أحسن الله إليك ورفع قَـدرك
ذُكِر في أحد مقاطع الفيديو أن هناك علامات للساعة الصغرى ظهرت
وقال القائل :
- في الحديث (لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها)
وقد أزيلت بعض جبال مكة ومنها جبل أبي قبيس
- والحديث الآخَـر (لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس على الطرقات تسافد الحمير)
وقال أنه رأى اثنين على أحد شواطئ الجزيرة العربية يزنيان أمام الناس .
- إن رسول الله صلى الله علي وسلم ذَكَر أن المجتمع سيصبح متمدنًا وذكر هيئة الناس جينئذٍ وهم الذين يمشون في الأسواق وأفخاذهم عارية (بادية الأفخاذ في الأسواق)
- (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة و فشو التجارة ، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة)
- تطاول الناس في البنيان .
في الحديث (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَان)
- أنَّ البنيان في مكة ستصل إلى قمم الجبال
وفي الحديث (إذا رأيت مكة قد بعجت كظائم ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال فاعلم أن الأمر قد أظلك)
بعجت كظائم
أي حفرت قنوات في جبالها وهو حفر الأنفاق بمكة .
وأظلتك الساعة ، قال : يمكن أخذها حرفيا أن الساعة أظلت بظلها الكعبة
يعني برج الساعة المقام حاليًا في مكة أصبح يُظل الكعبة .



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

أولا : الحديث لا يخلو من ضعف .
ثانيا : الحديث لو ثبت فإنه لا يدل على زوال جميع الجبال ، بل على جبال معينة .
ثالثا : في الحديث " وحتى تزول جبال " ، وهذا يعني أنها تزول بنفسها لا أنها تُزال ، وإلا لقال : وحتى تُزال جبال .
رابعا : لو ثبت هذا فهو في علامات الساعة الكبرى .
ففي رواية عند الإمام أحمد بعد ذِكر الدّجّال : ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم ، وتساءلون بينكم : هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذِكرا ، وحتى تزول جبال على مراتبها ، ثم على أثر ذلك القبض .

وأما وُقوع الفاحشة على شاطئ ، أو في حانة ، أو في بيت دعارة ؛ فلا يَظهر أنه المقصود بـ يَتَسَافَدُون في الطُّرُقات ؛ والقول بأنه مِن علامات الساعة مُتعقّب مِن ثلاث جِهات :
الأولى : أن هذا الذي وقع إنما وَقَع في أماكن مُعيّنة ، وليس في الطرقات ، والأماكن العامة .
الثانية : أنه لا يكون إلاّ بعد هلاك يأجوج ومأجوج ، وهذا يَعني أنه مِن علامات الكُبرى ، وذلك حينما تُقبَض روح كل مؤمن ومسلم ، ويبقى شرار الناس .
الثالثة : الخِلاف في المقصود بـ " يتهارجون فيها تَهارج الْحُمُر " نظرا لاختلاف معنى " الْهَرْج والتَّهارُج " .
قال عليه الصلاة والسلام : ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم مِن كُل حَدَب يَنسلون ، فيَمُرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ، ويَمُرّ آخرهم فيقولون : لقد كان بهذه مرة ماء ، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه ، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مئة دينار لأحدكم اليوم ، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه ، فيرسل الله عليهم النَّغَف في رقابهم ، فيصبحون فَرْسى كَموت نفس واحدة ، ثم يَهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض ، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلاّ ملأه زَهَمهم ونَتَنهم ، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل الله طيرا كأعناق البُخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ، ثم يرسل الله مطرا لا يَكنّ منه بيت مَدر ولا وَبر ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفة ، ثم يُقال للأرض : أنبتي ثمرتك ، ورُدّي بركتك ، فيومئذ تأكل العصابة مِن الرمانة ، ويستظلون بِقَحْفِها ، ويبارك في الرِّسْل ، حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس ، واللقحة مِن البقر لتكفي القبيلة مِن الناس ، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس ، فبينما هم كذلك إذْ بعث الله ريحا طيبة ، فتأخذهم تحت آباطهم ، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ، ويبقى شرار الناس ، يتهارجون فيها تَهارج الْحُمُر ، فعليهم تقوم الساعة . رواه مسلم .

قال ابن حجر : وذَكَر صاحب الْمُحْكَم للهَرج معاني أخرى ، ومجموعها تِسعة : شِدّة القتل ، وكَثرة القَتل ، والاختلاط ، والفتنة في آخر الزمان ، وكثرة النكاح ، وكثرة الكذب ، وكثرة النوم ، وما يرى في النوم غير منضبط ، وعدم الإتقان للشيء .
وقال : وقد اختلفوا في المراد بقوله : " يتهارَجُون " : فقيل : يَتَسَافَدُون . وقيل : يَتَثَاوَرُون . والذي يظهر أنه هنا بِمَعنى : يتقاتلون ، أو لأعَمّ مِن ذلك . اهـ .

وأما فهمه لـ (بُعجت كظائم ، أي : حُفِرت قنوات في جبالها وهو حفر الأنفاق بمكة) ، فهو غير صحيح ، وليس لنا أن نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنأى عن فهم السلف وفَهم أهل اللغة .
قال ابن الأثير في " النهاية " : " إذا رأيت مكة قد بُعجت كظائم " أي : شُقَّتْ وفُتحت بعضها في بعض .
والكظائم جمع كظامة ، وهي آبار تُحفر متقاربة وبينها مجرى في باطن الأرض يسيل فيه ماء العليا إلى السفلى حتى يظهر على الأرض ، وهي القنوات . اهـ .
والحديث رواه ابن أبي شيبة ، وإسناده ضعيف .

وكذلك فهمه لـ (وأظلتك الساعة) ، فالمقصود بالساعة إذا ذُكِرت هي قيام الساعة ، وقُرب القيامة ، وليست ساعة مُختَرَعة !
ولو صحّ الأثر ، فهو محمول على قُرب الساعة ، فقد جاء فيه : فإذا رأيت مكة قد بعجت كظائم ، ورأيت البناء يعلو رءوس الجبال ؛ فاعلم أن الأمر قد أظلّك .

وإن مما ابْتُلي به الناس في هذا الزمان : أن يتكلَّم مَن شاء بِما شاء مِن تفسير كتاب الله وبيان سُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم دون الرجوع إلى كلام أهل العِلم ، خاصة فيما يتعلّق بالوقائع والحوادث وتَنْزِيل الواقع على الأخبار ، وما يتعلّق بالعِلْم التجريبي وموافقته للنصوص .

ورَحِم الله الإمام مالك إذْ كان يقول : لا أُوتَي بِرَجُلٍ غير عالم بِلُغَاتِ العَرَب يُفَسِّر كِتاب الله إلاَّ جَعَلْتُه نَكَالاً !

ورحِم الله الأصمعي إذْ كان يتوقّف في تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنه مِن أئمة اللغة .
قال أبو قلابة عبد الملك بن محمد : قلت للأصمعي : يا أبا سعيد ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجار أحق بِسَقَبِه " ؟ فقال : أنا لا أفَسِّر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن العرب تزعم أن السَّقَب اللزيق .

وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير القرآن ، فلا يجوز تفسيره إلاّ لِعارِف بِلغة العرب ، وبِمقاصد الشرع .
قال الإمام الشاطبي : فإن القرآن والسنة لَمَّا كانا عربيين لم يكن لينظر فيهما إلاَّ عربي ، كما أن مَن لم يَعرف مقاصدهما لم يَحِلّ له أن يتكلم فيهما ، إذْ لا يصح له نَظر حتى يكون عالِمًا بهما ، فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء مِن الشريعة . اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : مَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِلا عِلْمٍ كَانَ كَاذِبًا ، وَإِنْ كَانَ لا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ
وقال : تفسير القرآن بِمُجَرَّد الرأي حرام . اهـ .

وسبق :
هل ضرب الزوجة في القرآن الكريم يعني الْمُباعدة والْمُفارقة ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=110597

مَن هو المخوّل والذي يحقّ له تفسير القرآن الكريم ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=73809

كيف نردّ على مَن يقول أنه يحقّ لكلِّ أحد أن يفهَم النُّصوص دون التقيّد بفَهم السَّلف ؟
http://saaid.net/Doat/assuhaim/fatwa/255.htm

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض