فكان لا يزال المجتهدُ يرى الآخر على الذنب فيقول: أَقْصِر، [أي كُفَّ عن الذنب، وتوقف عن فعله] فوجده يومًا على ذنب فقال له: أَقْصِر، فقال: خلّني وربي، أَبُعِثْتَ عليّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًاً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته[ 6 ].


    وقال القاضي عياض في مطلع فصل المُكفّرات القولية: "اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه"[ 7 ].


    وقال ابن تيمية مؤكداً على هذا: "الكفر: حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل يكون كفرًا في الشرع"[ 8 ].


    وقال ابن الوزير: "إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه، وإن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا، ولا نزاع في ذلك"[ 9 ].


    فلا يُتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، ولا يُخرج إنسان من الإسلام بمجرد الفهم واستحسان العقل، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين، وما تنازع العلماء في كونه كفراً، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نصّ صريح من الكتاب أو السنة[ 10 ]، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر عظيم، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد[ 11 ].


    ولما أنْ كان التكفير حكماً شرعياً فقد كان أهل العلم والسنة لا يُكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفّرهم! فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخَطئون ولا يكفرون، فالكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، فكما لا يجوز للإنسان أن يكذب على من كذب عليه، أو يزني بأهل من زنى بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، فكذلك التكفير حق الله تعالى، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله[ 12 ].


    ومن الآثار المترتبة على التكفير والدالّة على خطورته: ما ذكره الفقهاء من الأحكام الخاصة بالمرتد مثل: قتله لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)[ 13 ]، وكون ماله يصير فيئًا لا يرث ولا يُورث، وعدم صحة تزويجه لأنه لا ولاية له، وتحريم ذبيحته، وترك الصلاة عليه، وما إلى ذلك من أحكام[ 14 ]،


    بل إنّ عقوبة الكافر المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه، منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعتمد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء، ومنها: أن المرتد لا يُزوّج ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي، فهو -أي المرتد- شرّ من اليهود والنصارى[ 15 ].


    ثم مما يبيّن خطورة التكفير والحكم على شخص بأنه كافر مستحق للقتل: خطورة القتل، روى الترمذي من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ورأسه وناصيته بيده، وأوداجه تشخب دمًا، يقول: يا رب سلْ هذا فيم قتلني؟) وقال: حديث حسن[ 16 ].


    وفيه أيضاً عن نافع قال: "نظر عبد الله يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك"[ 17 ].


    وفي صحيح البخاري: (ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة كف من دم أهراقه فليفعل)[ 18 ].


    وفي صحيحه أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)[ 19 ].


    وفيه: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)[ 20 ]، فإذا كانت هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن الذي صحّ أن الله يعادي من يؤذيه ويؤذنه بالحرب[ 21 ].


    فإذا كان للتكفير هذه الآثار والتي من أعظمها القتل،


    فإنه لا يحكم به إلا القضاةُ الذين يتولّون الفصل والقضاء في سائر الحدود، فمن باب أولى ألا يحكم بارتداد المرتد غيرهم.


    ويؤخذ من قول الفقهاء وعامة أهل العلم: أن قتل المرتد إلى الإمام حرًا كان أو عبدًا، أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى إقامة حد القتل[ 22 ].


    المصدر: مجلة البحوث الإسلامية، (83 / 156- 163)، جزء من بحث بعنوان: "الكفر مفهومه وأنواعه والغلاة فيه"


    --------------------------------------


    1 - جامع العلوم والحكم لابن رجب، (1/ 114)
    2 - رواه مسلم (60)
    3 - شرح النووي (2/ 49)، وفتح الباري لابن حجر (10/466)
    4 - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لابن عثيمين، (1/237)
    5 - ينظر شرح الطحاوية لابن أبي العز (2/485)
    6 - حديث رقم (4901)
    7 - الشفاء (2/ 604)
    8 - درء تعارض العقل والنقل (1/ 442)
    9 - العواصم والقاصم (4/ 178-179)
    10 - رسالة في حكم من يكفر غيره من (5 /522)
    11 - الشفا للقاضي عياض، (2/595)
    12 - ينظر الرد على البكري لابن تيمية ص (257)
    13 - البخاري (6878) ومسلم (1676)
    14 - المغني (12/264)
    15 - ينظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/234) ومجموع الرسائل والمسائل (4/43)
    16 - حديث رقم (3029)
    17 - أخرجه الترمذي (2032) موقوفا على ابن عمر، وأخرجه ابن ماجه (3932) مرفوعاً بإسناد فيه مقال كما قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (1/245)
    18 - حديث رقم (7152)
    19 - حديث رقم (6862)
    20 - حديث رقم (3166)
    21 - العواصم والقاصم لابن الوزير (9/34)
    22 - المغني لابن قدامة (12/ 272)
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  7. #22
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    التعريف بالخوارج وبيان نشأتهم


    سارة بنت فراج العقلاء


    الخوارج: جمع خارجة، أي: طائفة، وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولهم عدة أسماء منها : الحرورية والشراة والمحكّمة وغيرها.فأما الخوارج فسموا به -على رأي ابن حجر -لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين"،[ 1 ]


    أو "لخروجهم عن الجماعة، وقيل لخروجهم عن طريق الجماعة" [ 2 ]؛


    لأن كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان"[ 3 ].


    وسمّوا بالحرورية لنزولهم بحروراء في أول أمرهم حروراء: قرية على ميلين من الكوفة وإليها نسبت الخوارج،[ 4 ]،


    وبالمـُحكّمة لإنكارهم أمر الحكمين، وقولهم: لا حكم إلا لله، وبالشراة لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة [ 5 ].


    إلا أن اسم الخوارج في معناه الأول الذي يشير إلى الانشقاق ومفارقة الجماعة أصبح الاسم السائر على هذه الجماعة. [ 6 ]


    ويجمعهم القول بتكفير عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأصحاب الجمل، وصفين، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، وصوّب الحكمين أو أحدهما، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنّة حقًا واجبًا، وأجمعوا على أن كلّ كبيرة كفر، وأن مرتكبي الذنوب كفّار، إلا النجدات خالفتهم في ذلك، وكذلك أجمعوا على أن الله –سبحانه- يعذّب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا، إلا النجدات. [ 7 ]


    ويرى بعض المؤلفين في الفرق أن أوّل قرن طلع من الخوارج ظهر في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رجل طعن على النبي -صلى الله عليه وسلم- في قسمته، واسمه: عبد الله ذو الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم" :ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ "


    [ 8 ] فأراد عمر -رضي الله عنه- قتله فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث في صفة الخوارج، وأنهم يخرجون من ضئضيء هذا الرجل [ 9 ].


    ورغم هذه الصلة القوية إلا أن الخوارج لم يظهروا كجماعة إلا بعد حادثة التحكيم. [ 10 ]



    ويرى جماعة من العلماء أن أصل الخوارج: الجماعة التي أنكرت على عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وكان يقال لهم القرّاء لشدة اجتهادهم في العبادة، واجتمعوا من بلدان شتى، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنكروا سيرة بعض أقارب عثمان بن عفان، فطعنوا على عثمان بذلك، جاء في البداية والنهاية أن أهل البصرة خرجوا ومعهم حرقوص بن زهير، الذي صار من قادة الخوارج فيما بعد. [ 11 ]


    ومع ذلك فلم يجتمعوا، ولم تتبلور عقائدهم على ما صارت إليه إلا بعد حادثة التحكيم .
    فالصحيح أن هؤلاء كانوا نواة للخوارج، إلا أن خروجهم الحقيقي كان في عهد علي -رضي الله عنه- فقد كانوا معه في حربه، فلما رُفعت المصاحف في موقعة صفين، ألجؤوا عليًا إلى قبول ذلك وقالوا له: يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلا دفعنا برمتك إلى القوم، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلن بك. [ 12 ].


    فلما قبل علي بذلك وكتب الكتاب بقبول التحكيم، أنكرت الخوارج ذلك، وحين رجع إلى الكوفة فارقته إلى مكان يقال له حروراء، ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع جماعة منهم، ثم خرج إليهم علي -رضي الله عنه- فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة، وأشاعوا أن عليًا تاب من الحكومة، فخطبهم وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله،


    فقال رضي الله عنه: كلمة حق يراد بها باطل،


    وقال لهم: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا.


    وخرجوا شيئًا فشيئًا إلى أن اجتمعوا بالمدائن، وأصروا على الامتناع من طاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حتى يشهد على نفسه بالكفر؛ لرضاه بالتحكيم -مع أنهم هم الذين ألجؤوه إلى قبوله- ويتوب من ذلك، وأرادوا قتل رسول أمير المؤمنين، ثم قتلوا عبد الله ابن خباب بن الأرَتّ، [ 13 ]


    وكان واليًا لعلي، وبقروا بطن سريته عن ولد له، فخرج إليهم علي -رضي الله عنه- في الجيش الذي هيأه للخروج إلى أهل الشام، وقاتلهم في موقعة النهروان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولم يقتل من جيش علي إلا عشرة. [ 14 ]
    وقد عُرف عن الخوارج الشدة في القتال والثبات والإقدام على الموت. [ 15 ]ولكن لم تضع معركة النهروان نهاية للخوارج؛ بل أذكت فيمن بقي منهم روح القتال، وانضم إليهم مَنْ مَالَ إلى رأيهم، حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي قتل عليًا بعد أن دخل في صلاة الصبح، وقال لما ضربه: لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي، ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207]،


    ومدحه على فعله عمران بن حطّان في ذلك :


    يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً


    إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً [ 16 ]


    ثم كانوا مقموعين في إمارة زياد، وابنه عبيد الله على العراق، وظهروا ثانية لـمّا ادّعى مروان بن الحكم الخلافة وغلب على الشام ومصر، فظهر الخوارج بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج: أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، "وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن، وقَطَعوا يدَ السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها" [ 17 ]،



    ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخل طائفة منهم المغرب.
    وسيأتي في النصوص الواردة في ذمهم الإشارة إلى صفة الرجل الذي يُقتل معهم وهو ذو الثُدَيَّة وهي كما يقول ابن تيمية رحمه الله: علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين بأولئك القوم، فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر [ 18 ].



    ومثلما كان للخوارج حضور في أول الفتن فسيكون لهم حضور في آخرها؛ قال حذيفة أول الفتن: قتل عثمان، وآخر الفتن: الدجال.[ 19 ]


    فلا يزال الخوارج يخرجون حتى يدرك آخرهم الدجال، جاء عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:


    (ينشأ نشأٌ يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلّما خرج قرن قُطع -


    قال ابن عمر: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلما خرج قرن قطع" أكثرَ من عشرين مرة- حتى يخرج في عِراضهم الدجال
    )[ 20 ]



    وهذا ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما قُتل أهل النهروان وصار الناس يقولون له: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قَطَع دابرهم،


    فقال علي: كلا والله، إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقلَّ ما يَلقَونَ أحدًا إلا أَلبوا أن يظهروا عليه[ 21 ].



    النصوص الواردة في التنفير منهم:



    جاءت نصوص كثيرة تحذر من الخوارج، وتذم مذهبهم، وذلك في السنة النبوية، وكذلك في أقوال الأئمة .قال الإمام أحمد: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه.



    وقال ابن تيمية: وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه: حديث علي وأبي سعيد الخدري، وسهيل بن حنيف، وفي السنن والمسانيد طرق أخرى متعددة.[ 22 ].



    وذكر الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد[ 23 ].


    فمنها الحديث الصحيح في الرجل الذي أنكر قسمة النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في ضرب عنقه فلم يأذن له، وقال: دعه، فإن له أصحابًا يحقِر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرُقُون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، يُنْظَر في قُذّذِه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نعله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصَافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر في نّضِيّه فلم يوجد فيه شيء، قد سبَقَ الفرثَ والدمَ، آيتهم رجلٌ إحدى يديه -أو قال ثدييه- مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البَضعة تَدَرْدَر، يخرجون على حين فرقة من الناس)[ 24 ].



    قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليًا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم.[ 25 ]



    وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتال الخوارج، وبيّن أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة)[ 26 ].



    فأكرم الله عليًا بقتلهم وقاتل معه الصحابة، "فصار سيف علي بن أبي طالب في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة"[ 27 ].


    قال الإمام البخاري: وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: انطلَقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين [ 28 ]وكان علي -رضي الله عنه- يقول: هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103-104] منهم أهل النهروان ورب الكعبة [ 29 ].


    وجاء عن أبي أمامة أنه لما أتي برؤوس الأزارقة فنصبت ورآهم؛ دمعت عيناه وقال:كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار، ثلاث مرات، هؤلاء شرّ قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، فسئل: وما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم لأنهم كانوا من أهل الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعًا. [ 30 ]



    والنصوص الواردة في ذم الخوارج أكثر من النصوص الواردة في ذم غيرهم من الفرق، مع أن غيرهم من الفرق قد يكون أشد ابتداعًا منهم، ولكن بدعتهم واضحة،


    أما هؤلاء فالفتنة بهم أعظم؛ لأن لهم إيمانًا وحالاً ظاهرة من الصلاح توجب موالاتهم،


    ودخلوا في تلك البدعة التي تفسد الدين؛



    فلذا جاء النص في التحذير منهم، وعلى هذا فلا بد من التحذير ممن تلبس ببدعتهم، وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم؛ ذلك أن بدعة التكفير أشد من غيرها من البدع. [ 31 ]



    أساس بدعة الخوارج:

    جاء في الأحاديث السابقة وغيرها الإشارة إلى اجتهاد الخوارج في العبادة من صلاة، وصيام، وتلاوة قرآن وما إلى ذلك من إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك جاء التحذير الشديد منهم في الأحاديث وعلى لسان الصحابة، كما سبق من وصْف ابن عمر لهم بأنهم شرار الخلق،


    وذلك أن أساس بدعتهم –كما يقول الآجري- أنهم "قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين" [ 32 ]


    فمذهبهم قام على الغلو والتشدد في فهم الدين [ 33 ]،



    فهم كانوا جهّالاً فارقوا السنة والجماعة، يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع [ 34 ]،


    ووصفهم ابن عباس عند ذهابه لمناظرتهم فقال: "فأتيت فدخلت على قوم لم أرَ أشدّ اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلمة من آثار السجود. [ 35 ]



    وكان لعسكرهم مثل دوي النحل من قراءة القرآن، وفيهم أصحاب البرانس الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة. [ 36 ]


    فالخوارج كان فيهم غلو في الديانة وتشديد في غير موضع التشديد، وتنطّع في العبادة بحمل النفس على ما لم يأذن فيه الشرع مع وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، ومع أنه ندب إلى الشدة مع الكفار وإلى الرأفة بالمؤمنين فعكس ذلك الخوارج. [ 37 ]



    ولما ذكر لابن عباس الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن، قال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه [ 38 ]


    وكان علي يقول وهو يمشي بين القتلى منهم: بؤسًا لكم، لقد ضرّكم من غرّكم. فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين: ومن غرّهم؟ قال: الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون [ 39 ]



    وكان عبد الله بن وهب الراسبي -أحد أمراء الخوارج- قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود [ 40 ]



    فلا يُنازع في أن الخوارج كان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، ولكن ضلالهم كان في اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وأنهم هم -أي الخوارج- أعلم من علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة الذين عاصروا التنزيل، فهم أعلم بالتأويل منهم! وهذا ما ذكره ابن عباس لهم عندما ذهب لمناظرتهم فقال: "أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار، ومن عند صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم. [ 41 ]



    فالخوارج لم يتحملوا ما فعله أميرا المؤمنين عثمان وعلي -رضي الله عنهما- من أنواع التأويل فجعلوا كما يقول ابن تيمية: "موارد الاجتهاد بل الحسنات ذنوبًا، وجعلوا الذنوب كفرًا، ولهذا لم يخرجوا في زمن أبي بكر وعمر لانتفاء تلك التأويلات وضعفهم" [ 42 ]


    ولا غرو في أن ينكر الخوارج على الصحابة -رضوان الله عليهم- وعلى علي -رضي الله عنه- ما فعله من قصد المصلحة من التحكيم، ومحو اسمه، وما تركه من سبي نساء المؤمنين وصبيانهم، فقد أنكر أولهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إعطاء المؤلفة قلوبهم مع ما فيه من المصلحة، وهذا إنما ينكره ذوو الدين الفاسد الذي لا يصلح به دنيا ولا آخرة، فلهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتالهم وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) [ 43 ]



    أي قتلاً عامًا مستأصلاً، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة. [ 44 ]



    قال الآجري: "فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلاً كان الإمام أو جائرًا، فخرج وجمع جماعة، وسلّ سيفه، واستحل قتال المسلمين،


    فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج". [ 45 ]



    ويجدر هنا التأكيد على أن حسن النية، وسلامة القصد بمجردها لا تكفي، فالخوارج ضلوا من حيث أرادوا الخير، [ 46 ]



    وهذا يذكرنا بقول ابن مسعود -رضي الله عنه- لما رأى قومًا في المسجد ينتظرون الصلاة، معهم حصى، وفيهم رجل يقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، ثم يقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ثم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فعاتبهم؛ فاعتذروا بأنهم إنما أرادوا الخير، فقال لهم: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: "رأينا عامة أولئك الحِلَقِ يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج". [ 47 ]



    المصدر: مجلة البحوث الإسلامية (83/ 140-156) جزء من بحث بعنوان: "الكفر مفهومه وأنواعه والغلاة فيه"






    1 - فتح الباري (12/283)
    2 - شرح النووي (7/164)
    3 - الملل والنحل للشهرستاني (1/114)
    4 - ينظر معجم البلدان ياقوت الحموي، (2/345)
    5 - مقالات الإسلاميين للأشعري (1/206)
    6 - دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة ص (36)
    7 - مقالات الإسلاميين (1/167) الفرق بين الفرق ص (50) الملل والنحل (1/115) الفتاوى لابن تيمية (7/481)
    8 - البخاري (3414)
    9 - البخاري (6933)
    10 - دراسة عن الفرق ص (40)
    11 - الشريعة ص (21) فتح الباري (1/283) الفتاوى (28/488) البداية والنهاية (7/206)
    12 - البداية والنهاية (7/283)
    13 - البداية والنهاية (7/288)، الإصابة لابن حجر(2/302)
    14 - السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان ص (15)، البداية والنهاية (7/283)، فتح الباري (12/283)
    15 - فتح الباري (12/291)
    16 - سير أعلام النبلاء (4/215)
    17 - فتح الباري (12/284)
    18 - مجموع الفتاوى (28/495)
    19 - البداية والنهاية (7/201)
    20 - رواه ابن ماجة (174) وقال البوصيري: الحديث حسن
    21 - البداية والنهاية (7/300)
    22 - الفتاوى (28/512)
    23 - البداية والنهاية (7/301)
    24 - البخاري (6534)
    25 - البخاري (6933) ومسلم (1063)
    26 - رواه البخاري (6930) ومسلم (1066)
    27 - الشريعة للآجري ص (22)
    28 - فتح الباري (12/ 282). وقال ابن حجر: سنده صحيح
    29 - السيرة النبوية لابن حبان ص (546)
    30 - السنّة، عبد الله بن أحمد (2/643، 644)
    31 - مجموع الفتاوى (28/233)
    32 - الشريعة ص (21)
    33 - تاريخ المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة، ص (79)
    34 - فتح الباري لابن حجر، (12/283)
    35 - تلبيس إبليس لابن الجوزي، ص (91)، فتح الباري لابن حجر، (12/289)
    36 - فتح الباري لابن حجر، (12/296)
    37 - فتح الباري لابن حجر، (12/301)، وينظر شرح النووي (7/166)
    38 - فتح الباري لابن حجر، (12/300) وقال إسناده صحيح
    39 - البداية والنهاية لابن كثير، (7/299)
    40 - المصدر السابق (7/300)
    41 - تلبيس إبليس لابن الجوزي، ص (92)
    42 - مجموع الفتاوى (28/ 495)
    43 - رواه مسلم (1064)
    44 - ينظر مجموع الفتاوى (28/ 497-502)
    45 - الشريعة ص (21)
    46 - تاريخ المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة، ص (76)
    47 - رواه الدارمي (1/ 287)
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  8. #23
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    الرحمة من خلق المسلم والغلظة من خلق الخوارج

    الرحمة خلق كريم، أودعه الله في النفوس، به تستقيم الحياة وتطيب، وبه ترتقي وتزدهر، أمر الله سبحانه به في جميع شرائعه، وكمّله في شريعة "الرحمةِ المهداة"[ 1 ]صلى الله عليه وسلّم، الذي أرسله رحمة للعالمين، فجاءت تشريعات الإسلام كلها رحمة، سواء في العبادات أو المعاملات، بين المسلمين أنفسهم أو مع أعدائهم، أو مع غيرهم من الموجودات في هذا الكون.وقد وعد الله تعالى من يتصف بهذا الخلق بعظيم الجزاء (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ)[ 2 ]،

    أما الذين نزعت الرحمة من قلوبهم فهم شرار الخلق، وهم الأشقياء في الدنيا والآخرة.
    تعريف الرحمة:


    • الرحمة في اللغة:



    الرحمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ بمعنى الرحمة، قال الله عز وجل: {وتَواصَوْا بالصَّبْر وتواصَوْا بالمَرحَمَةِ}[البلد: 17] أَي: أَوصى بعضُهم بعضاً بِرَحْمَة الضعيف والتَّعَطُّف عليه.[ 3 ]وقال ابن فارس: "(رَحِمَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ وَالرَّأْفَةِ. يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ رَحِمَهُ يَرْحَمُهُ، إِذَا رَقَّ لَهُ وَتَعَطَّفَ عَلَيْهِ. وَالرُّحْمُ وَالْمَرْحَمَةُ والرَّحْمَةُ بِمَعْنًى"[ 4 ].
    • الرحمة في الاصطلاح:



    قال الجاحظ معرّفًا الرحمة: "الرّحمة خلق مركّب من الودّ والجزع، والرّحمة لا تكون إلّا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة، فالرّحمة هي محبّة للمرحوم مع جزع من الحال الّتي من أجلها رُحم"[ 5 ].وقال ابن القيم: "الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها"[ 6 ].ويذكر الشريف الجرجاني تعريف الرحمة بأنها: "إرادة إيصال الخير"[ 7 ].ويعرّفها أبو البقاء الكفوي بقوله: "هِيَ حَالَة وجدانية تعرض غَالِبا لمن بِهِ رقة الْقلب"[ 8 ].أما ابن عاشور فيعرّف الرحمة بقوله: "رقة في النفس تبعث على سَوق الخير لمن تتعدى إليه"[ 9 ].
    • الرحمة خلق عظيم من أخلاق المسلم:



    الرحمة خلق وصفة صبغ المسلم عليها، فتراه رحيمًا مع أسرته، رحيمًا في نصحه ودعوته، رحيمًا في تعاملاته، ورحيمًا حتى في جهاده. كيف لا يكون المسلم رحيمًا وقد علم أن الله هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته الخلائق كلها، وهذا ما شهد به على ذاته جل جلاله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الحجر: 49]. ليس هذا فحسب، بل أوجب على نفسه الرحمة: قال تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}[الأنعام: 12]. وقال سبحانه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}[الأنعام: 54]. وشهدت بهذا الملائكة: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}[غافر: 7]. كيف لا يكون المسلم رحيمًا والقرآن الذي يلتزم بتعاليمه وتشريعاته وأحكامه رحمة، قال تعالى: {حم ♦ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ♦ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ♦ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ♦ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ♦ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الدخان: 1-6]. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ♦ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[يونس: 57، 58].كيف لا يكون المسلم رحيمًا وقد سمع الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ)[ 10 ].كيف لا يكون المسلم رحيمًا ونبيه الذي صدّق برسالته موصوف من الله بأنه رحمة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107].  
    • الرحمة في خلق المجاهد:



    الجهاد في سبيل الله لا يعني الوحشية والتجرّد من الإنسانية، والتفلّت من التكاليف الشرعية، بل هو عبادة من العبادات، وهو ذروة سنام الإسلام، وفيه تتجلى الكثير من معاني وأخلاق الإسلام السامية التي يجب على المسلم أن يتحلّى بها، وللجهاد تشريعات خاصّة به تضبط الغاية منه، وتحدّد الطريق الصحيح لتحقيقها دون ظلم أو شطط.وقد كان إمام المجاهدين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم: القدوةَ الحسنة والمثالَ المحتذى في تطبيق تشريعات الإسلام الخاصّة بالجهاد، ومن أمثلة رحمته بالمجاهدين:[ 11 ].



    • حرصه على راحة الجيش: فعن جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)[ 12 ].
    • بكاؤه على أصحابه إن أصيبوا أو قتلوا: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ)[ 13 ].




    • إعفاؤه الضعفاء من القتال: روى الحسين بن علي رضي الله عنهما أنّ رجلا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني جبان وإني ضعيف. فقال: (هلمَّ إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج)[ 14 ].




    • منعه النساء والأطفال من الخروج للجهاد: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ ،
    • قَالَ: (لَا ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)[ 15 ].



    وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أُقْبَلْ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ أُقْبَلْ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَقُبِلْتُ)[ 16 ].



    • رعايته أسر المجاهدين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)[ 17 ].



    وكان -صلى الله عليه وسلم- يتفقد بنفسه شؤون أقارب الشهداء والمجاهدين، من ذلك ما رواه أنس -رضي الله عنه- من أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: (إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي)[ 18 ].وأما عن رحمته عليه الصلاة والسلام بالأعداء فتشمل أمورًا كثيرة من أهمّها:



    1. تحديد الهدف والغاية من قتالهم، فليس الجهاد لسلب الأموال ولا الاستيلاء على الأرض، ولا لمجّرد القهر والغلبة، بل لإزاحة من يقف عائقًا أمام نشر الإسلام، ويمنع وصوله إلى الناس، ولذا كانت وصيته لعلي -رضي الله عنه- وهو ذاهب لحرب يهود خيبر: (علَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)[ 19 ].



    وقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم)[ 20 ].



    1. وصية المجاهدين بعدم التعرض لغير المقاتلين، ومن ذلك وصيته لأصحابه بالتزام آداب الإسلام وعدم هدر ما لا حاجة إلى هدره، فعن بريدة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا...)[ 21 ].




    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم قال:

    (انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[ 22 ].



    ولقد تعاقب المسلمون على التزام هذه الوصايا، فهذا الصدّيق -رضي الله عنه- لمّا بعث الجيوش إلى الشام أوصاهم فقال:


    "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، فَإِنَّ اللهَ نَاصِرٌ دِينَهُ، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَجْبُنُوا، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعْصُوا مَا تُؤْمَرُونَ."[ 23 ].


    وكذا كانت وصيّة الفاروق عمر رضي الله عنه، فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ:

    كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصُبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ"[ 24 ].


    ليس هذا فحسب، بل وبالرحمة أوصى من بعدهم، فقد أخرج مالك في الموطأ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَهُمُ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ. فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا) وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ"[ 25 ].


    وأيّ رحمةٍ تلك التي دفعت بالنبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعفو ويصفح عن أهل مكة وهم الذين آذوه نكّلوا بأصحابه، وعذبوه وعذبوا أصحابه، أخرجوه من بيته وأخرجوا أصحابه... ثمّ كان العفو منه؟!

    الجهاد لم يكن للتشفي والانتقام وحب القتل، بل شُرع ردًّا للاعتداء ومنعًا للظالمين من ظلمهم فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}[الحج: 39].وقد تواترت أخبار الرحمة في جيوش المسلمين حتى اشتهرت هذه العبارة عنهم (ما عرف العالم فاتحاً أرحم من المسلمين)، وذلك لأنهم حين فتحوا البلاد: حرروا العباد من الطغاة المستبدين، وكان العدل أساسًا لحكمهم، والرحمة صفة مميزة لجيوشهم.



    • الرحمة المذمومة:



    في مقابل هذه الرحمة الممدوحة المطلوبة، هناك رحمة مذمومة ممجوجة، كالرحمة في المواطن التي تحتاج إلى شدة، وكذا عندما تكون في غير أهلها.


    كما في الرحمة بحق من يستحق حدّا جزاء جناية، قال الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[النور: 2].


    وهذه الرحمة والرأفة في غير موضعها كانت سببًا لغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[ 26 ].


    يقول ابن تيمية: "إنَّ دين الله هو طاعته، وطاعة رسوله، المبني على محبَّته ومحبَّة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، فإنَّ الرَّأفة والرَّحمة يحبُّهما اللَّه ما لم تكن مضيِّعةً لدين الله"[ 27 ].


    وكذا من الرحمة في غير موضعها وإلى غير أهلها: الرحمة بالعدو الكافر المحارب، ولقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال:


    {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ♦ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الممتحنة: 8،9].


    لكن هذه الشدة لا تعني الظلم أو التعامل غير المشروع، بل تعني عدم التهاون في إقامة العدل وتطبيق الحق.



    • الغلظة:



    في مقابل الرحمة تأتي الغلظة، وهي خلق ذميم، لا يجلب إلا الشرّ الكبير على أصحابه المتخلّقين به، ولا يولّد إلا الكراهية والنفور في المجتمع.والغِلظة ضدّ الرّقّةِ في الخَلْق والطبْعِ والفِعْل والمَنْطِق والعيْش ونحو ذلك، ورجل غليظ: فظٌّ فيه غلظة، وذو غلظة: أي ذو فظاظة وقساوة وشدة،


    وفي التنزيل العزيز: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران 159].


    وبينهما غلظة ومغالظة أي: عداوة، وأَمر غَلِيظٌ: شَدِيد صَعْب[ 28 ].
    وغِلَظُ القلب: "قساوته، وقلة إشفاقه، وعدم انفعاله للخير"[ 29 ].



    • الغلظة منهج الخوارج والغلاة:



    على الرغم من كثرة التوجيهات النبوية التي تأمر المسلمين بالرفق والرحمة وتؤكّد أهميتهما في أحاديث كثيرة، تجنح فرقة الخوارج نحو الشدة والغلظة، مبتعدة عن هذه التوجيهات، ضاربة بها عُرض الحائط، وتؤسس نظامًا جديدًا في التعاملات قائمًا على الغلظة والقسوة والعنف، ولا تكتفي بذلك، بل إنها ترمي الذين يأمرون بالرفق والرحمة والتسامح بالكفر والبدعة وموالاة أعداء الله!ومن أولى نماذج الغلظة عند الخوارج في التاريخ: تصرّف ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أساء الأدب معه، وقدح بعدالته بأسلوب فجّ،


    فقد روى الشيخان عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ -وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ[ 30 ]فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ؟! قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ :" دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ (أي تضطرب) وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ)[ 31 ].


    ومن ذلك أيضًا ما جاء في قصة مقتل خبّاب بن الأرت رضي الله عنه، قال الحافظ ابن حجر: "فاستعرضوا الناس (أي: الخوارج) فقتلوا مَن اجتاز بهم من المسلمين، ومرَّ بهم عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ وكان واليًا لعليٍّ على بعض تلك البلاد ومعه سريَّة[ 32 ]


    وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ عليًا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان ولم ينجُ منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة."[ 33 ].


    • لماذا تلجأ تنظيمات الغلو إلى الشدة والغلظة؟



    حاول الخوارج أن يوجدوا لأفعالهم وأخلاقهم السيئة مبررات شرعية، فنقّبوا في الكتب عما يمكن أن يفسّروه بأفهامهم على أنه دعوة إلى التقتيل والتشريد والتغليظ، فكانت لهم محاولات كثيرة لاقت قبولًا من أنصاف المتعلمين وأصحاب الأمراض النفسية المتعطشة إلى الدماء والاستعلاء على الآخرين والتحكم بالضعفاء، ويرجع تشريع الغلظة والشدة في عصرنا الحديث إلى شخصيتين رئيستين محبوبتين عند أهل الغلو، الأول هو أبو عبد الله المهاجر المصري الذي يقرّر في كتابه (مسائل من فقه الجهاد) أنّ البلاد الإسلامية هي دار كفر، ويجب الهجرة منها، وأنّ الإسلام لا يفرق بين مدني وعسكري[ 34 ]

    ، وأنّ ما في القتل وقطع الرؤوس من الشدة والترهيب مقصود في ذاته، وهو أمر محبوب عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم[ 35 ].


    والثاني هو أبو بكر ناجي صاحب كتاب (إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر بها الأمة) الذي يقرّر فيه أنّ الجهاد شدّة وغلظة وإرهاب وتشريد وإثخان، وقد عقد فصلًا في كتابه أسماه:

    "اعتماد الشدة"[ 36 ]،

    وقد قرّر في كتابه هذا أّنّ من الأهداف المرتبطة بالشدة: القيام بعمليات عسكرية من مثل عمليات نيروبي ودار السلام عام 1998 وعملية نيويورك وواشنطن عام 2001، والقصد منها إسقاط جزء من هيبة العدو، وبثّ الثقة في نفوس المسلمين من جهة، إضافة إلى استدراج جيوش الأعداء للمنطقة من جهة ثانية![ 37 ].


    ولا شك في أنّ مثل هذه التصرّفات التي تصدر من تنظيمات الغلاة التي تدّعي الانتماء إلى الإسلام: يؤدّي إلى تشويه صورة الإسلام الصحيح وتنفير الناس منه، وصبغه بالإرهاب والتخلّف والدماء، ويؤدّي إلى الفرقة والتنازع بين المسلمين، واستعداء الكفّار عليهم، وإيجاد المبررات لدول الاستبداد والظلم وساداتهم من الدول العظمى للقضاء على ثورات الشعوب التي تنشد الحريّة والكرامة والسلام وتحقيق عمارة الأرض والاستخلاف فيها كما يريد الله تعالى.


    من صور الغلظة عند الغلاة:


    • الغلظة مع الوالدين والأقربين[ 38 ]:



    لقد أمر الله عزَّ وجلَّ عباده بأنْ لا يَعبدوا إلا إيَّاه، وعطف على الأمر بتوحيده الإحسانَ بالوالدينِ، ونهَى عن قول (أفّ) لهما والتضجر منهما، إكرامًا لهما وتبيانا لمكانتهما، يقول تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[الإسراء 23]إلا أنّ تنظيم داعش لا يعطي اعتبارًا لأب أو أمّ أو قريب، ولا يلتفت إلى الروابط الأسرية، ويدعو إلى التحلل منها، بل إنه دعا غير مرة إلى إعمال السيف في البيت الواحد، وقد استجاب بعض مرضى القلوب لهذه الدعوات الهمجية، من ذلك ما أفاده المرصد السوري لحقوق الإنسان وشبكة بي بي سي في كانون الثاني 2016، من أنّ أحد مسلحي تنظيم داعش (علي صقر) أقدم على قتل والدته (لينا القاسم) أمام الملأ، تنفيذًا لحكم إعدام أصدره التنظيم بحقها، لأنّها طالبته بترك العمل مع التنظيم!

    وفي إصدار مرئي للتنظيم أعدّه ما يسمى (المكتب الإعلامي لولاية بركة) دعا فيه مناصريه في السعودية إلى البراءة من أهلهم وذويهم، وتضمّن الإصدار تحريضًا صريحًا على قتل الأقارب والأهل بدعوى النصرة، وتطبيق الولاء والبراء، وقد كانت هناك استجابة من بعض جهالهم، فقد شهد الخليج حوادث لقتل ذوي القربى، تنفيذا لتعليمات تنظيم داعش.ففي السعودية حدثت جريمة مفجعة نفذها التوأمان: (خالد) و(صالح) ابنا (إبراهيم بن علي العريني)، في جمادى الثانية 1437 /حزيران 2016م إذ أقدما على قتل والدتهما (67 عاماً) طعناً بساطور وسكاكين حادة، ومحاولة قتل والدهما (73 عاماً) وشقيقهما سليمان (22 عاماً)، بطعنات عدة، أُدخلا على إثرها قسم العناية المركزة في أحد المستشفيات.


    وأعلنت الداخلية السعودية بحسب بيان لها، ثبوت اعتناق مرتكبي الجريمة (خالد) و(صالح) المنهج التكفيري.

    وتزامنًا مع فاجعة السعودية، كانت هناك حادثة أخرى في الكويت، حيث نحر مواطن كويتي في العشرينات من عمره أخاه، وبحسب التحقيقات فقد اتهم الجاني شقيقه المجني عليه بـ(الإلحاد)، مبرّرًا أنّ ما دفعه لارتكاب جريمته هو أن شقيقه لم يكن يؤدي الصلوات، ولا يبالي بالصوم، وذلك حسب ما ذكرته صحيفة (الأنباء) الكويتية.وفي رمضان 1436هـ/ تموز 2015م، بادر مطلوب أمني بإطلاق النار على والده خلال عملية دهم أحد المنازل التي كان يتحصن بها، وذلك في محافظة خميس مشيط (جنوب السعودية).



    وبعد هذا الحادث بيومين، أقدم مراهق على قتل خاله، الذي يعيش في كنفه مع والدته بأربع رصاصات و10 طعنات، ثم فجّر نفسه بالقرب من نقطة تفتيش أمنية بمنطقة الرياض.


    وذلك حسب ما ذكرته صحيفة (الحياة).
    هذا الاعتداء على الرحم وذوي القربى من الأهل والأصدقاء يرجع إلى أنّ تنظيم داعش يرى أنّ قتل الأقرباء تطبيق عملي للولاء والبراء، وأنّ التعامل مع المرتدّين في نظره تحكمه قاعدتان، هما: عدم التفريق بين الطائفة والأعيان، وتقديم قتال المرتد على الكافر الأصلي، "والحقيقة أن هاتين القاعدتين لم يكتفِ بإعلانهما نظريًّا فقط، بل نصّ أيضًا على تفعيلهما وتطبيقهما في ذات هذه المسألة، ... مسألة تكفير واستباحة دم عوام المسلمين العاملين في المؤسسات العسكرية والأمنية"[ 39 ].


    وقد صدق في خوارج اليوم ما قاله (ابن كثير) عن خوارج الماضي:

    "ولم يتركوا طفلًا ولا طفلة، ولا رجلًا ولا امرأة، لأنّ الناس عندهم قد فسدوا فسادًا لا يصلحهم إلا القتل جملة
    "
    [ 40 ].


    وتؤكد منهجهم هذا فتاواهم الكثيرة التي تحضّ على قتل الأبرياء، ومن ذلك فتوى أبي قتادة الفلسطيني التي أباح فيها قتل النساء والأطفال، وطبقتها جماعة (الجيا) في الجزائر، يقول أبو قتادة في فتواه: "تبين لنا... جواز قتل الذرية والنساء توصّلًا لقتل الكفار المقاتلين، فهل يجوز قتل الذرية والنساء توصّلًا لإحياء مسلم ودفعًا لهتك عرض المسلمة؟

    من المعلوم شرعًا أنّ إحياء المسلم أعظم شأنًا من قتل الكافر، فدفع المفاسد وإبطالها خير من جلب المنافع، وقتل المسلم مفسدة عظيمة، أما قتل الكافر فمصلحة"! وينتهي في فتواه بقوله: " بهذا يتبين أنّ ما فعلته الجماعة الإسلامية المسلحة من تهديد ذرية ونساء المرتدين بالقتل من أجل تخفيف وطأتهم على النساء والمساجين والإخوان هو عمل شرعي لا شبهة فيه"[ 41 ].



    • الغلظة في الدعوة والمعاملات:



    وهذه الغلظة في الدعوة والتعاملات راجعة إلى النظرة الاستعلائية لدى هذه التنظيمات، فهي تعتبر نفسها على حق وجميع الناس على باطل، وأنّ جميع من لا ينضوي تحت رايتهم من أجل القتال مرتكب لكبيرة القعود عن الجهاد، هذا في حال حكموا عليهم بالإسلام!لقد تحكّمت تنظيمات الغلاة بحياة الناس وفرضت وجودها عليهم، وأصدرت مجموعة من القرارات التي قيّدت حركة الأهالي في تنقلاتهم وحياتهم اليومية، ابتداء من ذهابهم إلى الأسواق والمطاعم والرحلات والمدارس، وصولًا إلى السفر.


    ونذكر من تلك الممارسات التي تدل على الفظاظة إجبار تنظيم داعش المحامين والمعلمين والمنشقين من جيش النظام والذين كانوا يعملون في المؤسسات الدينية الحكومية على حضور دوراته الشرعية في محاولة لعملية (مسح الأدمغة) تحت مسمى (التوبة من الردة)، وكل من يتخلف عن الحضور أو يرفضه يقتل على اعتباره مرتدًا، وقد أصدر التنظيم في ريف درعا الغربي بتاريخ 17ربيع الآخر 1438هـ/ 16 كانون الثاني 2017م بيانًا يفرض من خلاله على الحقوقيين في المناطق الخاضعة لسيطرته الرجوع إلى مكاتب الدعوة التابعة له من أجل التوبة،


    وجاء في بيان جيش خالد بن الوليد التابع للتنظيم أنّ "كل من درس في كلية الحقوق أو يحمل شهادة محاماة الحضور إلى مكتب الدعوة والمساجد من أجل الاستتابة، في مدة أقصاها عشرة أيام" وقد فعل ذلك في كل مدينة و قرية دخلها[ 42 ] .


    ومن ذلك أيضا فرض عقيدة التنظيم بالقوة عن طريق رجال الحسبة الذين يتجوّلون في الشوارع ويتدخّلون في شؤون الناس ويرمونهم بالمخالفات الشرعية والجهل بالدين بطريقة سمجة ومنفّرة، ويعاقبون المخالفين بمخالفات مالية أو بالجلد أمام العامة من الناس على أبسط الأشياء، ويشترك ولي أمر المرأة بالجلد في حال مخالفتها الأوامر والقوانين المفروضة!


    وقد فرض تنظيم داعش الإقامة الجبرية على جميع الناس في بعض مناطق سيطرته، مستثنيًا التجار، والمرضى الذين لا يجدون العلاج في مناطقه، معتبرًا أنّ داره دار إيمان وجميع الدور الأخرى كفر وردة.


    وقد وصل الأمر بالتنظيم في تدخله بشؤون الناس وفرض نفسه بالقوة إلى إصداره بيانًا يحظر فيه تربية الحمام على أسطح البيوت، فيما أسماه ولاية الفرات الممتدة من الأنبار إلى دير الزور في سوريا، ومن يخالف الأمر يكون عرضة للعقوبة التعزيرية من غرامة مالية وسجن وجلد![ 43 ].

    كما أن التنظيم أجبر المقيمين في مناطق سيطرته على إزالة أجهزة الاستقبال الفضائي المعروفة بـ(الستلايت) ليبقوا منعزلين في دائرته غير مطّلعين على ما يجري حولهم، وقد أصدر من خلال مكتبة (الهمّة) التابعة له مطويات ورقية ملونة، ومنشورات كبيرة ألصقها في الشوارع العامة، وعلى جدران المساجد والأسواق في المدن التي يسيطر عليها، حملت عنوان: "لماذا عليَّ أن أحطم الدش (الستلايت)"، واضعًا عشرين سبباً يستوجب إتلاف أجهزة الستلايت، مهدّدًا بمحاسبة من يخالف الأوامر بمعاقبته من قِبَل ديوان الحسبة. ولا يخفى على أحد أنّ خطر أجهزة الاستقبال الفضائي كبير إن استخدمت دون ضوابط شرعية، وأطلق العنان لمشاهدة كل ما تجلبه من قنوات، إلا أنّ هذا لا يصيّرها مالاً غير محترم يوجب إتلافها ومعاقبة أصحابها، وقد أساء التنظيم بطريقة إنكار المنكر بهذا أيما إنكار، وتعدّى وظلم.


    • حرف براءة الأطفال وتعليمهم العنف:



    عملت تنظيمات الغلو على حرف فطرة الأطفال عن مسارها، فلقّنتهم عقيدة الخوارج، وجنّدتهم في صفوفها، واجتثت من قلوبهم الرقّة والشفقة والرحمة، فتحول كثير من الأطفال في إماراتهم ودولهم إلى ذئاب صغيرة تهوى القتل والعنف، ويمكن ملاحظة ذلك في إصدارات خاصة بتنظيم داعش، مثل: (حدثني أبي) و (أحياني بدمه)[ 44 ].


    • قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث:



    عمل تنظيم داعش على قطع رؤوس الرجال والنساء، سواء كانوا من سكان المناطق التي يسيطر عليها أو أجانب أو من الذين يتصدون له عسكريًّا، وشملت عمليات الذبح عسكريين وأطباء وعلماء وعمال إغاثة وصحفيين، وأشخاصًا يرى أنهم مرتدون عن الدين.ويحرص التنظيم على تصوير مشاهد الذبح وتقديمها على أنها منهج نبوي، مشوِّها الدين الحنيف الذي جاء رحمة للعالمين، على الرغم من أنه لم يرد نص شرعي صحيح صريح يدل على جواز ذبح العدو حيًا، فضلاً عن أن يكون سنة نبوية متَّبعة[ 45 ].


    ومن أبشع المشاهد المروعة التي بثّها التنظيم كانت في إصداره الذي يحمل عنوان (صناعة الوهم) إذ قام فيه بذبح خمسة عشر شاباً سوريًّا من دير الزور في أول يوم من أيام عيد الأضحى المبارك عام 1437هـ 2016م، على طريقة ذبح الأغنام، بعد أن اتهمهم بالتجسس لصالح أمريكا.وقد أظهر الشّريط المصوّر عملية ذبحهم داخل مسلخ مخصّص لذبح الأضاحي بطريقة بشعة، بدءًا بربط أيديهم وراء ظهورهم، ثم ذبحهم بالسّكين بكل وضوح، ثم تعليقهم بالسّلاسل الحديدية، ثم سحبهم على أرض المسلخ جثثاً هامدة[ 46 ].


    ولا يشبع التنظيم من القتل فينتقل إلى التمثيل بالجثث وإهانتها بلا رحمة أو شفقة، ومن ذلك نذكر جريمة قتل حسين السليمان (أبو ريان) أمير حركة (أحرار الشام) في مدينة (تل أبيض) تحت التعذيب بعد اعتقاله من قبل تنظيم داعش، وقد ظهرت على جثته علامات التعذيب، حيث قُطعت أذنه وأطلق الرصاص على كفّيه وقدميه.



    • قتل الرهائن:



    حثَّ الإسلام على معاملة الأسير معاملة إنسانية كريمة، ويذخر التاريخ الإسلامي بالقصص التي تتحدث عن إكرام الأسير وعدم إهانته ومعاملته معاملة حسنة، وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وسار على نهجه الصحابة والتابعون، إلا أنّ تنظيم داعش يرفض هذه الدعوة ويعتبرها إهانة له، لأنها تدل على الجبن أو المودّة للكفار بزعمه، ولذلك يقوم بإعدام أسراه بطرق تعبّر عن الحقد والإجرام.أما فيما يخصّ الخطف فقد سار التنظيم على نهج المافيا وقطاع الطرق، فخطف أناسًا أبرياء يعملون في الصحافة والإعلام ليتفاوض مع ذويهم وحكوماتهم ويطلب الفدية منهم، ومن ذلك خطف داعش للرهينة الياباني (كينجي غوتو) وقتله وعرض مشهد القتل في إصدار بعنوان (رسالة إلى حكومة اليابان) وظهر (غوتو) بلباس برتقالي جاثيًا على ركبتيه وبجانبه رجل بلباس أسود يوجّه رسالة إلى اليابان معلنًا انطلاق (الكابوس)، ومهدّدًا بوجود جيش كامل متعطش إلى الدماء.


    وكذلك قامت داعش بقتل مختطف ياباني آخر هو (هارونا يوكاوا)
    وقد استفاد النظام السوري من هذا المشهد أيّما استفادة، فراح يخلط الحابل بالنابل ويدّعي أن الثورة السورية هي (داعش)، وقد نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية قوله: إنّ "سورية تدين بأشدّ العبارات قيام تنظيم داعش الإرهابي بذبح المواطنَيْن اليابانيَّيْن كينجي غوتو وهارونا يوكاوا".



    • حرق الأسرى:[ 47 ].



    أقدم تنظيم داعش أكثر من مرة على إحراق عدد من الأسرى بطريقة وحشية تظهر مدى إجرامه وفهمه الخاطئ للدين الإسلامي، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن عقوبة الحرق بالنار، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّه قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعثٍ فقال : (إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أردنا الخروج: إنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا)[ 48 ].


    • التعذيب في السجون[ 49 ]



    وبهذا الفعل يلتقي تنظيم داعش مع النظام السوري ودول الاستبداد التي تتبع سياسة التعذيب من أجل الحصول على المعلومات، وقد أدانت المفوّضة العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة (نافي بيلاي) تعميم التعذيب في سجون الأسد، معربة عن الأسف لوقوعه أيضًا في معتقلات تنظيم داعش.


    وهنا نعرض شهادة (أبو صفيّة اليمني) العنصر السابق في جبهة النصرة الذي وضع في سجن تنظيم داعش وهو لا يعلم ما هي تهمته، فقد تحدث (اليمني) عن شاب كان يُعذَّب من قبل عمه المسؤول العام عن الاستخبارات في الدولة،


    وأضاف: كان في سجن الرجال امرأتان تهمتهما أنهما عميلتان، إحداهما علقت 13 ساعة وعُذّبت، والثانية وُضعت في الدولاب.



    ويضيف اليمني بأنّ طرق التعذيب عند تنظيم داعش تختلف باختلاف الحالات، إما بالضرب في الأماكن التي قد تسبب كسوراً داخلية أو رضُوضاً قوية، مثل المفاصل وعظام الفخذ، والظهر والصدر، أو ما يسمونه بـ(الشبْح)، أو التغريق بالماء، واستخدام الدولاب والضرب من خلاله، فلكل حالة من حالات التحقيق وسيلة للتعذيب، بل قد تجتمع كل الأساليب في شخص واحد.
    كما أكد أنّ السجانين داخل السجن يجرون التجارب الكيميائية على المساجين، من خلال مسؤول السجن (أبو محمد الفرنسي)، فقد جرّبوا مادتين على بعض المساجين ممن يقولون إنّهم محكوم عليهم بالإعدام، وقد كان مفعول هاتين المادتين قويًّا على بعضهم، فقد أُغمي على أحدهم مباشرة بعد شمه هذه المواد، وآخر قامت المواد بتعطيل كليتيه، وثالث قامت هذه المواد بحرق أنفه حتى أصبحت أرنبتهُ سوداء وحُرق بلعومه وصدره، ويقومون كذلك برش الغاز الخانق لإسكات المساجين من حين لآخر.


    وقد وصف (اليمني) السجون بأنها عبارة عن مقابر جماعية وفردية، وأنّ حالها مزرية من الناحية الصحيّة، فالسجون رطبة جداً، وهناك من الحشرات ما يكفي لقتل فيل، ناهيك عن القمل والبراغيث التي يشهد الله أنها تعمل الجرب، على حد قوله.وأكد (أبو صفية اليمني) أنّ التعذيب في هذه السجون تعذيب ممنهج مرتّب له مسبقًا من الناحية الإدارية، وتقوم اللجنة الشرعية بالدولة بتدريس وتلقين الفتاوى للشباب مسبقًا للردّ على من يعترض على فعلهم وعلى جواز الأمر شرعًا.


    وعن الصلاة: أكّد (أبو صفية) أنّهم ينهون المساجين عن الصلاة في السجون، ومَنْ يطلب منهم الوضوء للصلاة يقال له: تيمم. موضّحًا أنّه سمع من الشيخ (أبو شعيب المصري) أحد الذين قتلهم التنظيم لانشقاقه عنه، أنّه حينما كان في سجون الرقة سمع أحدهم يقول للسجان أو المحقق: فكَّ يدي لكي أصلي -وقد كانت يده موثوقة إلى أعلى- فقال له: صلِّ قائمًا[ 50 ].


    • تفجير المساجد والأماكن العامة:



    دأبت تنظيمات الغلاة على ترويع المسلمين وقتلهم بحجة الكفر والردة عن الدين، فاستهدفت أسواقهم العامة من دون تمييز بين رجل أو شيخ أو طفل أو امرأة، واستهدفت مساجدهم سائرة على نهج الخوارج الأوائل الذين لم يراعوا حرمة دم المسلم ولا حرمة بيوت الله.


    فنجد أنّ "تنظيم القاعدة" قد استهدف عددًا من المساجد في العراق، وكذلك فعلت "بوكو حرام" و"حركة الشباب الصومالية"، إلا أن "تنظيم داعش" أظهر تفنّنًا في هذه الأعمال الإجرامية وأضاف عليها الكذب والتضليل. فهو يذكر أنّ استهداف مساجد السنة هي من سياسات الروافض، إلا أنّه أيضًا يستهدف المساجد ويطبّق ذات السياسة الرافضية[ 51 ].


    من ذلك استهدافه مسجدًا في منطقة (عسير) جنوب السعودية يوم الخميس 21 شوال 1436 هـ الموافق 6 أغسطس 2015 أثناء أداء صلاة الظهر نتج عنه مقتل 15 شخصًا، وقد تبنّى التنظيم رسمياً قيامه بهذه العملية وافتخر بها.

    وكذلك قيامه في 24 تشرين الثاني 2017م بالهجوم على مسجد الروضة بمدينة العريش في محافظة شمال سيناء شمال شرقي مصر، عقب أداء صلاة الجمعة، وقد أدّى إلى مقتل 305 أشخاص، بينهم 27 طفلًا، وإصابة 128 آخرين.


    وفضلا عن قتل المصلين، وانتهاك حرمات المساجد، وإحراق المصاحف، فإن هذه الأعمال ستؤدي إلى تزهيد الناس في الصلاة والمساجد والجوامع الكبيرة والمكتظة، لأنها لم تعد آمنة، وهذا –بلا شك-من السعي في خراب بيوت الله، ونقيض عِمارتها.إضافة إلى أنّ هذه الأعمال تبرز ضعف التنظيم وخَوَره وجبنه، فهو يستهدف أماكن المدنيين بدل أن يستهدف المقاتلين والمراكز العسكرية والاستراتيجية[ 52 ].



    • الغلظة مع النصارى:



    سيطر تنظيم داعش على مساحات شاسعة من العراق وسورية، ومارس فظائع ضد النصارى والأقليات العرقية، وفرض تعاليمه المتشددة، وطبق الحدود في المناطق التي سيطر عليها وقدّمها بصورة منفرة، وبعد أن أعطى النصارى الأمان عاد وخيّرهم بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتل، ثم قام بتشريد الآلاف منهم وتهجيرهم والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم.ووفقًا لصحيفة (ميرور) البريطانية، فإنّ القتل بحق النصارى في العراق كان مستمرًّا من جانب داعش، حتى بعد هروبهم إلى (نينوى) التي كانوا يظنون أنها مأوى آمن لهم.



    • الخاتمة

    تميزت الشريعة الإسلامية السمحة بالرحمة، وأمرت المسلمين بالرحمة في حالتيْ سلمهم وحربهم، فكانت الرحمة بيِّنة في نشاطاتهم العامة، وظاهرة في ساحات جهادهم.ولنا في الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- قدوة حسنة في الاتصاف بالرحمة وتطبيقها في جميع جوانب الحياة وأحوالها، ومن ذلك حال الحرب، فقد كان بأمّته وجنوده رحيمًا، كما تجلّت رحمته -صلى الله عليه وسلم- بغير المسلمين في أمور كثيرة، منها نهيه عن قتال غير المقاتلين، ودعوته المقاتلين للإسلام قبل البدء بقتالهم.


    وفي مقابل الرحمة نجد الغلظة والشدّة التي يجنح إليها الخوارج على اختلاف مسمياتهم، وأول ما ظهر من غلظتهم: سوء أدب ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وطريقة قتل أتباعه من الخوارج لقتل عبدالله بن خبّاب بن الأرت وسريّته دون وجه حق.


    وقد سار على نهج الخوارج الأولين في الشدة والغلظة تنظيماتُ الغلو المعاصرة، الذين حاولوا أن يشرعنوا أفعالهم وأخلاقهم السيئة وأفعالهم الإجرامية، وأن يجدوا المبررات لها، فتارة يجعلونها من الإثخان في العدو، وتارة يزينونها قبيحها بأنه من البراءة من الكفر وأهله، وتارة يصرّحون بأنها السبيل لدفع العدو لمزيد من التصعيد الذي سيؤدي في النهاية لسحقه وانتصارهم!ومن صور الغلظة والشدة التي ظهرت في أعمال تنظيمات الغلاة على اختلاف مسمياتها:


    • الغلظة مع الوالدين والأقربين وقتلهم بطريقة بشعه، باعتبار أن قتل الأقرباء تطبيق عملي للولاء والبراء.


    • فرض عقيدتهم بالقوة، ودعوتهم إليها بأسلوب جاف ينطوي على الاستعلاء والتكبّر.


    • قهر الناس وإنزال العقوبات البدنية والمالية عليهم لقيامهم بأعمال جائزة شرعًا لكنها عند الغلاة من المحرمات، أو وقوعهم في مخالفات لا توجب حدّا ولا تعزيرًا.


    • حرف براءة الأطفال وتعليمهم العنف.


    • قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث.


    • قتل الرهائن.


    • التعذيب في السجون.

    • تفجير المساجد والأماكن العامة.

    • حرق الأسرى.


    • الغلظة مع النصارى.

    1 - جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (إنما أنا رحمة مهداة)، أخرجه البراز (9205) والطبراني في المعجم الصغير (264) والحاكم (100) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (5800).


    2 - رواه أبو داوود (4941)، والترمذي (1924)، وأحمد (6494)، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

    3 - انظر الصحاح (5/1929).

    4 - مقاييس اللغة (2/498).

    5 - تهذيب الأخلاق، (ص 20).

    6 - إغاثة اللهفان (2/174).

    7 - التعريفات (1/110).

    8 - الكليات (1/471).

    9 - التحرير والتنوير (26/24).

    10 - سبق تخريجه.

    11 - انظر مقال (رحمة النبي في الجهاد) لراغب السرجاني، موقع قصة الإسلام:

    https://islamstory.com/ar/artical/36...9%87%D8%A7%D8%...


    12 - أخرجه الشافعي في مسنده (621) وهذا لفظه، وأصله في صحيح مسلم (1114).

    13 - صحيح البخاري (1246).


    14 - رواه الطبراني في الأوسط (4287)، والكبير (2910) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/206): رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (7044).

    وقول الصحابي: "إني جبان" تفسّره الرواية الأخرى في مسند سعيد بن منصور (2342)، وفيها أنّه قال: "وَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ لَا قُوَّةَ لِي فِي نَفْسِي وَلَا ذَاتِ يَدِي".


    15 - صحيح البخاري (1423).

    16 - رواه بهذا اللفظ أبو داوود الطيالسي (1970) وغيره، وأصله في الصحيحين، ينظر: البخاري (2521)، ومسلم (1868).

    17 - متفق عليه: البخاري (2843)، ومسلم (1895).

    18 - متفق عليه: البخاري (2844)، ومسلم (2455).

    وقال النووي: " قد قدمنا في كتاب الجهاد عند ذكر أم حرام أخت أم سليم أنهما كانتا خالتين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمين إما من الرضاع وإما من النسب، فتحل له الخلوة بهما".


    19 - صحيح البخاري (2942).

    20 - صحيح مسلم (1731).

    21 - صحيح مسلم (1731).

    22 - سنن أبو داود (2614).

    23 - السنن الكبرى للبيهقي (18125).

    24 - سنن سعيد بن منصور (2625).

    25 - الموطأ (2/448).


    26 - متفق عليه: البخاري (3475)، ومسلم (1688).


    27 - مجموع الفتاوى (15/290).


    28 - انظر لسان العرب، مادة: غ ل ظ.


    29 - فتح القدير للشوكاني، (1/451).


    30 - لا يعدّ ذو الخويصرة التميمي من الصحابة؛ ذلك لأنه رأس الخوارج، وصاحب بدعة، وقد عدّه كثير من أهل العلم من المنافقين؛ لأنه من الذين نزل فيهم قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}، ولأن عمر -رضي الله عنه- وصفه بالنفاق ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلّم- ذلك، فضلًا عمّا جاء في وصفه في أحاديث كثيرة منها: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) رواه البخاري.


    31 - متفق عليه: البخاري (3610)، ومسلم (1064).


    32 - أي: أمَة.


    33 - فتح الباري (12/284)، وانظر: مصنف بن أبي شيبة (7/560)، ومسند أحمد (21064).


    34 - مسائل من فقه الجهاد، (ص 139).


    35 - المصدر السابق، (ص269).


    36 - إدارة التوحش، (ص31).


    37 - يقول الدكتور غازي التوبة في نقد هذه الأهداف في مقاله: قراءة في كتاب "إدارة التوحش" لـ "القاعدة": "من خلال تقويم الهدف الأول وقعت "القاعدة" في خطأين: شرعي وكوني، أما الشرعي فهو أنها جهلت كيف يمكن أن تبني الثقة في نفوس المسلمين، وكيف يمكن أن تسقط هيبة العدو، وأما الكوني فهو استخدام العمليات العسكرية في غير مجالها الذي يجب أن تستخدم فيه، وهو: إضعاف العدو، وتدمير قواته، وقتل قياداته، وتخريب منشئاته العسكرية، وتحرير أراض منه ... إلخ


    وأضاف: وتلجأ التنظيمات المتطرفة إلى هذه الاستراتيجيات لأنها تحقق رصيدًا كبيرًا من الفوضى وعدم الاستقرار، وهي " لا تستطيع إقامة مشروعها بنفسها، وأنه غير قابل للوجود في المجتمعات المستقرة؛ لذا تبحث في المجتمعات التي تنهار السلطة فيها، أو تضعف، أو توجد فيها حروب، كأفغانستان، والعراق، والصومال، وموريتانيا وغيرها؛ لتنشئ مشروعها، فتتسلل إلى هذه المناطق، وتحاول بناء شعبية في كنف الجماعات الأخرى ثم تنقلب عليها."

    ويُرجع بعض الباحثين جنوح تنظيم داعش إلى الشدة والغلظة إلى انضمام الكثير من البعثيين في صفوفه بدءًا من مرحلة خليفتهم الأول (أبي عمر البغدادي) أمير ما يسمى (دولة العراق الإسلامية) إلى مرحلة (أبي بكر البغدادي) أمير خلافتهم الحالية، وتنظيم داعش يريد تأسيس دولته، وإنه يحتاج إلى ترسيخ قبضته على الأراضي التي يسيطر عليها وإلى زيادة عدد المؤيدين له والطامحين إلى العيش في دولته، ولذلك فإنه يلجأ إلى القسوة والوحشية لتحذير أعدائه". ينظر باقي المقال على موقع على بصيرة، http://alabasirah.com/node/681.


    38 - انظر بحث: قتل الأهل والأقارب عند تنظيم الدولة للشيخ إبراهيم السكران، موقع على بصيرة، http://alabasirah.com/node/256


    39 - قتل الأهل والأقارب عند تنظيم الدولة للشيخ إبراهيم السكران، موقع على بصيرة، http://alabasirah.com/node/256


    40 - البداية والنهاية، (10/584-585).


    41 - "جواز قتل الذرية والنسوان درءًا لخطر هتك الأعراض وقتل الإخوان"، أبو قتادة الفلسطيني، مجلة الأنصار الجزائرية العدد (90)، ص (12).


    42 - ينظر: استتابة تنظيم الدولة للمعلمين، نظرة شرعية، "على موقع على بصيرة" http://alabasirah.com/node/723


    43 - هذا الأمر ناتج عن غلط فقهي لدى الغلاة، فتربية الحمام من المباحات، وأما حديث أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم رأى رجُلاً يتْبع حمامةً فقال: "شيطان يتْبع شيطانة" فقد قال صاحب عوْن المعبود: "إنَّما سمَّاه شيطانًا لمباعدتِه عن الحقِّ، واشتِغاله بما لا يَعنيه، وسمَّاها شيطانة؛ لأنَّها أورثتْه الغفلة عن ذكْر الله"(13/194)، وقال النووي: "اتّخاذ الحمام للفرْخ والبيض، أو الأنس، أو حمْل الكتب - جائز بلا كراهة، وأمَّا اللَّعب بها للتطيُّر، فالصَّحيح أنَّه مكروه، فإنِ انضمَّ إليْه قمار ونحوه، ردَّت الشهادة " (مرقاة المصابيح 7/2856).


    44 - انظر مقال: (داعش تغتال براءة الأطفال وتستخدمها في آلتها الإعلامية)، موقع: على بصيرة. http://alabasirah.com/node/490


    45 - انظر بحث: حكم ذبح الأعداء بالسكين، موقع بصيرة، http://alabasirah.com/node/278


    46 - انظر: (جريمة داعش النّكراء في عيد الأضحى)، موقع على بصيرة: http://alabasirah.com/node/439


    47 - انظر (حرق أسرى الأعداء لا يجوز، وليس سنّة تتبع)، موقع على بصيرة http://alabasirah.com/node/481

    48 - رواه البخاري (3016).


    49 - انظر (العدل خلق عظيم لا يعرفه الغلاة)، موقع على بصيرة: http://alabasirah.com/node/687


    50 - انظر مداخلة أبي صفية اليمني على قناة الجزيرة والحديث عن اعتقاله في سجون تنظيم الدولة https://www.youtube.com/watch?v=lU0y94Ysbb0


    51 - انظر مقال (مكتسبات تفجير مساجد أهل السنة)، موقع على بصيرة http://alabasirah.com/node/257


    52 - ينظر: (مكتسبات تفجير مساجد أهل السنّة)، موقع على بصيرة http://alabasirah.com/node/257

    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




  9. #24
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    الدولة
    السعودية حرسها الله
    المشاركات
    2,322
    شرح حديث عبادة بن الصامت:

    بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر



    عَنْ أَبِي الوليدِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ - رَضْيَ اللهُ عَنْه- قَالَ: بَايعْنَا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَى السَّمعِ والطَّاعةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمنشَطِ والمكرَهِ، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَهُ إلَّا أنْ تروا كفرًا بواحًا عندكم مِنَ اللهِ - تعالَى - فيه برهانٌ، وعلَى أنْ نقولَ بالحقِّ أيْنَما كنَّا لا نخافُ في اللهِ لؤمةَ لائمٍ» متَّفقٌ عليه.



    «المنْشَط والمكرَه» - بفتحِ ميمِهما -: أي في السَّهلِ والصَّعبِ.



    و«الأثرةُ»: الاختصاص بالمشترك، وقد سبَق بيانَها.



    «بواحًا» - بفتحِ الباءِ الموحَّدةِ بعدها واوٌ ثم ألفٌ ثم حاءٌ مهملةٌ -: أي ظاهرًا لا يحتملُ تاويلًا.




    قَالَ سَماحةُ العلَّامةِ الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:

    قال - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه، قال: «بَايَعْنا» رسولَ الله صلى الله علي وسلم، أو «بَايَعَنَا» رسولُ اللهِ صلى الله على السمعِ والطاعةِ، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا.



    «بَايَعْنا»؛ أي: بايع الصحابةُ رضي الله عنهم الرسولَ صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، يعني لمن ولَّاه الله الأمر؛ لأن الله - تعالى - قال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ï´¾ [النساء: 59].



    وقد سبق لنا بيان من هم أولو الأمر، وذكرنا أنهم طائفتان: العلماء والأمراء، لكن العلماء أولياء أمر في العلم والبيان، وأما الأمراء فهم أولياء أمر في التنفيذ والسلطان.



    يقول: بايعناه على السمع والطاعة، ويستثنى من هذا معصية الله - عزَّ وجلَّ - فلا يبايع عليها أحد؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا قال أبو بكر- رضي الله عنه-حين تولى الخلافة «أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»، فإذا أمر ولي الأمر بمعصية من المعاصي فإنه لا يجوز لأحد أن يسمع له أو يطيع؛ لأن ملك الملوك رب العالمين - عزّ وجلّ -، لا يمكن أن يُعصى سبحانه وتعالى لطاعة من هو مملوك مربوب؛ لأن كل من سوى الله فإنهم مملوكون لله عزّ وجلّ، فكيف يقدم الإنسان طاعتهم على طاعة الله؟ إذًا يستثنى من قوله السمع والطاعة ما دلَّت عليه النصوص من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.



    وقوله: «في العسرِ واليسرِ» يعني سواء كنا معسرين في المال أو كنا موسرين، يجب علينا جمعيًا أغنيائنا وفقرائنا أن نطيع وُلاة أمورنا ونسمع لهم، وكذلك في منشطنا ومكرهنا، يعني سواء كنا كارهين لذلك لكونهم أمروا بما لا نهواه ولا نريده، أو كنا نشيطين في ذلك، لكونهم أمروا بما يلائمنا ويوافقنا. المهم أن نسمع ونطيع في كل حال إلا ما استثني مما سبق.



    قال: «وأثرة علينا» أثرة يعني استئثارًا علينا، يعني لو كان وُلاة الأمر يستأثرون على الرعية بالمال أو غيره، مما يرفهون به أنفسهم ويحرمون من ولاهم الله عليهم، فإنه يجب علينا السمع والطاعة، لا نقول: أنتم أكلتم الأموال، وأفسدتموها، وبذَّرتموها فلا نطيعكم؛ بل نقول: سمعًا وطاعة لله رب العالمين ولو كان لكم استئثار علينا، ولو كنا نحن لا نسكن إلا الأكواخ، ولا نفترش إلا الخلق من الفرش، وأنتم تسكنون القصور، وتتمتعون بأفضل الفرش، لا يهمنا هذا؛ لأن هذا كله متاع الدنيا وستزولون عنه، أو يزول عنكم، أما هذا أو هذا، أما نخن فعلينا السمع والطاعة، ولو وجدنا من يستأثر علينا من وُلاة الأمور.



    وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - في حديث آخر: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» واعلم أنك سوف تقتص يوم القيامة من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئات من ظلمهم، ثم طرح عليه ثم طرح في النار والعياذ بالله. فالأمر مضبوط ومحكم لا يضيع على الله شيء.



    ثم قال: «وألا ننازع الأمر أهله» يعني لا ننازع وُلاة الأمور ما ولاهم الله علينا، لنأخذ الإمرة منهم، فإن هذه المنازعة توجب شرًّا كثيرًا، وفتنًا عظيمة وتفرقًا بين المسلمين، ولم يدمر الأمة الإسلامية إلَّا منازعة الأمر أهله، من عهد عثمان - رضي الله عنه - إلى يومنا هذا، ما أفسد الناس إلا منازعة الأمر أهله.



    قال: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» ثلاثة شروط، إذا رأينا هذا وتمت الشروط الثلاثة فحينئذٍ ننازع الأمر أهله، ونحاول إزالتهم عن ولاية الأمر، لكن بشروط:

    الأول: «أنْ ترَوا»، فلابد من علم، أما مجرد الظن، فلا يجوز الخروج على الأئمة.



    الثاني: «أن نعلم كفرًا لا فسقًا». الفسوق، مهما فسق وُلاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم؛ لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس، لا يجوز الخروج عليهم، لكن إذا رأينا كفرًا صريحًا يكون بواحًا.



    الثالث: «الكفر البواح»: وهذا معناه الكفر الصريح، البواح الشيء البين الظاهر، فأما ما يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج عليهم، يعني لو قدرنا أنهم فعلوا شيئًا نرى أنه كفر، لكن فيه احتمال أنه ليس بكفر، فإنه لا يجوز أن ننازعهم أو نخرج عليهم، ونولهم ما تولوا.



    لكن إذا كان بواحًا صريحًا، مثل: لو أن وليًّا من وُلاة الأمور قال لشعبه: إن الخمر حلال. اشربوا ما شئتم، وإن اللواط حلال، تلوطوا بمن شئتم، وإن الزنى حلال ازنوا بمن شئتم، فهذا كفر بواح ليس فيه إشكال، هذا يجب على الرعية أن يزيلوه بكل وسيلة ولو بالقتل؛ لأن هذا كفر بواح.



    الشرط الرابع: «عندكم فيه من الله برهان»، يعني عندنا دليل قاطع على أن هذا كفر، فإن كان الدليل ضعيفًا في ثبوته، أو ضعيفًا في دلالته، فإنه لا يجوز الخروج عليهم؛ لأن الخروج فيه شرٌّ كثير جدًّا ومفاسد عظيمة.



    وإذا رأينا هذا مثلًا فلا يتجوز المنازعة حتى يكون لدينا قدرة على إزاحته، فإن لم يكن لدينا قدرة فلا تجوز المنازعة؛ لأنه ربما إذا نازعنا وليس عندنا قدرة يقضي على البقية الصالحة، وتتم سيطرته.



    فهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب - وجوب الخروج على ولي الأمر- لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة، فإن لم يكن لدينا قدرة، فلا يجوز الخروج؛ لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة. أي فائدة إذا خرجنا على هذا الولي الذي رأينا عنده كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، ونحن لا نخرج إليه إلا بسكين المطبخ، وهو معه الدبابات والرشاشات أي فائدة؟ لا فائدة، ومعنى هذا أننا خرجنا لنقتل أنفسنا، نعم لابد أن نتحيَّل بكل حيلة على القضاء عليه وعلى حكمه، لكن بالشروط الأربعة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان. فهذا دليلٌ على احترام حق ولاة الأمور، وأنه يجب على الناس طاعتهم في اليسر والعسر، والمنشط والمكره والأثرة التي يستأثرون بها، ولكن بقي أن نقول: فما حق الناس على ولاة الأمر؟



    حق الناس على ولاة الأمر أن يعدلوا فيهم، وأن يتقوا الله تعالى فيهم، وأن لا يشقوا عليهم، وأن لا يولوا عليهم من يجدون خيرًا منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه» دعاء من الرسول عليه الصلاة والسلام: أنَّ من ولي من أمور المسلمين شيئًا صغيرًا كان أم كبيرًا وشق عليهم، قال: «فاشقق عليه»، وما ظنك بشخص شقَّ الله عليه والعياذ بالله، إنه سوف يخسر وينحط، وأخبر النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام أنَّه: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة».



    إن من ولَّى أحدًا من المسلمين على عصابة وفيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنه يجب أن يولي على الأمور أهلها بدون أي مراعاة، يُنظر لمصلحة العباد فيولي عليهم من هو أولى بهم.



    والولايات تختلف، فإمام المسجد مثلًا أولى الناس بهم من هو أقرأ لكتاب الله، والأمور الأخرى كالجهاد أولى الناس بها من هو أعلم بالجهاد، وهلم جرًّا.



    المهم أنه يجب على ولي المسلمين أن يولي على المسلمين خيراهم، ولا يجوز أن يولى على الناس أحدًا وفيهم من هو خير منه؛ لأن هذا خيانة.



    وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» والعياذ بالله.



    فولاة الأمور عليهم حقوق عظيمة لمن ولاهم الله عليهم، كما على المولى عليهم حقوقًا عظيمة يجب عليهم أن يقوموا بها لولاة الأمر، فلا يعصونهم حتى وإن استأثر وُلاة الأمور بشيءٍ، فإن الجواب لهم السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، إلا إذا كان ذلك في معصية الله، يعني لو أمروا بمعصية الله، فإنه لا يجوز أن يأمروا بمعصية الله، ولا يجوز لأحدٍ أن يطيعهم في معصية الله.



    وأما قول بعض الناس من السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة وُلاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة، فهذا خطأ، وهذا غلط، وهذا ليس من الشرع في شيء، بل هذا من مذهب الخوارج، الذين يريدون من وُلاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء، وهذا لم يحصل منذ زمن فقد تغيرت الأمور.



    ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع أن الناس يتكلمون فيه وفي خلافته، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وتكلم فيهم، وقال لهم: إنكم تريدون منَّا أن نكون مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم: أنت خليفة وهم خلفاء، قال: كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر؛ نكن نحن مثل أبي بكر وعمر، وهذا جواب عظيم، فالناس إذا تغيروا لابد أن يغير الله وُلاتهم، كما تكونون يولى عليكم. أما أن يريد الناس من الولاة أن يكونوا مثل الخلفاء وهم أبعد ما يكونون عن رجال الخلفاء، هذا غير صحيح، والله حكيم - عزّ وجلّ - ï´؟ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [الأنعام: 129].



    وذكروا أن رجلًا من الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب جاء إلى عليّ، فقال له: يا عليّ، ما بال الناس قد تغيروا عليك ولم يتغيروا على أبي بكر وعمر، قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك. وهذا كلام جيد، يعني أنك لا خير فيك، فلذلك تغير الناس علينا، لكن في عهد أبي بكر وعمر رجالهم مثل علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهم من الصحابة الفضلاء، فلم يتغيروا على وُلاتهم.



    وكذلك أيضًا يجب على الرعية أن ينصحوا لولي الأمر، ولا يكذبوا عليه، ولا يخدعوه، ولا يغشوه، ومع الأسف أن الناس اليوم عندهم كذب وتحايل على أنظمة الدولة، ورشاوى وغير ذلك مما لا يليق بالعاقل فضلًا عن المسلم، إذا كانت الدول الكافرة تعاقب من يأخذ الرشوة ولو كان من أكبر الناس، فالذي يعاقب من يأخذ الرشوة هو الله عزَّ وجلَّ، نحن نؤمن بالله وما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الراشي والمرتشي»، وعقوبة الله أشد من عقوبة الآدميين.



    وكذلك تجد الكذب والدجل من الناس على الحكومة، مثل أن يأتي المزارع ويدخل زرع غيره باسمه وهو كاذب، ولكن من أجل مصلحة، ومن أجل أن يأكل بها، أحيانًا قد تكون الدولة قد استلمت الحبَّ، ولم يبق إلا الدراهم عند الدولة، فيأتي الإنسان يبيعه على آخر، يبيع دراهم بدراهم مع التفاضل ومع تأخير القبض، إلى غير ذلك من المعاصي التي يرتكبها الشعب، ثم يريدون من وُلاتهم أن يكونوا مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فهذا ليس بصحيح.



    فولاة الأمور عليهم حقوق يجب عليهم النصح بقدر ما يستطيعون لله عزَّ وجلَّ ولمن ولاهم الله عليهم، والشعب أيضًا يجب عليهم حقوق عظيمة لولاة الأمور، يجب عليهم أن يقوموا بها.



    ومن الأمور التي يهملها كثير من الناس أنهم لا يحترمون أعراض وُلاة الأمور، تجد فاكهة مجالسهم - نسأل الله العافية وأن يتوب علينا وعليهم - أن يتكلموا في أعراض وُلاة الأمور، ولو كان هذا الكلام مجديًا وتصلح به الحال لقلنا لا بأس وهذا طيب، لكن هذا لا يجدي، ولا تصلح به الحال، وإنما يوغر الصدور على وُلاة الأمور، سواء كانوا من العلماء أو من الأمراء.



    تجد الآن بعض الناس إذا جلس في المجلس لا يجد أُنسه إلا إذا تعرض لعالم من العلماء، أو وزير من الوزراء، أو أمير من الأمراء، أو من فوقه ليتكلم في عرضه، وهذا غير صحيح، ولو كان هذا الكلام يجدي لكنا أول من يشجع عليه، ولقلنا لا بأس، المنكر يجب أن يزال، والخطأ يجب أن يصحح، لكنه لا يجدي، إنما يوغر الصدور ويكره وُلاة الأمور إلى الناس، ويكره العلماء إلى الناس، ولا يحصل فيه فائدة.



    وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - كلمة جامعة مانعة - جزاه الله عن أمته خيرًا-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، والعجب أن بعض الناس لو أردت أن تتكلم في شخص عادي من الناس قالوا: لا تغتبه، هذا حرام، ولا يرضى أن يتكلم أحد في عرض أحد عنده، لكن لو تكلمت في واحد من وُلاة الأمور فإنه يرى أن هذا لا بأس به!!



    وهذه مسألة مرض به كثير من الناس، وأنا أعتبرها مرضًا - نسأل الله أن يعافينا وإيَّاكم من هذا الذي ابتُلي به كثير من الناس.



    ولو أن الناس كفوا ألسنتهم ونصحوا لولاة أمورهم، ولا أقول: اسكت على الخطأ، لكن اكتب لوُلاة الأمور، اكتب كتابًا إن وصل فهذا هو المطلوب، وإذا انتفعوا به فهذا أحسن، وإذا لم ينتفعوا به فالإثم عليهم، إذا كان خطأ صحيحًا، وإذا لم يصل إليهم فالإثم على من منعه عنهم.



    قوله رضي الله عنه فيما بايعوا عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «وأن نقول بالحق أينما كنا»، يعني أن نقوم بالحق الذي هو دين الإسلام وشرائعه العظام أينما كنا، يعني في أي مكان؛ سواء في البلد، أو في البر، أو في البحر، أو في أي مكان؛ سواء في بلاد الكفر، أو في بلاد الإسلام، نقوم بالحق أينما كنا.



    قوله: «لا نخاف في الله لومة لائم» يعني لا يهمنا إذا لامنا أحد في دين الله؛ لأننا نقوم بالحق.



    فمثلًا لو أراد الإنسان أن يطبق سنة يستنكرها العامة، فإن هذا الاستنكار لا يمنع الإنسان من أن يقوم بهذه السنة، ولنضرب لهذا مثلًا: تسوية الصفوف في صلاة الجماعة؛ أكثر العوام يستنكر إذا قال الإمام استووا، وجعل ينظر إليهم، ويقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، أو تأخر الإمام عن الدخول في الصلاة حتى تستوي الصفوف، يستنكرون هذا، ويغضبون منه، حتى إن بعضهم قيل له مرة من المرات: يا فلان تأخر إنك متقدم، فقال من شدة الغضب: إن شئت خرجت من المسجد كله وتركته لك، نعوذ بالله، فمثل هذا الإمام لا ينبغي له أن تأخذه لومة لائم في الله، بل يصبر ويمرن الناس على السُّنَّةِ، والناس إذا تمرنوا على السُّنَّةِ أخذوا عليها وهانت عليهم، لكن إذا رأي أن هؤلاء العوام جفاة جدًّا، ففي هذه الحال ينبغي أن يعلمهم أولًا، حتى تستقر نفوسهم، وتألف السنة إذا طبقت، فيحصل بذلك الخير.



    ومن ذلك أيضًا: أن العامة يستنكرون سجود السهو بعد السلام، ومعلوم أن السُّنَّة وردت به إذا كان السهو عن زيادة، أو عن شَكٍّ مترجحٍ به أحد الطرفين، فإنه يُسجد بعد السلام لا قبل السلام، هذه هي السنة حتى إن شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله- قال: إنه يجبُ أن يسجد بعد السلام إذا كان السجود بعد السلام، وقبل السلام إذا كان السجود قبله، يعني لم يجعل هذا على سبيل الأفضلية؛ بل على سبيل الوجوب.



    سجد أحد الأئمة بعد السلام لسهو سهاه في صلاته؛ زاد أو شك شكًا مترجحًا فيه وبنى على الراجح، فسجد بعد السلام، فلما سجد بعد السلام ثار عليه العامة ما هذا الدين الجديد؟ هذا غلط، قال رجلٌ من الناس: فقلت لهم: هذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، سلم الرسول عليه الصلاة والسلام من ركعتين ثم أخبروه فأكمل صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو بعد السلام، قالوا: أبدًا، ولا نقبل، قيل: من ترضون من العلماء؟ قالوا: نرضى فلانًا وفلانًا؟ فلما ذهبوا إليه قال لهم: هذا صحيح، وهذا هو السُّنَّة، فبعض الأئمة يأنف أن يسجد بعد السلام وهو يعلم أن السُّنَّة أن السجود بعد السلام خوفًا من ألسنة العامة، وهذا خلاف ما بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه عليه، قم بالحق ولا تخف في الله لومة لائم.



    كذلك أيضًا فيما يتعلق الصدق في المعاملة؛ بعض الناس إذا أخبر الإنسان بما عليه الأمر بحسب الواقع، قالوا، هذه وساوس، وليس بلازم أن أعلم الناس بكل شيء، مثلًا عيب في السلعة، قالوا: هذا سهل والناس يرضونه، والواجب أن الإنسان يتقي الله عزّ وجلّ ويقوم بالعدل ويقوم باللازم، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولكن كما قلت أولًا: إذا كان عند عامة جفاة، فالأحسن أن يبلغهم الشرع قبل أن يطبق، من أجل أن تهدأ نفوسهم، وإذا طُبق الشرع بعد ذلك إذا هم قد حصل عنده علم منه، فلم يحصل منهم نفور.



    المصدر: «شرح رياض الصالحين» (2 /419 - 430)
    قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة
    مدونة لنشر العلم الشرعي على منهج السلف الصالح
    https://albdranyzxc.blogspot.com/

    الفيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395

    قناة اليوتيوب

    https://www.youtube.com/channel/UCA3...GyzK45MVlVy-w/




صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •