ألحظ في المنتديات وبصفة متزايدة وصف البنات المسلمات للمُغَنِّين الأمريكان المسيحيين بالحبيب والغالي وفارس الأحلام !
والأدهى من هذا تنافسهن على أيهن أكثر محبة له ! فتلحظ المنافسة الشديدة بينهن في البحث عن صوره ولقاءاته وأفلامه وغير ذلك .
وهناك من الشباب - جزاهم الله خيرا - ينصحونهم بعدم قول ذلك ، ولكنهن يقلن أنا حرة ؟ هذا حب من بعيد لبعيد ؟ أي نَعَم حبيبي وروحي وعمري .
ما حكم تلك المحبة يا شيخ من قالت بأن هذا مباح ؟ وما أخطار هذه المحبة ؟؟



الجواب :
بارك الله فيك .
أولاً :
تِلك الْمَحبَّة لا تَكُون إلاَّ نتيجة خواء وضَعْف في مَحبَّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
فإن محبَّـة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تَجْتَمِع مع مَحبَّة عَدوِّه !
وتِلك الْمَحَـبَّة للكافِر خَطَر على العقيدة ؛ لأنّ ذلك الْحُبّ لا يَكُون مِن مُؤمِن لِكَافِر .
قال تعالى : (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ) .
وحُبّ الكُفَّار مِن علامات النِّفَاق الاعتقادي .
قال تعالى عن المنافقين : (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) .
ثم هو داخِل في الإعجاب بالكُفَّار ، وهو منْهِيّ عنه لأمور :
الأول : أنَّ الإعجاب بِالكُفَّار مَدْعَاة للإعجاب بِمَا هُم عليه مِن دِين باطِل ، وبِالتالي تأثير هذا الإعجاب على القلوب .
قال ابن مسعود : إذا شابَه الزيّ الزيّ شابَهَ القَلْب القَلْب .
يعني أن الْمُشَابَهَة في الظَّاهِر تُورِث الْمُشَابَهَة والْمُشَاكَلَة في الباطن .
وقد يَبْلُغ هذا الإعجاب مُنتَهاه فيَقع صاحِبه في الشِّرْك ، وهو شِرْك الْمَحبَّـة الذي ذَكَره العُلماء ، مِن تَعَلُّق الإنسان بِغَيره حتى يُقَدِّم مَحَبته على مَحَبة الله ورَسوله صلى الله عليه وسلم ، ويُقَدِّم رضاه على رِضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
الثاني : أنَّ مَا هُم عليه ومَا هُم فِيه سَبَب لِعَذَابِهِم يَوم القِيامة .
قال تعالى : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقال : (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) .
الثالث : أنّ الإعجاب بِالكُفَّار انْهِزامية وضَعف .
ولو عَلِم هؤلاء الإخوة والأخوات الذين أُعجِبوا بالكُفَّار ما عَليه الكُفَّار مِن أخلاق سيئة ومِن عادات قبيحة ، بل ومِن قَذَارة يشهدها كُلّ من اطَّلَع على حياتهم عن قُرْب لَمَقَتُوا أنفُسَهم ! كيف يُعجَبُون بِمن هذا حالُـه ؟!
كيف يُعجَبُون بِمن يَقول في الله قَولاً عظيما ؟ تَكَاد السماوات يتفطَّرْن مِنه وتنشقّ الأرض وتَخِرّ الِجبَال هَدًّا ؛ أن دَعَوا للرحمن ولدا .
كيف يُعْجَبُون بِمن يَبُول واقِفًا ثم لا يَتَطهَّر مِن نَجَاسَة ، ولا يَتَنَظَّف مِن قَذَارَة !
وهذا مُشاهَد مشهور في دورات المياه بل وفي الأماكن العامة كالمطارات ونحوها ، وهذا شاهُدته بنفسي ، يأتي أحدهم إلى مكان أُعِدَّ للـتَّبَـوُّل ، فيتبَوَّل واقِفا ثم لا يُزيل أثر البول ! بل حتى ولا يستعمل مناديل ولا غيرها !

ثم ليَتأمَّل المسلم الذي أعَزَّه الله وأكرَمَه بِخير الأديان ، كيف يَكون تابعا ومُحِـبًّـا لِكافر ؟!
بل الأدْهى من ذلك والأمَـرّ أن تَكون تِلك الْمَحبَّة لِكل ساقِط وساقِطة من حُالة مُجتمعات الكُفَّار !
أي أن تلك المحبة لم تَكُن لِعامَّة الكُفَّار ، بل صُرِفَتْ لِحُثالة مُجتمعات الكُفَار وسَقَطِهم وأراذِلِهم !

ثانيا :
أنَّه لا أحَد يَجِد حَلاوة الإيمان حتى تَكون محبَّـتُه لله عزّ وَجَلّ .
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاثٌ مَن كُـنَّ فيه وَجَد بِهِنّ حَلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحَبّ إليه مِمَّا سُواهما ، وأن يُحِبّ الْمَرْء لا يُحِبّه إلاَّ لله ، وأن يَكْرَه أن يَعُود في الكُفْر بَعْد أن أنْقَذَه الله مِنه كَمَا يَكْرَه أن يُقْذَف في النَّار .

ثالثا :
الكُفَّار هم أقذَر الناس ! فكيف نُعْجَب بهم ؟!
وهذا قد تَحدَّث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في زمانه ، إذ يقول عن النصارى : فلا يُوجِبُون الطَّهَارَة مِن الجنابة ، ولا الوضوء للصلاة ، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة ، بل يَعُدّ كثير مِن عُبَّادِهم مُبَاشَرة النَّجَاسَات مِن أنْوَاع القُرَب والطَّاعَات ، حَتى يُقَال في فَضَائل الرَّاهب : له أربعون سَنَة مَا مَسَّ الْمَاء ! ولهذا تركوا الختان !
وذَكَر أيضا أنَّ النصارى يَتْرُكون " طَهَارَة الحدث والخبث ، فلا يُوجِبُون غُسْل جَنَابة ولا وُضُوءًا ، ولا يُوجِبُون اجْتِنَاب شَيء مِن الْخَبَائث في صَلاتِهم ، لا عَذِرَة ولا بَوْلاً ، ولا غير ذلك من الْخَبَائث ، إلى غير ذلك . كلها شَرَائع أحْدَثُوها وابْتَدَعُوها بَعْد الْمَسِيح عليه السلام ودَان بِهَا أئمَّتُهم وجُمْهُورُهم ، ولَعَنُوا مَن خَالَفَهم فِيها " .

وتحدَّث عنه الأمير أُسامة بن منقذ في زمانه أيضا ! حيث ذَكَر ما رأى مِن الفرنج " جُنود الحملات الصليبية على بلاد المسلمين " ، وأنه ليس فيهم فضيلة إلاَّ الشجاعة !
وأمَّا مَا عَداها مِن الأخلاق فهي أخْلاق فَاسِدة .

وقال شيخنا الدكتور ناصر العقل : وما يَشهد به الواقع أن الكفّار الآن عامَّةَ أخلاقهم فاسـدة وخبيثة ، ويَكثر بينهـم الحسد والغدر والخيانة والبغي والفسـاد ، والكذب والفجـور ، غيرهـا مِنْ الرذائل والفسـاد الأخلاقي ، الذي يتذمّـرون منه هم ، ويُقلق مفكريهم وعقلاءهـم ومصلحيهم ، إن كان فيهـم مُصْلِحُون ! . اهـ .

وفي أسبانيا يُمْنَع اصْطِحَاب الكِلاب في بعض الحدائق ، فَـيُضْطَرّ صَاحِب الكلب الذي لا بُـدّ أن يَقوم بِتَمْشِيَتِه ! يُضْطَرّ أن يأخذ معه مَناديل ليَحْمِل مُخلَّفَات الكَلب ! بِيَدِه حتى يَخُرُج مِن الحديقة !
وفي أحد شوارع أسبانيا رأيت بِعيني مجموعة كبيرة من الناس تُطارد ثورا صغيرا !
فسألتُ عن ذلك : فقيل : هذا تقليد أسباني !
ثم عَلِمْتُ فيما بعد أنَّ عند الأسبان أسبُوعا يُصارِعون فيه الثيران ، وهو أسبوع مُقدَّس !
أفيَكُون التقْديس بِضَرْب الثيران بالسِّهَام حتى يُثْخَن بالْجِراح ؟!
أو يَكون بِمُطَارَدَة ثَوْر صَغير مِن شَارع إلى شَارع ؟!
بل وأُغلِقَت الْمَنَافِذ التي تُؤدِّي إلى ذلك الشارع .. !!
إلى غير ذلك مِن المظاهِر الداخلية في مُجتمعاتهم ، والتي لو عَلِم بِها مَن يُقلِّدُهم أوْ يُعْجَب بهم لَرَمَى بِصوَرِهم في دَورات المياه !
وقد يَقول قائل : هذا ضرْب مِن الاتِّهام ! حيث يعتقد بعض الناس أن الكُفَّار من أنْظَف الناس !
وهذا غير صحيح ..
وليس راء كَمَن سَمِعا !
وليس الخبر كالمعاينة !
واسألوا من رأى داخل تلك المجتمعات ، ومن عاش فيها ، وليس مَن زارها زيارة عابِرة !
أو رأى بعض مظاهر الحضارة عبر الشاشات !
فإنه لا يُظهِرون إلاَّ الْحَسَن !
حالهم كَحَال الممثِّلين والممثِّلات الذين يظهرون للناس بأحْسَن صُورة ، وبأحْسَن حَال !
وهم يعيشون في جحيم !
وصُورهم الحقيقية تختلف عمَّا يتقَمَّصُونه أمام آلات التصوير !

أضِف إلى ذلك أننا لَم نَر يوما من الأيام مُغنيا غربيا يُعجَب بالعَرب !
ولا يَرتدي ملابسهم .. ولا يُعلِّق صُورَهم !
أمّا لِمَاذا ؟
فلأنّ لَديهم استقلالية في الشخصية !
وليس لديهم تَبَعيَّة !
ولأننا لا نستحق في أعينهم أن نُقَلَّد !
فالتقليد لا يأتي إلاَّ نتيجة ضَعْف وانهزامية !
فالصغير عادة يُقلِّد الكبير ويُعجَب بِحركاته !

وليس العَكس !
وأخيرا :

أُذَكِّر هؤلاء بأن من أحبَّ قَومًا حُشِر معهم !

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : الرَّجُل يُحِبّ القَوْم ولَمَّا يَلْحَق بَهم ؟ قال : الْمَرْء مَع مَن أحَبّ . رواه البخاري .
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله متى الساعة ؟ قال : وما أعْدَدْت للسَّاعَة ؟ قال : حُبّ الله ورَسُولِه . قال : فإنك مع مَن أحْبَبْت . قال أنس : فَمَا فَرِحْنَا بَعْد الإسلام فَرَحًا أشَدّ مِن قَول النبي صلى الله عليه وسلم : فَإنَّك مَع مَن أحْبَبْت . قال أنس : فأنا أُحِبّ الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرْجُو أن أكُون مَعهم وإن لَم أعْمَل بِأعْمَالِهم . رواه البخاري ومسلم .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يُحِبّ رَجُل قومًا إلاَّ حُشِر معهم . قال المنذري : رواه الطبراني في الصغير والأوسط بإسناد جيد . وقال الألباني: صحيح لغيره .

فَمَن أَحبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم جَعَل قلبه مُعلَّقًا بِمَا يُقَرِّبه إلى الله عزّ وَجَلّ .
ومَن أحَبّ الكُفَّار تَعلَّق بِصًورهم وأغانيهم وكلّ ما يأتي منهم !
فاخْتَر لِنفسِك أيّ الطريقين .. وصُحْبَة أيّ مِن الفرِيقين !
ولو سألت أولئك الذين يُعجَبُون بِالْمُغَنَّين والْمُغَنِّـيَات عن العشرة الْمُبَشَّرِين بالجنة لَما أجابوك !
ولو سألتهم عن أصحاب الشجرة لَقالوا : أي شجرة ؟!
ولو سألتهم عن أركان الإسلام أو أركان الإيمان لَتَلَعْثَمُوا !

وسبق :
ما حُكم غيبه المشاهير مِن الفُسّاق ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=26460

تنْبِيه :
وهنا تَنْبِيه حول كلمة ( مسيحي ) ، وهي كلمة تَجْري على ألسنة كثير من الناس ، وهذا اسْتِعْمَال خَاطئ ، والصَّواب أن يُقال : نصراني ، كما سَمَاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وسبقتْ الإشارة إلى ذلك هنا :
كلمات وألفاظ في الميزان
http://almeshkat.net/index.php?pg=art&cat=&ref=93

وأسأل الله التوفيق والهداية للجميع .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض