تنتشر فتوى منسوبة إلى أحد المشايخ ، مفادها : أنه يجوز لمن مُنع من دخول البيت أن يلبس ثيابه حتى يدخل ؟
وأنه يجوز ذلك بشرطين:
1- أن ينوي النسك في الميقات.
2- أن يلبس إحرامه مباشرة بعد زوال المانع .
وأنه ليس عليه كفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يذكر كفارة .



الجواب :
وهذا خطأ مِن وُجوه :
الوجه الأول : أنه قياس مع الفارق ، وقياس مع النص ، ومُخالِف للإجماع ، وكلاهما قياس ضعيف ، بل باطِل .
فالفارِق أن الذي أُذِن له بِلُبس الخفّين لا يَجِد النعلين ، ولو وَجَد العلين لَمَا أُذِن له بِلُبس الخفّين ، وهذا الذي أُذِن له بِلبس الثياب يَجِد الإحرام .

قال ابن قدامة : فَإِنْ لَبِسَ الْمَقْطُوعَ مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ . اهـ .

كما أن الذي يَلبس الخفّين عند عدم وُجود النعلين ، إنما يلبسهما لِلحاجة ، لا مِن أجل التحايل والكذب .

قال ابن قدامة : وَلَنَا، خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الإِبَاحَةِ، ظَاهِرٌ فِي إسْقَاطِ الْفِدْيَةِ؛ لأَنَّهُ أَمَرَ بِلُبْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً، وَلأَنَّهُ يَخْتَصُّ لُبْسُهُ بِحَالَةِ عَدَمِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ ، كَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ . فَأَمَّا الْقَمِيصُ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ ، وَيَسْتَتِرَ ، بِخِلافِ السَّرَاوِيلِ . اهـ .

وأما النصّ ؛ فقوله عليه الصلاة والسلام : لاَ يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ ، وَلاَ الْعِمَامَةَ ، وَلاَ الْبُرْنُسَ ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ . رواه البخاري ومسلم .
وهذا مُجْمَع عليه .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمَّصِ وَالْعَمَائِمِ وَالسَّرَاوِيلاتِ وَالْخِفَافِ وَالْبَرَانِسِ . اهـ .

وقال ابنُ عبد البر : كُلُّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مَا دَامَ مُحْرِمًا ، وَفِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقُمُصِ وَالسَّرَاوِيلاتِ وَالْبَرَانِسِ يَدْخُلُ الْمَخِيطُ كُلُّهُ ، فَلا يَجُوزُ لِبَاسُ شِيءٍ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلاَّ مَنْ شَذَّ عَنْهُ مِمَّنْ لا يَجِدُ خِلافًا عَنْهُمْ ، بَلْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ . اهـ.

الوجه الثاني : أن الخلاف جَرى : هل يَجب قطع الخفّين أوْ لا ؟
وبالقَطْع قال جمهور أهل العِلم ، فإن لبس الخفين من غير قطع لزِمته الفدية .
قال ابن قدامة : وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَقْطَعُهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، افْتَدَى . وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ . اهـ .

وإن كان الْمُرجَّح عند جَمْع مِن أهل العلم النسخ ، وأنهما لا يُقطَعان .
وما جرى فيه الخلاف ، لا يُقاس عليه ، ولا يُستَدَلّ به .
إذْ لا يُستدَلّ إلاَّ بأصل ثابت ، ولا يُقاس إلاّ عليه .
قال الإمام البخاري : بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا ، لِيُفْهِمَ السَّائِلَ .

الوجه الثالث : أنه لو قِيس على إزالة الأذى الواردة في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه – المتفق عليه – في فِدية كفارة الأذى ؛ لارتكاب محظور مِن محظورات الإحرام عمدا مع الحاجة إليه .
مع أن إزالة الأذى تختلف عن لبس الإحرام ؛ لأن تلك إزالة ، وهذه إضافة .
وإن كان القَدْر المشترَك بينهما : أنه فَعَل المحظور عَمدا .
ولذلك فرَّق جمع من العلماء بين المحظورات حال النسيان .
قال ابن قدامة : عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةً إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ .. ثم ذَكَر الخلاف ، ثم قال مُرجِّحا :
وَلَنَا أَنَّهُ إتْلافٌ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ . اهـ .

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد