أبو يحيى النمري . من النمر بن قاسط . ويعرف بالرومي ; لأنه أقام في الروم مدة . وهو من أهل الجزيرة ، سبي من قرية نينوى ، من أعمال الموصل . وقد كان أبوه ، أو عمه ، عاملا لكسرى . ثم إنه جلب إلى مكة ، فاشتراه عبد الله بن جدعان القرشي التيمي . ويقال : بل هرب ، فأتى مكة ، وحالف ابن جدعان .

كان من كبار السابقين البدريين .

حدث عنه بنوه : حبيب ، وزياد وحمزة ; وسعيد بن المسيب ، وكعب الحبر ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وآخرون .

روى أحاديث معدودة . خرجوا له في الكتب ; وكان فاضلا وافر الحرمة . له عدة أولاد .

ولما طعن عمر استنابه على الصلاة بالمسلمين إلى أن يتفق أهل الشورى على إمام . وكان موصوفا بالكرم ، والسماحة -رضي الله عنه- .

مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين وكان ممن اعتزل الفتنة ، وأقبل على شأنه -رضي الله عنه.

قال الحافظ ابن عساكر : صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر ، أبو يحيى -ويقال : أبو غسان- النمري الرومي البدري المهاجري .

روى عنه بنوه ، وابن عمر ، وجابر ، وابن المسيب ، وعبيد بن عمير ، وابن أبي ليلى . وبنوه الثمانية : عثمان ، وصيفي ، وحمزة ، وسعد ، وعباد ، وحبيب ، وصالح ، ومحمد .

وذكره ابن سعد ، فسرد نسبه إلى أسلم بن أوس مناة بن النمـر بن قاسط ، من ربيعة . حليف عبد الله بن جدعان التيمي القرشي .

وأمه : سلمى بنت قعيد . وكان رجلاأحمر ، شديد الحمرة ، ليس بالطويل .

وذكر شباب نسبه إلى النَّمِر -بزيادة آباء ، وحذف آخرين . وكذا فعل أحمد بن البرقي .

عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال : كناني النبي -صلى الله عليه وسلم- : أبا يحيى .

عن صيفي بن صهيب عن أبيه ، قال : صحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يوحى إليه .

وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار ، عن أبيه : قال عمار : لقيت صهيبا على باب دار الأرقم ، وفيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فدخلنا ، فعرض علينا الإسلام : فأسلمنا . ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا ، فخرجنا ونحـن مستخفون .

روى يونس ، عن الحسن : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : صهيب سابق الروم .

وجاء هذا بإسناد جيد من حديث أبي أمامة وجاء من حديث أنس ، وأم هانئ .

قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأبو بكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب . . . مختصر .

قال أبو عمر بن عبد البر : كان أبو صهيب ، أو عمه : عاملا لكسرى على الأبلة ، وكانت منازلهم بأرض الموصل فأغارت الروم عليهم ، فسبت صهيبا وهو غلام ، فنشأ بالروم . ثم اشترته كلب ، وباعوه بمكة لعبد الله بن جدعان ، فأعتقه .

وأما أهله فيزعمون أنه هرب من الروم ، وقدم مكة .

مصعب بن عبد الله ، عن أبيه ، عن ربيعة بن عثمان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : خرجـت مع عمر حتى دخل حائطا لصهيب . فلما رآه صهيب ، قال : يا ناس، يا أناس، فقال عمر : ما له يدعو الناس ؟ قلت : بل هو غلام له يدعى يُحَنَّس . فقال له عمر : لولا ثلاث خصال فيك يا صهيب . . . الحديث .

الواقدي : حدثنا عثمان بن محمد ، عن عبد الحكم بن صهيب ، عن عمر بن الحكم ، قال : كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ، في قوم من المسلمين ، حتى نزلت : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا .

قال مجاهد : فأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعه عمه ، وأما أبو بكر فمنعه قومه . وأخذ الآخرون -سمى منهم صهيبا- فألبسوهم أدراع الحديد ، صهروهم في الشمس ، حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ ; فأعطوهم ما سألوا -يعني: التلفظ بالكفر- فجاء كل رجل قومه بأنطاع فيها الماء ، فألقوهم فيها ، إلا بلالا . الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ نزلت في صهيب ، ونفر من أصحابه ، أخذهم أهل مكة يعذبونهم; ليردوهم إلى الشرك .

أحمد في "مسنده" : حدثنا أسباط : حدثنا أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود ، قال : مر الملأ من قريش علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وعنده خباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ، فقالوا : أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل فيهم القرآن : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ إلى قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ .

عوف الأعرابي ، عن أبي عثمان : أن صهيبا حين أراد الهجرة ، قال له أهل مكة : أتيتنا صعلـوكا حقيرا ، فتغير حالك ! قال : أرأيتم إن تركت مالي ، أمخلون أنتم سبيلي ؟ قالوا : نعم. فخلع لهم ماله . فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : ربح صهيب، ربح صهيب ! .

يعقوب بن محمد الزهري : حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي حدثنا أبي وعمومتي ، عن سعيد بن المسيب ، عن صهيب ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أُرِيتُ دار هجرتكم سَبْخَة بين ظهراني حرَّة، فإما أن تكون هَجَر ، أو يثرب .

قال : وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة ، وقد كنت هممت بالخروج معه ، فصدني فتيان من قريش ، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد ، فقالوا : قد شغله الله عنكم ببطنه -ولم أكن شاكيا- فناموا ، فذهبت ، فلحقني ناس منهم على بريد . فقلت لهم : أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوني ؟ ففعلوا ، فقلت : احفروا تحت أسكفة الباب تجدوها ، وخـذوا من فلانة الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قباء فلما رآني ، قال : يا أبا يحيى ، ربح البيع، ثلاثا . فقلت : ما أخبرك إلا جبريل .

حماد بن سلمة : حدثنا علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، قال : أقبل صهيب مهاجرا ، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته ، ونثل كنانته ، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ، فإن شئتـم دللتكم على مالي ، وخليتم سبيلي ؟ قالوا : نفعل . فلما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ربح البيع أبا يحيى ! ونزلت : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .

وقال مصعب الزبيري : هرب صهيب من الروم بمال ، فنزل مكة ، فعاقد ابن جدعان . وإنما أخذته الروم من نينوى .

عبد الحكيم بن صهيب ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان ، عن صهيب ، قال : قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قباء ، وقد رمدت في الطريق وجعت ، وبين يديه رطب ، فوقعت فيه . فقال عمر : يا رسول الله : ألا ترى صهيبا يأكل الرطب وهو أرمد ؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لي ذلك . قلت : إنما آكل على شق عيني الصحيحة . فتبسم .

ذكر عروة ، وموسى بن عقبة وغيرهما : صهيبا فيمن شهد بدرا .

أبو زرعة : حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي جده ، عن صهيب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها .

حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن معاوية بن قرة ، عن عائذ بن عمرو: أن سلمان ، وصهيبا ، وبلالا ، كانوا قعودا ، فمر بهم أبو سفيان ، فقالوا : ما أخذت سيوفُ الله من عنق عدو الله مأخذها بعدُ . فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ؟ قال : فأخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال : يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم ، لقد أغضبت ربك . فرجع إليهم ، فقال : أي إخواننا ، لعلكم غضبتم ؟ قالوا : لا يا أبا بكر ، يغفر الله لك .

عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن حمزة بن صهيب ، عن أبيه ، قال : قال عمر لصهيب : أي رجل أنت لولا خصال ثلاث فيك ! قال: وما هن ؟ قال : اكتنيت وليس لك ولد ، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم! وفيك سرف في الطعام . قال: فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كناني أبا يحـيى ، وأنا من النمر بن قاسط ، سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام قد عرفت نسبي. وأما قولك في سرف الطعام ، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : خيركم من أطعم الطعام .

وروى محمد بن عمرو بن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه : أن عمر قال لصهيب : لولا ثلاث فيك ؟ وبعضهم يرويه بحذف "عن أبيه" وزاد : ولو انفلقت عني روثة لانتسبت إليها .

وحماد بن سلمة ، عن زيد بن أسلم : أن عمر قال لصهيب : لولا ثلاث خصال . قال : وما هن ؟ فوالله ما تزال تعيب شيئا . قال : اكتناؤك وليس لك ولد ; وادعاؤك إلى النمر بن قاسط ، وأنت رجل ألكن ؛ وأنك لا تمسك المال.... الحديث . وفيه : واسترضع لي بالأُبُلَّة فهذه من ذاك . وأما المال ، فهل تراني أنفق إلا في حق ؟ .

وروى سالم ، عن أبيه : أن عمر قال : إن حدث بي حدث فليصل بالناس صهيب ، ثلاثا ، ثم أجمعوا أمركم في اليوم الثالث .

قال الواقدي : مات صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين عن سبعين سنة . وكذلك قال المدائني وغيره في وفاته .

وقال المدائني : عاش ثلاثا وسبعين سنة .

وقال الفسوي: عاش أربعا وثمانين سنة -رضي الله عنه.

له نحو من ثلاثين حديثا . روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث .



المصدر.