بسم الله الرحمن الرحيم
جزاك الله خيراً على جهدكم شيخنا الجليل
هذه الشبهة مع الأسف لها بين العلمانيين وبعض جهلة العوام صدىً شديد وهي : ما الذي يضمنُ لنا أن الكتب التي تزعمون أنها كتب الأحاديث كالبخاري ومسلم والسنن الأربعة لم تتناولها أيدي المحرفِّين ودسّ فيها ما ليس منها على مر العصورِ والأزمان المتطاولة ؟



الجواب :
وجزاك الله خيرا

قائل هذه المقولة يجهل أو يتجاهل عِدّة أمور :

أولها : الجهود المذبولة لِحفظ السنة .
وثانيها : أن الله تكفّل بِحفظ السنة ، كما تكفّل بِحفظ القرآن .
وثالثها : أن السنة داخلة في عموم الذِّكْر ، وأنها وَحْي ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه ، وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .
وفي رواية : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه . رواه الإمام أحمد .
وقديما كُذِب على سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم ، وكان من أغراض الكذّابين تشويه الدِّين ، وتلبيسه على عامة المسلمين ..
فحفِظ الله دِينه ، وكشَفَ أمر الكذابين .
قيل لابن المبارك في هذه الأحاديث الموضوعة قال : يعيش لها الجهابذة .

وأما بخصوص كُتُب السنة ، كالصحيحين والسُّنَن والمسانيد وغيرها من دواوين الإسلام ، فإنها محفوظة ، والذي يضمن أنها لم يدخلها التحريف عِدّة أمور :
الأول : أن الله تكفّل بِحفظ السنة كما تكفّل بِحفظ القرآن .
والسنة وحي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )

الثاني : أن تلك الكُتُب رُوِيَت بالأسانيد عن مؤلِّفِيها ، فكان كل إمام مُصنِّف له عِدّة رُواة ، فكانت تلك الكُتُب تُروى بالأسانيد ، كما كانت تُكتب وتبلغ الآفاق ، فلو تمّ تحريف بعض نُسَخ تلك الكُتب لكان من المستحيل أن تُحرّف كل نُسَخ الكِتاب في العالَم .

الثالث : أن تلك الكُتُب كانت تُحفَظ وتُدرَّس ، فلو افترضنا تحريف نُسخَة من تلك الكُتُب لكان الْحَفَظَة بالمرصَاد .

الرابع : أن العلماء كانوا يُميِّزون بين الصحيح والسقيم ، وكانوا يَنقُدُون المتون كما يَنقُدون الأسانيد .
فكانوا يُميِّزون بين ما هو اصيل وبين ما هو دَخِيل .

الخامس : أن أصول تلك الكُتُب موجودة في مكتبات مختلفة الأقطار ، ففي ألمانيا وفي فرنسا وفي بلاد المشرق والمغرب توجد آلاف المخطوطات التي تُثبت صحّة تلك الأصول .
ولو تمّت المطابقة بين مخطوط له ألف سنة أو أكثر لَما زاد حرفا عن تلك الكُتب التي بأيدينا .

السادس : أن تلك الكُتُب قد نُقِل أكثر أحاديثها في كُتُب الفقه والتفسير والأصول وغيرها ، بالإضافة إلى وُجود كُتب الشروخ لأغلب تلك الكُتب ، وأكثر نصوص تلك الكُتُب نُقلت أيضا في كُتب الشروح ، بل وضُبِطت نصوص تلك الكُتب وشُرِح غريبها ، في كُتب الشروح ، وفي كُتب غريب الحديث .
بالإضافة إلى الكُتب التي تم عملها على تلك الكُتب مما يُعرَف بـ " الْمُسْتَخْرَجَات " ، فقد اسْتُخرِجت نصوص الكُتب الأصلية في " الْمُسْتَخْرَجَات " بأسانيد لِصاحب الْمُسْتَخْرَج ، فكأن تلك " الْمُسْتَخْرَجَات " مُستودعات وخزائن لتلك الكُتب .
ومثلها مُخْتَصَرات تلك الكُتب ، والتي أبْقَت على مُتون تلك الكتب .
وكذلك الكتب التي جَمَعت بين بعض الكُتُب ، مثل : الجمع بين الصحيحين .
ومثلها الكُتب التي يَذكر أصحابها روايات الكُتب الأخرى ، مثل : الْمُجاميع والجوامع .
وعلى سبيل المثال : جامع الأصول لابن الأثير ، فقد جَمَع نصوص الكُتُب التي جَمعها مُبوّبة على الكُتب الفقهية .
ومثلها : شرح السنة للبغوي ، فإنه يذكر كثيرا بعد ذِكْر الحديث من أخرجه من أصحاب الكُتب خاصة إذا كان الحديث في الصحيحين .
وكذلك البغوي في السنن الكبرى ، فإنه يصنع مثل ذلك .
ومثلها الكُتب التي رتّبت بعض الكثتب على غير ترتيبها الأصلي ، فربما رُتّبت بعض الكُتب على المسانيد ، فيأتي من يُرتِّبها على الأبواب الفقهية . والعكس .

كل ذلك يؤكِّد أن الله تكفّل بِحفظ السنة ، كما تكفّل بِحفظ القرآن ، وأنه يستحيل تحريف نصوص الوحيين .

والله تعالى أعلم .


المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد