السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هدانا الله وإياكم للحق ونسأله ثبات قلوبنا على دينه القويم
من خلال تصفحي بأحد المنتديات قرأت موضوع أثار غضبي لكون الكاتب أدرج فتوى نسبها لأحد أبناء السنة بكون صيام عاشوراء بدعة ..
لكن من البديهي أن الكذب لا أرجل له
جزاكم الله كل خير أريد إيضاح للشبه الواردة بالموضوع الأول ليس لأني أصدقها لكن أريد الإحاطة والتثقف بديني ولكي لا يتشدق الرافضة بكلام مفترى
وفقكم الله ونفع بكم المسلمين



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

أولاً : شبهة " أخَذَ دِينه عن اليهود " .. هذا غير وارد عند أهل السنة ، وإنما يَرِد عن الرافضة الذين شابهوا اليهود قَلْبًا وقالبا !
فقد شابهت الرافضة اليهود في أكثر من أربعين خصلة ! ولا عجب ، فإن الفرع يُشبه الأصل !

وأما هذه الشبهة فقد أجاب عنها علماء أهل السنة .
قال المازري : خبر اليهود غير مقبول ، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه و سلم أُوحي إليه بصدقهم فيما قالوه ، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم به .
قال القاضي عياض ردًّا على المازري : قد روى مسلم أن قريشا كانت تصومه فلما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة صامه ، فلم يحدث له بقول اليهود حُكم يحتاج إلى الكلام عليه ، وإنما هي صفة حال ، وجواب سؤال ، فقوله : " صامه " ليس فيه أنه ابتدأ صومه حينئذ بقولهم ، ولو كان هذا لحملناه على أنه أَخْبر به مَن أسلم مِن عُلمائهم كابن سَلاَم وغيره .
قال القاضي : وقد قال : قال بعضهم : يحتمل أنه صلى الله عليه و سلم كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه حتى عَلِم ما عند أهل الكتاب فيه فَصامه . قال القاضي : وما ذكرناه أوْلَى بِلفظ الحديث .
قال النووي : قلت : المختار قول المازري ، ومختصر ذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان يصومه كما تصومه قريش في مكة ، ثم قَدِم المدينة فَوَجَد اليهود يصومونه فَصامه أيضا بِوَحي ، أو تواتر ، أو اجتهاد ، لا بمجرد أخبار آحادهم . والله أعلم . اهـ .
أقول : وهذا مما يُعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليصوم لِمجرّد خبر اليهود ، بل إن أفعاله عليه الصلاة والسلام تشريع ، وهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، كما قال الله تعالى عن نـبِـيِّـه صلى الله عليه وسلم : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) .
كان عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - يكتب كل شيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فِيه ، فقال : أكتب ، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاَّ حَقّ . رواه أبو داود والحاكم وابن أبي شيبة .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالحق .

ومثل ذلك قصة الرجم .. وقراءة التوراة وإخبار عبد الله بن سلام رضي الله عنه بِكتمان اليهود للحق .
والقصة مُخرّجة في الصحيحين ، وفيها : أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويُجْلَدُون ، فقال عبد الله بن سلام : كذبتم ! إن فيها الرَّجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ! فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد ، فيها آية الرجم ، فأمَرَ بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا .

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب التوراة لِعلمه عليه الصلاة والسلام بأن حدّ الرجم ثابت فيها ، وليس إقرارا للتوراة ؛ لأن دِينه عليه الصلاة والسلام ناسخ للديانات السابقة .

ثم إن ذلك اليوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه قبل ذلك ، ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فُرِض شهر رمضان قال : من شاء صامه ، ومن شاء تركه .
وفي رواية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيامه قبل أن يُفرض رمضان ، فلما فُرض رمضان كان من شاء صام يوم عاشوراء ، ومن شاء أفطر . رواه البخاري ومسلم .
وكذلك أخرجاه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك اليوم ، وافتراضه على الأمة كان قبل عِلمه صلى الله عليه وسلم بِصيام اليهود له .

ثانيا : دعوى أن هذا ليس في الموروث اليهودي ما يدلّ على ذلك .
أقول : أسهل شيء هو النفي !
أما الإثبات فهو يحتاج إلى برهان .
والبرهان على أن اليهود كانت تُعظِّم اليوم الذي نجّى الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه ثابت تاريخيا ، وهو في كُتُب اليهود ، وإلى اليوم يحتفلون بذلك اليوم ويُعظّمونه !

قال ابن كثير :
وحين جاء الوحي إلى موسى خرجوا مسرعين ، فحملوا العجين قبل اختماره، وحملوا الأزواد في الأرْدِيَة ، وألْقوها على عواتقهم ، وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حُلِيًّا كثيرا ، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الأنعام ، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة .
هذا نص كتابهم .
وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ ، وهذا العيد عيد الفسخ .
ولهم عيد الفطير وعيد الحمل ، وهو أول السنة ، وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها في كتابهم . اهـ .

وكذلك قال الدكتور عبد الوهاب المسيري في " موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية " .

إلاّ أنه يُسمى عندهم : عيد الفصح ، أو : الفسح .

واحتفال اليهود بذلك اليوم الذي نجّا الله فيه موسى كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ، يتخذونه عيدا ، ويُلبسون نساءهم فيه حُلِيهم وشَارتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فصوموه أنتم . رواه مسلم .

ومن المعلومات الفلكية : أنّ كل ثلاث سنوات شمسية تقريبا يتغير موقع الشهر القمري بكامله ، مُتَقَدِّمًا شهرا واحدا ، فإذا صادَف أن توافق منذ ثلاث سنوات مع شهر شباط ، فإنه سيتوافق الآن مع كانون الثاني . إذ وُجد بالحساب أن الأشهر القمرية الاثني عشر تتحرك عبر السنة الشمسية مكملة دورة خلالها كل 32 سنة ، بحيث أن أي شهر من شهور السنة القمرية يدور دورة كاملة عبر السنة الشمسية كل 32 سنة ، ليمر بمختلف مراحل السنة الشمسية .

وفي " حساب الشهور عند اليهود " : يتبع التقويم العبري السنة القمرية ، لكن وفقا للأمر الإلهي - بزعمهم - يتم الحفاظ على السنة الشمسية حيث ذُكِر : " احتفلوا دائما بِفصح الرب إلهكم في شهر أبيب ، ففي هذا الشهر أخرجكم الرب إلهكم مِن مصر ليلا " .

ثالثا : دعوى عدم توافق السنة الشمسية والهجرية ..
وهذه لم يأتوا عليها بِدليل سوى النفي !
وهل تُرَدّ السُّـنَّة بِمثل هذه الظنون ؟!
وهل هذا مقتضى الطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ؟!

وهل غابت عقول أمة الإسلام طيلة القرون الماضية حتى جاء هذا المتحذلق لينتقد النصوص بهذه الطرية الفجّة ؟!
إن علماء السنة نَقَدوا المتون كما نقدوا الأسانيد ، وليس هذا مما انتقده الجهابذة الحفّاظ .

ثم إن المصادر المعاصرة تختلف - كما تقدم - حول طريقة اليهود في الحساب ، وهل هو بالسنة الشمسية أو بالسنة القمرية ؟
فإذا كان ذلك كذلك ، فلا معنى لهذا الاعتراض !

ولو قلنا بأن حساب اليهود بالتقويم الشمسي ، فإن تعاقب الأعوام لا يبعُد معه توافق الزمان ، في السنة الهجرية القمرية مع الشمسية .

رابعا : ما زعمه كاتب المقال أن صيامه شكرا بِنَجَاة بني أمية ! مِن ثورة الحسين ! واعتبار صيام ذلك اليوم بدعة أموية !

فهذا كله مِن ضلال الرافضة ، وما أحدثوه في يوم عاشوراء من نياحة وأحزان وضرب للأجساد بالسياط والسلاسل بل وبالسكاكين ! ولطم الوجوه .. إلى غير ذلك من أعمال لا تقبلها العقول فضلا عن الأديان !!

ولو افترضنا أن مَخْرَج الحديث مِن بني أمية لأمكن القائل الدخول من هذا الباب .. مع أنه ليس من أبواب النقد .. لكني أفترض ذلك جدلا !

فالحديث مَخْرَجه مِن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فراوي صيام يوم عاشوراء هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
وهو من آل البيت .
ففي صحيح مسلم من طريق حُصَيْن بْن سَبْرَة أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاء يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَال : أَمَّا بَعْدُ أَلا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ : أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ - فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ - ثُمَّ قَالَ : وَأَهْلُ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .
فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ؟
قَالَ : نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ .
قَالَ : وَمَنْ هُمْ ؟
قَالَ : هُمْ آلُ عَلِيّ وَآلُ عَقِيل وَآلُ جَعْفَر وَآلُ عَبَّاس .
قَالَ : كُلُّ هَؤُلاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

بل إن الراوي عن ابن عباس رضي الله عنهما رجل عُرِف بمنابذة بني أمية حتى قتله الحجاج ! وهو سعيد بن جُبير !
ورواه أيضا عبد الرزاق الصنعاني عن شيخه معمر .. إلى ابن عباس رضي الله عنهما .
وعبد الرزاق فيه تشيّع ، وليس له هوى لبني أمية حتى يُتّهم بممالأة بني أمية !

هذا من جهة .

ومن جهة ثانية فإن ما تزعمه الرافضة من فرح بني أمية من نجاتهم من ثورة الحسين باطل ، وذلك لِعدّة اعتبارات :
الاعتبار الأول : أن الرافضة هم سبب مقتل الحسين رضي الله عنه ، وهم من خذلوه .
وهذا ليس افتراء عليهم ، بل هذا نصّ ما نطقت به كُتبهم !
وكنت ذكرت طرفا من ذلك هنا :
الإجابات الْجَلِـيَّـة عن الشُّـبُهات الرافضية
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=34297

الاعتبار الثاني : أن معاوية رضي الله عنه قَدِم المدينة في يوم عاشوراء ، فلم يأمر بِصيام ذلك اليوم ! فبطلت دعوى الرافضة !
ففي صحيح مسلم من طريق حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ - يَعْنِي فِي قَدْمَة قَدِمَهَا - خَطَبَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ .

الاعتبار الثالث : أن الرافضة تعتبر خروج الحسين رضي الله عنه ثورة ! فهم يُثبتون أنه خَرَج على حُكّام عصره !
أما أهل السنة فإنه يتأدّبون مع الحسين رضي الله عنه ، ويعتذرون له في ذلك ، ولا يعتبرونه ثائرا ولا خارجا !
قال ابن الجوزي : فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ خَارِجِيًّا وَإِخْرَاجُهُ عَنْ الإِمَامَةِ لأَجْلِ صَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ؛ هَذَا مَا لا يَقْتَضِيه عَقْلٌ وَلا دِين . اهـ .
قَالَ أَبُو بَكْر الْخَلاّلُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي التَّوَقُّفِ فِي اللَّعْنَةِ فَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لا تَخْفَيْ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيَتْبَعُ قَوْلَ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ فَهُمَا الإِمَامَانِ فِي زَمَانِهِمَا ، وَيَقُولُ : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيّ ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ عَلِيًّا ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ . نقل ذلك ابن مفلح .

والرافضة تزعم أن صيام يوم عاشوراء بدعة ! وهم يُحدِثون فيه من البدع ما لا يُقرّه عقل ولا دِين ! بل إنهم يُحدِثون من المآتم والموالد طيلة العام ما يكثر عن الحصر في هذه العجالة !

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية