السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل عبد الرحمن السحيم حفظك الله ورعاك وجزاك المولى خير الجزاء ونفع بك وجعلك ذخرًا للإسلام والمسلمين وأن يجعل جهدك في ميزان حسناتـــــــك .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: "لَمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِيبَ النَّفْسِ, قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله لِي". قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ وَمَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ", فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الضَّحِكِ, فَقَالَ: "أَيَسُرُّكِ دُعَائِي?" فَقَالَتْ: "وَمَا لِي لا يَسُرُّنِي دُعَاؤُكَ?" فَقَالَ: "وَاللهِ إِنَّهَا لَدَعْوَتِي لأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلاة". أخرجه البزَّار في " مسنده " ( 2658 - كشف الأستار ) وحَسَّنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (5 / 324).
بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أعظمك وما أرحمك بأُمَّتِك، ولقد وصفك ربك ومولاك فقال في حقك: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".
وقال: "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ".
فمتى نحرص نحن عليه وعلى اتِّبَاعِهِ حَقَّ الاتِّبَاع؟ اللهم جَازِهِ عَنا خير ما جَزَيْتَ نَبِياً عن أُمَّتِه.
سألت إحدى الأخوات عن شرح هذا الحديث وقالت (وَاللهِ إِنَّهَا لَدَعْوَتِي لأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلاة") ممكن شرح الحديث لأني اللي فهمته أن يوم الحساب سوف يغفر الله للناس أجمعين ,,, أم ماذا؟؟؟ أرجوا التوضيح للأهمية ..))فأرجوا من فضيلتكم شرح الحديث لي
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

ليس صحيحا أن الله يغفر للناس جيمعا يوم القيامة . بل يغفر لِمن شاء مِن عُصاة أهل الإيمان ، ويُعذِّب من شاء منهم . وأما الكفّار فإن الله لا يغفر لهم .

قال الله عزّ وجلّ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)

قال ابن عطية : هذه مَسْأَلَة الوَعْد والوَعِيد ، وتَلْخِيص الكَلام فِيهَا أن يُقَال :
النَّاس أرْبَعَة أصْنَاف :
كَافِر مَاتَ عَلى كُفْرِه ؛ فَهَذا مُخَلَّد في النَّار بِإجْمَاع .

ومَؤمِن مُحْسِن لم يُذْنِب قَط ، ومَاتَ على ذلك ؛ فَهذا في الْجَنَّة مَحْتُوم عليه حَسَب الْخَبَر مِن الله تعالى بِإجْمَاع .
وتَائب مَاتَ على تَوْبَتِه ، فَهو عِنْد أهْل السُّـنَّة وجُمْهُور فُقَهَاء الأُمَّـة لاحِقٌ بالْمُؤمِن الْمُحْسِن .

ومُذْنِب مَاتَ قَبْل تَوْبَتِه ؛ فَهَذا مَوْضِع الْخِلاف .

ثم قال : وهَذه الآيَة [الآية الـ (48) من سورة النساء] هي الْحَاكِمَة بِبَيَان مَا تَعَارَض مِن آيَات الوَعْد والوَعِيد ، وقَوله : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) ، فَلا بُدّ أن نَقُول : إنَّ آيَات الوَعْد لَفْظُها لَفْظ عُمُوم والْمُرَاد بِهَا الْخُصُوص في الْمُؤمِن الْمُحْسِن وفي التَّائب ، وفِيمَن سَبَق في عِلْمِه تَعَالى العَفْو عَنه دُون تَعْذِيب مِن العُصُاة ، وأنَّ آيَات الوَعِيد لَفْظُها عُمُوم والْمُرَاد بِهَا الْخُصُوص في الكَفَرَة ، وفِيمَن سَبَق في عِلْمِه تَعالى أنّه يُعَذِّبُه مِن العُصَاة ، وتَحْكُم بِقَولِنَا هَذه الآيَة النَّصّ في مَوْضِع النِّزَاع ، وهي قَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فَإنّهَا جَلَتِ الشَّك ، ورَدَّت على الطَّائفَتَين الْمُرْجِئَة والْمُعْتَزِلَة ، وذَلك أنَّ قَوله تَعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فَصْل مُجْمَع عَليه ، وقَوله : (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) فَصْل قَاطِع بِالْمَعْتَزِلَة ، رَادّ عَلى قَوْلِهم رَدًّا لا مَحِيدَ عنه ، ولَو وَقَفْنَا في هَذا الْمَوْضِع مِن الكَلام لَصَحّ قَوْل الْمُرْجِئَة ، فَجَاء قَوله : (لِمَنْ يَشَاءُ) رَادًّا عَليهم مُوجِبًا أنّ غُفْرَان مَا دُون الشِّرْك إنّمَا هُو لِقَوْم دُون قَوْم ، بِخِلاف مَا زَعَمُوه مِن أنه مَغْفُور لِكُلّ مَؤمِن . اهـ .

وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " وَاللهِ إِنَّهَا لَدَعْوَتِي لأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلاة " ، فهذا من حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته ، ومِن سؤال الله المغفرة لأمّتِه . وبنحو هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه .

فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام إذا قام يتهجّد من الليل أن يقول - بعد أن يُثني على الله عز وجلّ بما هو أهلُه - :اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت . رواه البخاري ومسلم .

ثم تأملوا هذا الدعاء من أدعيته عليه الصلاة والسلام ، وهو يقول :اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي . رواه البخاري ومسلم .

وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده : اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه ، دِقَّه وجِلَّه ، وأولَه وآخرَه ، وعلانيتَه وسرَّه . رواه مسلم .

ولما سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ اللّه علمني دُعاءً أَدعو به في صلاتي قال : قل : اللهمّ إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يَغفرُ الذّنوبَ إلاَّ أنتَ ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندَك ، وارحمني إنكَ أنتَ الغفور الرّحيم . رواه البخاري ومسلم .

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض