أنا أعتقِد أن اليهود والنصارى لا يجوز أن يطلق عليهم لفظ كفار لأنهم ليسوا كذلك هم أهل فترة
وهل يعقل أن يتساويا عند الله تعالى يوم القيامة هل يعقل أن يكافئك الله تعالى على الإسلام وما نتج عن إسلامك من أعمال صالحة في حين أنه ليس لك فضل في ذلك ويعاقب المسيحي أو اليهودي بسبب كونه مسيحي أو يهودي في حين أنه ليس له ذنب في ذلك
كيف يعاقب الله تعالى إنسانا على شيء ليس له يد أو اختيار فيه




الجواب :
قولك أولاً :
لا يجوز أن يطلق عليهم لفظ كفار لأنهم ليسوا كذلك هم أهل فترة

قَوْل لم تُسْبَق إليه ، ولم يَقُل به أحد مِن أهل العِلْم ، إلا ما استثناه أهل العِلْم فيما يتعلّق بأهل البلاد النائية التي لم يبلغها العِلْم .
قال ابن عطية في تفسيره :
فَوَاجِب على الآدمي البالغ أن يَبحث عن الشرع الآمِر بِتوحيد الله تعالى ، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك بِحَسب إيجاب الشرع النظر فيها ، ويُؤمن ولا يَعبد غير الله . فمن فَرضناه لم يَجد سبيلاً إلى العِلْم بِشَرع آمِرٍ بِتوحيد الله وهو مع ذلك لم يَكْفر ولا عَبد صَنَما بل تَخَلّى ، فأولئك أهل الفترات ، الذين أطلق عليهم أهل العِلم أنهم في الجنة ، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين ، ومَن قَصَّر في النظر والبحث فَعَبَد صَنَما وكَفَر ، فهذا تارِك للواجب عليه ، مُسْتَوجِب العقاب بالنار .
وقال القرطبي في تفسيره : وقد اسْتَدَلّ قَوْم في أنَّ أهْل الْجَزَائر إذا سَمِعُوا بِالإسْلام وآمَنُوا فلا تَكْلِيف عليهم فِيمَا مَضَى . وهذا صَحِيح . اهـ .
والمقصود بـ " أهل الجزائر " أهل الْجُزُر النائية " .
فَلَم يَقُل أحد مِن أهل العِلْم أن اليهود والنصارى أهل فَتْرة بعد بِعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد مِن هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان مِن أصحاب النار . رواه مسلم .
والمقصود بقوله : " مِن هذه الأمة " أي : مِن أمَّة الدعوة ؛ لأن بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافّة .

وأما سؤالك :
هل يعقل أن يتساويا عند الله تعالى يوم القيامة هل يعقل أن يكافئك الله تعالى على الإسلام وما نتج عن إسلامك من أعمال صالحة في حين أنه ليس لك فضل في ذلك ويعاقب المسيحي أو اليهودي بسبب كونه مسيحي أو يهودي في حين أنه ليس له ذنب في ذلك

نَعَم ، يُعْقَل ؛ لأن هذا هو اصطفاء الله واختياره لِعباده ؛ اختار لِدِينه مَن عَلِم قبل خَلْق الخلائق مَن هو أهلاً لِعبادته ، ومَن ليس أهلا لها .
وليست وِلادة مَن وُلِد مِن أبوين مُسلِمين ضَمان لِدخول الجنة ، فـ " ابن نوح " مات في الغَرَق كافِرا ، وأبوه مِن أولي العَزْم مِن الرُّسُل .
وكم هم اليوم أبناء المسلمين الذين لا يعرِفون مِن الإسلام إلاّ اسمه ، فلا يُصلّون ولا يعبدون الله ، وإنما يتنسبون إلى الإسلام بالاسم ؟!
ثم إن سؤالك سؤال عقلي ، وليس اعتراضا على الكلام أو على الفتاوى المنقولة بأدلّة يُسلَّم لك بها .
وقد اتّفقت كلمات الأئمة على أنه إذا صحّ الدليل فلا يُعْدَل عنه ، ويُضرَب بِما سواه عَرض الحائط !

وقولك - هداك الله - :
كيف يعاقب الله تعالى إنسانا على شيء ليس له يد أو اختيار فيه

أقول :
مِن عقيدة أهل السنة : أن الله لو عَذَّب أهل السموات والأرض بَرّهم وفَاجِرهم عَذَّبَهم وهو غير ظَالِم لهم .

روى الأئمة : أحمد وعبدُ بن حُميد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي مِن طريق ابن الديلمي قال : أتيت أُبيّ بن كَعْب ، فَقُلْتُ له : وَقَعَ في نَفْسِي شَيء مِن القَدَر ، فَحَدِّثْنِي بِشَيء لَعَلَّه أن يَذْهَبَ مِن قَلْبِي ، فَقَال : إنَّ الله لَو عَذَّب أهْل سَمَاواته وأهْل أرْضِه عَذَّبهم غَير ظَالِم لَهم ، ولَو رَحِمَهم كَانَت رَحْمَته خَيرًا لهم مِن أعْمَالِهم . قال : ثم أتَيتُ عبد الله بن مسعود فَقَال مِثْل قَوله ، ثم أتَيتُ حذيفة بن اليمان فَقَال مِثْل قَوله ، ثم أتَيتُ زَيد بن ثابت فَحَدَّثَنِي عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مِثْل ذلك .

ثم إن لهم يَد في الاختيار .. ألا ترى إلى الأعداد التي أسْلَمت وتُسلِم مِن النصارى ومِن الوثنيين بعد بحثهم وسؤالهم عن الحق ؟
ومَن عَلِم الله فيه خيرا وفّقه للسؤال والبحث عن الحق .
ومَن علِم الله فيه خلاف ذلك وَكَله إلى نفسِه ، فَوُكِل إلى عجْز وضَعف وعورة !
ألم تسمع قول المقداد رضي الله عنه ، وقد قال عنده رجل :
طُوْبَى لِهَاتَيْنِ العَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ .
فأَقْبَلَ عَلَيْهِ المقداد ، فَقَال :
مَا يَحْمِلُ أَحَدَكُم عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَراً غَيَّبَهُ اللهُ عَنْهُ ؟ لاَ يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُوْنُ فِيْهِ ، وَاللهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامٌ كَبَّهُمُ اللهُ عَلَى مَنَاخِرِهِم فِي جَهَنَّمَ ، لَمْ يُجِيْبُوْهُ ، وَلَمْ يُصَدِّقُوْهُ .
أَوَلاَ تَحْمَدُوْنَ اللهَ ، لاَ تَعْرِفُوْنَ إِلاَّ رَبَّكُم مُصَدِّقِيْنَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُم ، وَقَدْ كُفِيْتُم البَلاَءَ بِغَيْرِكُم ؟
وَاللهِ لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهِ نَبِيٌّ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ ، مَا يَرَوْنَ دِيْناً أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرَى وَالِدَهُ ، أَوْ وَلَدَهُ ، أَوْ أَخَاهُ كَافِرا ، وَقَدْ فَتَحَ اللهُ قِفْلَ قَلْبِهِ لِلإِيْمَانِ ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ ، فَلاَ تَقَرُّ عَيْنُهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَمِيْمَهُ فِي النَّارِ ، وَأَنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى : (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)
فهاهم القوم الذين شَهِدوا الـتَّنْزِيل ، ورأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث بُعِث ، انقسموا إلى فريقين : مؤمن وكافِر ، وقد بلغتعم الدعوة جميعا ..
وانقسموا في المدينة إلى ثلاثة :
مؤمن وكافر ومنافق .

اللهم أرنا الحق حقا ووفقنا لاتّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه .

وهنا :
إذا كان الله كتب ما سأمرّ به فكيف يحاسبني
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=77343

المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض