السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ورفع الله قَدرك ورزقك ويسّر أمورك وفتح عليك فتوح العارفين وجزاك الله عنا كل خير
وأسأل الله أن ينوّر بصائرك ويوسّع عليك
(خرج ابن جرير الطبري في " تفسيره " من حديث أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارا وجهه ، حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل ، فقال : أين أنا ؟ فقال " في النار " فقام إليه آخر فقال : من أبي ؟ قال : " أبوك حذافة " فقام عمر فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا ، قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)
فما مقصود عُمَر - رضي الله عنه - بقوله ( والله أعلم من آباؤنا ) ؟
لأن بعض الروافِض يثيرون هذه القضية حول عُمر ؟
وجزاك الله عنا خير الجزاء
وجزاك بأفضل ما يجازي معلِّمَ دينه عن كل جاهل .



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

هذا حديث إسناده تالف ، بل هو مكذوب ، فإن مَدَاره على : عبد العزيز بن أبان الأموي .
قال عنه يَحْيَى بن مَعِين : كذّاب خبيث يَضَع الحديث .
وقال مرّة : ليس حديثه بشيءٍ ، كان يكذب .
وَقَال يعقوب بن شَيْبَة : وعبد العزيز بن أبان عند أصحابنا جميعا متروك، كثير الخطأ، كثير الغلط، وقد ذكروه بأكثر من هذا، وسمعت محمد بن عَبد الله بن نمير يقول: ما رأيت أحدًا أبْيَن أمْرًا منه ، وَقَال: هو كذاب .
وَقَال أبو حاتم : متروك الحديث، لا يشتغل به، تركوه لا يكتب حديثه .
وقَال البُخارِيّ : تركوه .
وقال النَّسَائي : متروك الحديث .
وَقَال في موضع آخر: ليس بثقة ولا يكتب حديثه .

فمثل هذا حديثه كَذِب ، أو ساقِط على أحسن الأحوال ، لا يُحتَجّ بِحديثه .

مع ما في الصحيحين مما يُخالِف هذا .
فقد روى البخاري ومسلم من حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا ، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَنْ أَبِي ؟ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ .

وأخْرَجَاه مِن حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاّ أَخْبَرْتُكُمْ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ ، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي . فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ .

فهذا هو الصحيح في القصة ، دون ما في القصة الباطلة التي يُروى فيها قول عمر رضي الله عنه : والله أعلم مَن آباؤنا .
وهكذا هم المبطِلُون وأهل الكذب والبُهتان : يستدلّون بِما هو كذب وباطِل ، ويتركون ما هو صحيح وواضح كالشمس .

ولو صحّ هذا اللفظ عن عمر رضي الله عنه ، فليس فيه نقص ولا يُحمْل على القَدْح والنقيصة ؛ لِعِدّة اعتبارات :
الأول : أن قول عمر – لو صحّ عنه - يُحْمَل على طلب رِضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومداراة غضب النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد فَعَل النبي صلى الله عليه وسلم ما يُشبِه هذا تطييبًا لِخاطِر رجل سأله .
فقد روى الإمام مسلم مِن حديث أَنَسٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ : فِي النَّارِ ، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ .

الثاني : لو كان هذا ثابِتا لَعُيِّر به عمر رضي الله عنه ، فالعرب كانت تُعيِّر بأدنى مِن هذا .
ولم يكن في نسب أحدٍ مِن الصحابة مَطْعَن ، وإلاّ لعيّرهم المشركون به .

الثالث : أن العرب كانت تحرص على أنسابها ، ولم يكن يدخل في أنسابها دَخَلا ولا غِشّا .

الرابع : أن أهل الجاهلية كانوا يستعيبون الزنا مِن الحرائر ، ولذا لِمَا بايَعت هِند رضي الله عنه وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة على النساء ، وكان فيها : " ولا يَزْنين " قالت هِند : أوَ تزني الْحُرّة ؟؟؟

الخامس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؛ فالطّعن في عمر رضي الله عنه طعن في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن طَرْف خَفِيّ .

السادس : أن الطعن في عمر تكذيب لِكبار الصحابة رضي الله عنهم ، ومنهم عليّ رضي الله عنه .
قال محمد بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما : قلت لأبي : أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أبو بكر . قلت : ثم مَن ؟ قال : ثم عمر . وخشيت أن يقول عثمان قلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلاَّ رَجُل مِن المسلمين . رواه البخاري .

وهذا مَدْح وتزكية مِن عليّ رضي الله عنه لِعُمر رضي الله عنه .

وأما طعن الرافضة في خيار الصحابة رضي الله عنهم ، ومنهم عمر رضي الله عنه ، فهو كما قال الشاعر :
إذا ساء فِعْل المرء ساءت ظنونه *** وصدَّق ما يَعتاده مِن تَوَهُّمِ

فالرافضة لَمّا خَبُثت أنسابهم ، بسبب سِفاد الْمُتْعَة ! طَعَنُوا في أعراض خيار عِباد الله ، وفي الأعراض النقية الطاهرة .
وإذا كان عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم منهم ومِن طعنهم ، أفيُظَنّ أن يسلم مِنهم ومِن طعنهم من هو دون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الْمَنْزِلة ؟؟

والرافضة تطعن في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وَتَتَّهِم عائشة رضي الله عنها بِما هي مِنه براء ، بل قد برّأها الله عزّ وَجَلّ مِن فوق سبع سماوات .
قال الله عزّ وَجَلّ : (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
قال ابن كثير : هَذِهِ الْعَشْرُ الآيَاتِ كُلُّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حِينَ رَمَاهَا أَهْلُ الإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِمَا قَالُوهُ مِنَ الْكَذِبِ الْبَحْتِ وَالْفِرْيَةِ الَّتِي غَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا وَلِنَبِيِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَرَاءَتَهَا ، صِيَانَةً لِعِرْضِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ . اهـ .

ولذلك أجْمع أهل السنة أن مَن طَعَن في عائشة رضي الله عنها واتّهمها بِما هي منه براء : أنه كافر .

قال الإمام ابن العربي القاضي المالكي ( متوفّى سنة 543 هـ) : وكُلّ مَن اتَّهَم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الْحُكْم فهو كَافِر .
وقال : إنَّ أَهْلَ الإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِالْفَاحِشَةِ ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ ، وَمَنْ كَذَّبَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ . فَهَذَا طَرِيقُ قَوْلِ مَالِكٍ . اهـ .

وقال الحافظ ابن كثير عن عائشة رضي الله عنها : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّها بَعْدَ هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ بَعْدَ هذا الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ ؛ لأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْقُرْآنِ . اهـ .

هذا هو حُكم الرافضة بإجماع أهل العِلْم .
ومَن طَعَن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يُستغرب منه ، ولا يُستبْعَد أن يطعن في عرض مَن هو دُون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وسبق :
النسخة الخنـزيرية
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=92833

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد