فضيلة الشيخ عبد الرحمن - ؤفع الله قَدرك ووسّع الله عليك وآواك وكفاك وأغناك وكتب الله لك القبولَ عنده -
فضيلة الشيخ :
بالأمس أُقيم مهرجان سوق عكاظ وبدأ الحفل بصعود امرأة على المنصّة وإلقائها قصيدةً أمام الرِّجال، فقام أحد المحتسبين فأنكر عليها وأمرها بأن تنْزِل ولا تصعد هكذا أمام الرِّجال
فردّت عليه بقولها أنَّ الخنساء - رضي الله عنها - كانت تلقي شِعرها وقصائدها أمام النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ، وكان عليه الصلاة والسلام يستزيدها مِن الشِّعر ولم يُنكِر عليها ..
فما رأي فضيلتك بهذا القول ؟
وهل حقًا يجوز للمرأة أن تخرُج أمام الرِّجال وتلقي قصائدها أو أي كلمة لها بحُجّة فِعل الخنساء ؟
أسأل الله لك عظيم الثواب وجزيل الجزاء وسِعة الدارين ورفع الدرجات .



الجواب :
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

هكذا هي استدلالات الْمُبْطِلين على باطلهم .
والسؤال : هل ثَبَت أن الخنساء تُنشد الأشعار وتقول القصائد أمام الملأ ؟
ولو ثَبَت ، هل كانت الخنساء تَخْرُج مُتجمِّلَة مُتبرِجَة أمام الرِّجَال لتُلقي قصائدها ؟!
ولو قيل : إنها خرجت أمام الرِّجال ، فهل الزمان هو نفس الزمان ؟
وهل المكان هو نفس المكان ؟

والذي ذُكِر في سيرة الخنساء رضي الله عنها أنها كانت تقول الأبيات اليسيرة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عبد البر في سيرة الخنساء رضي الله عنها : قَدِمت عَلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قومها من بني سليم ، فأسلمت معهم ، فَذَكَرُوا أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يستنشدها فيعجبه شعرها ، وكانت تنشده ، وَهُوَ يقول : هيه يَا خُناس، أَوْ يومِي بيده . اهـ .

وهذا لا يثبت بإسناد يُحتَجّ به .
ومعلوم عند العلماء أن صيغة (ذَكَرُوا) صِيغة تمريض وتضعيف للقصة .

ولو ثَبتت القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنشدها ، فليس فيه دليل لعدّة اعتبارات :
الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بِمَنْزِلة الْمَحْرَم لِنساء الأمة ، فلا يكون غيره مثله ولا بِمَنْزِلته ، ولذا لم يكن شيء مِن ذلك في زمن الخلفاء الراشدين ، ولا فعله الصحابة رضي الله عنه ؛ ليُستَدلّ به على جواز إلقاء المرأة الشِّعر أمام الرِّجال .

الثاني : أن شِعر الخنساء لم يَكن شِعرا غَزَلِيًّا ، ولا كان شِعرا ، وإنما كان في الرثاء ، والشجاعة ونحو ذلك .

الثالث : أن ذلك لم يكن في مهرجانات وإحياء لِمناسبات جاهلية ، كما في سوق عُكاظ !
وقواعد الشريعة تمنع مِن إقامة مناشط دعوية ، ومِن الوفاء بِنذر في أرض كان فيها عيد مِن أعياد الجاهلية ، أو موسِم مِن مَوَاسِمِها .

الرابع : أن اختلاف الزمان مُعتَبَر شرعا ، ومُعتبَر عند العلماء ، فإنه إذا فَسَد الزمان ، وتغيَّرت أحوال الناس ؛ مُنِعوا مما لم يُمنَعوا منه مِن قَبْل .
وأصل هذا قول عائشة رضي الله عنها : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل . قال يحيى بن سعيد : قلت لِعَمْرَة : أو مُنِعْنَ ؟ قالت : نعم . رواه البخاري ومسلم .

فعلى هذا القول بأن (الحنساء كانت تلقي شِعرها وقصائدها أمام النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه) افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وعلى الخنساء ؛ لأن القائل يُقوِّلهم ما لم يَقُولُوا ، وَيَتَقَوَّل عليهم ما ليس بِثابِت عنهم .

وسبق :
ما حكم الذهاب إلى سوق عكاظ الموجود بالقُرب من مدينة الطَّائف ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=104526

ما حكم إلقاء الواعظ درسه للنساء من غير حائل ؟ وإشكالات حول ذلك ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=97438

هل أفتى أحد كِبار العلماء بأنَّ عورة المرأة أمام المرأة مِن السُّرة إلى الركبة ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=104719

هل يجوز الذَّهاب للسُّوق لأجل الـتَّـنَزُّه ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=100029

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد