الله يكرمك ويرفع قدرك ويوفقك وييسر أمرك ويذب عن وجهك النار ويعلي مقامك ويكفيك ويغنيك
هذه إحدى الأخوات عندها شبهة وأرسلت رسالة فقلت لها سأرسلها لفضيلة الشيخ ..
تقول :
ليه الشريعة بيد الرجل ؟ هل لأنه عاقل أو أنه متزن ؟
أو هل هناك ضمان بأن الرجل سوف يكون عدلا وفق الشريعة ؟ لماذا الرجل يستخدم الشريعة ضد المرأة وكسرها وحرق أعصابها ؟ يعني بمزاجه يرضى عليَّ !
واذا موضوع تدخل انتقام يكون حجته ان شريعة جاءت كذا ولا زم يطبقها ؛ والمسألة كلها قهر وغيظ للمسكينة !
ليه كل أمورنا تحت قدم الرجل ؟
من جد أبغى جواب . ليه بالنهاية المرأة ت تخسر حياتها وعمرها وشبابها من أجل أن الشريعة تحت رجل ؟ وهو مستغل الوضع لصالحه ؟
بعض الأوقات أختنق من هذا الموضوع وأشوف مستقبلي راح يضيع ويتحطم بسبب رجل صار عقبة بحياتي و بعض الأوقات أشوفه مثل ملك الموت هدام اللذات. حتى شخصيتنا أصبحت مهزوزة وصرنا نرضى للآخرين بالغلط من أجل فقط أنه يصرف علينا .



الجواب :
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

مِن الخطأ أن يُقال : إن الشريعة بيدِ رَجُل ؛ لأنها ليست في يدِه في الحقيقة ، وإنما جُعِل تنفيذ الأمور الكبيرة في الشريعة إلى الرجل ؛ لِمَا جَعَله الله عزّ وَجَلّ مِن قوّة وحَزْم في الرَّجُل غالبا .
ولذلك جُعِل بِيدِه عَقْد النكاح ، كما جُعِل عليه تبِعَة النفقة وتوفير السُّكْنَى ، ولم يُجعَل ذلك على المرأة ؛ لِمَا فيها مِن ضعفٍ غالبا ، ولأن لها وظائف في الحياة أهمّ مِن تدبير تلك الأمور .
فالحياة قائمة على التوازن ، لا على التناحُر !
فَلِكُلِّ جِنْس عَمَله ومهامّه التي لا يَقوم بها الجنس الآخَر .

وليس مِن مهامّ الرَّجُل المؤمن العاقل : التسلُّط على النساء ؛ لأن هناك فَرْقا بَيْن تنفيذ الأمور وتيسرها والقيام بها ، وبَيْن التَّسلُّط والأذى ، واستخدام تلك السُّلطَة لتحقيق رغباته ، أو نزواته !

ولذلك كانت الخيرية في الإحسان إلى المرأة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي . رواه الترمذي من حديث عائشة ، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس .

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ . رواه الإمام أحمد ، وصححه الأرنؤوط .

وحرَّم النبي صلى الله عليه وسلم الاعتداء على حقوق الضَّعَفَة ، فقال : اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين : اليتيم والمرأة . رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي في الكبرى .

وما أُوكِل إلى الرَّجُل ، فهو مما أوْجَبَه الله عليه ، لا مما جُعِل في يَدِه مِن أجل أن يتسلَّط على غيره ، كما هو الحال في شأن مَن تولّى أمْرا مِن أمور المسلمين .
فإذا أنْفق الرَّجُل على أهله ، فهذا مما أوْجَبَه الله عليه ، وليس تَكَرُّما وفَضْلا مِنه .

وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تُطعمها إذ طَعِمْت ، وتكسوها إذا اكتسيت - أو اكتسبت - ، ولا تضرب الوَجْه ، ولا تُقبِّح ، ولا تَهْجر إلاَّ في البيت . قال أبو داود : " ولا تُقَبِّح " أن تقول : قَبَّحَكِ الله . رواه أحمد وأبو داود ، وهو حديث صحيح .
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم عرفة ، فقال : ولَهُن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . رواه مسلم .

ولذلك جاءت طاعة الزوج مُقيَّدَه بالمعروف ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف . رواه البخاري ومسلم .
وقال عليه الصلاة والسلام : على المرء والطاعة فيما أحَبّ وكَرِه إلاّ أن يُؤمر بمعصية ، فإن أُمِر بمعصية فلا سَمْع ولا طاعة . رواه مسلم .

ولا يجوز لكلِّ أحَدٍ أن يَنسب أفعاله وتصرفاته إلى الشريعة ، فيَزْعُم أنه يفعل ما يَفعل وِفق الشريعة ، ولا أنّ الشريعة أمَرَتْه بذلك ؛ لِعِدّة أسباب :
الأول : أن تسلّط الرجل على المرأة ، ليس مما جاءت به الشريعة .
الثاني : أنه قد يُبغِّض الناس في الشريعة بسوء تصرفاته .
الثالث : أنه قد يتّخِذ الشريعة ذَرِيعة للظُّلْم والعُدوان ؛ فيكون نسب الظُّلْم إلى الله وإلى مَن جاء بالشريعة السًّمْحَة عليه الصلاة والسلام .
الرابع : أنه قد يوافِق الشريعة في تصرفه ، وقد يُخالفها ؛ لأنه لا عِصْمَة لأحدٍ بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْن فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لا . رواه مسلم .

قال ابن القيم رحمه الله في كلام نفيس :
لا ينبغي أن يُقال : هذا حُكم الله ، وقد نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أمِيرَه بُرَيدة أن يُنـزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله ، وقال : فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك .
فتأمل كيف فَرَّق بَيْن حُكم الله وحُكم الأمير الْمُجْتَهد ، ونَهى أن يُسَمَّى حُكم الْمُجْتَهِدين حُكم الله ، ومِن هذا لَمَّا كَتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حُكْما حَكَم به ، فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر ، فقال : لا تَقُل هكذا ، ولكن قُل : هذا ما رَأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وقال ابن وهب : سَمِعْتُ مَالِكًا يقول : لم يكن مِن أمر الناس ولا مَن مضى مِن سَلَفنا ولا أدركت أحدا اقْتَدِى به يقول في شيء : هذا حلال وهذا حرام ، وما كانوا يجترئون على ذلك ، وإنما كانوا يقولون : نَكْرَه كذا ، ونَرى هذا حسنا فينبغي هذا ، ولا نرى هذا ، ورواه عنه عتيق بن يعقوب وزاد : ولا يقولون : حلال ولا حرام ، أما سَمِعْتَ قول الله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْق فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) الحلال ما أحَلّه الله ورسوله ، والحرام ما حَرَّمه الله ورسوله ، وقد يُطلق لفظ الكراهة على الْمُحَرَّم .
قلت : وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ، وأطلقوا لفظ الكراهة ، فنفى المتأخِّرون التحريم عما أطْلَق عليه الأئمة الكراهة ، ثم سَهل عليهم لفظ الكراهة وخفّت مُؤنته عليهم ، فَحَمَله بعضهم على التنْزِيه ، وتجاوَز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا كثير جدا في تصرفاتهم ، فحصل بسببه غَلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة . اهـ .

وخِتام القول : أن يَتذكَّر الرَّجُل أنه مسؤول عما يقوله ويفعله ، وأنه لا يجوز له أن يتسلَّط على المرأة .
وأن تتذكَّر المرأة أنها مأمورة بِطاعة زوجها بالمعروف ، وأن صبرها عليه أجْر وغنيمة ، ما لم تُكثر الشكوى ، وما لم تتضجَّر ؛ لأن هذا مما يُذهِب أجرها ، أو يُضعِفه ، وربما كسبت الإثم بسبب كثرة الشكوى .

وسبق :
لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن..
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=21795

هل للمرأة كامل الحرية في التصرف بمالها دون إذن زوجها ؟
http://almeshkat.net/index.php?pg=qa&ref=418

ما هى الأشياء التى يجب على الزوج أن ينفق فيها على زوجته ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=538901

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد